• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : البيع (1438-1439هـ) .
              • الموضوع : 292- الاستدلال ببعض الروایات علی الوضع العام والموضوع له الخاص - وجه احتمال کون وضع أسماء الأجناس من الوضع الخاص والموضوع له الخاص، ومعناه .

292- الاستدلال ببعض الروایات علی الوضع العام والموضوع له الخاص - وجه احتمال کون وضع أسماء الأجناس من الوضع الخاص والموضوع له الخاص، ومعناه

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
(292)


دلالة قوله عليه السلام: ((الْخُبْزُ اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ)) على ان الموضوع له خاص
كما يمكن الاستدلال أيضاً بقوله عليه السلام: ((عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَاشْتِقَاقِهَا، اللَّهُ مِمَّا هُوَ مُشْتَقٌّ؟ قَالَ فَقَالَ لِي يَا هِشَامُ اللَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ إِلَهٍ وَالْإِلَهُ يَقْتَضِي مَأْلُوهاً وَالِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى فَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ دُونَ الْمَعْنَى فَقَدْ كَفَرَ وَلَمْ يَعْبُدْ شَيْئاً وَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ وَالْمَعْنَى فَقَدْ كَفَرَ وَعَبَدَ اثْنَيْنِ وَمَنْ عَبَدَ الْمَعْنَى دُونَ الِاسْمِ فَذَاكَ التَّوْحِيدُ أَ فَهِمْتَ يَا هِشَامُ؟
قَالَ فَقُلْتُ زِدْنِي قَالَ إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً فَلَوْ كَانَ الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى لَكَانَ كُلُّ اسْمٍ مِنْهَا إِلَهاً وَلَكِنَّ اللَّهَ مَعْنًى يُدَلُّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَكُلُّهَا غَيْرُهُ
يَا هِشَامُ الْخُبْزُ اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ وَالْمَاءُ اسْمٌ لِلْمَشْرُوبِ وَالثَّوْبُ اسْمٌ لِلْمَلْبُوسِ وَالنَّارُ اسْمٌ لِلْمُحْرِقِ أَ فَهِمْتَ يَا هِشَامُ فَهْماً تَدْفَعُ بِهِ وَتُنَاضِلُ بِهِ أَعْدَاءَنَا وَالْمُتَّخِذِينَ مَعَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ غَيْرَهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَقَالَ نَفَعَكَ اللَّهُ بِهِ وَثَبَّتَكَ يَا هِشَامُ قَالَ هِشَامٌ فَوَ اللَّهِ مَا قَهَرَنِي أَحَدٌ فِي التَّوْحِيدِ حَتَّى قُمْتُ مَقَامِي هَذَا))([1]) ووجه الاستدلال بالرواية على ان الموضوع له خاص وهو الأفراد الخارجية لا الكلي الطبيعي الذهني انه ظاهر في ان الخبز اسم للمأكول نفسه لا انه اسم لمفهوم المأكول، والتقدير خلاف الأصل، بل هو بلحاظ ما سِيق لأجله نصٌ في ذلك؛ فان الإمام عليه السلام صريح في ان عبادة اسمه تعالى كفر وعبادة الاسم والمسمى شرك بل يجب عبادة المسمى وهو الله تعالى وليس المراد قطعاً هو عبادة مفهوم الله أي مفهوم واجب الوجود أو مفهوم الخالق فانه كفر وشرك أيضاً، بل المراد هو نفس الواقع الخارجي للخالق والرازق والرب أي الله تعالى، وهنا يستشهد الإمام بـ(( الْخُبْزُ اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ)) فلو أراد انه اسم للكلي الطبيعي للمأكول أو لمفهومه لزم نقض الغرض وردّ استدلاله بمثاله، وهو محال منه عليه السلام بل المراد انه: كما انك بالفطرة ترى ان الخبز اسم للمأكول نفسه لا لمفهومه كذلك أسماء الله تعالى هي أسماء لله تعالى نفسه لا لمفهومه، وانه يجب عبادة نفس الله لا اسمه (ولا مفهومه وإلا فانه كعبادة اسمه شرك أو كفر) فتدبر جداً.

تتميم: الوضع خاص والموضوع له خاص في أسماء الأجناس
وقد سبق: (الثاني: أن الوضع خاص والموضوع له فيها خاص، وقد تصور الواضع جميع الأفراد على نحو الوجود الإجمالي لا على نحو الكلي بمعنى أنه تصور جميع الأفراد (لا الجامع بينها ليكون الكلي، للفرق الواضح بين الجميع والجامع) بنحو القضية الحقيقية، بنحو إجمالي، فوضع لفظ الإنسان لآحادها، فكما أنه لو تصور هذا الوليد وذاك والثالث المولودين جميعاً في المشفى فقال وضعت لكل منهم اسم زيد، فإنه قد يتصور الجامع كالوليد بالمشفى اليوم مثلاً وقد لا يتصوره بل يتصور هذا وهذا وذاك، أي يتصور الآحاد بدون جامع، وهو المسمى بالجميع والذي يقابل المجموع ويقابل الكلي والجامع، فإنه بما هو هو، جامعٌ وليس جميعاً وإن انطبق على الجميع، لكن الجميع بما هو هو جميع فتدبر، أو فقل يتصور الثلاثة بوجود اجمالي، فهو كالتوثيق الإجمالي لكل أسانيد الكتاب فانه إجمالي وليس كلياً، فالمعنى المتصور حينئذٍ خاص إذ هو كل واحد منهم وليس كل واحد منهم ولا جميعهم كلياً والموضوع له خاص أيضاً)([2]).

الفروق بين (الجميع) و(الجامع) و(المجموع)
ومزيد توضيحه يتوقف على بيان معنى المفاهيم الثلاثة الآتية والفرق بينها، وهي (الجميع) و(الجامع) و(المجموع)، اما الجميع والجامع فـ:
فأولاً: (الجميع) مشير إلى كل فرد فرد في ظرف اجتماعها، أي انه لا يشير إلى الكلي الطبيعي معرّىً عن مشخصاته الفردية بل معها فقولك (جميع العلماء) يشير إلى أحادهم جميعاً أي إلى كل فرد فرد منهم وذلك عكس (الجامع) فانه يشير إلى الكلي الطبيعي معرّىً عن الخصوصيات الفردية فقولك (العالم) يشير إلى نفس الطبيعة دون الخصوصيات الفردية، اما قولنا في ظرف اجتماعها فلأنه لو أخذ الجميع بشرط الاجتماع لما صدق على زيد انه من أفراده ولما حصل الامتثال إلا بإكرام الجميع في مثل (أكرم العلماء) ولم يكن انحلالياً وأقل أكثر استقلالياً.
ثانياً: ان (الجميع) لا ينطبق بنفسه على الأفراد عكس (الجامع) فـ(الإنسان) – وهو الجامع بين الأفراد وهو الكلي الطبيعي – ينطبق بنفسه على زيد، كما انه ينطبق على عمرو اما (جميع العلماء) فانه لا ينطبق على زيد العالم، أو على عمرو العالم لأنه ليس جميع العلماء بل أحدهم.
ثالثاً: ان (الجميع) يتوافق مع العام كالجمع المحلى إلا انه نص في العموم، و(الجامع) يتوافق مع المطلق، ومن الفرق الارتكازي بل والمصطلح بينهما يعرف الفرق بين الجميع والجامع أيضاً.
اما (المجموع) فهو مشير إلى العلة الصورية كالغابة فلا هي كلي طبيعي (أي من حيث انطباقها على أشجار هذه الغابة، واما من حيث فرض صدقها على غابات كثيرة فهي كلي طبيعي) ولا هي جميع الأشجار فقط بل هي مع العلة الصورية إذ جميع الأشجار لو كانت متناثرة في الفضاء فليست غابة أصلاً.

تحليل معنى ان الوضع والموضوع له خاصان في أسماء الأجناس
وعلى أي فليس الكلام إلا عن الجميع والجامع وليس عن المجموع فنقول: انه يمكن القول بان أسماء الأجناس كشجر وبقر وأسد وغيرها: الوضع فيها خاص والموضوع له خاص، لكن مع ثبوت فرق له عن الأعلام الشخصية وهو: ان في الأعلام الوضع والموضوع له إنما هو لجزئي وحده، واما في أسماء الأجناس فالوضع خاص للجميع أي المعنى المتصور الجميع والموضوع له الجميع أيضاً أي الأفراد الخارجية في ظرف اجتماعها وليس الوضع للكلي الطبيعي المقشر منها ولا الموضوع له هو مفهومها الموجود في الذهن.

اختلاف مراحل الوضع والاستعمال، بيننا وبين المشهور
وبعبارة أخرى: الفرق بين ما نقول والمشهور هو اننا نقول بوجود مرحلتين والمشهور يقولون بوجود أربع مراحل: فهم يقولون انه في عملية الوضع ثم الاستعمال هناك مراحل أربعة([3]).
الأول: ان الواضع رأى أو تصور هذه الشجرة وتلك وتلك([4]).
الثانية: ثم انه عرّاها عن الخصوصيات الفردية وقشرها وانتزع الجامع فتصورها في ذهنه كموضوع وكمفهوم كلي صالح للانطباق على كثيرين.
الثالثة: انه وضع لفظ الشجرة لهذا المفهوم = الجامع = الكلي الطبيعي = المعرّى عن الخصوصيات.
الرابعة: انه حين الاستعمال يستعمل اللفظ في هذا المفهوم الذهني كمرآة للأفراد الخارجية.
أما نحن فنقول: بالمرحلة الأولى بدون الثانية، وبتغير الثالثة والرابعة مع تعديلها: وحاصلها انه رأى (أو تصور) هذه الشجرة وتلك وتلك. (أو شجرة واحدة وتصور معها أفراداً أخرى، لا انه قشرها وانتزع الجامع) ثم وضع لفظ شجرة للأفراد الخارجية مباشرة، أي بدون توسيط التقشير وتصور الجامع ووضع اللفظ له، كما اننا أيضاً نستعمل لفظ شجرة في الأفراد الخارجية مباشرة دون توسيط المفهوم واعتباره مرآة.
لا أقول: بعدم إمكان ما ذهب إليه المشهور، ولا أقول بتعيّن ما ذكرناه، بل أقول: كلاهما ممكن، وما ذهب إليه المشهور أكثر مؤونة فهو المحتاج للدليل خاصة مع إمكان ما ذكرناه ووفائه بالمقصود لكون حامل المصلحة والمفسدة والمطلوب هو الأفراد لا مفاهيمها الذهنية.

كيفية الربط بين الوضع والأفراد الخارجية
لا يقال: فكيف يقع الربط بين الوضع والأفراد الخارجية، إذا لم يتوسط المفهوم؟
إذ يقال: أولاً: نقضاً بانه كيف يقع الربط في الأعلام الشخصية كوضع زيد لهذا الوليد، بين الوضع وهذا الوليد مع انهم صرحوا بوضعه له وان الوضع خاص والموضوع له خاص.
ثانياً: حلاً: بان في أصل مسألة ربط الوجود الذهني بالخارجي بحثاً فاللازم حله فلسفياً وإلا فان قول المشهور مجرد تطويل للمسافة إذ إذا امتنع ربط الوضع بالفرد الخارجي امتنع ربط المفهوم المنتزع بالأفراد الخارجية أيضاً، لفرض ان الذهن والخارج من عالمين.
والحل العام: اما بالقول بان العلم إضافة إشراقية، أو إضافة مقولية، أو بالقول بان الذهن من مراتب الخارج فليسا من عالمين منفصلين لنحتاج إلى الربط حتى على القول بان العلم هو الصورة الحاصلة من الشي لدى العقل والكيفية النفسية أو شبه ذلك، فانه يمكن حينئذٍ كون أحدهما مشيراً للآخر فتدبر تعرف.

المراد بـ(العام) في الوضع والموضوع له عام، الكلي لا العام المصطلح
إلفات: اتضح مما ذكرناه ان تسمية المشهور بـ(الوضع عام والموضوع له عام) مجاز أو توسع أو باصطلاح آخر إذ لا يريدون العام المصطلح (كالجمع المحلى بأل) بل يريدون المطلق، وعليه كان الأولى القول: الوضع كلي والموضوع له كلي أي المعنى المتصور كلي والموضوع له كلي، ومع الدقة في هذا التغيير في التسمية يتضح وجه ما ذكرناه آنفاً من الفرق بين الوضع الخاص والموضوع له الخاص في الأعلام الشخصية وفي أسماء الأجناس وأن إرادة جميع الأفراد في الأخير لا ينفي كون الوضع والموضوع له خاصاً إذ لم يقصد به([5]) ما يقابل العموم المصطلح بل قصد به انه وضع للأفراد الخارجية مباشرة دون توسيط مفهوم منتزع كلي.. فتدبر جيداً.

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 


 قال الإمام الباقر عليه السلام: ((يَا جَابِرُ اسْتَكْثِرْ لِنَفْسِكَ مِنَ اللَّهِ قَلِيلَ الرِّزْقِ تَخَلُّصاً إِلَى الشُّكْرِ وَاسْتَقْلِلْ مِنْ نَفْسِكَ كَثِيرَ الطَّاعَةِ لِلَّهِ إِزْرَاءً عَلَى النَّفْسِ وَتَعَرُّضاً لِلْعَفْوِ


وَادْفَعْ عَنْ نَفْسِكَ حَاضِرَ الشَّرِّ بِحَاضِرِ الْعِلْمِ وَاسْتَعْمِلْ حَاضِرَ الْعِلْمِ بِخَالِصِ الْعَمَلِ وَتَحَرَّزْ فِي خَالِصِ الْعَمَلِ مِنْ عَظِيمِ الْغَفْلَةِ بِشِدَّةِ التَّيَقُّظِ وَاسْتَجْلِبْ شِدَّةَ التَّيَقُّظِ بِصِدْقِ الْخَوْفِ
وَاحْذَرْ خَفِيَّ التَّزَيُّنِ بِحَاضِرِ الْحَيَاةِ وَتَوَقَّ مُجَازَفَةَ الْهَوَى بِدَلَالَةِ الْعَقْلِ وَقِفْ عِنْدَ غَلَبَةِ الْهَوَى بِاسْتِرْشَاءِ الْعِلْمِ وَاسْتَبْقِ خَالِصَ الْأَعْمَالِ لِيَوْمِ الْجَزَاء))
تحف العقول: ص284.

 

---------------------------------
([1]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج1 ص87.
([2]) راجع الدرس (290).
([3]) لا يخفى ان المراحل أكثر، لكن اقتصرنا على مورد الخلاف والبحث.
([4]) ويكفي ان يرى أو يتصور شجرة واحدة فقط.
([5]) بـ(الخاص).


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3118
  • تاريخ إضافة الموضوع : الاثنين 22 رجب 1439هـ
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 09 / 19