• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : الفوائد والبحوث .
              • الموضوع : 209- مباحث الاصول -الفوائد الأصولية (الدليل العقلي) (2) .

209- مباحث الاصول -الفوائد الأصولية (الدليل العقلي) (2)

الفوائد الأصولية

( الدليل العقلي)

جمع واعداد: الشيخ عطاء شاهين

الفائدة الثانية: التدقيقات العقلية ممدوحة بشرط أن لا تصطدم بالظاهر القرآني وبعد  مراجعة الروايات، وأما حكم العقل القطعي إذا اصطدم بالظاهر القرآني فإنه يقدم عليه لأنه يصرفه عن ظهوره.
هناك أطراً ترسم العلاقة بين الظاهر القرآني وبين التدقيقات العقلية، فمن هذه الأطر:
الإطار الأول: أن لا تصطدم الدقة العقلية، وكذا التشقيقات والتفريعات والاستنباطات [1]  بالظاهر القرآني ، وهذا أمر أساسي ورئيسي [2] كما لا يخفى.
وقلنا: إنه يجب أن لا تصطدم الدقة العقلية بالظهور القرآني، ولم نقل: (أن لا يصطدم حكم العقل بالامتناع مع الظاهر القرآني) لأنّ حكم العقل القطعي لو كان كذلك لتقدم على الظاهر القرآني دون شك، ولأتضح منه عدم إرادته ظاهراً، كما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [3].
والحاصل: أنه تارة يحكم العقل بالامتناع، فيقدم حكمه على الظاهر القرآني، ويصرفه عن ظهوره دون ريب، وتارة أخرى لا يحكم العقل بالامتناع، وإنما يتوغل ويستنطق النصوص بتدقيقات مختلفة فهذا له صورتان، والجامع: أنّ ذلك مسموح به، بل وممدوح، ولكن بشروط منها ما ذكرناه من كون ذلك في إطار الظاهر ، وإلا فلا.
الإطار الثاني: أن تكون هذه الدقة العقلية والاستنباطات بعد مراجعة الروايات والنصوص وفي إطارها، إذ قد يكون فيها ما يردّ بعضها فلا تقبل حينئذٍ [4] [5].
بحث تطبيقي :
في قوله تعالى  ﴿ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾  [6] فهل المراد منه  اجتنبوا القول الزوري، أي المعنى الاسم مصدري، أي الناتج من هذا القول ؟ ولو كان الأمر كذلك فسنكون من الموسعين للاستدلال بهذه الآية.
فنقول : ما نحن فيه [7] ـ أي: البحث الدقي الذي ذكرناه في المصدر واسمه ـ هو صغرى لهذه الكبرى، فإنه بحسب الأدلة التي سقناها [8] تبين أنّ المراد هو اسم المصدر لا المصدر، والمستظهر أنّ هذه الدقة العقلية مطابقة للظاهر القرآني، وأنها تدور في إطاره، وهي مجرد تحليل له, وتوضيح في قالب اصطلاح، فقد استظهرنا أن ظاهر (اجتنبوا) هو الاجتناب عن مطلق ما يتعلق بقول الزور من التقلبات [9]، وحيث استظهرنا ذلك فإننا بعد ذلك نحلل ونقول: إن ّ هذا الظاهر ينطبق على اسم المصدر.
والمتحصل: إنّ هذه الدقة قد انتزعت من الظاهر وكانت تحليلاً له، بل نتيجة له، وهي في إطاره ولم تصطدم به.
هذا كله في غير المعصومين عليهم السلام، وأما فيهم فإنّ مطلق كلام المعصوم (عليه السلام) ومختلف تأويلاته وتشقيقاته وتدقيقاته - حتى لو لم تكن في إطار الظاهر -  فهي حجة وصحيحة وتامة؛ وذلك لأنّ الأئمة عليهم السلام  هم من نزل القرآن في بيوتهم، وهم الأعلم بمرادات الشارع وبظهورات القرآن، وبطونه وسائر أسراره، فإنّ الله تعالى عندما أنزل القرآن ضمنه علوم الكون بأكمله [10] ، وأودعها في صدر رسوله المصطفى صلى الله عليه وآله، ثم في صدور الأئمة الأطهار عليهم السلام ، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [11] ، وقال رسول الله (صلى الله عليه واله): ( أنا مدينة العلم وعلي بابها )[12]، ولتفصيل الاستدلال مجال آخر [13].
 
الفائدة  الثالثة: العقل تارة يحكم بالحسن مع المنع من النقيض، وأخرى يحكم بالحسن مع عدم المنع من النقيض، وحكم الفقيه على الأول يكون الزامياً وعلى الثاني ارشادياً.
إن العقل له نوعان من الأحكام :
النوع الأول: الحكم بالحسن مع المنع من النقيض ، كالعدل،  فالعقل يحكم بحسنه ويوجبه على كل حال.
النوع الثاني: الحكم بالحسن مع عدم المنع من النقيض  ،كالصدق وكذا الإحسان ؛ فالعقل يحكم بحسنه لكن لا يوجبه على كل حال [14] .
بحث تطبيقي:
إذا أفتى الفقيه بعدم تمامية الدليل على جزئية جلسة الاستراحة، أو عدم وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، ثم قال: الأحوط استحباباً الإتيان بها ،أو به؛ فهنا إذا قلنا: إن هذا الاستحباب عقلي فإنه يعني كونه مجرد استحسان عقلي [15]، أي أن العقل يحكم بحسنه من غير منع من النقيض ،وحينئذ يكون رأي الفقيه في الرسالة العملية صرف مرشد، أي أنه خرج عن كونه مفتياً ؛وإنما يرشدنا إلى حكم عقلي؛ فقد خرج عن المسألة الشرعية الفرعية إلى ارشاد عقلي إلى مسألة أصولية، وهي أن الاحتياط حسن عقلاً ، وأن هذه صغرى لتلك الكبرى، وهذه نتيجة مهمة في تشخيص أن الفقيه يقول بهذا الاحتياط بما هو مرجع أو بما هو مرشد [16].
بحث تطبيقي آخر:
إذا أفتى الأعلم واحتاط استحباباً فهل يجوز الرجوع للمفضول ؟
والجواب: لا يجوز  ؛ لأن الفرض أن فتوى الأعلم مانعة عن الرجوع والعدول للغير؛ وتلك المانعية لا لقوله بعدم جواز الرجوع للمفضول وإلا للزم الدور ؛ بل لاستقلال عقل المكلف [17]  أو بناء العقلاء [18] : أنه مع وجود الأعلم كيف ترجع إلى للمفضول؟
وعلى هذا، فإذا قال الأعلم : بحرمة ذلك، ولكن المكلف استقل عقله أو اعتمد على بناء العقلاء بجواز الرجوع للمفضول ، وأن الرجوع للأعلم راجح لكن لا إلى حد المنع من النقيض ؛ فإنه لو عمل برأي المفضول لكان معذوراً ؛ لا كما قد يتوهم من أن قول الأعلم هو الحجة في عدم جواز الرجوع للمفضول ؛ بل لاستقلال العقل ؛ لأن أصل مسألة جواز العمل ( بالاجتهاد والتقليد والاحتياط ) مسألة عقلية.
اللهم إلا إذا حصل للمكلف القطع من كلام الأعلم فهنا القطع حجته ذاتية ؛ فإنه حجة حتى لو حصل القطع من كلام طفل صغير فرضاً.
وخلاصة المسالة : أن سبب عدم جواز الرجوع للغير هو: أن هذا الفقيه أفتى والفتوى مانعة، ولكن لا لقول الأعلم بالمانعية بل لبناء العقلاء لو تم ، ومختارنا أنه لا يتم ؛ بل نرى أن بناء العقلاء على التخيير بين الرجوع للأعلم أو غيره ، وإن كان قول الأعلم ذا مزية لكونها بحد الرجحان الندبي لا أكثر [19].


-----------
[1] عقلية كانت أو فلسفية أو كلامية أو أصولية أو منطقية، أو حتى فيزيائية أو كيماوية أو غيرها.
[2] وهناك شروط أخرى.
[3] سورة الفتح: 10.
[4]  وللحديث تتمة، بل تتمات ولكن هذا المقدار كافٍ في المقام.
[5] حفظ كتب الضلال: ص233.
[6] سورة الحج:30.
[7] التحقيق عن اسم المصدر مندرج في هذا الإطار.
[8] انظر حفظ كتب الصلال: ص 219 .
[9] وهي الأدلة الأربعة التي قبلناها.
[10] فإنه لا يعقل ذلك إلا بالبطون ـ وبوجوه أخرى ـ فتكون من قبيل تعدد الدلالات في بحث مفصل، وقد ذكرنا كيفية أن القرآن الكريم تضمن كافة العلوم بصورة لا متناهية، وذكرنا له وجوهاً عشرة في بعض كتبنا المخطوطة.
[11] بضميمة الروايات الدالة على أن الإمام المبين هو أمير المؤمنين عليه صلوات المصلين وسائر الأئمة الطاهرين صلوت الله عليهم أجمعين.
روى الشيخ الصدوق في الأمالي: 235 عن أبي الجارود، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) ، قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه واله)﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾ قام رجلان من مجلسهما، فقالا: يا رسول الله، هو التوراة؟ قال: لا، قالا: فهو الإنجيل؟ قال: لا، قالا: فهو القرآن؟ قال: لا، قال: فأقبل أمير المؤمنين علي، فقال رسول الله (صلى الله عليه واله): هو هذا، إنه الامام الذي أحصى الله تبارك وتعالى فيه علم كل شيء.

[12] الأمالي، الطوسي: 577.
[13] حفظ كتب الصلال: ص 235.
[14] الاجتهاد  والتقليد: ص 525.
[15] الاستحسان اللغوي  ، وليس الاستحسان الأصولي الذي هو في قبال القياس.
[16] الاجتهاد والتقليد:ص533.
[17] على فرضه.
[18] على فرضه أيضاً.
[19] الاجتهاد والتقليد:  ص536.


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=2844
  • تاريخ إضافة الموضوع : 4 صفر 1439هـ
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 12 / 15