• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : الفوائد والبحوث .
              • الموضوع : 275- مباحث الأصول: (الموضوعات المستنبطة) (5) .

275- مباحث الأصول: (الموضوعات المستنبطة) (5)

مباحث الأصول: (الموضوعات المستنبطة)

جمع واعداد: الشيخ عطاء شاهين*

الفائدة العاشرة: قد يُستدل  بعدم جريان التقليد في  الموضوع المستنبط؛ لأن أدلته النقلية منصرف عنه ؛ وأما بناء العقلاء فهو خاص بالرجوع لأهل الخبرة فيه ؛ ثم إن كل هذه الأدلة لا تدل على عقد القلب  على الحكم نفسه ؛ وإنما تدل على العمل على طبق رأي الفقيه وفتواه  .
قد يقال بعدم وجوب التقليد في الموضوع المستنبط بدعوى انصراف أدلة التقليد النقلية عنه ، أو الاستناد إلى أن بناء العقلاء ـ وهو عمدة مدرك التقليد ـ على الرجوع لأهل الخبرة فيه[1]، وأما (الأحكام) فقد قيّد الشارع مرجعية أهل الخبرة فيها  بشرائط خاصة ككونهم عدولاً، رجالاً وأحراراً وغير ذلك، وغير خفي أن هذا لا يتم إلا بالأول[2] أو يستند إلى وضوح عدم وجوب التقليد[3] في الموضوع المستنبط؛ إذ ليس على المقلد أن يلتزم برأي المقلَّد فيه بما هو هو،  أي مع قطع النظر عن الجري العملي مع التزامه بالحكم وإذعانه له، بل بدونه؛  بل له أن يعتقد برأي معاكس للمجتهد أو لأهل الخبرة في الموضوع ، وذلك على حسب مختلف الأقوال السابقة في معنى التقليد، بل له أن لا يعقد قلبه على الحكم نفسه إن عمل على طبق الفتوى؛ فإن الدليل دل على عقد القلب في أصول الدين والاعتقاديات لا في فروع الدين إلا الضروريات منها؛ إذ لا دليل على وجوب عقد القلب على أن حكم الشاك بين الثلاث والأربع كذا، أو استحباب الاكتحال وصلاة الليل أو ما أشبه ذلك، فإن قوله عليه سلام الله (ارجعوا فيها إلى رواة حديثنا)[4] وقوله جل اسمه ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾[5] وشبههما، وبناء العقلاء، لا يدل على أكثر من (العمل) على طبق رأيه وفتواه، ولذا قال السيد العم دام ظله في بيان الفقه: (لا وجوب؛ بناء على المشهور من عدم وجوب الالتزام بالأحكام الفرعية، وانحصار وجوب الالتزام بالعقائد وأصول الدين)[6].
والمسألة بحاجة إلى تأمل أكثر؛ نظراً لأن المتفاهم عرفاً من (ارجعوا فيها إلى رواة حديثنا) ليس مجرد الجري العملي مع الإنكار القلبي أو حتى مع عدم الإذعان القلبي، خاصة مع ضميمة (فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم)[7]، ولوجود أدلة أخرى قد تكون دالة على الوجوب كـ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[8] و﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾[9] فتأمل، وتفصيل الكلام في ذلك في موضعه.
إضافة إلى ما اتضح مما ذكرناه في تعاريف (التقليد)، أن الصيرورة إلى ذلك[10] غير ضارة؛ إذ المشهور أنه (العمل استناداً إلى رأي الغير) أو هو (العمل عن استناد) أو (الإلتزام بالعمل بقول مجتهد معين) والظاهر أنها بأجمعها تدور على محور (العمل) وكونه منسوباً للغير، دون مدخلية لعقد القلب على صحته أو سقمه، فلو (عمل مسنداً للغير) أو (لأن الغير طلب منه) فإنه (مقلِّد) وإن كان منكراً له قلباً أو غير ملتزم قلباً.
وبعبارة أخرى (الجري العملي)[11] يجب أن يكون على طبق مؤدى النظر في (الموضوع المستنبط) وعلى طبق (الحكم) فيه ـ سواء وجب الالتزام القلبي فيهما، أم لا ـ فإذا التفت المكلف للموضوع المستنبط أو الحكم، فإما أن يحصل له القطع فيه فحجيته ذاتية أو الظن المعتبر أو الشك... الخ[12].
 
الفائدة الحادية عشر: أن إرجاع  العامي إلى المجتهد الجامع للشرائط بالإضافة للرجوع إلى وأهل الخبرة لا يستلزم اللغوية لوجود الفرق بين الطرقين؛ حيث إن قول المجتهد يؤخذ تعبداً وقول أهل الخبرة يؤخذ بما هم أهل خبرة؛ لذا لا تشترط العدالة والرجولة وغيرهما في الرجوع إليهم ؛ فالرجوع للمجتهد له إسناده للشارع إن تساويا في الحجية مع أهل الخبرة ؛ وكذا أن للعامي من أهل الخبرة  مخالفة قول أهل الخبرة في ظنه  الشخصي بالخلاف وأما في قول المجتهد فليس له ذلك ؛ ثم إن الرجوع أليهما معاً لا يستلزم اللغوية  لوجود مصلحة التسهيل وغيرها من الأغراض العقلائية؛ فالطريقان متباينان وليس هما من قبيل الأقل والأكثر ؛ فإن أحد الطريقين وإن كانت قيوده أقل إلا أنه بعد ما ترتبت عليه تلك الآثار  أصبح مبايناً عرفاً، بل هما على المصلحة السلوكية متباينان حقيقة .
لا يقال  إن إرجاع  العامي إلى المجتهد الجامع للشرائط وأهل الخبرة  بناء على القول بشمول أدلة التقليد للموضوعات كالأحكام لغواً ؛  باعتبار ضم ذي القيود - وهو المجتهد-  إلى جوار اعتبار فاقدها – وهو أهل الخبرة -  ولكنه يجاب بوجود فوائد وفروق عديدة:
منها: أن قول المرجع يؤخذ تعبداً دون قول أهل الخبرة، بمعنى أن له أن يحمّله على عنق الشارع فيه دونهم، ولذا اشترط في الأخذ به العدالة وسائر الشروط دون الأخذ بقول أهل الخبرة، فتأمل [13].
وبعبارة أخرى: للشخص أن يرجع في تحديد الموضوع إلى أهل الخبرة ولا تشترط العدالة والرجولة وطهارة المولد وغيرها فيهم حينئذٍ، وله أن يرجع إلى مرجع التقليد في تحديده ولابد فيه من العدالة وغيرها مادام قد أخذ منه الموضوع بما هو منصوب من قبل الإمام ومرجع التقليد، فهو مخير بين الطريقين:
أولاً: الفاقد؛ ولكن ليس له إسناده للشارع.
وثانياً: الواجد؛ ولكن مع الإسناد للشارع .
والفرق الاعتباري بيّن ومهم، وإن لم يكن هناك فرق من حيث الحجية و المنجزية أو المعذرية وعدم استحقاق العقاب بإتباع أحدهما.
وأما فرقه عن الطريق الثالث فهو أنه يكتفى في المرجع بقول الواحد  دون الشهادة بناء على اشتراطها في الموضوعية من الحسيات.
ومنها: أنه يفرق بأن للمكلف ـ ممن لم يكن من أهل الخبرة ـ مخالفة قول أهل الخبرة فيما إذا ظن ظناً شخصياً بالخلاف دون المقلَّد، و دون الشهادة بناء على اشتراطها في الموضوعية من الحسيات.
ومنها: أنه قد يفرق باستحقاق العقوبة لو خالف المرجع في تشخيصه الموضوع سواء ظن بالخلاف أم لا، ولكن لو رجع إليه على[14] التخيير أو مطلقاً لا عليه، وإن كان العقاب من جهة أدائه إلى تفويت الحكم المترتب عليه، أو لتفويت المصلحة السلوكية ـ بعد أن رجع إليه[15] ـ وذلك فيما لو أبدى فيه رأيه كمرجع لا لصرف كونه أهل خبرة، دون مخالفة أهل الخبرة مع العدول للبديل ، فتأمل.
لكن قد يستشكل على إمكان أو صحة جعل طريقين أحدهما بقيد أو قيود والآخر بدونها[16] في عرض الآخر، فيكون كوجوب فاقد الجزء وواجده؟
وقد يجاب: أنه لا مانع مع وجود غرض عقلائي لذلك، ومنها ما سبق[17]، وقد يكون منها: المصلحة السلوكية[18] في ذي القيد، ومصلحة التسهيل في فاقده  المقتضي تزاحمُهما للتخيير، ويجاب بنظير ذلك في فاقد الجزء وواجده، على أنه لا يقاس الجزء بالطريق.
كما يجاب نقضاً: بوجود نظيره، وذلك كالبينة والشياع والتواتر وحكم الحاكم الشرعي على بعض الأقوال في الهلال مثلاً ، ففي الشياع والتواتر  لا تشترط العدالة  عكس البينة والحاكم، وفي البينة يشترط التعدد عكس الحاكم، وفي الحاكم تشترط الحرية والرجولة والاجتهاد ولا يشترط بعضها في البينة أو التواتر والشياع.
وقد يرد ذلك بأن هذه الأمثلة هي من قبيل المتباينين أو  المتباينات، وقد يجاب بأن الشياع والتواتر هما من قبيل الأقل والأكثر، فتدبر.
هذا إضافة إلى أن الظاهر أن الطريقين ليسا من قبيل الأقل والأكثر بل المتباينين؛ إذ قيود أحد الطريقين وإن كانت أقل إلا أنه حيث رتبت عليه تلك الآثار الثلاثة دون الطريق الفاقد للقيود عُدّ مبايناً عرفاً، بل على المصلحة السلوكية[19] فإنهما متباينان حقيقة، بل التباين دِقي أيضاً[20] وعلى تلك الثلاثة كذلك لكشف تغاير الآثار عن تغاير المؤثرات ، والأمر في تغاير الشهادة عن قول المقلّد أوضح؛ إذ بناء على مسلك الشهادة  في بعض الموضوعات الصرفة أو الحدسية -  وذلك مثل قول الرجالي واللغوي فيما احتاج المكلف في ترتيب الأحكام والآثار للاستناد لها أو التقليد، بل حتى لو قلنا بكفاية قول أهل الخبرة فيها كما هو الحق ـ هنالك طريقان متباينان هما التقليد[21] والشهادة[22] .


---------------

* هذه المباحث الاصولية تجميع لما طرحه سماحة السيد في مختلف كتبه وبحوثه، قام باعدادها وجمعها و ترتيبها مشكوراً فضيلة الشيخ عطاء شاهين وفقه الله تعالى
[1] وسيأتي الجواب عن ذلك.
[2] أي أن صرف تحقق بناء العقلاء على الرجوع لأهل الخبرة في (المستنبط) غير كافٍ لنفي صحة التقليد فيه لما سيأتي.
[3] غير خفي أنه في هذا الإشكال قد أخذ التقليد بمعناه السابق في الأمر الثاني، ويظهر جوابه مما ذكرناه في ثانياً، بل عليه فإن النقاش لفظي.
[4] كمال الدين وتمام النعمة: ب45 ذكر التوقيعات، ح4، ص484.
[5] سورة التوبة:122.
[6] بيان الفقه: ج1، ص181.
[7] كمال الدين وتمام النعمة: ب45 ذكر التوقيعات، ح4، ص484.
[8] النساء: 65.
[9] الحشر: 7.
[10]  أي عدم وجوب الإلتزام القلبي وعقد القلب.
[11] وهو الإتمام أو القصر مثلاً، حسب تحقيق معنى (الوطن).
[12] المبادئ: 87.
[13] إذ قد يقال: الإمضائيات كذلك ، فتأمل.
[14] هذا قيد (لو رجع إليه) أو (مطلقاً) يستحق العقوبة حتى لو لم يرجع إليه ورجع لأهل الخبرة وخالف رأيهم رأي المرجع.
[15] أي لا حق له، لو رجع للمرجع، بالمخالفة، فهو مخير ابتداء بين الرجوع للمرجع وعدم العدول، وبين الرجوع لأهل الخبرة وله العدول.
[16] فإن (مرجع التقليد) من أهل الخبرة بقيد العدالة والحرية والرجولة وما أشبه.
[17] من الفوائد الثلاثة.
[18] فإن في إيجاب تقليد خصوص العادل المجتهد من أهل الخبرة، مصالح سلوكية عديدة منها لترويج الفضيلة.
[19] وهي الفائدة الرابعة آنفاً.
[20] أي في عالم الاعتبار.
[21] بناء على القول بشموله لها، فله أن يقلد غيره في مسائل علم الرجال أو اللغة، ثم يجتهد، في التطبيقات والفروع، وله أن يستند إلى شهادة شاهدين في التوثيق الرجالي أو المعنى اللغوي.
[22] الأوامر المولوية والإرشادية : ص 347 .

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3144
  • تاريخ إضافة الموضوع : 9 شعبان 1439هـ
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 08 / 15