• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : الفوائد والبحوث .
              • الموضوع : 262- مباحث الاصول: بحث الحجج (حجية الشهرة) (4) .

262- مباحث الاصول: بحث الحجج (حجية الشهرة) (4)

مباحث الاصول: بحث الحجج (حجية الشهرة)

جمع واعداد: الشيخ عطاء شاهين*

الفائدة الرابعة: أن الرواية الضعيفة  المشهورة  تتقدم على الرواية الصحيحة الشاذة ؛ لأن الظن النوعي الحاصل من الشهرة أقوى من الظن النوعي الحاصل من تلك الصحة ، بل أن المشهور قد التزموا بمرجحية الشهرة الفتوائية وإن تجردت عن الروائية ؛ بل ويمكن الترجيح  ما يوجب كون أحد الخبرين أقل احتمالاً لمخالفة الواقع ، وبذلك ظهر أن الشهرة العملية أقوى من الشهرة الروائية؛ لأن نقل المشهور للرواية أعم من الالتزام بصحتها سنداً وبدلالتها متناً.

بحث تطبيقي:
وأما الحديث عن المرفوعة (خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر، فقلت يا سيدي: إنهما معاً مشهوران مأثوران عنكم، فقال: خذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك)[1].
فنقول: إن الإمام عليه السلام هنا قدم الترجيح بالشهرة والشذوذ على الترجيح بصفات الراوي ؛ وهذا  يعني أن الرواية المشهورة تقدم وإن كانت أضعف سنداً على الرواية الشاذة رغم صحة سندها؛ وذلك كله يعني أن الظن النوعي الحاصل من الشهرة أقوى من الظن النوعي الحاصل من الصحة والحسن والممدوحية حسب الضوابط المذكورة في الأصول والدراية، وأن المشهور أقرب إلى الواقع من غيره وإن كانت له سائر المرجحات.
والمقبولة[2] وإن قدمت الترجيح بالصفات على الترجيح بالشهرة والشذوذ – فتأمل[3]- إلا أن عمل الفقهاء على العكس ؛ قال الشيخ قدس سره : المرفوعة وإن كانت ضعيفة السند إلا أنها موافقة لسيرة العلماء في باب الترجيح؛ فإن طريقتهم مستمرة على تقديم المشهور على الشاذ والمقبولة، وإن كانت مشهورة بين العلماء حتى سميت مقبولة إلا أن عملهم على طبق المرفوعة وإن كانت شاذة من حيث الرواية ، حيث لم توجد مروية في شيء من جوامع الأخبار المعروفة ولم يحكها إلا ابن أبي جمهور عن العلامة مرفوعاً إلى زرارة [4].
ولئن تردد في ترجيح المشهور رواية على الشاذ - لكون نقل المشهور رواية أعم من التزامهم بصحتها - فلا إشكال في ترجيحه إذا وافقته الشهرة الفتوائية ، بل أن المشهور التزموا بمرجحية الفتوائية وإن تجردت عن الروائية.
ومن هنا يظهر: ما في كلام الشيخ قدس سره : ولا دليل على الترجيح بالشهرة العملية[5]، وما ذكره بعد ثلاث صفحات عند استدلاله للتعدي عن المرجحات المنصوصة بـ(ومنها: تعليله الأخذ بالمشهور بقوله فإن المجمع عليه لا ريب فيه) حيث قال قدس سره: فيصير حاصل التعليل ترجيح المشهور على الشاذ بأن في الشاذ احتمالاً لا يوجد في المشهور، ومقتضى التعدي عن مورد النص في العلة وجوب الترجيح بكل ما يوجب كون أحد الخبرين أقل احتمالاً لمخالفة الواقع[6].
فنقول: فكيف لا يوجد دليل على الترجيح بالشهرة العملية مع التزامه قدس سره  بـ(التعدي عن مورد النص) و(الترجيح بكل ما يوجب كون أحد الخبرين أقل احتمالاً لمخالفة الواقع) ؛ هذا مع أقوائية الشهرة العملية من الشهرة الروائية باعتبار أن نقل المشهور للرواية أعم من التزامهم بصحتها سنداً وبدلالتها متناً، أما الشهرة العملية - ومورد الكلام فيها في بحث التعادل والتراجيح  هو ما لو وجدت رواية أفتى المشهور على طبقها وهو المسمى بالضعيف المنجبر بعمل الفقهاء به- والتزامهم بمؤدى الرواية فهو يعني التزامهم بصحتها سنداً ودلالتها متناً ، فتأمل. هذا.
ولو سلمنا عدم الأقوائية - بل وعدم المساواة-  فلا أقل من أن الشهرة العملية توجب أقلية الاحتمال فتندرج في عموم العلة ، فكيف لا يوجد دليل على الترجيح بها[7].
 
الفائدة الخامسة: لا يمكن أن توجد  شهرة عملية  بين أصحاب الأئمة عليهم السلام على خلاف كتاب الله تعالى ؛ لأن وجود الإمام عليه السلام يمنع من ذلك ؛ لذا فكلما تحققت الشهرة العملية  في مسألة فقد تحققت معها موافقة الكتاب.
يستحيل ـ عادة ـ وجود شهرة عملية[8] بين فقهاء أصحاب الإمام عليه السلام  على خلاف كتاب الله تعالى، إذ كيف يعقل أن يفتي أكثر أصحاب الإمام عليه السلام  على خلاف القرآن استناداً إلى رواية والإمام عليه السلام موجود بين ظهرانيهم لا يردعهم، بل لا يعقل عادة انعقاد هكذا شهرة بدواً؛ ألا ترى أنه لا يعقل انعقاد شهرة وكلاء مرجع على خلاف رأيه في مسألة والمرجع ساكت لا ينطق بكلمة، ولئن أحتُمل في كذب أو خطأ وكيل على مرجعٍ في فتوى عدم وصول الخبر للمرجع كي يكذّب أو يصحح، فإنه لا يحتمل في انعقاد شهرة وكلائه على الكذب - أو الخطأ في نسبة فتوى إليه - عدم علمه وإنه لذلك لم يصحح أو يكذِّب.
وإذا كان الأمر كذلك في المرجع فإنه أوضح وأكثر بداهة في الإمام عليه السلام الذي لا شك في أنه أكثر إحاطة وأكثر احتياطاً على الشريعة وعلى الأحكام المنسوبة إليه، فكيف يعقل أن تنعقد شهرة أصحابه على خلاف القرآن الكريم استناداً إلى رواية منسوبة إليه ؟
ويؤكده أن الأئمة وأصحابهم كانوا في مرمى ألسنة علماء العامة وسلاطينهم، وترصّد المناوئين لهم، وكانوا يتربصون بهم الدوائر ويتصيدون عليهم الأخطاء، فكيف يعقل أن تنعقد فتاوى وآراء أكثرية أصحابهم على خلاف القرآن الكريم استناداً إلى رواية منسوبة إليهم؟!
وبذلك يمكن تعليل وتفسير عدم ذكر الترجيح بالشهرة العملية في الرواية الآتية، واكتفائها بالترجيح بالمرجح الذي لحقها في المقبولة وهو موافقة الكتاب ثم مخالفة العامة ؛ فقد جاء في الرسالة التي ألفها الراوندي في أحوال أحاديث أصحابنا وإثبات صحتها : عن محمد ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: قال الصادق عليه السلام : إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه، فإن لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه [9].
والحاصل: إنه حيث لا يعقل انعقاد الشهرة العملية على الخلاف؛ لذلك أرجع الإمام عليه السلام  إلى موافقة ومخالفة الكتاب؛ إذ كل ما خالف الكتاب فإنه لا يعقل أن تنعقد الشهرة العملية عليه.
نعم، لا بأس بذكر الشهرة العملية كعلامة إثباتية على تحقق موافقة الكتاب، وبذلك يوجّه ذكرها في المقبولة، وعليه فكلما تحققت الشهرة فقد تحققت موافقة الكتاب، فتدبر جيداً.
والذي يؤكد ذلك ما رواه الكشي في رجاله، قال: حدثني محمد بن قولويه والحسين بن الحسن بن بندار القمي، قالا: حدثنا سعد بن عبد الله، قال: حدثني محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن: أن بعض أصحابنا سأله وأنا حاضر فقال له: يا أبا محمد، ما أشدّك في الحديث وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا؟ فما الذي يحملك على رد الأحاديث؟ فقال: حدثني هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبد الله عليه السلام  يقول: لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة، فإن المغيرة بن سعيد ـ لعنه الله ـ دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي،  فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنة نبينا محمد|، فإنا إذا حدّثنا قلنا: قال الله عز وجل وقال رسول الله.
قال يونس: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر عليه السلام ووجدت أصحاب أبي عبد الله عليه السلام  متوافرين، فسمعت منهم وأخذت كتبهم،  فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا عليه السلام فأنكر منها أحاديث كثيرة أن يكون من أحاديث أبي عبد الله عليه السلام [10].
ووجه الاستشهاد: إن الدس إذا كان منشأ ورود الروايات المخالفة للكتاب والمخالفة للسنة، فإنه لا يعقل انعقاد الشهرة العملية لأعاظم الفقهاء المحيطين بالإمام عليه السلام  وغيرهم من مختلف البلاد على طبق حديث مدسوس، مع علم الأئمة عليهم السلام بالدس، ومع إعلامهم أصحابهم وتحذيرهم من الدس مكرراً ـ كما ورد نموذج من ذلك في الرواية الآنفة ـ ومع إشراف الأئمة عليهم السلام على تصحيح الكتب ورصد المدسوس منها ؛ فكيف يعقل بعد ذلك أن تبقى الرواية المدسوسة، وتشتهر إلى أن يفتي على طبقها أكثر الأصحاب؟ خاصة وأن كتب الروايات ـ ومعظمها الأصول الأربعمائة ـ كانت محدودة يمكن لإمام واحد أن يطالعها في أشهر[11] مثلاً وينقحها ويهذبها، فكيف يعقل أن يبقى الدس ـ وإن فرض بعضه لاحقاً  ـ بحيث يبلغ مرتبة أن يشتهر ويفتي به الأعلام دون أن يرشد إليه الإمام عليه السلام ولو اللاحق منهم، مع وضوح أن الإمام الصادق عليه السلام والإمام الرضا عليه السلام وغيرهما نقحوا الروايات باستمرار[12].


--------------------

* * هذه المباحث الاصولية تجميع لما طرحه سماحة السيد الاستاذ في مختلف كتبه وبحوثه، قام باعدادها وجمعها و ترتيبها مشكوراً فضيلة الشيخ عطاء شاهين وفقه الله تعالى
[1] عوالي اللئالي: ج4ص133.
[2] تقدم الكلام عنها في الفائدة السابقة.
[3] إذ الترجيح بالصفات ترجيح لأحد الحكمين على الآخر لا لإحدى الروايتين على الأخرى في مقام التعارض.
[4] الرسائل: التعادل والتراجيح ص447.
[5] نفس المصدر: ص448.
[6] نفس المصدر: ص450.
[7] شورى الفقهاء: ص 220.
[8] بل وحتى فتوائية.
[9] وسائل الشيعة 27ص 118 ح 29.
[10] اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) 2: 489، ح 401، بحار الأنوار 2: 249، ح 62.
[11] ولنفرض أن مجموعها كان كوسائل الشيعة، فإنه يمكن للخبير أن يطالعه في شهر أو شهرين، فكيف بالإمام عليه السلام؟ وأما تعدد النسخ فإنه يمكن تصحيح نسخة والإرجاع إليها، أو تكليف عدد من العلماء بمقابلة عشر نسخ مثلاً توزع في البلاد لتكون نسخاً مرجعية لهم.
[12] تقليد الأعلم :ص 457.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3085
  • تاريخ إضافة الموضوع : 3 رجب 1439هـ
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 09 / 19