• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : الفوائد والبحوث .
              • الموضوع : 271- مباحث الأصول: (الموضوعات المستنبطة) (1) .

271- مباحث الأصول: (الموضوعات المستنبطة) (1)

مباحث الأصول: (الموضوعات المستنبطة)

جمع واعداد: الشيخ عطاء شاهين*


الفائدة الأولى: إن الموضوعات المستنبطة على ثلاثة أقسام: شرعي ولغوي وعرفي ؛ فالأول كالوطن والصلاة؛ والثاني كالصعيد والكعبين ؛ والثالث كالغناء [1]؛ ومنهم من فصل في الأقسام  إلى محض وغير محض فجعل الأقسام أربعة.

هناك ثلاثة أقسام للموضوع المستنبط:
القسم الأول: الموضوع المستنبط اللغوي مثل الصعيد في قوله تعالى : (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا)[2] إذ يبحث لغوياً هل هو مطلق وجه الأرض أم التراب خاصة؟، ومثل الكعبين في قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ[3]) فهل الكعبين هما قبتا القدمين أو مفصل الساق؟.
القسم الثاني: الموضوع المستنبط العرفي مثل الغناء فأنه موضوع مستنبط عرفي؛ إذ يبحث عن ماهية  الغناء هل هو الترجيع المطرب أم أعم أم أخص؟.
القسم الثالث: الموضوع المستنبط الشرعي - فإنه على احتمال - كالوطن إذ البعض يستظهر أن الوطن هو موضوع مستنبط شرعي، وأما المثال الأوضح الذي لا كلام فيه فهو المخترعات الشرعية كالصلاة والصوم فهي موضوعات مستنبطة شرعية لا كلام فيها[4] [5].

وقد فصل السيد الوالد قدس سره فذكر أن الأقسام أربعة:
أولاً: المستنبط الشرعي المحض ـ كالصلاة والصوم ـ ويجري فيه التقليد دون شك .
وثانياً: المستنبط  اللغوي أو العرفي الشرعي ـ كالكر والكعب ـ ويجري فيه التقليد كذلك .
ثالثا: المستنبط اللغوي أو العرفي المحض ـ كالخمر والماء ـ ولا يجري فيه التقليد.
رابعاً: المستنبط العرفي أو اللغوي مما لم يحدده الشرع واختلف فيه أهل اللغة أو العرف ولا يجري فيه التقليد، إذ ليست الشبهة حكمية وإن كانت مفهومية، بل هي موضوعية[6].
 
الفائدة الثانية: يمكن معرفة الموضوع  المستنبط باختلاف  الفقهاء والمتشرعة في تفسيره ؛ أو الغموض في تحديد مفهومه وتعيين مصاديقه ؛ أو تصرف الشارع في بعضه بالتوسعة والتضييق؛ لذا قيل بأن  بالموضوع المستنبطة هو: اللفظ الذي اختلف  في تفسيره لعدم الوضوح في معناه  كالوطن والآنية والغناء والصعيد ؛ والأولى  تعريفه بلحاظ الغرض من اختراع هذا المصطلح .

في تعريف الموضوع المستنبط هناك ثلاثة آراء:
الرأي الأول: ما تصرف فيه الشارع أصلاً[7] أو توسعة وتضييقا بإدخال شيء أو إخراج شيء، وهذا الضابط هو الأصح في رأي العبد الفقير للموضوع المستنبط.
الرأي الثاني: ما كان فيه نوع غموض وخفاء، وذلك كالأمثلة المتقدمة، فان الصعيد فيه نوع غموض وخفاء لذا كان مورد خلاف ونقاش وقد أفتى بعض الفقهاء بوجوب مسح الرجلين إلى المفصل؛ نظرا لهذا الغموض والخفاء, كذلك الغناء.
والحاصل: أن هذه الثلاثة من مستنبط شرعي وعرفي ولغوي فيها غموض وخفاء؛ ولذا كانت مثارا للبحث، وكذلك (أصول الدين) فإن فيها غموضاً وخفاءاً ، فهل تشمل أصول الدين الإمامة أو لا؟ وهل تشمل المعاد أو لا؟ وهل تختص بالمعاد الجسماني دون الجسم المثالي الذي يقول به البعض أو لا؟ فههنا غموض وخفاء.
الرأي الثالث: الموضوع المستنبط هو ما اختلف فيه الفقهاء أو اللغويون أو العرف، فكلما اختلف الفقهاء في موضوع أو اختلف اللغويون أو العرف فهو موضوع مستنبط [8].

بحث تطبيقي:
في قوله تعالى : (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)[9] هل البر والتقوى والإثم والعدوان من الموضوعات الصرفة أم من الموضوعات المستنبطة؟ وهل هي حقائق شرعية أو متشرعية؟  
وبعبارة أخرى: هل تصرف الشارع في هذه المفاهيم أم لا؟ وهل يجري فيها التقليد مثلما لو شك في أن إطعام الكافر هو بر، أو أن التعاون معه هو بر أم لا، وهل هي مجرى البراءة أم الاشتغال؟
وبعبارة ثالثة:  هل المرجع في تحديد مصداقها الشرع أم العرف؟
الظاهر أنها ليست حقائق شرعية كالصلاة ولا متشرعية  ؛ فليس هنالك نقل لا تعيني ولا تعيني ولا بالاستعمال.

ثلاثة مقاييس للموضوع المستنبط وانطباقها على (البر)
لكن قد يقال: بأنها أو بعضها من الموضوعات المستنبطة لأمور :
أولاً : أن بعضها –كالبر- قد اختلف الفقهاء والمتشرعة في تفسيره؛ فهل (البر)  خاص بالواجب أم هو شامل للمستحب أيضاً؟
ثانياً : كما أن في تفسيره نوع غموض مما يحتاج إلى التأمل والمراجعة والاستنباط في تحديد مفهومه وفي تعيين مصاديقه أيضاً، فهو كالوطن والآنية والغناء من الموضوعات المستنبطة فهل (البر) هو اسم جامع للخير كله؟ أم أنه الاتساع في الإحسان [10]، أم أنه النفع الواصل إلى الغير ابتداء مع القصد إلى ذلك؟
أما الخير فأعم؛  لأنه يكون خيراً وإن وقع عن سهو  ،كما أن ضد البر  العقوق ، وضد الخير الشر ،  كما ذهب إليه الطبرسي على ما نقله عنه المجلسي.
وفي تفسير الصافي: أن البر هو الفعل المرضي [11]، كما قال الطبرسي: البر والإحسان والصلة في اللغة نظائر [12]، وفي مجمع البحرين أيضاً: (البر: الصلة)[13] .
وقال الوالد قدس سره: البر: الأعمال الخيرية [14].
أقول:  ولا يخفى أن بعضها تفسير بالمصداق إلا أن بعضها تفسير بالمغاير ، فليلاحظ.
ثالثاً :  ثم إن الشارع قد تصرف في بعضها بالتوسعة والتضييق ؛ حيث إضافة مصاديق ولم يعتبر مصاديق أخرى ، وربما يستظهر أنه لم يكن تصرفاً في المفهوم بل هو كشف مصداقية المصداق أو عدمه.
والخلاصة : أن أي مقياس من المقاييس الثلاثة السابقة اعتمد للموضوع المستنبط، فإنه ينطبق على البر.
شواهد على تصرف الشارع في (البر) وأخواته
ولعل الآيات الآتية تعد من الشواهد على تصرف الشارع في البر وأخواته.
قال تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ  مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)[15].
وقال تعالى: (فَلاَ عُدْوَانَ إلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ)[16] وقال (حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)[17].
وقال تعالى : (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا ... )[18] .
وقال تعالى: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ)[19].
وقال تعالى: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)[20].
وقال تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) [21].
وقال تعالى: (وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)[22].
وقال تعالى: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ)[23].
وقال تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)[24].
وقال تعالى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ)[25].
وقال تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)[26].
فقد ضيق سبحانه (البر) بقوله (لَيْسَ الْبِرَّ) مع أنه بر عرفاً في الآية الأولى، وفي عرفهم في الآية الثانية[27]كما وسع تعالى (البر) في قوله (الصَّابِرِينَ)... وليس عرفاً ببر بل حتى وسعه لشؤون القلب
والاعتقاد (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) مع أنه ليس ببر عرفاً ، فتأمل.
كما ضيق تعالى دائرة البر بالإنفاق مما يحبه الإنسان مع أنه أعم[28].
قال السيد العم في بيان الفقه : (المراد بالموضوعات المستنبطة العرفية أو اللغوية: هي الألفاظ التي اختلف العرف أو اللغة في تفسيرها أو كان معانيها غير واضحة لديهم بحيث يحتاج فهمها إلى تأمل وتتبع واستنباط، ولعلهما متلازمان غالب الأوقات كالوطن والآنية والغناء والصعيد)[29].
وقال: الموضوع المستنبط العرفي كالغناء والموضوع المستنبط اللغوي كالصعيد[30].
وقال المحقق النائيني قدس سره : الموضوع المستنبط في كون الصعيد هو التراب الخالص أو مطلق وجه الأرض وإن لم يكن بنفسه مورداً للتقليد، ولكنه باستتباعه الحكم الشرعي الذي هو جواز التيمم يكون مورداً له [31].
وقال السيد الخوئي قدس سره : التقليد في الموضوعات المستنبطة كالصلاة والصوم والزكاة وغيرها مما وقع الكلام في أنها أسام للصحيحة أو الأعم أو الموضوعات العرفية واللغوية كما في الغناء ونحوه... فإذا بنى المجتهد على أن الصورة لا تعتبر في مسمى الصلاة وأنها اسم للأجزاء والشرائط غير الصلاة...[32].
(البر) و(الصلاة) ونظائرها موضوع مستنبط سواء قلنا بالصحيح أم الأعم
أقول :الظاهر أن الموضوع المستنبط أعم مطلقاً من مبحث الصحيح والأعم فسواء قلنا إن الصلاة اسم للصحيح منها أو للأعم وسواء قلنا بالحقيقة الشرعية أو المتشرعية فإنها موضوع مستنبط ، بل حتى لو قلنا بأنها كانت حقيقة في معانيها في العصر السابق على النبي صلى الله عليه وآله كما هو خيرة السيد البروجردي قدس سره فلا تخرج عن كونها موضوعاً مستنبطاً.
بيان ذلك: إن تحقيق حالها وكونها حقائق شرعية أو متشرعية أو سابقة أو أعم، هو شأن الفقيه وهو فيها المرجع، وفي المقام البر المذكور في الآية الشريفة هل هو ـ بعد إنا نلاحظ توسعة الشارع وتضييقه كما سبق ـ هل هو حقيقة في هذا المعنى - الأوسع من جهة والأضيق من جهة أخرى-  بوضع الشرع أو المتشرعة أو في الأديان السابقة أو هو باق على معناه اللغوي؟ هذا.

التحقيق: ضرورة تعريف (المستنبط) بلحاظ الغرض
والذي يخطر بالبال القاصر هو أن الموضوع المستنبط لما لم يكن عنواناً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي فإنه لا كثير فائدة في بحث حدوده ، و إنما المجدي هو تعريفه بلحاظ الغرض من اختراع هذا المصطلح .
والظاهر أن الغرض - وهذا هو المفيد  - إن كل موضوع احتجنا في بيان مفهومه أو تحديد مصاديقه لمعرفة حكمه الشرعي للرجوع إلى الشارع  - وذلك لا يكون إلا إذا تصرف الشارع في الموضوع-  فهو الموضوع المستنبط، وعلى ذلك ينبغي أن نلاحظ مدى اندراج الغناء والآنية والصعيد والوطن وكذلك الصلاة والصوم والحج [33] في الموضوع المستنبط، فتأمل.
وبذلك يظهر أن البر من المواضيع المستنبطة نظراً لتصرف الشارع فيه بالتوسعة أو التضييق مصداقاً؛ بل لا يبعد القول بتصرف الشارع فيه مفهوماً على حسب بعض التعاريف السابقة للبر، فليلاحظ[34].


---------------
* هذه المباحث الاصولية تجميع لما طرحه سماحة السيد في مختلف كتبه وبحوثه، قام باعدادها وجمعها و ترتيبها مشكوراً فضيلة الشيخ عطاء شاهين وفقه الله تعالى
[1] أقول : هذه الأمثلة للموضوعات المستنبطة مختلف فيها بينهم ، فإن الصعيد – مثلاً- قيل: إنه مستنبط  لغوي ،  وقليل إنه مستنبط لغوي ، وكذا الحال في الكعب وغيره ، وسيأتي منه دام ظله الإشارة لذلك بشكل مختصر في هذه الفائدة وغيرها.
[2] سورة النساء: 43.
[3] سورة المائد:6.
[4] واتضح بذلك أن (الحقيقة الشرعية) أخص مطلقاً من الموضوع المستنبط الشرعي.
[5] التقليد في مبادئ الاستنباط : الدرس 33.
[6] المبادئ التصورية والتصديقية لعلم الفقه والأصول: ص 75 .
[7] لو كان ماهية مخترعة.
[8] درس الاجتهاد في أصول الدين :  الدرس 235.
[9] سورة المائدة : 2.
[10] كما نقله مجمع البحرين.
[11] تفسير الصافي: تفسير آية 177 من سورة البقرة.
[12] مجمع البيان: ذيل آية 44 من تفسير سورة البقرة.
[13] مجمع البحرين ـ باب ب ـ ص 183.
[14] تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان: تفسير سورة البقرة : آية 44.
[15] سورة البقرة: 177.
[16]  سورة البقرة: 193.
[17]  سورة آل عمران: 92.
[18] سورة البقرة: 189.
[19] سورة الأنعام: 120.
[20] سورة الحجرات: 49.
[21] سورة النساء: 48.
[22] سورة البقرة: 283.
[23] سورة البقرة: 203.
[24] سورة البقرة: 237.
[25] سورة الأعراف: 26.
[26] سورة الحج: 32.
[27] الأولى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ...) والثانية: ( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ...).
[28] إلا أن يقال إن كلامه تعالى في مرتبة الكمال.
[29]  بيان الفقه :ج4 ص438 ـ 439.
[30]  المصدر نفسه : ج4 ص437.
[31] تعليقة النائيني على العروة، المسألة 67.
[32] التنقيح في شرح العروة الوثقى، ج1، ص350.
[33] وكذلك بعض أقسام العقود والإيقاعات كالنكاح والمتعة والنذر والطلاق والظهار والمكاتبة وشبه ذلك.
[34] فقه التعاون :ص 254.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3122
  • تاريخ إضافة الموضوع : 28 رجب 1439هـ
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 07 / 21