• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : خارج الأصول (التزاحم) .
              • الموضوع : 104- تعارض القضايا الحقيقية مع الخارجية وتزاحمها - الفتوى قضية حقيقية او خارجية؟ .

104- تعارض القضايا الحقيقية مع الخارجية وتزاحمها - الفتوى قضية حقيقية او خارجية؟

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
مباحث التزاحم
(104)


ثم ان ههنا مسائل:

تعارض قضيتين خارجيتين
الأولى: ان وِزان القضية الخارجية في باب التعارض، هو نفس وِزان القضية الحقيقية، فلو تعارضت قضيتان خارجيتان بالتباين([1]) كان حالهما كتعارض الحقيقيتين حذو القذة بالقذة من حيث الرجوع للمرجحات المنصوصة على رأي أو الأعم منها ومن غير المنصوصة على رأي الشيخ ومن تبعه، وانه لدى التكافؤ فاما التوقف أو التساقط فالتخيير في الروايات([2]) كأصل ثانوي، أو التخيير كأصل أولي كما هو المختار، وهكذا.
 

تزاحم قضيتين حقيقيتين
الثانية: ان وِزان القضية الخارجية، في باب التزاحم، هو كذلك نفس وِزان القضية الحقيقية لدى التزاحم، من حيث الرجوع إلى المرجحات المعروفة من تقديم المضيق على الموسع والبدل الطولي على المتأخر عنه وغير ذلك، وجامعها حسب المختار، هو الترجيح بالأهم.
لا يقال: ان القضية الخارجية لا تندرج في باب التزاحم؛ وذلك لما سبق نقله عن الميرزا النائيني قدس سره من ان القضية الخارجية ليست بذات جامع أو ان لها جامعاً لفظياً وليس الحكم منصباً على الملاك ليكون تدافع القضيتين الخارجيتين من التزاحم؛ إذ التزاحم إنما هو لدى وجدان كل من المتعارضين للملاك مع عدم اتساع القدرة لهما جميعاً.
إذ يقال: كلا؛ وذلك لأن فرق القضية الحقيقية عن الخارجية ليس في وجدان الأولى للملاك وفقدان الثانية له، بل في ان الحكم منصب على الطبيعي أو على الأفراد، ومن الواضح ان الأفراد واجدة للملاك والمصلحة أو المفسدة، بل ان الطبيعي ليس واجداً لهما إلا بلحاظ انطباقه على الفرد.
بل الأمر كذلك حتى على مسلك الميرزا النائيني فانه لا ينكر الملاك في القضية الخارجية بل يرى عدم وجود الجامع بين الأفراد المنصبّ عليها الحكم أو إذا وجد فانه لفظي ولذا تكون القضية لديه بحكم الجزئية بل قد صرح بان هذا الجامع اللفظي ليس هو الملاك وان لكل فرد ملاكاً يخصه فلها إذاً ملاكاتها لكن الحكم لم ينصب على ملاك جامع بل على جامع لفظي وإن كان مشيراً لأفراد لكل منها مناطه. وعليه: فتندرج الخارجية في باب التزاحم أيضاً.
 

تعارض الحقيقية مع الخارجية
الثالثة: انه إذا تعارضت القضية الحقيقية مع القضية الخارجية فقد يقال بتقدم الحقيقية وقد يقال بتقدم الخارجية، والحق غيرهما:
أما تقدم الحقيقية فوجهه انها معللة أو كالمعللة فان الموضوع هو الطبيعي وهو الجامع والملاك والمناط فهو العلة أو المقتضي، عكس الخارجية فانها غير معلَّلة في ظاهر النص إذ الموضوع جامع لفظي كما سبق.
وأما تقدم الخارجية فوجهه انها أخص مطلقا أو كالأخص فان الحقيقية حيث صبت على الطبيعي عمَّت كافة الأفراد المحققة والمقدرة، اما الخارجية فانها ما صبت على الأفراد في الزمن الحاضر أو في أحد الأزمنة الثلاثة أو في جميعها – على الأقوال الثلاثة – وعلى جميع هذه الأقوال فالحقيقية أعم لشمولها للأفراد المقدرة، بل حتى على القول بشمول الخارجية للأفراد المحققة والمقدرة فان الحقيقية أعم لشمولها لتقدير الفرد بما لا تشمله الخارجية الشاملة للفرد المقدر فقط. فتأمل([3])
ولكن الظاهر عدم صحة كلا الوجهين: أما التعليل فان الحقيقية بالمعنى الأعم (وهي مورد الكلام كما سبق) ليس الموضوع فيها علة بل هو مقتضٍ فهو حكمة فلا يصلح للترجيح في باب التزاحم إذ ليست ملاكات الأحكام بأيدينا غاية الأمر انه مؤيد، وأولى منه في عدم الترجيح لو ادرجت القضيتان في باب التعارض إذ ليس المدار فيه على الملاك.
وأما الاخصية ففيها: ان الكلام فيما لو كانت النسبة بينهما من وجه، كما سيظهر من المثال الآتي، لا فيما إذا كان أحدهما أخص مطلقاً.
 

المدار لفظ الشارع من إطلاق أو عموم
والحق ان الأمر([4]) لا يدور مدار كونها حقيقية أو خارجية أبداً، بل يدور مدار الدليل ولفظ الشارع فإذا كانت القضيتان([5]) مطلقتين أو عامتين تعارضتا في مادة الاجتماع، ولو كانت الحقيقية عامة والخارجية مطلقة أو الحقيقية مطلقة والخارجية عامة، تقدم العام منهما، اما كون الحقيقية ذات ملاك واحد والخارجية ذات ملاكات أو غير ذلك فليس من شأن المكلفين.. على انه لو كان فهو في باب التزاحم([6]) واما باب التعارض فلا يدور مدار الملاكات كما سبق.
وبالمثال يتضح ما سبق أكثر: فلو قال: (لا تكرم الفاسق) وقال: (أكرم الداخل في العسكر) كانا مطلقين، وحيث ان النسبة من وجه يتعارضان في مادة الاجتماع، ولو قال: (لا تكرم الفساق) وقال: (أكرم الداخلين في العسكر) كانا عامين، ولو قال: (لا تكرم الفاسق) و(أكرم كل داخل في العسكر) أو عكس بان قال: (لا تكرم الفساق) و(أكرم الداخل في المعسكر) فالمرجع القاعدة الأصولية العامة من تقدم العام على المطلق بالورود أو الاظهرية أو غيرهما على المباني إلا لو كانت مادة المطلق من القوة بحيث ساوت قوة صيغة العموم فيتعارضان أو كان العام آبيا عن التخصيص فيتقدم على الخاص، وكذا لو كان أحد العامين من وجه كذلك.
 

فتاوى المجتهدين حقيقية أو خارجية؟
الرابعة: ان البحث ينبغي ان يدور حول فتاوى المجتهدين وانها قضايا حقيقية أو خارجية: فقد يقال بانها حقيقية وقد يقال بانها خارجية:
اما وجه الأخير: فهو ان فتاواه حجة في حق مقلديه خاصة ولا تُلزم غيرَه، فهي خارجية خاصة بمقلديه ولذا لا يجب عليه نهي مقلدي الآخرين عن ما هو منكر برأيه إذا كان معروفاً برأي مرجعهم كما لو رأى حرمة صلاة الجمعة ورأى المرجع الآخر وجوبها أو جوازها فليس على من يرى الحرمة، أو ليس له، ان يردع مقلدي الآخر عنها لأن الحجة في حقهم قول الآخر لا قوله.
واما وجه الأول: فلأن المفروض ان الفقيه يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة فيفتي على طبقها وحيث كانت مداليلها قضايا حقيقية كانت فتواه المستخرجة منها كذلك. وسيأتي بإذن الله تعالى بيان الوجه في البحث فانتظر.

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين


قال الإمام الصادق عليه السلام: ((مَنْ رَعَى قَلْبَهُ عَنِ الْغَفْلَةِ وَنَفْسَهُ عَنِ الشَّهْوَةِ وَعَقْلَهُ عَنِ الْجَهْلِ فَقَدْ دَخَلَ فِي دِيوَانِ الْمُنَبَّهِينَ
ثُمَّ مَنْ رَعَى عَمَلَهُ عَنِ الْهَوَى وَدِينَهُ عَنِ الْبِدْعَةِ وَمَالَهُ عَنِ الْحَرَامِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّالِحِينَ)) مصباح الشريعة: ص22.

----------------------
([1]) بل بالعموم من وجه، أيضاً على رأي.
([2]) أي الدالة على القضية الخارجية.
([3]) لأنهما إضافتان، لأمر واحد، فتأمل.
([4]) في تقدم أحداهما على الأخرى.
([5]) الخارجية والحقيقية.
([6]) وفي بابه، يدور أمر التقدم مدار أهم الملاكين لا كون هذا واجداً لملاك وذاك لملاكات وإن كان مجموعها مرجوحاً.


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3161
  • تاريخ إضافة الموضوع : الثلاثاء 21 شعبان 1439هـ
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 06 / 21