• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : الفوائد والبحوث .
              • الموضوع : 254- مباحث الأصول: بحث الحجج (حجية قول الراوي والمفتي والرجالي واللغوي) (1) .

254- مباحث الأصول: بحث الحجج (حجية قول الراوي والمفتي والرجالي واللغوي) (1)

مباحث الأصول: بحث الحجج (حجية قول الراوي والمفتي والرجالي واللغوي)

جمع واعداد: الشيخ عطاء شاهين*

الفائدة الأولى: في حجية قول الراوي والرجالي واللغوي والمفتي هناك عدة مباني ؛ أهمها: انسداد باب العلم والعملي في كل ما يتعلق بالطر ق المؤدية للحكم الشرعي وهو المسمى  بالانسداد الكبير ؛ انسداد باب العلم والعلميّ في بعض الطرق المؤدية إلى الحكم الشرعي وهو المسمى بالانسداد الصغير ؛ أو بأن الرجوع إليهم لكونهم من أهل الخبرة؛ أو لكون أقوالهم من مصاديق إخبار الثقة، أو لكون أقوالهم من باب الشهادة والبينة؛ أو لكون أقوالهم تورث الاطمئنان؛ أو لكون قول الراوي من باب الفتوى؛ أو أنه من باب حجية  الخبر لا المخبر؛ وهذه المباني جارية في هؤلاء في الجملة ؛ فبعضها  يجري  في المفتي ولا يجري في الرجالي والراوي ، وكذا العكس.
يوجد في حجية قول الراوي والرجالي والمفتي واللغوي  مبان عديدة[1] أهمها:

المبنى الأول: الانسداد الكبير
فقد يقال بانسداد باب العلم والعلميّ في الرواة والروايات -  أي في معرفة حال الرواة وفي تشخيص المعتبر من الروايات- وفي أقوال الرجاليين واللغويين وما أشبه.
وبعبارة أخرى : أن كل ما يتعلق بمعرفة الحكم الشرعي فإن الباب منسد فيه[2].   

المبنى الثاني: الانسداد الصغير[3]
وقد يقال بانسداد باب العلم والعلميّ في بعض الطرق المؤدية إلى الأحكام الشرعية لا فيها جميعاً كالقول بأن ذلك الانسداد خاص بـ((الرواة)) بدعوى انه لا طريق لتوثيقهم إلا الظنون المطلقة لا النوعية الخاصة[4]، وان باب العلم مغلق بخصوص الرواة وحالاتهم، وكذا باب العلمي حتى عبر مثل توثيقات أمثال النجاشي والكشي؛ وذلك لان الفاصل بين الرجاليين القدماء[5] وبين الإمام المعصوم عليه السلام من قرنين إلى ثلاثة قرون وأقل وأكثر، وتوثيقات النجاشي عادة هي مراسيل[6]، نعم الكشي في توثيقاته يعتمد على المسانيد[7]، والمسلك المشهور هو عدم حجية مراسيل الثقات، ولو ذهب الفقيه إلى ما ذهبنا إليه من القول بحجية تلك المراسيل ـ أي مراسيل الرجاليين ـ لقال ذلك في الروايات واستغنينا عن هذا البحث المطول اللهم إلا لدى التعارض.
وهذان المسلكان - الانسداد الكبير والصغير- لا تلازم بينهما؛ لأنه من الممكن أن يصير الفقيه إلى انفتاح باب العلم في الفروع، لكنه يرى مع ذلك انسداد باب العلم في الرجال، وقد يعكس فلا تلازم أيضاً؛ إذ قد يكون باب العلم في الرجال مفتوحاً لكنه لا يستلزم فتح الباب في الفقه على اطلاقه، لعدم وجود رواية في جملة من المسائل، أو لإرسال رواياتها أو لابتلائها بالمعارض أو شبه ذلك، كما أنه قد أشرنا سابقاً إلى أن هناك طرقاً أخرى لتوثيق الخبر وأن ذلك لا ينحصر في وثاقة المخبر.
إن قيل: إن الانسداد الصغير يستلزم الانسداد الكبير؛ إذ أن طرقنا إلى الروايات هو نفس الرواة، فلو انسد باب العلم في الرواة انسد باب علمنا بالروايات؟
قلنا: لا تلازم؛ إذ قد يقال بانسداد باب العلم في الرواة، ولكن نقول، كما قال الشيخ والسيد المرتضى[8] وآخرون: بانفتاح باب العلم بالروايات وذلك لتواتر أكثرها أو لوجود قرائن قطعية حافة بتلك الروايات على ما فصّل في محله[9]؛ حيث إن كثيراً من الروايات معتضدة بواحدة من قرائن أربع تفيد العلم وقد أسلفنا البحث عنها، كما أن هناك طرقاً أخرى لتوثيق الرواية والخبر، منها قوة المضمون وغير ذلك.

تفريق بعض الأعلام بين الانسدادين
بعض الأعلام ذهب إلى التفريق بين نوعي الانسداد حيث قال: بأنه لو قلنا إن باب العلم في الفقه[10] منسد؛ فإن الظنون المطلقة في اللغة وفي الرجال ستكون حجة[11]، وكذا لو قلنا بالانسداد الكبير.
وأما لو قلنا إن باب العلم في الفقه منفتح ولكنه في الرجال واللغة منسدّ فإن الظنون المطلقة فيهما لا تكون حجة.

وجه التفريق بين الانسدادين
ولنذكر وجه التفريق أولا، وهو: أن باب العلم في الفقه إن كان منسداً فسيكون الظن المطلق في اللغة والرجال حجة لانحصار الطريق به وإنه يلزم من القول بعدم حجية علم الرجال وعدم الرجوع لهذا العلم العسر والحرج إن قلنا بالاحتياط، أو الخروج عن الدين إن قلنا بالبراءة، أو ترجيح المرجوح إن قلنا بالعمل بقسيم الظن في الطرف الآخر عكس ما لو كان باب العلم في الفقه منفتحاً؛ إذ يمكننا أن نتعرف ونصل إلى الأحكام الشرعية من غير طريق الرجالي فلا وجه ـ على هذا ـ لحجية الظنون المطلقة؛ إذ لا يلزم من العمل بالعلم والعلمي أحد تلك المحذورات كما هو واضح.
والحاصل: أن حجية الظن المطلق - كبدائله- كلها منفية ومنها الاحتياط لاستلزامه العسر والحرج، ومنها القرعة إذ لا دليل على إطلاق العمل بها، ومنها البراءة، إذ يلزم من العمل بها الخروج عن الدين.. وهكذا ، وذلك لفرض انفتاح باب العلم.
ولكن الظاهر: أن هذا الوجه بهذا التفريق لا يفي بالمطلب وأنّ الفرق يظهر في موضع آخر.
توضيحه: أنه لو أننا قلنا بالانسداد الكبير المطلق بما فيه الانسداد في الفقه فالأمر واضح وبالتالي ستكون الظنون الرجالية المطلقة حجة للزوم إحدى التوالي الفاسدة السابقة لو لم نقل بالحجية، ولكننا سنتوقف عند الشق الثاني الذي ذكره؛ إذ يقول إننا لو قلنا بانفتاح باب العلم في الفقه فمع انسداد باب العلم في الرجال فإنه لا يقال بحجية الظنون المطلقة الرجالية إذ أننا لسنا بحاجة إليها لوجود المندوحة.

الإشكال في وجه التفريق بين الانسدادين
ولكن هذا الوجه وإن تم في حد ذاته إلا أنه ليس بكامل؛ وذلك لأنه ليست الحاجة واللاحاجة هي الملاك في الحجية واللاحجية ههنا، بل ولا لزوم العسر والحرج؛ بل الملاك هو بناء العقلاء[12]، وعند ملاحظة بنائهم فإننا نجدهم يرون أن الظنون المطلقة حجة عند الانسداد في علم الرجال.
وبعبارة أخرى : أن الانسداد لو حصل في أي مكان فان ذلك ينتج عندهم حجية الظنون المطلقة[13]؛ وذلك لأن القسيم الآخر ـ وهو الوهم ـ لو رجح فإنه ترجيح للمرجوح؛ والتمسك بالمرجوح وترجيحه قبيح عقلا، وفي المقابل فإن ترجيح الراجح حسن عقلاً.
والحاصل: أن بناء العقلاء- في أي باب حصل فيه الانسداد - هو حجية الظن المطلق في ذلك الباب، وفي مقامنا فإنه وإن كان باب العلم في الفقه منفتحاً مع انسداد طريق معرفة رجال أسانيد روايات الأحكام بأن وكانت توجد طرق أخرى للفقه، إلا أن بناء العقلاء في نفس علم الرجال هو على التمسك بالظن المطلق الراجح عندئذٍ - لا الخاص لفرض القول بالانسداد- لرجحانه على الطرف المقابل ؛ ولذا فمن هذه الجهة لا فرق.
ولكن الفرق يظهر في جهة أخرى؛ وذلك لأننا لو قلنا بانفتاح باب العلم بالأحكام من طرق أخرى فإن الظنون الرجالية وإن لم نقل بحجيتها فيه إلا أنها ستكون مرجحة في الفقه، فإن الظنون الرجالية بتعاضدها مع غيرها وتراكمها قد توجد ظناً نوعيا ثانوياً يكون حجة عندئذ، لكونه أحد مصاديق انفتاح باب العلم، فتأمل.
والمتحصل: أن انفتاح باب العلم في الفقه ينفي الحجية التامة للظنون المطلقة الرجالية الإنسدادية فيه ولكنه لا ينفي الترجيح بها[14] فيه؛ فإنها مما به الانفتاح ولو في الجملة، وهذا هو الفرق، أي: الحجية لتلك الظنون بقول مطلق على الانسداد، والمرجحية على الانفتاح.

المبنى الثالث: أهل الخبرة
وقد يقال بأن حجية قول الرجالي - وكذا قسيماه[15] ـ  كونه من أهل الخبرة[16]؛ لكن الأمر في الرجالي والراوي والمفتي مختلف .
وأما المفتي فالظاهر أن كونه من أهل الخبرة هو ملاك حجيته اقتضاءاً[17]؛ إذ يعتمد على الحدس وهو ملاك حجية قول أهل الخبرة.
وأما الراوي فقوله ليس بحجة من باب كونه من أهل الخبرة؛ وذلك لأنه يعتمد في إخباره على الحس من خلال السماع أو الرؤية أو المناولة؛ ولذا فالرجوع إليه هو لكون خبره خبر الثقة.
وأما الرجالي فإنه مختلَف فيه من جهة أن الرجوع إليه هل هو من باب كونه من أهل الخبرة أو لا؟ حيث إن البعض يرى أن قوله هو من باب الحس لا الحدس، وأهل الخبرة ملاك الرجوع إليهم هو الحدس في الحدسيات لا الحس في الحسيات؛ ولذا فهما بابان مختلفان.
ولكن البعض الآخر يرى أن توثيقات الرجالي حدسية؛ إذ أن وثاقة الراوي لا تُرى ولا تُسمع بل يحدس بها من جملة ظواهر أقواله وأفعاله.
والحاصل : وجود الخلاف في أن قول الرجالي هل  يعتمد على الحس أو الحدس؟
والذي نراه هو أن قول الرجالي حجة من باب الحدس القريب إلى الحس ؛ والثمار المترتبة على هذا التفريق فهي ليست بالقليلة وستأتي الإشارة إليها إن شاء الله تعالى.

المبنى الرابع: كون خبره خبر الثقة
إن منشأ الحجية هنا في الرجوع إلى الراوي ـ وكذا الرجالي ـ هو من باب خبر الثقة، أي كون روايته من مصاديق إخبار الثقة، فلأنه ثقة فإن نقله للرواية يعتمد عليه.
وهنا لابد لنا من التأمل في المبنى الثالث والرابع، فلو صرنا الى أحد هذين المبنيين, فإن عددا من الثمار سوف تتفرع على ذلك ؛ وهي: عدم كون الحياة شرطاً في حجية قول أهل الخبرة أو في حجية خبر الثقة[18]، وكذا الحال في العدالة والعدد والإيمان ، بل كذا الذكورة وطهارة المولد والحرية والبلوغ.
ومن ذلك يظهر وجه عدم اشتراط هذه الشرائط في الرجالي ولا في الراوي ولا في اللغوي وإن اشترطت في المفتي.
والخلاصة: أن هذه الشروط لا تجري على المبنى الثالث والرابع، بل تجري فقط ـ كلها أو بعضها[19] ـ على المبنى الخامس وهو كون حجية قول الراوي من باب البينة ، وتجري كلها على المبنى السابع الآتي.

المبنى الخامس: الشهادة والبينة [20]
قال تعالى: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ)[21]، وههنا رأيان:
الرأي الأول: اشتراط العدد والعدالة في البيّنة، وهذا القول مبني على أن البينة لها حقيقة شرعية، وعليه فلو شهد شاهد عادل واحد فإنها شهادة لكنها ليست ببينة شرعاً وإن كانت بينة عرفاً.
الرأي الثاني: أن البينة لا يشترط فيها العدد، بل أن الشاهد العادل الواحد هو بينة أيضا[22] وقد ذهب إلى هذا الرأي عدد من الفقهاء ـ ومنهم السيد الوالد قدس سره ـ، وهذا الرأي يستند إلى أنه لا حقيقة شرعية ولا متشرّعية للبينة، بل هي باقية على معناها العرفي اللغوي، وقد استخدمها الشارع في الأعم ومنه قوله تعالى: (حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً)[23].
ولكن الشارع في بعض المواطن ضيق تلك الدائرة كما هو الحال في البينة في باب الزنا فقد جعلها محددة بأربعة رجال، وكذا في باب السرقة إذ قد قيدها بكونها شاهدين عادلين، فكلما لم يرد في البينة الواردة في لسان الشارع قيد إضافي، فإنه يكتفى فيها بالعدل الواحد فيها.
والحاصل: أنه قد يقال: إن وجه حجية نقل الراوي للرواية –وقوله-  هو من باب البينة وكذا توثيق الرجالي أو تضعيفه.
لكن مما يناقش به هذا الوجه أنه لو كانت حجية خبر الراوي وقول الرجالي من باب البينة للزم اعتبار اللفظ[24] والإيمان والحياة والحرية والذكورة وكذا العدد على أحد المبنيين, ولكن المشهور - بل لعله إجماعي في بعضها على الأقل - عدم اشتراط تلك الشروط في الراوي والرجالي حتى العدد، فلو روى الراوي العدل ـ بل الثقة ـ الواحد رواية فانه يُكتفى بروايته.

إشكال: منافاة الحجية للحصر في رواية مسعدة
ولكن قد يستشكل على دعوى الحجية من باب قول أهل الخبرة أو خبر الثقة(كبرى)، وكون حجية قول الرجالي وخبر الراوي لأحد الوجهين (صغرى)، بأن هذا مناف للحصر الثابت في موثقة مسعدة بن صدقة، حيث يروي عن الإمام عليه السلام: ((كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه))[25]، ثم بعد ذلك يمثل الإمام عليه السلام بالثوب المشترى ((وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته ولعله سرقه، أو المملوك يكون عندك ولعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة)).
وكلام الإمام عليه السلام ـ كما هو واضح ـ وارد في الموضوعات، والأمثلة المسوقة من قبله دالة على ذلك، كما انه يستفاد من ظاهر الرواية ذلك أيضا ((حتى تعلم انه حرام بعينه))، فـ ((انه)) و((بعينه)) تدل على أن الشبهة موضوعية وليست بحكمية.
والشاهد أن الإمام يصرح بأنه يوجد طريقان لا ثالث لهما في الموضوعات:

الطريق الأول: ((والأشياء كلها على ذلك حتى يستبين))، والمراد من ((يستبين)) هو العلم أي حتى يظهر[26] لك وتعلم به.
الطريق الثاني: ((أو تقوم به البينة))، وخبر الثقة ـ ومنه خبر الراوي وقول الرجالي ـ ليس ببينة[27] ولا هو مما قد استبان وظهر وعُلِم به, وكذلك قول المفتي[28] ليس مستبيناً ولا ببينة وكذلك قول أهل الخبرة فهو الآخر ليس كذلك عادةً.
والحاصل: أن الحصر الوارد في الرواية نافٍ لحجية غيرها[29].
ثم إنه لا ريب في أن رواية مسعدة موثقة وحجة[30].

أجوبة خمسة عن موثقة مسعدة:
والجواب: يمكن أن يجاب عن هذا الإشكال وبخصوص هذه الموثقة بأحد وجوه خمسة على سبيل البدل:
أولا: أن الحصر في الرواية إضافي، بدليل أن الإقرار حجة مع أنه ليس من الاستبانة وليس ببينة؛ فإن إقرار الشخص أمام القاضي يؤخذ به وهو حجة نوعية بالرغم أن القاضي ـ ولا غيره ـ قد لا يحدث له علم من كلام المقر ّولا يستبين له ذلك ، كما أنه ليس من طبعه افادة العلم ولو اقتضاءاً.
وكذلك الحال في اليد ؛ فإنها حجة مع أنها لا تفيد العلم كثيراً ما، فكم من الأيادي هي أيادي غاصبة وسارقة.
وكذا الحال في الاستصحاب الجاري في الموضوعات والقرعة وغيرها.
ثانياً: أن قول الرجالي وخبر الراوي من مصاديق ((يستبين))؛ لأنها استبانة عرفية.
ثالثاً: أن قوله من مصاديق البينة العرفية ـ بناءاً على أنه لا حقيقة شرعية أو متشرعية لها ـ فمتى ما اشترط الشارع العدد أو العدالة التزمنا بذلك وإلا فلا، وعلى هذا الجواب فإن البينة تنطبق على قول الثقة وإن كان فاسقاً من جهات أخرى، فتأمل.
رابعاً: أن يقال بأن خبر الراوي وإن كان ظاهره أنه إخبار عن موضوع من الموضوعات وهو تلفظ الإمام عليه السلام -  أي: صدور هذا اللفظ من الإمام عليه السلام - ولكن خبره عن لفظ الإمام لُبّا وجوهرا وعرفا وبالحمل الشايع الصناعي هو إخبار عن الحكم، وعليه يندرج قوله في باب الإخبار عن الأحكام فتشملها الأدلة العامة الدالة على حجية قول الثقة في ذلك.
خامساً: أنه لو صح هذا لسقطت أكثر الروايات التي استند إليها الفقهاء في الفقه عن الاعتبار، وذلك مما لا يلتزم به فقيه ؛ بيان الملازمة: أن أكثر الروايات لا يوجد شاهدان عادلان في كل سلسلة إسنادها[31].

المبنى السادس: الاطمئنان
فقد ذهب البعض إلى أن وجه حجية خبر الراوي ـ وكذا الرجالي ـ هو ((الاطمئنان))، وبذلك يجاب عن سلسلة من الإشكالات على كثير من الروايات المرسلة أو المهملة أو الموصوفة بالضعف بوجه من الوجوه.
والاطمئنان ((كبرىً)) هو حجة، لأن المراد به ما هو متاخم للعلم، وكما أن العلم حجة فالاطمئنان كذلك بل هو علم عرفاً، إلا أن الفارق بينهما هو أن العلم حجيته ذاتية، والاطمئنان ليس كذلك؛ وذلك لوجود نسبة من احتمال الخلاف، إلا أنه حجة في بناء العقلاء[32].
وأما ((الصغرى)) فانه قد يتساءل: ما هو المراد من الاطمئنان؟ وهل المراد منه ما كان شخصيا أو نوعيا؟ خاصة وان هذا المبحث سينفعنا في عامة المراسيل والمهملات.
والجواب: أن المراد من الاطمئنان هو الاطمئنان الشخصي ـ فإنه علم عرفاً ـ بل والنوعي لعموم بناء العقلاء له وان نوقش فيه، فلو حصل الاطمئنان الشخصي للفقيه[33] بالرواية كفى ذلك وإن كان سندها مهملاً أو مرسلاً أو غيره.
وذلك كالاطمئنان الحاصل من ملاحظة مضمون الرواية أو غير ذلك، كما في موثقة مسعدة لعدم اضطرابها ومطابقتها للقواعد وغير ذلك[34]، فتأمل[35].
وكالخبر الضعيف الذي عمل به المشهور، فعلى رأي المشهور فان هذه الشهرة جابرة لذلك الضعف، رغم أن رأيهم أن الشهرة ليست بحجة في ذاتها إلا أنها جابرة، وصاحب الكفاية ارتضى هذا الرأي وعلله بـ ((أن انعقاد الشهرة ـ رغم عدم حجيتها الذاتية ـ على العمل بالخبر الضعيف يوجب الوثوق بالصدور، والوثوق الشخصي بالصدور حجة؛ لأنه علم عرفا فلا تشمله أدلة النهي عن الظن[36] [37] وما نحن فيه من هذا القبيل أي الوثوق الشخصي بالصدور[38]، فتأمل[39].

النسبة بين مبنى الاطمئنان وسوابقه
ولا بد من توضيح النسبة بين هذا الوجه و(المبنى) وبقية الوجوه السابقة: إذ قد يتوهم أن النسبة بين هذا الوجه وبين الوجوه السابقة هي العموم والخصوص المطلق؛ وذلك لأن خبر الثقة قد يفيد الاطمئنان الشخصي وقد لا يفيده، وقول أهل الخبرة كذلك، فإن من يقول بالحجية من باب خبر الثقة أو قول أهل الخبرة أو البينة، فانه يقول بالحجية مطلقا أفادت الاطمئنان أو لم تفد، وهذا هو وجه الأخصية مطلقا.
ولكن ذلك ليس بدقيق؛ لأن هذا الوجه بالقياس إلى الوجوه السابقة ليس من مصاديق الجزئي والكلي، بل هو من مصاديق العلة المعدة بالنسبة للمُعد له؛ حيث ان خبر الواحد علة معدة لحصول الاطمئنان الشخصي وليس بعلة تامة، ثم الظاهر ان النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه؛ وذلك لا بلحاظ نفس العنوانين: ((الاطمئنان الشخصي وخبر الواحد مثلاً)) فإنهما متباينان كما هو واضح واحدهما مما يقع في طريق الآخر كما سبق من كونه علة معدة وإنما بلحاظ المتعلَّق، أي بلحاظ ما تعلق به الاطمئنان الشخصي وهو المطمئَنُّ به، وما قام عليه خبر الثقة، فتكون النسبة بلحاظ المتعـلَّـق من وجه، أي بلحاظ التحقق، وذلك كسائر موارد ما كانت النسبة بينهما ((من وجه)).
توضيحه: أنه كلما قام خبر ثقة على أمر ما فإنه قد يفيد الاطمئنان الشخصي وقد لا يفيد ذلك؛  فمن حيث المتعلق خبر الثقة أعم من وجه، ومن الجهة الأخرى فانه: كلما اطمأننت به اطمئنانا شخصياً فقد يكون خبر الواحد قائماً عليه وقد لا يكون كذلك فهذه صور أربعة.
وهنا تظهر الثمرة وهي: أن كلاً من الاطمئنان الشخصي وخبر الثقة حجة وإن افترقا:
أما الاطمئنان؛ فلأن المراد به هو المتاخم للعلم - وهو في بناء العقلاء أي الاطمئنان ـ حجة بلا إشكال، وإن أشكل عليه بعض الأعاظم[40], إذ أنكر في بعض مواضع كتابه ((حجية الاطمئنان الشخصي)) ولكنه بنفسه عدل عن ذلك في مستمسكه وفي مورد آخر.
وأما خبر الثقة ؛ فإنه إذا حصل الاطمئنان الشخصي من خبره وروايته فهو حجة دون شك، ولكن حصول الاطمئنان الشخصي من الرواية ليس شرط حجيته ككافة الظنون النوعية.
فقد اتضح من ذلك: أن النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه وإن كلاً منهما حجة بحياله، فلو قام خبر الثقة على رواية فإنه حتى لو لم يطمئن بها شخصيا فإنها حجة، وبالعكس أي لو حصل الاطمئنان الشخصي لا من خبر ثقة فإنه حجة كذلك، فمتى ما تحقق أحدهما ـ أي خبر الثقة أو الاطمئنان الشخصي ـ فهو حجة، وذلك لأنه في المورد الذي لا يوجد فيه الاطمئنان فإنه مادام مشمولاً بأحد الظنون النوعية فإنه حجة[41].
والحاصل: إن عدم حصول الاطمئنان الشخصي لا يعني انتفاء الحجية عن المورد مطلقاً، فقد يكون حجة من خلال كونه قول أهل الخبرة أو خبر الثقة أو البينة أو غير ذلك من الظنون الخاصة ((النوعية)).
تتمة:
توهم البعض أن الاطمئنان الشخصي عادة غير حاصل في الفقه أو الرجال أو اللغة أو الحديث ـ كبحث صغروي ـ ولكن ذلك غير تام فإن ما نجده بالوجدان هو عكس ذلك في الكثير من المسائل إذ نجد أن الفقيه في علم الفقه أو الرجال أو الدراية كثيراً ما يحصل لديه الاطمئنان الشخصي، وليس المتحقق مجرد ظنون نوعية عامة، وهذا ما يظهر من ملاحظة كتب الفقهاء ومناقشاتهم، فإن من المشهور ـ بالرغم من كل الإشكالات والنقاشات التي يذكرونها ـ إنهم مطمئنون اطمئنانا شخصيا في الكثير ان لم يكن أكثر بحوثهم الرجالية أو فتاواهم الفقهية.

المبنى السابع: الفتوى
وقد يقال: إن حجية قول الراوي هي من باب الفتوى[42]؛ وذلك لأن الراوي يفتي على طبق الرواية، فإن الشيخ الصدوق في الفقيه والكليني في الكافي وغيرهما يفتون بمضامين هذه الروايات.
والنتيجة على هذا المبنى: أنه لو لم يفت الراوي على طبقها فليست بحجة وإن رواها مسندةً.
ولكن هذا المبنى ـ كما لا يخفى ـ ضعيف لأمور:
أولاً: لأنه لو كان قول الراوي حجة من باب الفتوى لاقتصرت حجية روايته على مقلديه دون المجتهدين، على المشهور الذي كاد أن يكون اجماعاً[43]، أي لو كان وجه حجية قول الراوي هي كونه مفتيا لما كان حجة على سائر المجتهدين، والتالي باطل فالمقدم مثله؛ لأنه لا شك في أن قول الراوي حجة على المجتهدين، بل إن أول الحجج عليهم هي أقوال الرواة من أمثال زرارة وحمران ومن أشبه.
وثانياً: يلزم من ذلك سقوط الروايات ـ أكثرها إن لم يكن شبه المستغرق منها ـ عن الحجية على عدد من الأقوال بل على المشهور؛ وذلك أن المشهور يشترطون في المفتي الحياة والعدالة والاجتهاد والإيمان والذكورة والحرية والبلوغ وطهارة المولد، وبعض هذه مجمع عليه فتوى أو احتياطاً، وهذه كلها ليست مشترطة في الراوي ، فان المرأة أو العبد أو غير المجتهد لا يمكن أن يكون مفتيا ومرجعا، لكن يصح كونه راوياً، اللهم الا يدعى انصراف الاشتراط الى غير هذه الصورة، فتأمل.
وثالثاً: ان الفتوى هي حجة من باب الحدس، وأما خبر الراوي فهو حجة من باب الحس، فلا مجال لتوهّم كون مبنى أحدهما هو الآخر.

المبنى الثامن:[44] وثاقة الرواية
وقد يقال ان حجية قول الراوي هي من باب وثاقة الخبر أي المخبَر به واعتباره، وهذا الرأي لا يرى لوثاقة المخبِر الموضوعية، بل الموضوعية لوثاقة الخبر.
وبعبارة أخرى: أن حجية قول المخبر هي طريق لحجية الخبر من بين الطرق، كما أنه لو لم يكن الخبر حجة في حد ذاته لجهة ما[45] لم يكن قول المخبر حجة بالمرة إن ثبت به الصدور.
وبتعبير آخر: كون الخبر موثوقا به هو الذي عليه المدار وبه الاعتبار لا كون الخبر خبر ثقة ، ولا يتوهم أن الحجية لو كان مدارها على وثاقة المخبر به فإنه سيقع في مقابل المبنى الآخر؛ وهو :  مدار الحجية على وثاقة الراوي.
إذ الصحيح: أن مدار الحجية على كليهما على سبيل البدل إن لم يوجد معارض أو لم يتعارضا[46]، وعلى هذا بناء العقلاء، فقد تكون وثاقة المخبِر هي التي عليها المعول، وذلك كما لو لم تكن في الخبر خصوصية ـ من حيث علو المضمون مثلاً ـ تفيدنا الوثوق به[47]؛ وذلك أن الأئمة عليهم السلام كانوا يكلمون الناس على قدر عقولهم، وكان بعض كلامهم بحسب سطوح عقول الناس البسيطة، ومن هنا فلم يكن كل كلامهم بمستوى واحد من حيث البلاغة والبعد العلمي[48].
والحاصل: أنه في كثير من الأحيان لا طريق لنا لإحراز المضمون وصحته إلا بوثاقة المخبرين، لكن الأمر في بعض الأحيان على العكس؛ حيث إن الرواية قد تكون مرسلة ـ وهي ليست بحجة حسب مشهور المتأخرين ـ ولكن عن طريق قوة المضمون أو غيرها قد نصل إلى حجيتها واعتبارها.
والنتيجة: أن وثاقة الرواية طريق ووثاقة الراوي طريق آخر ـ أي الوثوق بالمخبر والوثوق بالمخبر به ـ وذلك لعلو المضمون أو لاعتضاده بقرائن أخرى تؤيده فيورث المجموع الاطمئنان، وعليه فإن المصب النهائي واحد وهو الخبر ولكن الطريق إليه طريقان، ولهذا البحث تفصيل نكتفي في المقام بهذا المقدار من الكلام[49].

بحث تطبيقي[50]:
لو تنزلنا وسلمنا بأن توثيقات الصدوق والطوسي ـ مثلا ـ لمراسيلهم كانت حدسية بقول مطلق واجتهاداً محضاً أو كونها محتملة لذلك على الأقل، وأنها ليست من نوع الحدس القريب من الحس، أو قلنا إن هذا أيضاً ملحق بالحدس، إلا أنه يوجد عندنا وجه آخر يمكن من خلاله الاعتماد به على مراسيلهما، وهو أن قول الصدوق والطوسي يمكن القول بكونه حجة من باب حجية قول أهل الخبرة لا من باب النبأ وخبر الواحد[51]، ومقتضى التحقيق هو أن قول أهل الخبرة حجة على الفقيه المجتهد أيضاً لأمور[52]:

الأمر الأول: أن الصدوق والطوسي يصدق على كلٍّ منهما أنه ((فقيه)) وأنه من ((أهل الذكر)) وأنه ((نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا))، بل هما في الحقيقة في أعلى درجات الخبروية والفقاهة والنظر والمعرفة، بالإضافة إلى أن كلا منهما قد ضمِن ما في كتبه واستند إلى رواياته المرسلة، وبالتالي فسوف تشمله كافة الأدلة الدالة على حجية قول أهل الخبرة.
ومما يجدر الالتفات إليه أن هذه الحجية غير مقيدة بالوثوق الشخصي، ولا تختص بمن حصل له اطمئنان برواية الطوسي أو الصدوق، بل ملاكها الوثوق النوعي، فحتى المجتهد الآخر لو لم يحصل له الوثوق الشخصي باعتبار هذه المرسلة التي بين يديه، فسوف تكون حجة عليه، لشمول تلك الادلة له، فتأمل[53].

الأمر الثاني: أن العقلاء لا يبنون على أن قول أهل الخبرة حجة في حق العامي فقط، بل بناؤهم على أنه حجة أيضا حتى على الفقيه الذي لم يجتهد في تلك المسألة بالفعل، ولو لعدم قدرته على إعمال الاجتهاد فيها كما في المقام؛ حيث لا طريق للفقيه لتحقيق حال الرواة نظراً لعدم ذكر السند.
بل أن بناء العقلاء وسيرتهم قائمة على أن قول أهل الخبرة هو حجة في حق أهل خبرة آخر تصدى بالفعل للاجتهاد في المسألة إلا أنه لم يصل إلى نتيجة لا سلبا ولا إيجابا.
ومما يرشد الى ذلك أن الطبيب لو بحث عن تشخيص مرضه ولم يفلح، فله أن يراجع بعض أهل الخبرة ويعتمد على تشخيص أحدهم. ولو لم يفعل ذلك لتعرض لِلوّم والذم بل للعقاب لو كان الضرر بالغاً أو عدّ إغراءً بالجهل بل مطلقا، فتأمل.
والنتيجة: إن الطوسي والصدوق ـ وهما في أعلى درجات الخبروية الرجالية والروائية والحديثية والتفسيرية، ويفوقان النجاشي - صاحب الخبرة الرجالية فقط - ما داما قد ذكرا هذه الرواية واستندا إليها فإنها ستكون حجة على المجتهد الآخر الذي لم تسنح له الفرصة كي يحقق أو حقق وبحث وفحص ولكنه لم يتوصل إلى نتيجة.

الأمر الثالث: بل نقول إنه يصدق عليه حينئذ أنه جاهل رجع لعالم ؛ لأنه جاهل بالفعل بالحمل الشائع الصناعي وإن كان عالماً بالقوة، وهذا الرجوع منجّز ومعذر[54]، وقول العالم في حق الجاهل حجة كما هو واضح.
إذن المجتهد الذي لم يُفعّل اجتهاده في هذه المسألة ـ لأي سبب كان ـ فهو جاهل بالفعل فتشمله أحكامه ومنها جواز الرجوع لغيره.
ومما ينبغي الالتفات إليه أن النتيجة التي وصلنا إليها حتى الآن تختلف عما عليه المشهور نظريا، ولكنها توافق ما يقوم به بعض الفقهاء، بل الكثير منهم على مستوى العمل فإن الواقع يشهد بأن الكثير منهم، مقلّد في الكثير من المسائل الرجالية والنحوية والصرفية والبلاغية والمنطقية ونظائرها، والتي يبتني عليها الاستنتاج النهائي للحكم الشرعي الفرعي، وذلك اما لأنه لا يمتلك الوقت الكافي ليحقق في كل مسألة مسألة من المسائل الدرائية والرجالية[55] والمنطقية والبلاغية وغيرها، أو لأنه في ارتكازه العقلائي يرى صحة التقليد فيها وهو المطلوب، أو لغير ذلك مما أشرنا له في مبحث الاجتهاد والتقليد[56].
بل يوجد من فحول الأصوليين والفقهاء من يقلّد غيره في بعض المسائل الفقهية ويكفينا الشيخ الاصفهاني مثالا على المجتهد المقلد لغيره في بعض المسائل الفقهية، وقد صرح هو بذلك كما نقل عنه أنه يقلد بعض معاصريه في العديد من مسائل الفقه، مما لا يسع وقته للنظر فيها.
بل يمكن القول أنه على هذا جرت سيرة المجتهدين قاطبة ولو في بعض العلوم، فحتى المتشددين من الفقهاء لو تفحصنا حاله فسنجد أنه في الواقع مقلد في بعض أو كثير من مبادئ الاستنباط، مع أنه قد يُستند إلى أن النتيجة تتبع أخس المقدمات؛ فإن المجتهد في الفقه أو القواعد الفقهية إذا كان مقلدا في مسألة أصولية أو رجالية أو نحوية بأن كان قد أخذها مسلمة من مظانها فإنه في النتيجة مقلد كما ذهب إليه بعض الأعلام[57]، فممّا لا شك فيه أن البحوث الفقهية أو الأصولية تبتني على مقدمات واستدلالات نحوية وصرفية وبلاغية ومنطقية ورجالية وكلامية، فهل اجتهد كل فقهائنا في كل مسألة مسألة في المواضيع المنطقية؟ خاصة ما يحتاج منها إلى إعمال نظر وتثبت، كشروط إنتاج الشكل الرابع[58]، وكالموجّهات؟ بل إن المجتهدين في المنطق قليلون جدا[59]، وكذلك الأمر في النحو والصرف والبلاغة، فإن المجتهدين في الغالب هم مقلدون في هذه العلوم لا مجتهدون، والمجتهدون في النحو ـ مثلا ـ قليلون جداً، ومن اجتهد منهم يسمى إماماً وما أقلّ الأئمة في النحو ونظائره، من الفقهاء.

الأمر الرابع: بل يمكن الوصول صناعياً إلى نتيجة جديدة- وإن لم يقل بها أحد فيما نعلم - وهي أنه يمكن للمجتهد بالفعل في مسألة ما، أن يرجع لغيره في تلك المسألة بعينها ما لم يقطع بالخلاف[60] و ذلك بنحو الحجية التخييرية.
فإن قلت: أليس هذا هو رجوع العالم للجاهل ؟
قلت: بل هو رجوع العالم للعالم  - إن كان الآخر[61] مساويا له أو أعلم بقول مطلق أو أعلم في هذه المسألة[62] ـ  بالحمل الشايع الصناعي.
لا يقال: إن الآخر جاهل بزعم مخالفه في الاجتهاد ؟
إذ يقال: إن الأحكام ـ ومنها الحجية ـ لا تدور مدار زعم هذا الطرف أو ذاك بل تدور مدار عالم الثبوت والواقع، وذلك لأن الاسماء موضوعة لمسمّياته الثبوتية، فعدم رؤية هذا أو ذلك عالما لاختلاف الاجتهادين لا ينفى صدق العالم عليه ثبوتا و بالحمل الشائع الصناعي، سلّمنا لكن المدار في صدق الأسماء وموضوعات أحكام الشارع هو العرف، ولا شك أن العرف يرى كلاً منهما عالماً و أهل ذكر و فقيها و أهل خبرة و مقتضاه الحجية التخييرية كما سبق.
لا يقال: ذهن الفقيه مرآة للواقع والعرف.
إذ يقال: إنه وإن صح إلا أنه فيما لم يعلم التخالف كما في المقام، بل الفقيه بنفسه لو لاحظ ما ذُكِر، لرآى صدق العالم على الآخر عرفاً وإن رآه ـ بما أنه شخص ـ جاهلا[63]، فتأمل[64].
هذا كله إضافة الى النقض بأن غير المجتهد كثيرا ما يزعم أن المجتهد جاهل و مخطأ في هذه المسألة ـ وما أكثر الزاعمين ذلك في هذا الزمان ـ فهل يسوّغ ذلك له عدم التقليد؟ اللهم لو كان قاطعا فإن حجيّة القطع ذاتية على مبنى كثير من المتأخرين.
ولا يجاب: بأن رأي غير المجتهد ونظره ليس بحجة.
إذ يجاب: بأن الكلام في أنّ العنوان المأخوذ في الروايات موضوعاً للحجية هو عنوان ثبوتي او عرفي؟ وهذا غير مرتهن بنظر الشخص مجتهدا كان أم لا، إضافة إلى أن المجتهد ـ كغير المجتهد ـ في صورة تعارض الرأيين، رأيه غير حجة على المبنى المعروف وإن كنا لا نقبله.
والحاصل: إنّنا امّا أن نقول بشمول أدلة الحجية للاجتهادين المتخالفين أو لا؟ فعلى الأول فالحجية التخييرية ثابتة واضحة، وعلى الثاني فحال الفقيه في عدم حجية رأيه هو حال العامي، والمرجع الصدق العرفي، فتأمل.
والمستند في ذلك هو: أن أدلة الحجية شاملة لهذين الاجتهادين المتعارضين بوزان واحد في وقت واحد[65]؛ فإن رأي كل مجتهد حجة للعمومات؛ فيمكن لكل مجتهد أن يعمل برأي مجتهد آخر لشمول العمومات لهما بوزان واحد، ودعوى كل منهما اختصاص أدلة الحجية به، هي دعوى من دون دليل ولا مرجح، كما فصلناه في مبحث آخر[66].
ولكن نقول: إن رجوع هؤلاء المجتهدين لمجتهد آخر أو لأهل الخبرة لا يعدّ تقليدا لهم؛ لأنه رجوع لأهل الخبرة وليس تقليداً، أو أن عدّ تقليداً فإنه لا يقدح في صدق ((المجتهد)) على من اجتهد في ما ترتب عليها فقط، أي اجتهد في المسألة الأصولية والفقهية فقط دون مبادئ الاستنباط من المسائل الرجالية أو النحوية وشبهها والتي ابتنى استنباط الحكم الفقهي الفرعي في علته المُعِدَّة البعيدة، عليها.
إذن رجوع المجتهدين للشيخ الصدوق وللشيخ الطوسي في توثيقهما للمراسيل لا يعدّ تقليدا بل هو رجوع لأهل الخبرة، بل لو فرض أنه تقليد فإنه مما لا يقدح في كونه مجتهداً في ((المسألة الفقهية)) وإن ابتنت على المسألة الرجالية، كما فصلناه في مباحث الاجتهاد والتقليد [67].

بحث تطبيقي آخر: الاعتماد على مراسيل الصدوق لكون خبره خبر الثقة[68]
إذا كانت العصابة قد أجمعت على تصحيح ما يصح عن ابن أبي عمير لأنه لا يروي إلا عن ثقة، فيحق لنا أن نصحح ونعتمد مراسيل الشيخ الصدوق، وذلك لأن الشيخ الصدوق قد صرح أنه لا يذكر ((إلا ما يفتي به))-  أي من خلال الحدس ((ويحكم بصحته)) الظاهر في انه أراد من خلال الحس[69]، وهذا تأكيد منه على توثيق كافة رواياته مضمونا وسندا، في حين إن ابن أبي عمير لم يصرح، إلا أن الأصحاب استنبطوا أنه لا يروي إلا عن ثقة[70]، فكيف نهجر مراسيل من يصرح انه لا يروي إلا ما يحكم بصحته، بينما من لم يصرح انه لا يروي إلا الصحيح نتمسك بمراسيله ونعمل بها! وسيأتي بعد قليل[71] تحقيق ذلك.
آراء الشيخ البهائي وبحر العلوم والمحقق الداماد بمراسيل الفقيه
يرى الشيخ البهائي قدس سره أن مراسيل كتاب (من لا يحضره الفقيه) والبالغة حوالي 2050 ألفين وخمسين خبرا كلها حجة، وقد استدل على ذلك بوجوه كما أنه نَقَل عن بعض أعلام الأصوليين أن مراسيل العدل أقوى من مسانيده.
بل أن الشيخ البهائي ذهب إلى أن مراسيل الشيخ الصدوق لا تقصر عن مراسيل ابن أبي عمير فقد قال في "شرح الفقيه" عند قول الصدوق: وقال الصادق جعفر بن محمد عليه السلام: ((كل ماء طاهر حتى تعلم أنه قذر))، (( هذا الحديث من مراسيل المؤلف وهي كثيرة في هذا الكتاب تزيد على ثلث الأحاديث الموردة فيه، وينبغي أن لا يقصر الاعتماد عليها عن الاعتماد على مسانيده من حيث تشريكه بين النوعين في كونه مما يفتي به ويحكم بصحته ويعتقد انه حجة بينه وبين ربه، بل ذهب جماعة من الأصوليين إلى ترجيح مرسل العدل على مسانيده محتجين بأن قول العدل "قال رسول الله كذا" يشعر بإذعانه بمضمون الخبر، بخلاف ما لو قال حدثني فلان عن فلان انه صلى الله عليه وآله قال كذا، وقد جعل أصحابنا رحمهم الله مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده في الاعتماد عليها لما علموا من عادته انه لا يرسل إلا عن ثقة))[72]، وقد نقل ذلك عنه المحدث النوري في خاتمة المستدرك الفائدة الخامسة.
وقال المحقق الداماد في الرواشح السماوية: ((وإنما يتم إذا كان الإرسال بالإسقاط رأساً والإسناد جزماً كما لو قال المرسل: قال النبي أو قال الإمام، وذلك مثل قوله الصدوق في الفقيه: قال عليه السلام: ((الماء يطِّهر ولا يطَّهر))[73] إذ مفاده الجزم أو الظن بصدور الحديث عن المعصوم عليه السلام فيجب ان يكون الوسائط عدولاً في ظنه وإلا كان الحكم الجازم بالإسناد هادماً لجلالته وعدالته))[74].
وقال: ((وعلى هذا لا يختص الأمر بجماعة معدودة نقل الكشي إجماع العصابة على تصحيح ما يصح عنهم، بل كل من يثبت بشهادة النجاشي أو الشيخ أو الصدوق أو غيرهم من اضرابهم، انه في الثقة والجلالة بحيث لا يروي عن الضعفاء ولا يحمل الحديث إلا عن الثقات، فان مراسيله يجب أن تكون مقبولة))[75].
وقال السيد بحر العلوم: ((إن مراسيل الصدوق في الفقيه كمراسيل بن أبي عمير في الحجية والاعتبار، وأن هذه المزية من خواص هذا الكتاب، لا توجد في غيره من كتب الأصحاب))[76]، وتبنّى ذلك المحقق التفريشي في شرحه على (الفقيه) أيضاً.
بل نقل السيد بحر العلوم الإجماع فقال: ((وأحاديثه ـ أي الفقيه ـ معدودة في الصحاح من غير خلاف ولا توقف من أحد حتى أن الفاضل المحقق الشيخ حسن بن الشهيد الثاني مع ما علم من طريقته في تصحيح الأحاديث، يعد حديثه من الصحيح عنده وعند الكل))[77][78].
وقد جرت سيرة العديد من الفقهاء على أن يذكروا في رسائلهم العملية بعض الفتاوى على طبق رأي المشهور رغم أنهم يتوصلون في بحث الخارج إلى نتائج مغايرة، وقد يكون ذلك لاعتقادهم أن رأي الفقهاء الآخرين حجة مثلما أن رأيهم حجة فيما لم يطمأنوا بالخلاف فتأمل، ولنا أن نستدل على ذلك بان الأدلة الدالة على جواز الإفتاء تشملهم جميعا بوزان واحد[79].
ومما يؤيد هذه النتيجة ما جاء في كتاب ((تعليقة السيد علي القزويني على معالم الأصول))[80]: ذهب المشهور إلى أن المجتهد الذي اجتهد في حكم شرعي ثم تجددت له الواقعة لا يجب عليه أن يعيد النظر في كافة الأدلة السابقة إلا لو تغير اجتهاده الأول أو نسي حتى الحكم الحاصل من الاجتهاد الأول؟

وأما غير المشهور فلهم ثلاثة آراء:
الأول: يجب على الفقيه تجديد النظر مطلقاً في كافة الأدلة المتعلقة بالمسألة التي يحتمل أن يتغير رأيه فيها فيما لو أعاد قراءة الأدلة من جديد.
الثاني: قال المحقق الحلي قدس سره : لو نسي الفقيه أدلته التي استند إليها فلا يجوز له أن يفتي على حسب فتواه السابقة، بل عليه أن يستحضر الأدلة من جديد ويراجعها مع مبانيها.
وعن النهاية نسبته إلى قوم وحكي القول به عن الإمام والآمدي وفي كلام بعض الأفاضل نسبته إلى السيد العميدي وإلى العلامة في قواعده انه تفصيل حسن يقرب من قواعدهم الفقهية .
والمشهور لم يصيروا إلى هذين الرأيين، والحق معهم نظراً لبناء العقلاء وإطلاق الأدلة[81].
الثالث: وهناك تفصيل أقوى[82] يذكره الفاضل الجواد في شرحه على الزبدة وقد مال إليه، كما نفى البعد عنه في الزبدة، وهو : لو أن الفقيه ازدادت ملكته-  بعد أن كثر اطلاعه على الأدلة والقواعد ووجوه دلالاتها وعلى الأشباه والنظائر ولاحظ مختلف أبواب الفقه وكثرت ممارسته - فيجب عليه هنا أن يعيد الاجتهاد في بحوثه الماضية كلها لاحتمال أنه لو نظر من جديد لتغيرت فتاواه.
والجواب عن الكل: ان هذا الاحتمال لا يقدح في حجية الظاهر وحجية الظنون النوعية ومنها الاجتهاد. نعم، لو قوي الاحتمال جدا بحيث ألغى الظن النوعي ببقائه على فتاواه السابقة فيما لو راجعها، وجبت المراجعة.
ومن هنا يتضح حال الملاك والجامع، ومن فروعه: أن مثل الشيخ الطوسي لو وثّق مرسلة، فانه وان صح أن المجتهد يحتمل أنه لو راجع سلسلة السند بنفسه لما وافقه، ولكن هذا المقدار من الاحتمال لا ينفي الحجية؛ لشمول أدلتها النقلية ولعموم بناء العقلاء[83].

 

---------------------
* * هذه المباحث الاصولية تجميع لما طرحه سماحة السيد الاستاذ في مختلف كتبه وبحوثه، قام باعدادها وجمعها و ترتيبها مشكوراً فضيلة الشيخ عطاء شاهين وفقه الله تعالى
[1] على اختلاف في هذه العناوين؛ فإن بعض تلك المباني يجري في بعضها لا غير، فليلاحظ.
[2] لغة ورجالا ومضمونا للرواية وغيرها.
[3] أقول : ومن خلال كلام المتن يتبين لك الفرق بين الانسداد الكبير والانسداد الصغير، ومع ذلك سيأتي من الماتن الكلام حول الفرق بينهما صريحاً ومفصلاً.
[4] لا يخفى أن مصاديق الانسداد الصغير عديدة، منها: انسداد باب العلم بالرجال، ومنها: انسداد باب العلم بالفروع الفقهية، والنسبة بينهما هي العموم من وجه، ومنها غير ذلك، فتدبر.
[5] الكشي معاصر لابن قولويه المتوفى 369،  والنجاشي توفي 450 ، والطوسي توفي 460 ، والغضائري الأب توفي 411،  والزراري (أبو غالب) توفي 368،  والصدوق توفي 381 ، والبرقي الأب توفي 280.
[6] إذ أن النجاشي مثلاً يقول: (فلان ثقة) وتوثيقه في كثير من الأحيان مرسل، كغيره غالباً.
[7] إذ أنه يروي عن فلان عن فلان عن فلان وينقل رواية أو غيرها ولربما أرسل كما في العباس بن صدقة ومن سبقه ولحقه.
[8] نقل عن معالم الدين : ص 196عن  السيد المرتضى في التبّانيات: إن أكثر اخبارنا متواترة.
[9] قد مر الإشارة اليه في الفصل الثاني مبحث حجية مراسيل الصدوق تحت عنوان (تواتر اكثر الروايات) فراجع.
[10] هذا مصداق آخر للانسداد الصغير كما لا يخفى.
[11] قال المحقق النائيني قدس سره في فوائد الأصول: ج3ص97: وحاصل الفرق بين الانسداد الكبير والانسداد الصغير : هو أن مقدمات الانسداد الكبير إنما تجرى في نفس الأحكام ليستنتج منها حجية مطلق الظن فيها ، وأما مقدمات الانسداد الصغير  فهي إنما تجرى في بعض ما يتوقف عليه استنباط الحكم من الرواية من إحدى الجهات الأربع المتقدمة ليستنتج منها حجية مطلق الظن في خصوص الجهة التي انسد باب العلم فيها .
[12] نعم قد يكونان داعيين للعقلاء مقتضيين للبناء.
[13] ومرجحيتها لذي طريقه ـ كما سيأتي.
[14] فتدبر فانه دقيق.
[15] اللغوي والراوي بل والمفتي.
[16] وهنا دخلنا في باب الانفتاح وعالمه حيث كان المبنى الأول والثاني من باب الانسداد، وأما المباني الستة القادمة فكلها من الباب الآخر أي على الانفتاح.
[17] قيدنا (باقتضاءاً) إذ لابد من اجتماع سائر الشروط المعروفة فيه.
[18] كما لو أخبر ثم مات، كما في كل ما بأيدينا من كتب الماضين.
[19] إذ لا يشترط العدد في مطلق البينة؛  بل في بعض أنواعها فقط على ما ذهب إليه بعض الأعلام كالسيد الوالد.
[20] ولا يخفى أن الشهادة أعم من البينة بحسب بعض اطلاقاتها، فلو قيل باشتراط شروط خاصة في البينة، فإنه لا يستلزم ذلك اشتراطها في مطلق الشهادة فيمكن الالتزام بكون قول الرجالي والراوي واللغوي، شهادة دون كونها بينة، فلا يشترط فيها شروطها.
[21]سورة الطلاق: 2.
[22] وأما الشهادة فقد قال صاحب الجواهر بأنه :لا حقيقة شرعية لها قطعاً.
[23] سورة البينة : 1ـ2.
[24] ففي الشهادة يعتبر اللفظ.
[25] الكافي: ج5ص314 ،  وتمام الرواية عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام  قال : سمعته يقول : كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك؛ وذلك مثل الثوب يكون قد اشتريته وهو سرقة، أو المملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع أو قهر ، أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك ، والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة .
[26] فان يستبين استفعال من بان ويراد به بان وظهر لا طلبه.
[27] أي طبيعيُّهما ليس كذلك، إلا ما اجتمعت فيه شروط البينة أو افاد بالقرائن العلم.
[28] لكنه خارج موضوعاً عن مورد الرواية.
[29] حجية مراسيل الثقات: ص187.
[30] هناك وجوه لتوثيق مسعدة ـ بعضها على المبنى  - فمن تلك الوجوه : أولاً:  روى عنه في تفسير القمي ، وثانياً:  وورد في إسناد كامل الزيارات ، وثالثاً:  قد وقع في 139 مورداً من الكتب الأربعة ، ورابعاً : قد ذكره الصدوق في مشيخة (الفقيه) في المعتمدين ، وخامساً:  قد أكثر الثقة الجليل الحميري في قرب الإسناد من الرواية عنه ، وسادساً : أن خصوص روايته هذه قد تلقاها الأصحاب بالقبول، ولا يضر بوثاقته كونه عامياً  كما قال الطوسي ، أو بترياً كما قاله الكشي ، بل في المعجم :  إنه غير مسعدة بن صدقة العامي كما وصفه الشيخ، والبتري كما وصفه به الكشي.
ولا يورد عليه اضطراب رواياته إذ هي على القاعدة،  قال المجلسي الأول في روضة المتقين :  (الذي يظهر من إخباره في الكتب انه ثقة لأن جميع ما يرويه في غاية المتانة موافق لما يرويه الثقات، ولهذا عملت الطائفة بما رواه بل لو تتبعت وجدت أخباره أسد وأمتن من أخبار مثل جميل بن دراج وحريز)،  انظر خاتمة المستدرك : ج5ص252.
وقال العلامة المامقاني  في نهاية المقال ص 254: ومن تتبع أخباره يحصل له العلم بانه أثبت من كثير من العدول.

[31] ومناقشة هذه الوجوه وجرحها أو تأييدها وتأكيدها تترك لمحلها.
[32] وقد اشرنا الى ذلك ، لأن البعض قد توهم أن الاطمئنان كالقطع حجيته ذاتية وليس هذا بصحيح،  فإنه يحتاج لمتمم الكاشفية والجعل.
[33] نعم قد يقيد ذلك بكون منشأ الاطمئنان عقلائياً، لا من مثل طيران الغراب والمنامات والقياس ، ومرجع هذا الى اشتراط اجتماع النوعين: الاطمئنان الشخصي والنوعي، فتأمل.
[34] والاستثناء لا ينفي القاعدة بل يؤكدها، فتأمل.
[35] إذ الاطمئنان الحاصل من ملاحظة المضمون نوعي، فتأمل ، فإنه بدوره على نوعين ، فتدبر.
[36] كالآية: ( إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا )  وما أشبه.
[37] كفاية الأصول: ص 332.
[38] وهنا يوجد كلام حول مقصود صاحب الكفاية وأن مراده هو الاطمئنان الشخصي أو النوعي؟ فراجع.
[39] إذ قد يقال إن اعتضاد الخبر بالشهرة، يوجب الوثوق النوعي لا الشخصي، وإن كانت الشهرة في حد ذاتها غير معتبرة.
[40] السيد الحكيم قدس سره في المستمسك.
[41] وسيأتي البحث إن شاء الله تعالى مستقبلا ـ في مبحث الاجتهاد والتقليد ـ حول (الاطمئنان الشخصي) وبعض مناشئه غير العرفية، وأنه لو حصل منها الاطمئنان الشخصي فهل هي حجة أو لا ؟ وذلك مثل (الرؤيا) حيث إن البعض ـ حتى المتدينين ـ يتعاملون مع الرؤيا تعامل الحجة بل لعلها من أقواها عند بعضهم، وصاحب القوانين قدس سره يرى حجية الرؤيا في الجملة، والسيد العم دام ظله ينقل في بيان الفقه رواية صحيحة على ذلك، كما تطرق لذلك صاحب البحار تفصيلاً ولكن مع ذلك لم يذهب المشهور إلى حجية الرؤيا، والتفصيل موكول إلى محله وقد فصلنا وجوه عدم حجية المنامات والأحلام ووجوه القول ومناقشاتها في كتاب : فقه الرؤي دراسة فقهية وأصولية في عدم حجية الأحلام.
[42] وقد استظهر المحقق المامقاني قدس سره ذلك ـ أي كون حجية قول الرجالي بالذات من باب الفتوى من كلام صاحب الفصول قدس سره ، لكنه متأمل فيه.
[43] وقد ناقشنا في ذلك في موضع آخر وإن الحجية التعينية هي المنتفية لا التخييرية إلا لو علم بالخلاف.
[44] نشير إليه باختصار وبمقدار العناوين فقط.
[45] كمخالفته للكتاب، فالكلام مقيد بصورة امتناعه عن الحجية لا لا بشرطيته عنها وصِرف عدم الحجية لعدم الدليل عليها من جهة أخرى. فتدبر.
[46] ولو تعارضا فله صور.
[47] أو العكس.
[48] ومن كلام أمير المؤمنين عليه السلام في موضع آخر ( لكنني أسففت إذ أسفّوا وطرت إذ طاروا ).
[49] حجية مراسيل الثقات: ص 194.
[50] هذا البحث تطبيقاً لما جاء في المبنى الثالث في الفائدة المتقدمة.
[51] أقول : ولعله يرد على كلامه دام ظله في هذا الوجه بعض التناقض فيما سبق منه ؛ حيث  جاء في الفائدة السابقة : (وأما الراوي فقوله ليس بحجة من باب كونه من أهل الخبرة؛ وذلك لأنه يعتمد في إخباره على الحس من خلال السماع أو الرؤية أو المناولة؛ ولذا فالرجوع إليه هو لكون خبره خبر الثقة )  ويمكن دفع ذلك بأن يقال لعله أراد من الجملة الأخيرة  وهي  (ولذا فالرجوع إليه هو لكون خبره خبر الثقة)  ما جاء في الفائدة التي بعدها : (وأما حجية قول أهل الخبرة فهي ليست من باب التعبد، بل للكاشفية النوعية عن الواقع) أو أنه  أراد منه ما جاء في الأمور الأربعة من هذا البحث ،  فلاحظ.
[52] ما سيأتي ادلة لإثبات الكبرى، فالصغرى تبعاً.
[53] إذ قد يقال بانصراف تلك الادلة عن المجتهد و كون الخطاب في بعضها للمقلد أو هو مردد، وكون الأمر لمَن لا يعلم ، والمجتهد يعلم، فتأمل ؛ إذ اجبنا عن ذلك بالتفصيل في بحث آخر، فلاحظ مباحث الاجتهاد والتقليد  في مبادئ الاستنباط , كما تطرقنا لذلك ضمن مطاوي هذا الكتاب.
[54] بل كاشف نوعي عن الواقع.
[55] هناك رأي آخر غير رأي السيد الأستاذ أعلاه يقول: قد يجد المجتهد الوقت الكافي للتحقيق في كل مسألة مسألة، راجع ج1ـ ج3 من كتاب بحوث في مباني علم الرجال.
[56] فصلنا الحديث عن ذلك في كتاب ((الاجتهاد في مبادئ الاستنباط‏)).
[57] كالسيد الخوئي، في مصباح الأصول.
[58] بل والأشكال الأربعة وشروطها وهي ((مغكب )) للشكل الأول، ((خينكب )) للثاني، ((مغكاين)) للثالث و ((مينكغ أو خينكاي )) للشكل الرابع.
[59] كالعلامة الحلي مثلاً.
[60] لأن القطع ـ أي خصوص العلم بنظرنا ـ حجيته ذاتية.
[61] أي من رجع له.
[62] أي أعلم متجزياً.
[63] أي رأى الصدق العرفي وإن لم يرَ تحققه وصدقه بنظره.
[64] لانحلال العالم وكونه جاهلا بالفعل بنظره في هذه المسألة، فتأمل؛ إذ ملاك الصدق بنظر العرف وكون نظره مرآة لنظرهم انما هو فيما لو لم يعلم نظرهم وأنه مخالف لهم.
[65] أجبنا عن إشكال (عدم شمول ادلة الحجية للمتعارضين وتساقطهما) بالتفصيل وبوجوه ستة في كتاب ((شورى الفقهاء)) كما اضفنا للأجوبة هناك أجوبة أخرى أكثر في بعض مباحث الخارج.
[66] يراجع آخر كتاب ((شورى الفقهاء دراسة فقهية أصولية)).
[67] حجية مراسيل الثقات : ص 39 وللبحث صلة وتتمة في نفس هذا المصدر .
[68] وهذا البحث تطبيقاً لما جاء في المبنى الرابع في الفائدة المتقدمة.
[69] فصلنا النقاش حول ذلك في موضع اخر.
[70] مع أنه يمكن أن لا يكون مبناه ذلك بل صرف أنه لا يروي الا الرواية الموثقة ، أي أن يعتمد وثاقة الرواية  دون خصوص وثاقة الراوي، بل لو بني على عدم الرواية الا عن الثقة فمن اين توافق اجتهادنا الرجالي مع اجتهاده في التوثيق ؟ قد أجبنا على كلا الاشكالين في ما سيأتي، فلاحظ.
[71] بعد حوالي صفحتين أو أقل.
[72] خاتمة مستدرك وسائل الشيعة: ج5 ص 122 عنه.
[73] من لا يحضره الفقيه : ج1ص5.
[74] الرواشح السماوية: ص174 .
[75] الرواشح السماوية: ص174.
[76] الفوائد الرجالية السيد بحر العلوم: ج3 ص300.
[77] الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم: ج3 ص299، راجع بقية كلامه.
[78] حجية مراسيل الثقات: ص61 ، وللبحث صلة في نفس هذا المصدر.
[79] قد يقال ردا على كلام السيد الماتن: بأن هذا من باب الاحتياط لا الحجية ، المقرر.
والجواب: أولاً: قد يكون الاحتياط في ترك الاحتياط مطلقاً أو من جهة ومع ذلك يطلِقون، كما في مثال بلوغ الفتاة في سن الثالثة عشرة، ومثال حجم الكر بالأشبار فيما لو انحصر التطهير والتطّهر بالأقل ـ كما فصلناه في بحث الاجتهاد والتقليد ـ وغير ذلك، وثانياً: لو كان من باب الاحتياط لوجب أن تصاغ الفتوى بصيغة الأحوط، مع أنهم أحياناً يطلقونها كفتوى وأحياناً يقولون المشهور كذا، وثالثاً: لعل بعض الموارد لا تكون فيها فتوى المشهور مطابقة للاحتياط. وفي بعض ما ذكر تأمل، فتأمل. وعلى أي فإن ذلك لا يعدو كونه مؤيداً، والعمدة الأدلة وهي ما سبق ويلحق في المتن.
[80] تعليقة على معالم الأصول: ج7 ص346.
[81] أي إطلاق أدلة حجية رأي الفقيه سواء أنسي الأدلة أم لا وسواء احتمل تغيير رأيه أم لا.
[82] لو لم نقل بما قاله المشهور، فإنه أقوى من سابقيه.
[83] حجية مراسيل الثقات : ص 97.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3046
  • تاريخ إضافة الموضوع : 9 جمادى الآخرة 1439هـ
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 09 / 24