• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : المكاسب المحرمة (1434-1435هـ) .
              • الموضوع : 141- مناقشة كلام للشيخ في مطارح الانظار ـ تحقيق : ان الإجماع ليس على الملازمة بين الحسن والوجوب او القبح والحرمة ، بل بين الوجوب العقلي والشرعي والحرمة العقلية والشرعية ـ كلام السيد الوالد والخوئي : الملازمة بالمعنى الأخص بين الوجوب والحرمتين .

141- مناقشة كلام للشيخ في مطارح الانظار ـ تحقيق : ان الإجماع ليس على الملازمة بين الحسن والوجوب او القبح والحرمة ، بل بين الوجوب العقلي والشرعي والحرمة العقلية والشرعية ـ كلام السيد الوالد والخوئي : الملازمة بالمعنى الأخص بين الوجوب والحرمتين

 بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم 
موجز البحث الماضي 
 
كان الحديث حول الاستدلال على حرمة الكذب بقول مطلق بدليل العقل وقاعدة الملازمة، وانه مادام الكذب قبيحا عقلا فهو حرام شرعا ؛ وذلك لأنه كلما حكم به العقل حكم به الشرع، وقد مضت جوانب من الكلام عن هذه القاعدة، وبينا كذلك دعوى الشيخ الانصاري بوجود الإجماع المركب والبسيط والمنقول والمحصل عليها، وكذلك ذكرنا كلام هداية المسترشدين في استقرار المذهب على قاعدة الملازمة، 
 
ثم بدأنا بمناقشة ذلك فقلنا: انه لا ملازمة بين حكمي العقل و الشرع؛ إذ توجد أنواع عشرة للقبح، وبعض هذه الأنواع لا تلازم الحرمة، هذا أولا,وثانيا ذكرنا بان البعض الآخر من الأنواع مشكك ذو درجات، والملازمة ثابتة في بعض درجات القبح من هذه الأنواع بينها وبين حكم الشارع بالحرمة حتى في الاقتضاء الذاتي والانبغاء، وثالثا بينا بأن الأمر كذلك حتى في المصلحة والمفسدة فانه وان كانت الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد في المتعلقات إلا أن هذه المصلحة والمفسدة هي أيضا على درجات ولا تقتضي كل الدرجات الحرمة والوجوب, ورابعا: لو سلمنا بكل ما مضى فانه يبقى الكلام في الانطباق والتطبيق، هذا ما مضى. 
 
تقييد الشيخ الأنصاري للحسن بكونه على وجهٍ يستحق فاعله الثواب 
 
ونذكر عبارة أخرى للشيخ الأنصاري في مطارح الأنظار([1]) حيث يقول: (فان العقل إذا أدرك حسن الشيء على وجهٍ([2]) يستحق فاعله الثواب وجزاء الخير فقد أدرك من كل عاقلٍ حكيمٍ شاعرٍ فكيف بمن هو خالقهم؟ وكذلك إذا أدرك قبح الشيء كذلك. ولعمري ان الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع بهذا المعنى مما لا يقبل الإنكار، فكأنها نار على منار) انتهى. 
 
مناقشة كلامه: الكلام ليس تاماً لأنه من الاستدلال بالأعم 
 
ولكن قد يورد عليه: 
 
إن فاعل المستحب كصلاة الليل يستحق الثواب أيضا – وهذا مثال شرعي – وكذا فاعل الإحسان – وهو مثال عقلي – يستحق الثواب أيضا ؛لان حسن الإحسان من المستقلات العقلية بلا شك, فلو أحسن شخص الى شخص فانه يستحق الثواب وجاحده يعد فاعلا للقبيح بلا شك، ولكن الإحسان ليس بواجب، 
 
وعليه: فان استحقاق الشخص الثواب وجزاء الخير على فعل حسن اعم من كونه واجباً إذ قد يكون مستحباً وكذلك الحال في استحقاقه الذم والعتاب فهو اعم من الحرمة والكراهة([3]) فلا تتم قاعدة الملازمة حتى مع هذا القيد فتأمل([4]) 
 
رفع التوهم: تحديد محل الملازمة يدفع توهم انعقاد الإجماع عليها 
 
والظاهر إن دعوى الشيخ الأنصاري ومن تبعه الإجماع على قاعدة الملازمة بين حكم العقل بالحسن أو القبح وحكم الشرع بالوجوب أو الحرمة غير تامة، ولعل مكمن الخلل عدم ملاحظة مرجع الضمير في (به)، فانه الذي اوجب الوهم واللبس عندهم وذلك هو ما حدث حتى في كلام بعض المتأخرين فإننا تتبعنا كلمات العديد منهم فوجدنا الخلط واللبس في نفس المورد، فان ههنا كبريين: أولاهما "كلما حكم به – اي بوجوبه – العقل حكم بوجوبه الشرع" وهذه الملازمة تامة([5]), وثانيهما: كلما حكم به – أي بحسنه - العقل حكم بوجوبه الشرع، وهذه ليست بصحيحة ولعل منشأ وجذر الخلط عندهم هو أن الأعلام انطلقوا من مبحث التحسين والتقبيح العقليين ثم فرعوا هذه القاعدة، فجعلوا التحسين والتقبيح العقلين صغرى كبرى قاعدة الملازمة, أي ان هناك ما هو حسن او قبيح ثبوتا وهذا مما يستكشفه العقل، ثم ينتقل الى الكبرى وهي: كلما حسنه العقل أوجبه الشرع، وهذا هو سبب الخلط. 
 
ودليلنا على ذلك([6]) هو نفس العبارات التي نقلها الشيخ الانصاري للاستدلال على الإجماع المدعى من قبله, فان بعضها شاهد على عكس ما ادعاه، إذ هي صريحة أو ظاهرة في الملازمة بين الوجوبين والحرمتين, أي: ان الحرمة العقلية تستلزم الحرمة الشرعية وكذا الوجوب، فمثلاً ذكر الشيخ([7]): " ومما يعد من الوجوه الدالة على ثبوت الملازمة الواقعية بين حكم العقل والشرع، الإجماع بأقسامه نقلا وتحصيلا مركبا وبسيطا, أما الإجماع البسيط فيكشف عن تحققه أمور منها ما عزى الأستاذ الى الشيخ في العدة من انه لا خلاف في ان كل محظور عقلي فهو محظور شرعي" انتهى، 
 
وهذه عبارة الشيخ في العدة، وكما هو واضح فان دعواه عدم الخلاف على التلازم بين المحظور العقلي والشرعي وهذا مما لا شك فيه، فالتلازم ثابت بين الحرمتين والوجوبين. 
 
رأي علمين حول كبرى الملازمة: 
 
ونذكر رأي علمين في المقام حول كبرى الملازمة([8]) وهما : 
 
كلام السيد الوالد في الأصول([9]) 
 
فقد ذكر السيد الوالد في اصوله حيث يقول: " ثم العقل يدرك المصلحة والمفسدة وما يتبعهما من الحسن القبح([10]) فإذا أدرك احدهما بدون مزاحم مع المنع من النقيض([11]) تحقق الوجوب والحرمة " انتهى فقد بين الوالد مورد قاعدة الملازمة في رأيه وهو الحق ثم يقول: " وإلا فالاستحباب و الكراهة وإلا فالإباحة، لتبعية الأحكام لهما عند العدلية " انتهى 
 
كلام السيد الخوئي في المصباح([12]) 
 
وأما السيد الخوئي فقد ذكرفي مصباحه: " فتارة يدرك العقل ما هو في سلسلة علل الأحكام الشرعية([13]) من المصالح والمفاسد وهذا هو مورد قاعدة الملازمة فلو أدرك مصلحة ملزمة([14]) في عمل من الأعمال وأدرك عدم وجود مزاحم لتلك المصلحة علم بوجوبه الشرعي لا محالة" انتهى، 
 
إذن: يرى السيد الخوئي ان مورد قاعدة الملازمة ليس مطلق المصلحة والمفسدة([15]) بل ما كانت مع قيودٍ بان يعلم بعدم وجود مزاحم وكذلك بان يعلم بان هذه المصلحة ملزمة، ومع هذين القيدين العقل يستكشف حكم الشرع. 
 
نتيجة البحث: 
 
ان ما ذكرناه من هذه البحوث كلها توضح لنا مدى صحة الاستدلال بالعقل على حرمة الكذب وغيره فان الشيخ ارتأى بان الأدلة الأربعة ومنها العقل تدل على حرمة الكذب وقال جمع بان العقل يحكم بقبح الكذب فيلزمه ان يحكم الشرع بحرمته, لكن هذا هو موطن النقاش إذ لا تلازم بين مطلق القبح والحرمة, والصحيح هو: ان العقل لو حكم بحرمة الكذب لحكم به الشرع أيضا. 
 
وصلى الله على محمد واله الطاهرين 
 
 
([1]) مطارح الأنظار ج 2 ص 340. 
 
([2]) وهنا نجد الشيخ يقيد بقيد فقد يتوهم ان هذا القيد يدفع ما مضى من إشكالاتنا عليه 
 
([3]) فتكون الإشكالات السابقة تامة وغير منتقضة 
 
([4]) لاحتمال ان مقصود الشيخ: (ان العقل لو أدرك حسن الشيء على وجه... لأدرك ان الشرع أيضاً يراه حسناً على نفس ذلك الوجه) ولا يقصد: لأدرك ان الشرع يراه واجباً فتأمل إذ لعله خلاف ظاهر سائر كلمات الشيخ وعلى أية حال لو كان هذا مراده فانه تام لكنه أجنبي عن قاعدة الملازمة التي تعدّ في علم الأصول من الأدلة على الحكم الشرعي فتدبر جيداً. 
 
([5]) وكلما حكم العقل بحرمته أيضا حكم الشارع بحرمته 
 
([6]) أي على ان الكبرى الأولى هي المجمع عليها لا الثانية. 
 
([7]) مطارح الأنظار ج2 ص371. 
 
([8]) كون الرأيين من حيث الناتج النهائي متوافقين مع ما ذكرناه وتوصلنا إليه عبر المباحث الماضية، وإن كانت هناك وجوه للاختلاف بيننا وبينهما ظهرت أيضاً مما مضى فتدبر. 
 
([9]) الأصول المجلد2 ص 34 
 
([10]) وقد تاملنا في حصر منشأ الحسن والقبح بهما. 
 
([11]) وهذه عبارة أخرى عن عبارة الشيخ في العدة والفرق بالإجمال والتفصيل. 
 
([12]) مصباح الأصول ج2 – ص26 
 
([13]) وسنوضح ذلك لاحقا. 
 
([14]) وهذا قيد احترازي. 
 
([15]) أو الحسن والقبح التابع لها.

  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=163
  • تاريخ إضافة الموضوع : الاثنين 1 ذو الحجة 1434هـ
  • تاريخ الطباعة : 2025 / 02 / 23