• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : الفوائد والبحوث .
              • الموضوع : 276- مباحث الأصول: (الموضوعات المستنبطة) (6) .

276- مباحث الأصول: (الموضوعات المستنبطة) (6)

مباحث الأصول: (الموضوعات المستنبطة)

جمع واعداد: الشيخ عطاء شاهين*

الفائدة الثانية عشر: أن مكانة الفقيه العليا في الإسلام والمجتمع تحتم عليه تشخيص وبيان حال الموضوعات المستنبطة للمكلفين؛ فإن ذلك يُعد تكريساً لمحورية الفقهاء في شؤون الحياة وهو بحد ذاته مطلوب شرعاً.
إن مرجعية الفقيه للموضوعات الصرفة هو تكريس لمحورية العلماء والفقهاء في شؤون الحياة, وهو أمر مطلوب ومحبذ شرعاً؛ فإن (الفقهاء حصون الإسلام)[1]  وأن ( مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه)[2] ،  فتأمل.
كما ان الفقهاء كانوا يجيبون على كثير من الاسئلة حول الموضوعات الصرفة وفي الفترة الأخيرة ازدادت بوضوح هذه الظاهرة؛ حيث اخذوا التصدي أكثر بالإجابة على الاسئلة عن الموضوعات الصرفة , فإذا لم يكن من الجائز التقليد في الموضوعات الصرفة فلماذا الفقيه في رسالته العملية أو في استفتاءاته يجيب على ذلك؟! إذن على الفقيه بيان الأحكام والموضوعات معا على نحو الوجوب الكفائي[3] .

بحث تطبيقي:
في قوله تعالى: (ألمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا).[4]
إن التحاكم إلى الطاغوت أعم من التحاكم إليه في الموضوعات الصرفة أو المستنبطة أو الشؤون العامة  ومن التحاكم إليه في الأحكام الإرشادية والمولوية.
وأما شأن النزول لا يخصص الآية إلا أن يستند إلى كلمة (يَتَحَاكَمُوا ) وظهورها في باب القضاء، لكن قد يقال بكونه بدوياً وشمول التحاكم  للتحاكم فيما كان من موارد العقل العملي أو كان من موارد العقل النظري، بل لو اختلف شخصان في معنى آية أو إطلاقها أو عمومها أو ناسخيتها أو غير ذلك فتراجعا إلى طاغوت فإنهما قد  تحاكماً إليه ،  أو يقال بالمناط القطعي ومنه يعلم حال تقليده بدون وجود تنازع.
قيل إن معنى الطاغوت هو كل طاغ تعدى الحدود[5] ؛ لذا لا وجه لتخصيصه بعدها بحكام الجور[6] خاصة مع ملاحظة شأن النزول، فعن القمي أنها نزلت في الزبير بن العوام نازع رجلاً من اليهود في حديقة فقال الزبير نرضى بابن شيبة اليهودي وقال اليهودي: نرضى بمحمد صلى الله عليه وآله فأنزل الله، وكذلك حيث سئل عليه السلام (عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحل ذلك؟) فقال: من تحاكم إلى الطاغوت [7] .
ونقل في مجمع البيان الأقوال في معنى الطاغوت وهي أنه كعب بن الأشرف،  وقيل إنه كاهن من جهينة، و قيل أراد به ما كانوا يتحاكمون فيه إلى الأوثان بضرب القداح ، ثم قال وروى أصحابنا عن السيدين الباقر والصادق عليهما السلام إن المعني به كل من يتحاكم إليه ممن يحكم بغير الحق[8].
وعلى أي فالظاهر أن الطاغوت - كما يستفاد من ما رواه في المجمع عن الإمامين الهمامين-  هو كل من يحكم بغير الحق صدق عليه (حاكم الجور) عرفاً أم لا.
ولذا قال في المفردات: والطاغوت عبارة عن كل متعد، وكل معبود من دون الله... و (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت) عبارة عن كل متعدٍّ، ولما تقدم سمي الساحر والكاهن والمارد من الجن والصارف عن طريق الخير، طاغوتاً [9].
وقال في مجمع البحرين: (الطاغوت: فعلوت من الطغيان وهو تجاوز الحد... وقد يطلق على الكافر والشيطان والأصنام وعلى كل رئيس في الضلالة وعلى كل من عبد من دون الله [10].
وقال السيد السبزواري في تفسيره : ويطلق على كل من كان سبباً للطغيان والضلال، مثل الأصنام والشيطان ورؤساء الشرك والعناد، وتعرف المصاديق من القرائن الحافة بموارد الاستعمال، ففي المقام يراد به كل ضلال وما يكون سبباً للخروج عن الحق والصراط المستقيم، سواء كان صنماً أو إنساناً أو شيطاناً أو العصبية والأهواء الباطلة[11].
اللهم إلا أن يقصد في (التبيين) أن المراد به حكام الجور بقرينة (يتحاكموا) وقد سبق ما فيه من شأن نزول الآية وتفسير الإمامين عليهما السلام وغيره، والله العالم[12].
 
الفائدة الثالثة عشر: إن قيل إن التقليد في الموضوع المستنبط بذاته غير معقول سواء عرفنا  التقليد بأنه العمل، أو العمل عن استناد ،أو الاستناد إلى فتوى الغير في العمل ، أو الالتزام بالعمل بقول المجتهد؛ لأن التقليد يتعلق بالأفعال والهيئات لا في الجواهر والذوات ؛ وفيه: أن التقليد أعم من العمل الذي جاء في كل هذه التعاريف؛ لأن ذكر العمل فيها هو تعريف بالمصداق والأخص  ؛ لأنه خاص فيما  لو كان الموضوع المستنبط جوهراً وذاتاً  لا فيما كان فعلاً أو هيئة ؛ بل نقول إن التقليد في الموضوع المستنبط يعني العمل فيه ؛ لكون التقليد في كل شيء بحسبه.
قد يقال: إن التقليد في الموضوع المستنبط بذاته، بناء على كونه بمعنى (العمل) أو (العمل عن استناد) غير معقول؛ فإن التقليد يتعلق بالأفعال[13] والهيئات[14] ولا معنى للتقليد في الجواهر والذوات[15]، ومنه المستنبط كالوطن والصعيد والقرء والآنية والكعب والكر)وغيرها، اللهم إلا لو كان الموضوع المستنبط فعلاً من الأفعال فإنه يمكن التقليد فيه كالصلاة والحج والغناء، ولكن التقليد بمعنى العمل بمثل الغناء وإن أمكن إلا أنه نقيض المقصود من التقليد وقد سبق جوابه[16].
بل وكذا بناء على أنه (الاستناد إلى فتوى الغير في العمل)؛ إذ متعلق العمل هو الموضوع المستنبط وهو غير قابل للعمل كما سبق، إلا لو كان فعلاً من الأفعال.
نعم ، يصح بناء على أنه: (الالتزام بالعمل بقول مجتهد) أي بقول المجتهد في الموضوع المستنبط أي في معناه وتحديده، فقد تعلق العمل بقول المجتهد لا بالموضوع المستنبط نفسه ، ولكن الظاهر أنه كسوابقه[17].
والتحقيق: أولاً: أن التقليد أعم من (العمل عن استناد) و (الاعتقاد عن استناد) و(الالتزام)[18] لما سبق، ولأنه جار في أصول الدين والعلميات موضوعاً سواء كفى وجاز حكماً أم لا[19]، فذكر (العمل) في مختلف تعاريفه تعريف بالمصداق والأخص[20]، أو يقال إن الاعتقاد عمل وكذا الالتزام؛ فإنه عمل القلب أو العقل أو النفس ، فتأمل.
وثانياً: أن الإشكال أخص من المدّعى؛ فإنه خاص بما لو كان الموضوع المستنبط جوهراً وذاتاً دون ما لو كان فعلاً أو هيئة كما سبقت الإشارة إليه في مطاوي الإشكال.
ثالثاً: إن العمل بذاته أو عن استناد أو الاستناد في العمل لا يعقل في المستنبط[21] إلا بلحاظ ما يتعلق به من الأفعال الاختيارية أو بمعنى الجري على حسب مقتضى الرأي فيه ؛ أي في العمل المناسب له أو المبحوث عنه، فيراد من العمل في الموضوع المستنبط عن استنادٍ لرأي المجتهد: (العمل على طبق رأيه فيه أو فيما يتعلق به) لا (العمل به) فإن التقليد في كل شيء بحسبه.
وبعبارة أخرى: أن التقليد في الموضوع المستنبط يعني العمل فيه[22] على حسب رأي المجتهد في تشخيص مفهومه وتحديده وترتيب آثاره عليه، فتقليده فيه في صدق (الوطن) على البلد الذي قصد البقاء فيه مع مضي شهرين أو ثلاثة مثلاً يعني ـ حسب رأي صاحب العروة ـ الالتزام بالعمل ـ أي الصلاة تماماً فيه ـ بقوله فيه،  أي على طبق قوله فيه، أي في معنى الوطن، ومطابق قوله هو الصلاة تماماً فيه أو الصلاة تماماً عن استناد لرأيه في تحديد معنى الوطن حسب مشهور المتأخرين ؛ فكما لا يعقل العمل بالحكم - مع أنه يقال قلدته في الأحكام - ولكن حيث إنه لا معنى للعمل بالوجوب نفسه لأنه يراد به العمل على حسب مقتضاه ومؤداه، أي الجري على حسب الوجوب، أي المطاوعة والانقياد، فكذلك في المقام، أي العمل على حسب مقتضى رأيه في الموضوع المستنبط، فتأمل[23].
 
الفائدة الرابعة عشر: يمكن أن يكون الموضوع المستنبط مورداً للتقليد؛ حيث إن  التقليد اعتبار وهو خفيف المؤونة ، بل بناء العقلاء لا يمنع منه ؛ بالإضافة لشمول الإطلاقات له، بل قد يقال بحسنه تيسيراً وتسهيلاً على  العامي من الشارع.
الظاهر أن الموضوع المستنبط بنفسه يقع مورداً للتقليد ومحّلاً له، ولا بد من بيان ذلك إمكاناً وحسناً ووقوعاً:
أما إمكانه؛ فلأن صحة التقليد فيه - أو فقل حجية رأي المجتهد على العامي فيه-  اعتبار والاعتبار خفيف المؤونة وأمره بيد المعتبر
واما حسنه، فلأن لا شك في أن فيه تيسيراً وتسهيلاً على المكلف العامي، إذ تكليفه بأن يجتهد في الموضوع المستنبط بل حتى الصرف، شاق نوعاً فمثلاً تكليف العامي تعييناً بان يفحص بنفسه عن كون سمك الخاويار ذا فلس أو لا[24] شاق، بل لعل أكثر بياعي السمك لا يعلمون ذلك[25] فكيف بعامة الناس فمن التسهيل تجويز رجوعه للمجتهد في ذلك، وكذلك الحال في المئات من الموضوعات الصرفة والمستنبطة سواء أَأِشتبهت مفهوماً أم اشتبهت مصداقاً.
وأما وقوعه؛  فلبناء العقلاء عليه[26] وشمول الإطلاقات له، كما سبق في النقاش فيهما [27].

-------------

* هذه المباحث الاصولية تجميع لما طرحه سماحة السيد في مختلف كتبه وبحوثه، قام باعدادها وجمعها و ترتيبها مشكوراً فضيلة الشيخ عطاء شاهين وفقه الله تعالى
[1] الكافي :ج1ص38وتمام الرواية: عن علي بن أبي حمزة قال : سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام يقول : إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة و بقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها ، وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله ، وثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شئ لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها .
[2] تحف العقول: ص238.
[3] دروس في التفسير والتدبر : الدرس  126.
[4] سورة النساء: 60.
[5] تفسير تبيين القرآن: ص99 ذيل الآية الشريفة.
[6]  نفس المصدر.
[7]  الصافي في تفسير الآية الشريفة.
[8] مجمع البيان: ج3 ص116.
[9] مفردات ألفاظ القرآن: مادة طغى، ص 520 -521.
[10] مجمع البحرين: مادة طغى، ج1 ص276.
[11]  مواهب الرحمن: ج4 ص298.
[12] الأوامر المولوية والارشادية : ص 351.
[13] تقول قلدّته في أكله وشربه أو في صلاته وحَجِه.
[14] تقول: قلدته في هيئته وملبسه، لكن مرجعه للأفعال فتأمل.
[15] أي في الموضوع  مطلقاً.
[16] إذ التقليد أعم من فعله عن استناد أو تركه عن استناد، ومضى جواب آخر.
[17] فإن (العمل) في (الإلتزام بالعمل) له متعلَّقان: (قول المجتهد) و(في الموضوع المستنبط) وتمام الجملة هكذا (الإلتزام بالعمل بقول المجتهد في الموضوع المستنبط).
[18] فيعتقد بهذا المعنى الخاص للمستنبط عن استناد لقول الفقيه، أو يلتزم به.
[19] فإن المشهور ذهبوا إلى عدم صحة التقليد في أصول الدين، وأما الشيخ قدس سره فقد ذهب إلى صحته فيها.
[20] وعلى هذا، فالتقليد هو (العمل أو الاعتقاد أو الالتزام عن استناد) فأي واحد من الثلاثة كان عن استناد فهو تقليد.
[21] إلا إذا كان فعلاً كما سبق.
[22] لا (العمل به) فـ(العمل في الوطن، عن استناد) يعني في أمر أو شأن الوطن.
[23] المبادئ التصورية والتصديقية للفقه والأصول: ص 84.
[24] هذا مثال للشبهة المصداقية وهي الأسهل فما بالك بالمفهومية؟ فتدبر
[25] إذ هنالك خلاف فقال قوم انه لا فلس له وقال قوم ان له فلساً قليلاً وانه يسقط في كثير من الأحيان بالاحتكاك أو غيره، فهو كسمك الكعند الذي قيل إنه يسقط إثر خوفه عند اصطياده.
[26] أي على الرجوع إليه، وارتكازهم على صحته.
[27] التقليد في مبادئ الاستنباط: الدرس 33.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3150
  • تاريخ إضافة الموضوع : 12 شعبان 1439هـ
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 06 / 21