• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : خارج الأصول (التزاحم) .
              • الموضوع : 59- بحث عن منضومة (الحقوق) المحيطة بكل شيء ، وتوسطها بين المصالح والمفاسد وبين الاحكام ، واثر ذلك في علم الفقه والاصول والكلام .

59- بحث عن منضومة (الحقوق) المحيطة بكل شيء ، وتوسطها بين المصالح والمفاسد وبين الاحكام ، واثر ذلك في علم الفقه والاصول والكلام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
مباحث التزاحم
(59)


(منظومة الحقوق) الحلقة الوسطى بين الأحكام وبين المصالح([1])
ولعل التدبر في كلام الإمام عليه السلام والتأمل في منظومة الحقوق كلها بشكل عام، يوصلنا إلى نظرية جديدة في الحقوق، تنتج إعادة تقييمها بما قد يفتح باب جديداً في علم الكلام والأصول والفقه:
فإن المعروف لدى العدلية أن الأحكام تابعة لمصالح ومفاسد في المتعلقات، لكن قد يقال بان ههنا حلقة مفقودة بين الأحكام وبين المصالح والمفاسد وهي الحقوق بمعنى ان المصالح قائمة بالمتعلقات أو الأشخاص ثم هنالك حقوق قائمة بالمتعلقات أو الأشخاص ثم بعد ذلك يكون الإيجاب والتحريم والواجبات والمحرمات.
وبعبارة أخرى: الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد زائداً الحقوق فكلاهما ركن وجزء العِلّة، وليست المصلحة فقط أو المفسدة هي المقتضي والداعي.

النسبة بين الحقوق والمصالح من وجه
وحيث ان النسبة بينهما (المصلحة والمفسدة مع الحق) من وجه فلا يصح إطلاق القول بإرجاع الحق لهما، ومواد الافتراق كثيرة:

أداء الدين للثري، ودفع الثري المال للفقير
ومنها: ان الشخص الثري أو بالغ الثراء لا شك في انه لا يجب عليه ان يدفع نصف أمواله مثلاً للفقراء، خلافاً للشيوعية والاشتراكية في الجملة، بل لا شك انه، وراء الخمس والزكاة، لا يجب عليه ان يدفع حتى ألف دينار للفقير المحتاج لملبسه أو مأكله مع ان المصلحة هي في دفعه له، مع فرض عدم حاجته هو وحاجة الفقير بشدة إليه ولكنه لم يجب لعدم ثبوت حق للفقير على الغني في ذلك، نعم لو كان يموت بعدم دفعه له لوجب وذلك لثبوت حق الحياة له عليه دون حق إكسائه مثلاً، أي ان من حقوق الإنسان على الغير ان يحفظ حياته دون ان يكسوه أو يطعمه، بل قد يقال ان المصلحة تقتضي ان لا يكون بإنقاذه له ببذل ماله مديناً له فيما لو لم يكن محتاجاً إلى ماله، لكن حيث لا حقّ له في ماله فالأثر الوضعي (وهو انه يكون ديناً عليه فان لم يستطع فعلى بيت المال) باق، وهنا نجد ان المدار أيضاً هو الحق إذ لو لم يكن له هذا الحق، كالكافر الحربي([2])، لما وجب دفع المبلغ له، فتأمل.
وكذلك العكس فان الـمَدِين الفقير يجب([3]) عليه تسديد الدين للدائن وإن كان غنياً جداً وما ذلك إلا لأن للدائن عليه الحق مع انه لا مصلحة في إلزامه بردّ المال له وسداد دينه، والقول بضرب القانون وسنّه غفلة عن ان (الحق) يسدّ هذه الثغرة بما لا نحتاج معه إلى اللجوء لسن القانون لتبرير صورة تخلف العِلّة.

(الحِكمة) في الأحكام شاهد على منظومة الحقوق
و(الحِكمة) في (الأحكام) هي الشاهد العام على المدعى كدليل أو مؤيد أو كوجه للاحتمال على الأقل إلى ان نعثر على أدلة من عالم الإثبات كرسالة الحقوق التي نحن بصدد إثبات المدعى بها، فمثلاً: (الحكمة) في العِدّة وهي وجه المصلحة فيها هي استبراء الرحم، ولكن حتى مع القطع بعدم علوق النطفة فانها ثابتة لا تسقط، والتفسير المشهور لذلك هو ان استبراءه حِكمة وان التعميم هو لسنِّ القانون، ولكن قد يقال، على ضوء ما ذكرناه، ان للزوج عليها أو على رحمها حقاً وهو وجه وجوب الاعتداد حتى مع خلو الرحم من الحمل.
نعم لا يصلح مجرد ما ذُكر دليلاً إذ هو مجرد احتمال حتى الآن والغرض من عقد هذا البحث هو طرح كون الحقوق هي مناشئ للأحكام مع المصالح والمفاسد أحياناً وبمفردها أحياناً أخرى، كاحتمالٍ، ثم البحث عن الدليل، والمدعى ان رسالة الحقوق هي الدليل الإثباتي على ذلك، كما ان هناك أدلة أخرى عديدة من الآيات والروايات ولكن سنقتصر على الرسالة إذ فيها بعد صحة سندها الكفاية لو تمتّ الدلالة كما سيأتي الكلام عن ذلك بإذن الله تعالى.
وبنظرية الحقوق المتوسطة بين المصالح الثبوتية في المتعلقات وبين الأحكام، يمكن تفسير سلسلة من الأحكام الأخرى، ولو إجمالاً أو احتمالاً:

أمثلة لتقدم الحق على المصلحة: حق الأم
فمنها: ان حق الأم مطلقاً أعظم من حق الأب، مع ان المصلحة تقتضي ولو في الجملة كون حق الأب أعظم لو كانت هي المدار وذلك لأن الأب هو الذي يحتاج إليه الرجل أكثر من الأم في شق طريقه في الحياة إذاً بناء على مدارية المصلحة كان لا بد من التفصيل، وحق شكر نعمتها عليه بحمله وإرضاعه وغير ذلك، مؤكد لمدارية الحق وارجحيته ههنا على المصلحة لو تزاحماً. فتأمل

عدم تعلق الزكاة بتغير النصاب
ومنها: النصاب فان من شرائط تعلق الزكاة هو بقاء النصاب طول الحول فإذا باع احدى الشياه أو وهبها ثم اشترى أخرى أو وهبت له سقط وجوب الزكاة، مع ان مصلحة الفقراء في ثبوتها، فقد يفسر ذلك بالحق في أعيان هذه الأغنام فإذا تغير احدها فقد زال بزوال موضوعه وإن كانت مصلحة الفقراء بحالها.

إرث الطبقة الأولى رغم حاجة الثانية
ومنها: الإرث: إذ يرث مَنْ في الطبقة الأولى وإن لم يكن محتاجاً أبداً ولا يرث معه من كان في الطبقة الثانية أو الثالثة وإن كان محتاجاً جداً مما لعله لا يمكن تفسيره بالمصلحة، فانه على خلافها ظاهراً، بل يُفسر بالحق فان حق الأقرب أعظم من حق الأبعد.
ومنها: قتل المرتد الفطري أو الملي بشروطه، على المشهور، فانه لأنه انتهك حق الله تعالى بالارتداد ورَفَضَ دينه وإن لم يكن في ذلك مفسدة فرضاً أبداً لنفسه ولا لغيره، وفرضُ الانفكاك كاف إذ الكلام عن الحسن والقبح، فلا يردّها دعوى ثبوت المفسدة مطلقاً فتأمل.

حرمة الخمر لا للمفسدة فقط بل لحق البدن أو حق الله
ويؤكد ما ذكر: ان الخمرة محرمة لأن فيها المضرة والمفسدة قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا)([4]) ولا شك في ذلك لكنها حكمة وليست عِلّة ولذا حُرّمت القطرة الواحدة من الخمرة، ولم يحرّم الهيروئين أو الترياك مثلاً، لولا العنوان الثانوي أو الضرر البالغ، رغم انه قد تكون مفسدته أكثر من الخمرة([5]).
فقد يقال انه إلى جوار مفسدته فان (حق البدن)([6]) على الإنسان هو الجزء الآخر لِعلة التحريم؛ ألا ترى ان المفسدة لو تجردت عن الحق لما حرمت كتخريب الحائط مثلاً، لولا دخوله في عنوان الإسراف والتبذير، فانه غير محرم لأنه ليس للجدار على الإنسان حق.
والحاصل: ان الحكم قد يكون منوطاً بالمصلحة والمفسدة وقد يكون منوطاً بالحق وقد يكون منوطاً بهما ولذلك قد يتزاحم الحق مع المصلحة كما في مثال تسديد الفقير دينه للغني أو إعطاء الغني المال ابتداءً للفقير كما سبق.
بل قد يُعلّل الحكمُ بحقِّ الله عليك فلا حاجة لتعليله بحق البدن أو حق الطرف الآخر، وبذلك يظهر ان النسبة هي من وجه بين الحق وبين المصلحة والمفسدة، بشكل أوضح فتدبر وستأتي تتمة لذلك بإذن الله تعالى.

ظهور رسالة الحقوق في ثبوت منظومة الحقوق
ولنتدبر الآن في مقاطع من رسالة الحقوق، قال عليه السلام: ((اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ لِلَّهِ عَلَيْكَ حُقُوقاً مُحِيطَةً بِكَ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكْتَهَا أَوْ سَكَنَةٍ سَكَنْتَهَا أَوْ مَنْزِلَةٍ نَزَلْتَهَا أَوْ جَارِحَةٍ قَلَبْتَهَا وْآلَةٍ تَصَرَّفْتَ بِهَا بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْض‏))([7]) وهو ظاهر بل صريح في ثبوت حقوق لله تعالى محيطة بنا في كل حركة وسكون وجارحة وآلة وغيرها، والحق غير المصلحة والمفسدة كما هو غير الوجوب والحرمة، فكلامه ظاهر إن لم يكن نصاً في ثبوت منظومة للحقوق محيطة بكل فعل وذات وشخص.
وقال عليه السلام: ((فَجَعَلَ لِبَصَرِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَلِسَمْعِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَلِلِسَانِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَلِيَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَلِرِجْلِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَلِبَطْنِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَلِفَرْجِكَ عَلَيْكَ حَقّاً))([8]) وهو ظاهر في ان لها علينا حقوقاً لا مجرد ان علينا فيها واجبات كغض البصر، وقد يستظهر منه ومما لحقه ان التسلسل يكون هكذا: جعل الله تعالى للبصر علينا حقاً وانه حيث جعل الله تعالى علينا هذا الحق حرّم علينا النظر به للمحرمات فانه هتك لحقه.. وللكلام صلة ومناقشة ستأتي بإذن الله تعالى.
وسيأتي الكلام عن أثر ذلك على علم الأصول وعلم الفقه كما ظهر أثره على علم الكلام. فانتظر.

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين


 قال الإمام الحسن العسكري عليه السلام: ((لَا يَعْرِفُ النِّعْمَةَ إِلَّا الشَّاكِرُ وَلَا يَشْكُرُ النِّعْمَةَ إِلَّا الْعَارِفُ))
أعلام الدين ص313.

-----------------------------------------------

([1]) أو المفاسد.
([2]) الذي لو أعطي لقوي وفرّ.
([3]) من غير مستثنيات الدين.
([4]) سورة البقرة: آية 219.
([5]) فلاحظ مثلاً: ان المبتلى بالاعتياد كثيراً ما يضحي، والعياذ بالله، بعرضه ليحصل على جرعة من الترياك مثلاً.
([6]) واما لو شُفِع بحق الله فهو ظاهر حينئذٍ.
([7]) الحسن بن شعبة الحراني، تحف العقول، مؤسسة النشر الإسلامي – قم، ص255.
([8]) المصدر نفسه.


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3025
  • تاريخ إضافة الموضوع : الاحد 24 جمادي الاول 1439هـ
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 02 / 18