• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : الفوائد والبحوث .
              • الموضوع : 230- مباحث الاصول: (مقدمة الواجب) (2) .

230- مباحث الاصول: (مقدمة الواجب) (2)

مباحث الاصول

(مقدمة الواجب)

جمع واعداد: الشيخ عطاء شاهين

الفائدة الثالثة: المثوبة تجري على المقدمات وذيها  لبناء العقلاء ولظواهر الآيات والروايات ، ولا يضر النقض بعدم استحقاق العقاب على مقدمات الحرام  على القول به ؛ لتفضل  المولى على ذلك ؛ و للفرق بين مقدمة الحرام والحلال .
إن بناء العقلاء على المثوبة على المقدمات وليس على ذي المقدمة فقط، ولذا يستحق العبد الثواب الأكثر كلما كانت مقدمات العمل أكثر وأصعب.
لا يقال: هو على ذي المقدمة لانطباق عنوان (الأحمز) عليه [1].
إذ يقال: إننا نجد من أنفسنا المثوبة على نفس المقدمة وإن كان الداعي هو الرغبة في ذيها، أرأيت أن المولى لو أمر عبده بإنقاذ ولده من أيدي الأعداء فتجشم العبد العناء في التخطيط لذلك وأعد العدة من رجال وسلاح وغير ذلك فإنه يستحق على هذه المقدمات المثوبة دون شك.
لا يقال: نلزمكم بعدم صحة القول  باستحقاق العقاب على مقدمات الحرام ، ومساقهما واحد.
إذ يقال: أولاً: لنا أن نلتزم باستحقاق العقوبة على مقدمات الحرام وعدم عقاب الشارع  فضل، لذا نرى العقلاء يرتبون العقاب على نفس الشروع في مقدمة الحرام، فإنه وإن كان بلحاظ الحرام [2] لكن  العقوبة على المقدمة نفسها، فلو رأى المولى عبده ذاهباً للسوق ليشتري السم ليضعه في طعامه فإنه يعاقبه ـ ويحسن له أن يعاقبه ـ ويستحق العقوبة على نفس هذا الذهاب الملون بهذه النية.
وآية ذلك أننا نرى أن من يذهب إلى ترشح الوجوب والحرمة للمقدمة الموصلة فقط، فإن له أن يعاقب هذا العبد على ذهابه للسوق ناوياً شراء السم ـ مع قطع النظر عن وقوع وتحقق ذي المقدمة ـ ولا يعد عقابه قبيحاً بنظر العقلاء، وليس العقاب على كشف ذلك عن خبث الباطن، بل على نفس هذا الذهاب المصطبغ بصبغة نية شراء السم، والعرف ببابك والوجدان شاهد.
ولذا نرى أيضاً أن نوع العقوبة ودرجتها يختلف ـ على فرض استحقاق العقوبة على خبث الباطن ـ بين من خبث باطنه ولم يبدأ بمقدمات الجريمة، وبين من خبث وبدأ واشتغل بالمقدمات.
وثانياً: إنه على فرض القول بعدم استحقاق العقاب على مقدمات الحرام، نقول: إنه قد يفرق بين مقدمة الواجب ومقدمة الحرام، إذ يمكن الالتزام باستحقاق المثوبة على هذا دون استحقاق العقوبة على ذاك، فإن ما ذكر من الأدلة لاستحقاق المثوبة غير جار في جانب العقوبة.
أما الدليلان الأولان فلإمكان رفض الكبرى؛ إذ العقوبة وإن حسنت ـ على فرض التسليم بالصغرى ـ إلا أنها لا تقع ولا تجب  لخصوصية الجود والكرم والعفو في الباري؛ إذ الجود كما يقتضي المثوبة على مقدمة الواجب يقتضي العفو عن مقدمة الحرام وكذلك اللطف والرحمة.
وأما بناء العقلاء فإنه يمكن دعوى التفكيك وإن أوضحنا أن مساقهما واحد بنظرهم [3].
الفائدة الرابعة: المقدمة تارة تكون منحصرة ، وأخرى على سبيل البدل ؛ فالأول كما في الفرد الخاص أو الجزئي المشخص ، والثاني  كما في الجامع صنفاً كان أو نوعاً أو جنساً  ، وكل ذلك لا يضر بمقدميتها ؛ لأن  المعتبر في المقدمة الترتب الوجودي الوقوعي لا التوقف الشخصي أو الذاتي.
من المحتملات في  الوجوب التخييري لهذه الثلاثة [4] أن يكون وجوباً مقدمياً غيرياً، فهل هو كذلك؟
الظاهر أنه لا إشكال في كون الوجوب مقدمة للعمل المأمور به ؛ لأن العلم ـ بقسميه الاجتهادي والتقليدي وكذا الفطري ـ  مقدمة للعمل،  بل وكذا الحال في  الاحتياط، إلا أن هذه المقدمة غير منحصرة  ، بل هي على سبيل البدل ؛ ولا ينفي كونها على سبيل البدل مقدميتها ؛ فالاجتهاد مقدمة للعمل بأوامر المولى ؛  ولا ينفي مقدميته عدم الانحصار فيه ووجود بديل له [5]؛ لأن المقدمة تارة تكون منحصرة ، وأخرى تكون على سبيل البدل ؛  فإن نصب السلّم للكون على السطح - لو أمر به المولى-  مقدمة وإن لم تكن منحصرة [6].

بحث تطبيقي:
ذهب في التنقيح إلى أنه لا يمكن أن يكون الاجتهاد والتقليد مقدمة للعمل؛  لأنهما في الحقيقة عبارة عن العلم بالأحكام ومعرفتها ، ولا يكون  معرفة الحكم [7] مقوماً لوجود ذلك الموضوع ومقدمة لتحققه، بحيث لا يتيسر صدور الفعل ممن لا يعلم بحكمه، فهذا كرد السلام ؛ فإنه  ممكن صدوره ممن لا يعلم بحكمه - فإنه واجب -  لكن رد السلام خارجاً غير متوقف على العلم بوجوب رد السلام  ، بل حتى لو لم يعلم باستحبابه أمكن صدوره منه ، ثم يقول: ((وكذا الحال في غيره من الواجبات، إذ يمكن أن يأتي بها المكلف ولو على سبيل الاحتياط)) [8].

ويمكن نقاش هذا الكلام من جهتين:
الجهة الأولى: أن العلم بالحكم -  اجتهاداً أو تقليداً -  مما قد يقع في سلسلة مقدمات تحقق المعلوم؛ لأن العلم بالحكم علة معدة للعمل به وليس أجنبياً عنه، إلا أن المقدمة تارة تكون منحصرة  وأخرى غير منحصرة  فيكون لها بدل  ؛ فوجود البدل لا ينفي المقدمية.
وبعبارة أخرى: تارة يكون هذا الفرد الخاص أو الجزئي المشخص هو المقدمة ، و أخرى  يكون الجامع صنفاً أو نوعاً أو جنساً هو المقدمة ؛ فإذا كان الجامع هو المقدمة فستكون المصاديق مقدمات على سبيل البدل ، ومنشأ التوهم في كلامه قدس سره أنه حيث لاحظ وجود البدل فانكر المقدمية ، وكان الأولى أن ينكر المقدمية المنحصرة ، لا أن ينكر المقدمية أصلاً، ويوضح ذلك مثال الكون على السطح : فإن نصب السلم مقدمة لكن إذا كان له بديل - كالقفز - فإنه لا ينفي كونه مقدمة.
 نعم ،  ينفي ذلك كونه مقدمة منحصرة لكون الجامع لهما هو المقدمة للقول : عمل العامي بلا اجتهاد ولا تقليد باطل .
الجهة الثانية: بما أن المقدمة هي ما يتوصل بها إلى الشيء، والعلم والعلمي هما ما يتوصل بهما إلى العمل؛ لذا فإن العامي عندما يأخذ الرسالة العملية ويطلع عليها يعد هذا مقدمة معدِّةً للعمل بها.
وبعبارة أخرى: أن توقف ذي المقدمة على المقدمة لا يقتصر على التوقف على شخصها، بل يشمل التوقف عليها أو على صنفها أو على نوعها أو على جنسها ؛  ففي كل هذه الصور التوقف متحقق، والبديل الذي ذكره قدس سره في  التنقيح هو الاحتياط ،  لكن وجود البديل ينفي كونها مقدمة شخصية منحصرة.
ويشهد على ذلك الأمر في المانع؛ فإن كون هذا مانعاً لا ينفي وجود مانع آخر من تحقق الشيء على سبيل البدل ؛ وكذا يدل عليه الأمر في العلية ؛ فإن وجود علة على سبيل البدل للحرارة –كالحركة - لا ينفي علِّية النار لها، فإذا قبلنا هذا في العلية والمانعية والشرطية فلماذا لا نقبله في المقدمية؟
إذن وجود مقدمات أخرى على سبيل البدل لا ينفي مقدمية الاجتهاد والتقليد.
وبعبارة ثالثة : المعتبر في المقدمة الترتب الوجودي الوقوعي وليس المعتبر التوقف الشخصي أو الذاتي ؛ فإن من يصلي إنما يصلي بعد العلم بكيفية الصلاة وأحكامها ؛ فالمقدمية الوقوعية متحققة ؛ إذ هناك ترتب وجودي في الخارج من غير لزوم الترتب الذاتي ، أي لا يشترط في عالم الإمكان والامتناع أن يكون هنالك توقف ذاتي ؛ فلا يشترط في المقدمة التوقف الجوهري بل الوجودي ؛ بل لا توقف ذاتي اطلاقاً إلا على ذاتيات باب الكليات.
وإذا اتضح ذلك يتضح أن العلم والعلمي – أي الاجتهاد والتقليد - هما مقدمتان للعمل ؛ فوجوبهما من هذه الجهة لا إشكال في أن يكون شرعياً.

مناقشة ثانية لكلام السيد الخوئي:
وكما يرد على عبارة التنقيح : ((لا يكون معرفة حكم أي موضوع مقوماً لوجود ذلك الموضوع ومقدمة لتحققه)) [9] بأن استخدام مصطلح ((مقوِّم)) في المقام غير دقيق [10]؛ لأن المقوِّم في الاصطلاح هو الجنس والفصل [11]، ولم يتوهم أحد بأن العلم هو جنس أو فصل للعمل ، بل لم يتوهم أحد في أية مقدمة بأنها مقومة .
إذن : فالكلام إنما هو في المقدمية لا المقومية ، ولعل منشأ الخلط من هنا بد ء، ولعله لأجل ذلك رجع في آخر كلامه وأقر بوجود بعض الموارد تتوقف على العلم لكنه اعتبرها نادرة كالصلاة والحج ؛  إذ لا يستطيع أحد الإتيان بهما بلا معرفة بأجزائهما وشرائطهما وموانعهما وكيفيتهما ؛ فإنه حيث وجد إمكان رد السلام بدون العلم بحكمه، لبساطته أنكر المقدمية، وأما في الصلاة والحج حيث تركبهما وتعقيدهما وعدم إمكان الإتيان بهما عادة بدون العلم بأحكامهما أقر بالمقدمية.
وعلى أي حال فإنه بذلك يثبت عدم صحة كبراه الكلية - (ولا يكون معرفة حكم أي موضوع مقوماً لوجود ذلك الموضوع ومقدمة لتحققه) -  لأن الموجبة الجزئية نقيض السالبة الكلية، بل أجبنا أيضاً حتى عن مثل رد السلام بأن العلم علة معدّة ،  ووجود بديل آخر لا ينفي المقدمية على سبيل البدل.
بل نقول : إن الندرة المدعاة لا أساس لها ؛ حيث توجد موارد كثيرة لا يمكن التوصل لها إلا بالعلم ؛ فإن الصلاة والحج وإن كانا عنوانين إلا أنهما انطوى تحتهما عناوين ومسائل كثيرة، كالركوع بقيوده وشروطه ؛ فإنه لا يستطيع المكلف عادة الوصول إليه بغير معرفة حكمه بقيوده وشروطه [12].
بالإضافة: إلى أن عنوان الصلاة انطوى تحته عناوين صنفية كثيرة كصلاة الآيات، و صلاة الصبح والظهر والمغرب وصلاة المسافر والحاضر وغيرها ، وكلها كذلك [13]، كذلك الحال في عناوين أخرى كالصوم والعمرة وغيرهما ؛ فالظاهر : أن هناك تعذراً عرفياً [14] في الإتيان بها بقيودها وشروطها بدون علم بأحكامها، وليس هذا الأمر خاص في العبادات  فقط ؛  بل يشمل حتى الإيقاعات - كالطلاق مثلاً - فإنه مما لا يمكن إيجاده وإيقاعه عادة  إلا بالعلم بأحكامه ، من الصيغة الخاصة وقصد الإنشاء، وأن تكون المرأة في غير طهر المواقعة ، إلى غير ذلك من أمور ، إذن ليست الموارد قليلة.
والذي يدل على ذلك: هو ملاحظة حال الغريب عن الدين ؛ فإنه لا يستطيع أن يؤدي أي عمل - إلا النادر [15]- بلا علم ومعرفة ، بل قد لا ينقدح في ذهنه أصل تصور نوع العبادة أو المعاملة فكيف بالعمل ؟ واعتبر بملاحظة حالك لو دخلت بلاداً غريبة، لا تعرف عن دينها إلا الاسم، كما أنه يمكن الاعتبار بسائر العلوم ؛ حيث لا يمكن فعل أي شيء ،  أو الوصول الى أي شيء بلا علم ؛ فكل المسائل متوقفة على العلم.
بل نقول:  إنه حتى في ما استشهد به من رد السلام فإنه متوقف على العلم ؛ إذ أننا نحن الذين نعلم ماهية السلام يمكننا أن نحتاط فلا يتوقف رد السلام على العلم بحكمه [16]، وأما من لا يعرف معنى السلام وصيغته أصلاً فكيف يتسنى له أن يحتاط  برد السلام بلا معرفة ؟  وحتى لو أراد الاحتياط فقد يتصور أن صيغة السلام  ((هلو)) مثلاً أو غيرها، فتأمل [17] [18].

--------------
[1] والقائل هو المحقق الخرساني قدس سره في الكفاية.
[2] فتأمل، إذ قد يقال: إن العقوبة يمكن أن تكون لا بهذا اللحاظ أيضاً، بل لصرف كونه عصياناً للأمر العقلي أو الشرعي للمقدمة حتى مع قطع النظر عن ذيها.
[3] فقه التعاون : ص 375.
[4] الاجتهاد والتقليد والاحتياط.
[5] وهو التقليد أو الاحتياط
[6] الاجتهاد والتقليد: 94.
[7] أي موضوع.
[8] التنقيح في شرح العروة الوثقى  كتاب التقليد  : ص13 .
[9] التنقيح كتاب الاجتهاد والتقليد : ص13.
[10] وبذلك يتضح أن عدّ الأجزاء مقدمات داخلية ، هو تجوّز، أو هو بلحاظ غير لحاظ المقوّمية،  فتدبر.
[11] ما به قوام الشيء .
[12] وغير الركوع كثير  في الصلاة ، وكذا الحال في واجبات الحج.
[13]  أي : لا يستطيع المكلف الوصول إليها عادة  بغير معرفة حكمها بقيودها وشروطها .
[14] ولا يخفى عليك  الإشارة  في سبب تقيده دام ظله لهذا الأمر بالتعذر العرفي دون تقيده بالتعذر العقلي ، فلاحظ.
[15] وهذا الاستثناء لا يتصور إلا على سبيل التسديد الإلهي والإلهام الغيبي ونحوه  ، ولكن قد يقال : إن ذلك  قد دخل أيضاً ضمن  حصول العلم والمعرفة ؟  لأن العلم والمعرفة تارة تكون كسبية وأخرى إلهامية ؛ لذا استدرك دام ظله واستبعد هذا الاستثناء بقوله : بل قد لا ينقدح في ذهنه أصل تصور نوع العبادة أو المعاملة فكيف بالعمل.
[16] حتى أن هذا الاحتياط لا يخلو من علم ومعرفة ، ولكن  كل ما هنالك أنه علم إجمالي : إما هذا وإما هذا ، ولعل هذا  هو ما  تم الإشارة إليه  ضمن أمره دام ظله  بالتأمل ، فلاحظ .
[17] لضرورة التفريق بين العلم بالموضوع والعلم بالحكم، فقد يتوقف وجود الموضوع على العلم به دون العلم بحكمه، فتأمل، ووجهه يتضح مما سبق.
[18] الاجتهاد والتقليد: ص 90.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=2941
  • تاريخ إضافة الموضوع : 7 ربيع الآخر 1439هـ
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 12 / 15