• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : الفوائد والبحوث .
              • الموضوع : 279- فائدة أصولية: توسعة دائرة متعلّق الحكم بسعة دائرة الحكم .

279- فائدة أصولية: توسعة دائرة متعلّق الحكم بسعة دائرة الحكم

توسعة دائرة متعلّق الحكم بسعة دائرة الحكم[1]:

اعداد السيد حسين الموسوي

قد يقال: إنه يمكن أن ننطلق من سعة دائرة الحكم لتوسيع دائرة المتعلق بأن نقول: إن (اجتنبوا)[2] مطلق يدل على وجوب اجتناب أي فعل يتعلق بالقول، ومنه يعلم أن المتعلَّق هو اسم المصدر لا المصدر، وإلا لكان اجتنبوا ضيِّقاً غير دال على لزوم مطلق الأفعال، وهذا خلف.

الإشكال على المدعى:
والجواب: أن الحكم لا ينقّح موضوعه، وهذه قاعدة عامة، وما ذكر من الاستناد إلى عموم (اجتنبوا) لتعميم متعلَّقه هو تنقيح لموضوع الحكم.

رد الإشكال:
ولكن يرد عليه: أننا لم نستند إلى الحكم في تنقيح الموضوع، بل استندنا إلى إطلاق الحكم، وهناك فرق بين الأمرين، فتارة نقول: إن الوجوب هو الذي ينقح الموضوع، وتارة أخرى نقول: إن إطلاق هذا الوجوب هو الذي ينقح الموضوع، وفرق كبير بينهما، ونحن في استدلالنا لم نستند إلى أصل الوجوب، بل استندنا إلى الإطلاق الموجود في كلمة اجتنبوا لتنقيح الموضوع.

الإشكال على الرد:
وقد يجاب عن ذلك: بأن إطلاق الحكم هو من شؤون الحكم، وهذه كلها في مرتبة المحمول، وما هو كذلك لا ينقّح ما هو في مرتبة الموضوع، أي: أن الحكم بإطلاقه لا يمكنه أن ينقح الموضوع لتأخره رتبةً.

رد الإشكال على الرد السابق:
ولكن لنا أن نقول: إن هذا المدعى ـ أي: أن الحكم لا ينقح موضوعه ـ غير تام، بل إنّ الحكم ينقح الموضوع في الجملة[3].
وأما الدليل على ما ادعيناه فهو ما التزم به الأصوليون والفقهاء في مختلف أبواب الفقه، من تضييق دائرة الموضوع ببركة ملاحظة نسبته إلى الحكم، مما عبروا عنه بمناسبات الحكم والموضوع، وهذه المناسبات كثيرة التداول في الكتب الفقهية، حيث يلتزمون لأجلها بالانصراف، أي: على الرغم من أن الموضوع عام وواسع، ولكن تعلق هذا الحكم بهذا الموضوع بما بينهما من مناسبة يصرفه من الأعم إلى الأخص، ومرجع ذلك إلى أن الحكم قد نقح موضوعه، إلا أنهم بينوه بعبارة أخرى، وهي مناسبات الحكم والموضوع، فتدبر[4].
ويوضحه أنّ المولى لو قال لعبده: (أطع العلماء) فإن العلماء عام وشامل لأهل الضلال منهم، ولكن يقال بإنصراف (العلماء) عنهم بسبب مناسبات الحكم والموضوع، فقد خصصت مناسبات الحكم والموضوع (العلماء).
والحاصل: إنّ تعلق خصوص هذا الحكم ـ أطع ـ بالعلماء دليل على تضييق دائرة العلماء العامة إلى العلماء غير الضالين والمضلين، وهذا ناشئ من مناسبات الحكم والموضوع لا غير[5].
وبتعبير آخر: ـ وهذا بحث عام نشير له إشارة ـ إنّ الانصراف له أسباب ومناشئ، منها:
كثرة استعمال اللفظ في معناه بحيث يصنع له وِجهة[6] معينة.
ومنها: مناسبات الحكم والموضوع.
صغرى البحث: قوله (اجتنبوا قول الزور)
وأما في آيتنا فإن المدعى فيها هو أن (اجتنبوا) بإطلاقها تفيد توسيع دائرة (قول الزور)، مما ينتج أنّ المراد بقول الزور سيكون المعنى الاسم مصدري لا المصدري، وذلك أنّ العرف يرى أنّ (اجتنبوا) المنسوبة إلى قول الزور، ينبغي أن يكون الاجتناب فيها عن إيجاد قول الزور وكتابته، وعن الإشارة الزورية، وعن الحفظ بقصد الإضلال وعن غيرها، فاقتضت مناسبات الحكم والموضوع تعميم (قول الزور) بإرادة المعنى الاسم مصدري.
كلام المحقق اليزدي:
وما ذكرناه وبيناه يعدّ ـ أيضاً ـ تنقيحاً لكلام المحقق اليزدي، حيث يقول: (مع أنه يمكن دعوى شمول الآية وعمومها، فإن مقتضى إطلاق الاجتناب عن قول الزور الاجتناب عنه بجميع الأنحاء التي منها ما نحن فيه[7]، وهو الحفظ، فتأمل)[8].

 
---------------
[1] من مباحث سماحة السيد المرتضى الشيرازي (دام ظله) في كتابه: حفظ كتب الضلال ومسببات الفساد: ص176ـ179.
[2] في قوله تعالى: (اجتنبوا قول الزور) سورة الحج: 30.
[3] هذا هو مدعانا في مقابل القاعدة الأصولية الشهيرة.
[4] قد يقال: الحكم لم ينقح موضوعه، بل مناسبات الحكم والموضوع هي المنقحة. والجواب: أن من يقول بمنقحّية الحكم لموضوعه لا يقول: إنَّ الحكم بما هو هو مجرداً عن تعلقه بموضوعه، ينقح موضوعه؛ إذ لا يعقل ذلك، بل يقول: إن هذا الحكم بلحاظ تعلقه بهذا الموضوع ينقحه ويوسعه أو يضيقه، وهذا يعني أن الحكم منسوباً للموضوع يفيد تضييقه أو توسعته، على أن قبول هذا ـ المذكور في قد يقال ـ لا يضرنا؛ إذ المقصود في مبحثنا أن (اجتنبوا) المتعلق بـ(قول الزور) بمناسبات الحكم والموضوع يوسع دائرة قول الزور، فتدبر.
[5] ولو ثبت ذلك فلعل الكثير من البحوث سيتغير وضعها صناعياً. نعم، إن جري الفقهاء العملي هو على خلاف تلك القاعدة (الحكم لا ينقح موضوعه). والحاصل: أن ما أطلقه الأصوليون في البحث الأصولي لم يكن على إطلاقه، فتأمل.
[6] وهذه حيثية تقييدية مهمة.
[7] وهو الحفظ.
[8] حاشية المكاسب1: 23.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3172
  • تاريخ إضافة الموضوع : 25 رمضان 1439هـ
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 06 / 21