• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : خارج الأصول (التزاحم) .
              • الموضوع : 91- دوائر البحث الأربع-معاني الحکم الظاهري-مناقشة تأییدنا للیزدي .

91- دوائر البحث الأربع-معاني الحکم الظاهري-مناقشة تأییدنا للیزدي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
مباحث التزاحم
(91)


تتميم: دائرة الموضوعات الموكَلة للمكلفين
سبق (الدائرة الرابعة: دائرة ما أوكل الشارع للمكلفين أمره كالشروط في ضمن العقود، فلو اشترط المالك على المستأجر عدم تصرف خاص في العين المستأجرة، كعدم دقّ مسمار في الحائط، أو اشترط تصرفاً معيناً كأن يطليها كل سنة أو يسقي أشجارها بماء البئر الكذائية، أو ان يزور عنه، فمات وورثه من لا يرى صحة ذلك الشرط، أو من لا يشترطه، فهل الشرط السابق نافذ إلا لو أسقطه؟ أو لا؟ أو بالتفصيل؟ فتأمل هذا)([1]).
ووجه التأمل: ان العقد يقع على حسب ما تعاقدا عليه فانه المستفاد من (أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ)([2])، كما ان الوقوف على حسب ما يقفها أهلها، فلا يتغير عما وقع عليه بموت أو شبهه فحتى لو لم ير اللاحق صحة ما اشترط في العقد أو لم يكن ممن يشترطه لو كان أوقع العقد بنفسه فانه يمضي على ما كان عليه، وعلى ذلك بناء العقلاء وسيرتهم، والسرّ فيه انه انتقل إليه مقيداً فلم يكن لتغييره مالكاً، فتأمل([3]) وقد فصلنا الكلام عن ذلك في مباحث (عقد الخلو – السرقفلية) فراجع.
والأولى التمثيل للدائرة الرابعة، بالموضوعات؛ فانها الموكلة للمكلفين، في غير المخترعات الشرعية، فمثلاً: لو كان يرى البيض معدوداً فباعه متفاضلاً بيضةً ببيضتين، ثم تغير تشخيصه الموضوعي ببعض التحقيق فظن ظناً معتبراً انه موزون في هذا البلد، وكان عينهما باقياً([4])، فهل البيع باطل حسب تشخيصه الجديد أو ماضٍ حسب ما وقع عليه مطابقاً لتشخيصه السابق؟
وكذا لو استأجره ليقرأ له القرآن بلحن خاص كان تشخيصه المصداقي انه ليس بغناء ثم تغيّر تشخيصه فهل تبطل الإجارة؟ أو يبطل الشرط؟
ويقرب منه تغاير نظر الموكل والوكيل في (الموضوع) فلو كان الوكيل يراه معدوداً والموكل موزوناً، فباعه الوكيل متفاضلاً فهل البيع جائز صحيح؟ أو التفصيل بانه جائز تكليفاً للوكيل إذ يراه معدوداً لكنه باطل وضعاً للموكل إذ يراه موزوناً فلا يدخل في ملكه؟ وكذا لو رأى الوكيل ان هذا المتولد بين كلب وشاة هو شاة موضوعاً ورأى الموكل انه كلب أو العكس، بناء على بطلان بيع الأعيان النجسة مطلقاً.

تتميم آخر: معنى الحكم الظاهري
ثم انه لا فرق فيما ذكر (من ان الوضعي كالتكليفي وانه إذا زال الثاني بتغير الفتوى زال الأول كذلك) بين تفسير الحكم الظاهري بالحكم المماثل، وبين تفسيره بالحكم الذي دل عليه الدليل الأعم من كونه مطابقاً للواقع أو لا أي الحكم الذي يحتمل فيه الخلاف، كما لا فرق بين تفسيره بالحكم المجعول في ظرف الشك والجهل بالحكم الواقعي وهو مقتضى الأدلة الاجتهادية وبين تفسيره بالحكم الذي موضوعه الشك في الحكم الواقعي وهو مقتضى الأصول العملية، وإن لم يكن المقام والمبحوث عنه ههنا([5]) من القسم الثاني.

جريان النزاع لدى تخالف المجتهدين في الأصول العملية
ولكن ومع ذلك فانه يمكن تصوير النزاع لدى اختلاف نظر الفقيهين في الأصول العملية أيضاً، وذلك كما لو ارتأى اللاحق الذي عدل المقلّد إليه ان الاستصحاب في الشك في المقتضي جار (كما لو شكت في حياة زوجها الغائب، بعد انقضاء معدل العمر الطبيعي لأمثاله) وكان رأي المجتهد السابق عدم الاستصحاب فلا نفقة لها عليه من ماله (المودع لدى حاكم الشرع أو لديها أو لدى ثالث) فإذا عدلت إلى من يرى الاستصحاب (ولو كان عدولها لأجل تحصيل النفقة، مادام صحيحاً لكون المعدول إليه مساوياً) فهل الاستصحاب القديم ماضٍ في حقها أو الجديد؟ وكذا لو عكس الأمر في اجتهادهما بان كان السابق يرى جريان الاستصحاب ورأى اللاحق العدم – فهذا في الوضعي.
وكذلك: لو كان السابق يرى البراءة في الشبهات التحريمية واللاحق يرى الاحتياط أو العكس، وهذا في التكليفي، وقس على ذلك ما سِواها.

وليس العرف بمفرّق في الكاشف
وبذلك يظهر وجه النظر فيما قويناه به من (لأن المتفاهم عرفاً من جعل الملكية هو ان علتها المحدثة هي علّة مبقية أيضاً)([6]) إذ الفتوى ليست جاعلة للملكية بل هي كاشفة، وليس المتفاهم من الكاشف عن أمر انه إذا زال يبقى منكشَفُه ثابتاً.

وليست الفتوى كوضع شيء في محلٍّ
كما ظهر وجه الايراد على (فهي كوضع شيء في محل فانه يبقى فيه وإن مات الواضع)([7]) إذ كله من الخلط بين العلة والسبب والمقتضي وبين الكاشف فان الوضع علة أو مقتضٍ لبقاء الشيء في مكانه والفتوى ليست علة ولا مقتضياً كي يقتضي أصل حدوثها حدوث الحكم وبقاءه، حتى بعد زوالها.

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين


قال الإمام علي عليه السلام: ((مَا كَانَ اللَّهُ لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدٍ بَابَ الشُّكْرِ وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الزِّيَادَةِ وَلَا لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدٍ بَابَ الدُّعَاءِ وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الْإِجَابَةِ وَلَا لِيَفْتَحَ لِعَبْدٍ بَابَ التَّوْبَةِ وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الْمَغْفِرَةِ)) نهج البلاغة: ص553.


([1]) راجع الدرس (90).
([2]) سورة المائدة: آية 1.
([3]) إذ لا إطلاق للمضيّ على ما وقع عليه العقد، إذ لا يمكن ان يشمل الحرام بنظره.
([4]) لا حاجة لهذا القيد، فتدبر.
([5]) من ان الأحكام التكليفية والوضعية إذا ثبتت بفتوى الأول، فهل تبقى نافذة حتى بعد العدول عنه؟
([6]) راجع الدرس (83).
([7]) راجع الدرس (83).


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3125
  • تاريخ إضافة الموضوع : الاثنین 29 رجب 1439هـ
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 08 / 15