• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : الفوائد والبحوث .
              • الموضوع : 282- فائدة تفسيرية: الفرق الشاسع بين (أجراً) و (من أجر) .

282- فائدة تفسيرية: الفرق الشاسع بين (أجراً) و (من أجر)

الفرق الشاسع بين (أجراً) و(من أجر)[1]:

اعداد السيد حسين الموسوي

قد تأملت قليلاً ـ ذلك لأن القرآن جداً دقيق في كل كلمة من كلماته، وفي كل حرف، بل في كل مدّ ووقف وسكون توجد دلالة ـ فلاحظت أن القرآن الكريم هنا يقول: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)[2].
ولكن عادةً في الآيات الأخرى يقول: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)[3] فهنا يقول: (أجراً) وهناك يقول: (من أجر) وهذا وارد في مواطن عديدة في القرآن الكريم.
القرآن الكريم عادة يأتي بكلمة (مِن) عندما يتحدث عن الأنبياء وطلب الأجر والأجرة، أما هنا فإننا لا نجد كلمة (مِن) وإنما (أجراً) مباشرة فقط، ما هو السبب في ذلك؟
ولنستعرض بعض الشواهد أولاً فقد جاء في سورة الشعراء وفي عدّة مواطن، منها: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)[4].

لماذا قال: (من أجر)؟
لأن غير الله سبحانه لا يستطيع أن يعطي (الأجر) كله، والمقدور هو (من أجر) ومع ذلك لم يطلب منهم ذلك ـ وهذا ما سنوضحه بعد قليل بإذن الله تعالى ـ لاحظوا هذه الآيات تكررت عدة مرات:
مع نبي الله صالح عليه السلام يجري نفس الكلام يقول النبي صالح عليه السلام: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)[5].
ثم نبي الله لوط عليه السلام نفس الكلام يقوله[6].
ثم نبي الله شعيب عليه السلام نفس الكلام يكرره[7].
وحتى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله في آية أخرى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)[8].
هنا كلمة (من) تتكرر (مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) في الأنبياء السابقين وحتى بالنسبة للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله في آية أخرى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا)[9].
وسنبدأ أولاً بالسبب في استخدام (من) في تلك الآيات الأخرى لاحظوا التركيز في استخدام كلمة (من) في كل هذه الآيات، وعدم استخدام كلمة (من) في هذه الآية، وفي آية ثانية فقط[10]، فلماذا القرآن الكريم استخدم كلمة (من) في تلك الآيات وحذفها هنا؟
لابد من سرّ كامن وراء ذلك وقد يستظهر أن السبب في استخدام (من) هو أنه يستحيل على الإنسان أن يدفع أجر الرسالة لأي رسول من الرسل؛ لأن الرسالة تتضمن (التوحيد) فمن يستطيع أن يدفع أجر التوحيد؟ والتوحيد لا يعادله شيء.
ثم (النبوة ـ والإمامة) ثم (المعاد والجنة) الجنة هل يعدلها شيء؟
نحن مهما نعطي لله، مهما نعطي للرسول صلى الله عليه وآله، فهل يعدل شيء من ذلك؟ الجنة التي فيها (ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)[11] والتي سوف نخلد بها إن شاء الله إلى ما لا نهاية؟!

معاني (من) ودلالاتها:
ولذلك يقول: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ)[12] لأن الأجر لا تستطيع أن تدفعه بل (جزء الأجر) هو الممكن تسديده وإعطاؤه، ولكن مع ذلك (لا أسألكم) أيضاً حتى هذا الجزء المقدور لكم، بل حتى المتيسر منه لكم لاحظوا كيف أن المعنى دقيق (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) أي جزء الأجر ذلك أن (من) هنا تبعيضية لأن:

ثلاثة أسباب لاستحالة إعطاء أجر الرسالة:
السبب الأول: لأن (كل الأجر) مستحيل أن تدفعه، لأنه خارج عن حيطة قدرة البشرة، ولكن تستطيعون دفع بعض الأجر ومع ذلك لا أسألكم هذا البعض من الأجر.
واللطيف في الآية الشريفة أنه تنفي طلب بعض الأجر منهم ثم تثبت طلب (لا بعض الأجر) بل (كل الأجر) من الله تعالى، لاحظوا كيف أن حرف (من) حذف في الجملة اللاحقة مباشرة عندما أريد الأجر من الله تعالى (ِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ).
هذه هي العلة الأولى في استخدام (من) في تلك الآيات الشريفة لأنه يستحيل طلب الأجر كله من الناس إذ الناس لا يستطيعون أن يوفّوا واحداً بالمليار، ومع ذلك فهذا المعادل الضئيل جداً لا يريده الرسول منهم.

السبب الثاني: نلاحظه في الآية الشريفة إذ يقول تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ)[13].
هذه الآية الأخرى اليتيمة التي يوجد فيها أجر بدون (من) في القرآن الكريم، إن القرآن الكريم هادٍ لكل العوالم، فهل أنت تستطيع أن تدفع أجره؟
إنه (ذكرى للعالمين) لكل العوالم الظاهرة الجليّة والخفيّة المستترة فهل نستطيع أن ندفع نحن البشر؟ وما نحن إلا جزء بل نحن كرملة في صحراء من عالم الخليقة الواسع، هل نستطيع أن ندفع هذا الأجر العظيم؟ لا نستطيع أبداً أبداً.

السبب الثالث: هو أن المثمن هو (الذكرى) و(الذكرى) لا أحد يستطيع أن يعطي أجرها.
وفي مقابل ذلك كله نجد هذه الآية الشريفة: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)[14].

عدم استعمال (من) التبعيضية في الآية:
لاحظوا الدقة وطلب الأجر كله في (الاستثناء) وهو (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) فهي الأجر وليست (من الأجر) بل (الأجر).
ولاحظوا أن مصبّ الإيجاب هو نفس مصب النفي تماماً (لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) فالمنفي هو سؤال (الأجر) (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) فالمثبت والثابت هو هذا الأجر، ولو كان المنفي هو بعض الأجر لكان المثبت هو البعض كذلك، لاحظوا الدقة لم تقل الآية الشريفة: "لا أسألكم عليه من أجر إلا المودة في القربى" مما يعني ويستلزم أن تكون المودة من الأجر كلا بل: (لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) لماذا؟
لأن (الأجر) سوف يكون (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) والحاصل: أن هذه (المودة في القربى) هي أجر، يعدل الرسالة كلها بدون كلام، بدون ريب بنص القرآن الكريم الذي هو دقيق في الاستخدامات إلى أبعد الحدود وهذه الآية منه في الصميم.

-------------
[1] من مباحث سماحة السيد المرتضى الشيرازي (دام ظله) في كتابه: بحوث في العقيدة والسلوك ص132ـ137.
[2] سورة الشورى: 23.
[3] سورة الشعراء: 109، 127، 145، 164، 180.
[4] سورة الشعراء: 105ـ109.
[5] سورة الشعراء: 145.
[6] سورة الشعراء: 164.
[7] سورة الشعراء: 180.
[8] سورة ص: 86.
[9] سورة الفرقان: 56ـ57.
[10] وهي سورة الأنعام: 90 وسيأتي ذكرها، وكذلك في سورة هود: 51.
[11] الأمالي للشيخ الصدوق: ص280 المجلس38 ح1.
[12] سورة آل عمران: 57.
[13] سورة الأنعام: 90.
[14] سورة الشورى: 23.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3177
  • تاريخ إضافة الموضوع : 4 شوال 1439هـ
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 07 / 22