• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : دروس في مبادئ الاستنباط .
              • الموضوع : الدرس الثاني .

الدرس الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

من الأدلة على أهمية التعاريف: نزاع الاخباري في حرمة الاجتهاد

 

ومما يؤيد بل يدل على ان (التعاريف) في الفقه والأصول والتي وقعت مورداً للأخذ والرد والنقض والإبرام، ليست لأنهم كانوا في مقام شرح الاسم وتبديل لفظ بلفظ آخر بل كانت للخلاف حقيقةً في حقيقته وماهيته، ان الاخباري حيث ارتأى دلالة الآيات والروايات على عدم حجية الظن بل وعلى ذمّه لقوله تعالى: (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)([1]) وغيره لذلك حرّم الاجتهاد إذ رآه حسب تعريف العلامة وغيره – وكما سبق – (استفراغ الفقيه وسعه في تحصيل الظن بالحكم الشرعي) وحيث ان الظن بالحكم الشرعي ليس بحجة وقد ذمته الآيات والروايات فإن استفراغ الوسع في تحصيله مذموم وليس هذا الاجتهاد بحجة، وحيث رأى الشيخ البهائي وجمهور من تأخر عنه ذلك، ألغى عبارة (الظن) فقال: (ملكة يقدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الأصل فعلاً أو قوة قريبة) وغيّر الآخوند عبارة (الظن) إلى (الحجة على) أي انه ذهب إلى ان (الاجتهاد هو استفراغ الفقيه وسعه في تحصيل الحجة على الحكم الشرعي) إذ قال (وكيف كان، فالأولى تبديل الظن بالحكم بالحجة عليه، فإن المناط فيه هو تحصيلها قوة أو فعلاً لا الظن، حتى عند العامة القائلين بحجيته مطلقاً، أو بعضٍ الخاصة القائل بها عند انسداد باب العلم بالأحكام ، فإنّه مطلقاً عندهم، أو عند الانسداد عنده من أفراد الحجة، ولذا لا شبهة في كون استفراغ الوسع في تحصيل غيره من أفرادها ـ من العلم بالحكم أو غيره مما اعتبر من الطرق التعبدية الغير المفيدة للظن ولو نوعاً ـ اجتهاداً أيضاً.

ومنه قد انقدح إنّه لا وجه لتأبّي الأخباري عن الاجتهاد بهذا المعنى، فإنّه لا محيص عنه كما لا يخفى، غاية الأمر له أن ينازع في حجية بعضٍ ما يقول الأُصولي باعتباره ويمنع عنها، وهو غير ضائر بالاتفاق على صحة الاجتهاد بذاك المعنى؛ ضرورة إنّه ربما يقع بين الإخباريين، كما وقع بينهم وبين الأُصوليين)([2]).

ومن الواضح ان النسبة بين الظن والحجة هي العموم من وجه، كما ظهر من كلامه أيضاً، وكما ترى فان النقاش في تبديل (الظن) بـ(الحجة) ليس لفظياً بل هو جوهري. فتأمل

المختار: التعاريف ضرورية كمرائي إثباتية لا كموازين ثبوتية

وبذلك ظهر وجه القولين، لكن المنصور هو رأي آخر يقع بينهما؛ إذ نرى ان (التعاريف) لا هي مستغنى عنها ومجرد شروح للأسماء وتبديل للألفاظ ولا هي الميزان والمقياس والمرجع([3]) وحاصل المختار هو: ان التعاريف ضرورية وليست شرح الاسم بل هي في مقام بيان الجنس أو ما هو بمنزلته والفصل أو الخاصة أو ما هو بمنزلتهما، لكنها (مرآة) وليست (ميزاناً) اي انها ضوابط إثباتية وليست ضوابط وموازين أو مقاييس ثبوتية، والحاصل انها أداة لاختصار بل اختزال الفكر فهي فكر واجتهاد مضغوط بنحو الوجود الإجمالي في عين الكشف التفصيلي، وتوضيحه:

بعبارة أخرى أشمل وأدق: ان التعاريف هي مرائي للمباني، والمباني هي نتائج للأدلة، فالمقياس الثبوتي هي المباني ومرجعها إلى الأدلة، والتعاريف ما هي إلا انعكاس مختزل للمباني بأدلتها، والنقاش من سائر الأعلام في التعاريف ليست لموضوعيتها بل انما هو لطريقيتها إذ يعود النقاش في الواقع إلى النزاع في المبنى وإلى الأدلة عليه مآلاً.

والحاصل: ان الفقيه بعد ان يستعرض الأدلة وينقّح على ضوئها مبانيه، يوجز كل ذلك في (التعريف) فيكون مع قيوده وليد المباني التي هي بدورها ناتج الأدلة، وليس التعريف مدار المباني بل هي المدار له فهي الوالدة له وهو المولود لا العكس.

ويكفي للتمثيل على ذلك ما سبق من مثال (الحكومة) فان اختلاف التعاريف إنما هو لاختلاف المباني فعلى ضوئها يصاغ التعريف، نعم قد يستشكل على المعرِّف ان تعريفه لا يحكي مبناه مما قد يغري غير العارف بمبناه، بالجهل([4]).

ومن ذلك ظهر ان المقياس والمرجع هو الأدلة ومنها يتوصل إلى المباني ثبوتاً ثم ينعكس([5]) ذلك إثباتاً في (التعريف) فالتعريف محتاج إليه لتلخيص المباني فهو كفهرس موجز مضغوط لها وليس هو الميزان والمقياس كما سبق.

وعليه: فعلى الأصولي والفقيه ان لا يدور مداره إذ قد يظهر له عدم مرآتيته لمبناه بحدوده، بل عليه ان لا يدور مدار مبانيه أيضاً بل مدار الأدلة عليها، نعم له ان يكتفي باجتهاده السابق فيعتمد على ما توصل إليه من المبنى على حسب ما استظهره من الأدلة. هذا

إشكال: لم يقع الاجتهاد بعنوانه موضوعاً للأحكام([6])

وقد أشكل بعض الأعلام([7]) بان (الاجتهاد) بعنوانه لم يقع موضوعاً للأحكام المبحوث عنها في بحث الاجتهاد فلا حاجة لإتعاب النفس في البحث عن تعريفه أو عن المراد من (تحصيل الحجة) أو غير ذلك.

 

الجواب: يكفي وقوع نظائره موضوعاً لها

أقول: على السالك سبيل الاجتهاد، وعلى المجتهد أيضاً، عند مواجهة مثل هذا الإشكال وأشباهه: أولاً: ان يبحث في الكتاب والسنة ليثبت من عدمه ورود هذه اللفظة أو عدمها، والظاهر ان الأمر كذلك فان مفردة الاجتهاد وإن وردت نادراً في بعض الروايات كقوله عليه السلام: ((وَلَا يُؤَدِّي حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ))([8]) لكنها بمعنى آخر إذ يراد (المجتهدون في طاعته تعالى) فان الإنسان مهما اجتهد في طاعته تعالى فانه لا يؤدي حقه، فالمراد المعنى اللغوي للاجتهاد وهو واضح بلحاظ مناسبات الحكم والموضوع([9]).

وعليه ثانياً ان يبحث: عن وجود مرادف للّفظة المعنيّة أو مقارب لها وعند ذلك سنجد ان الإشكال – في المقام – غير تام؛ فانه وإن لم تَرِد لفظة الاجتهاد بالمعنى المصطلح في الآيات والروايات ولكن وردت مقارباتها كالاستنباط والتفقه والنظر.

 

التفقه والاستنباط والنظر

فان لفظة التفقه والاستنباط ونظائرها جاءت في الآيات والروايات وقد رتبت عليها الأحكام كقوله تعالى: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ)([10]) و(وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)([11]).

وفي الكافي الشريف ((مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَنْظَلَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ فِي دَيْنٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَتَحَاكَمَا إِلَى السُّلْطَانِ وَإِلَى الْقُضَاةِ أَيَحِلُّ ذَلِكَ

قَالَ مَنْ تَحَاكَمَ إِلَيْهِمْ فِي حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ فَإِنَّمَا تَحَاكَمَ إِلَى الطَّاغُوتِ وَمَا يَحْكُمُ لَهُ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ سُحْتاً وَإِنْ كَانَ حَقّاً ثَابِتاً لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِحُكْمِ الطَّاغُوتِ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُكْفَرَ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) قُلْتُ فَكَيْفَ يَصْنَعَانِ

قَالَ يَنْظُرَانِ إِلَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِمَّنْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا وَنَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَحَرَامِنَا وَعَرَفَ أَحْكَامَنَا فَلْيَرْضَوْا بِهِ حَكَماً فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِماً فَإِذَا حَكَمَ بِحُكْمِنَا فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ فَإِنَّمَا اسْتَخَفَّ بِحُكْمِ اللَّهِ وَعَلَيْنَا رَدَّ وَالرَّادُّ عَلَيْنَا الرَّادُّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى حَدِّ الشِّرْكِ بِاللَّهِ))([12]).

وفي المحاسن ((عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ تَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ مِنْكُمْ فِي الدِّينِ فَهُوَ أَعْرَابِيٌّ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون) ))([13])

وفي تفسير العياشي والأمالي ((الْمُتَّقُونَ سَادَةٌ وَالْفُقَهَاءُ قَادَةٌ وَالْجُلُوسُ إِلَيْهِمْ عِبَادَةٌ))([14]).

والحاصل: انه قد ورد (لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ) فيجب ان يبحث عن التفقه وحقيقته وحدوده ليجب الحذر عند إنذار المتفقهين في الدين دون غيرهم، ويجب البحث عن معنى (يَسْتَنبِطُونَهُ) ليجب الردّ إلى المستنبطين، ويجب البحث عن معنى (النظر) حيث أرجع الإمام عليه السلام المتنازعين إلى (من نظر...).

صدق التفقه بالحمل الشائع على المقلد في مبادئ الاستنباط

وليس ذلك بلا أثر، بل هو منشأ للكثير من الآثار فان به، اي بالرجوع إلى صدق إحدى تلك العناوين بالحمل الشائع وعدمه، تستخرج احكام عدد من المباحث الهامة، فمثلاً: هل يجوز تقليد المجتهد في الأصول والفقه، من دون ان يكون مجتهداً في المنطق؟ أو في النحو والصرف؟ أي فيما توقف عليه الاستدلال به من المباحث الصرفية والنحوية وطرق الاستدلال المنطقية كما سيأتي تفصيله والتمثيل له، بل هل هو مجتهد أصلاً؟ فقد يقال بالجواز وعدم توقف الاجتهاد في الفقه والأصول على الاجتهاد في المنطق والبلاغة والصرف وغيرها من مبادئ الاستنباط؛ خلافاً لما لعله مشهور المتأخرين الذين يرون التوقف استناداً إلى ان النتيجة تتبع اخس المقدمات.

ويمكن لمدعي الجواز وعدم التوقف ان يجيب بالرجوع إلى هذه العناوين الثلاثة، ونظائرها، المذكورة في الآيات والروايات فيستدل على الجواز وعدم التوقف بان عنوان (التفقه) صادق بالحمل الشائع الصناعي عرفاً على المتفقه بالفقه والأصول وإن لم يجتهد في المسألة المنطقية أو الصرفية بل أخذها من علماء المنطق والصرف واستند إليها كقاعدة اعتماداً عليهم فكان مقلداً لهم فيها، وكذلك يصدق عليه (نظر في حلالنا وحرامنا) و(يستنبطونه) وشبه ذلك، وما أعظم هذه الثمرة! وقد أجبنا عن ان (النتيجة تتبع أخس المقدمات) في بعض المباحث مفصلاً، فراجع.

نعم، للطرف الآخر ان يجيب بعدم صدق تلك العناوين على من لم يجتهد في بعض مبادئ الاستنباط، وعلى كلا التقديرين فان البحث عاد إلى (العنوان) المذكور في الآية والرواية وصدقه وعدمه، فتعريف العنوان أو التدبر فيه لمعرفة المرتكز منه عرفاً وصدقه وعدمه على هذا الصنف أو ذاك، كثير الجدوى، سلباً أو إيجاباً، فينبغي إتعاب النفس فيه! وقد فصلنا في كتاب (التقليد في مبادئ الاستنباط) الكلام عن ذلك والجواب عن مختلف الإشكالات عليه فراجع.

وصفوة القول: ان عناوين الشارع – إن كانت – هي المرجع في النزاع والنقاش وإلا فالمباني تبعاً للأدلة، فمثلاً (اليد امارة الملك) فهل يد الصبي غير المميز امارة الملك أيضاً؟ وكذلك (اللقطة) فان لها أحكامها ولكن ماذا لو التقط شيئاً بتوهم انه له فبانَ لغيره؟ فهل تشمله أحكام اللقطة وعليه الفحص سنة مثلاً؟ وكذا لو دفع برجله حاجة رجل مجهول في المسجد أو الحرم، بقصد أو لا بقصد، فهل هي لقطة حينئذٍ أو يقال بالتفصيل؟

تنبيه: قوله عليه السلام: ((يَنْظُرَانِ إِلَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِمَّنْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا وَنَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَحَرَامِنَا وَعَرَفَ أَحْكَامَنَا فَلْيَرْضَوْا بِهِ حَكَماً فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِماً)) متسلسل المطالب؛ فان المرحلة الأولى هي الرواية: (روى حديثنا) ثم تليها الدراية: (ونظر في حلالنا وحرامنا) فالأولى هي النقل والثانية التفكر والاجتهاد والعقل، ثم يتفرع على مجموعهما: (وعرف أحكامنا) فتدبر.

 

حقيقة الاجتهاد

واما حقيقة الاجتهاد، فهل هو (الملكة) أو هو (فعلية الاستنباط) نظير (العدالة) التي اختلف في انها هل هي (ملكة تعصم الإنسان عن فعل الكبائر والإصرار على الصغائر) أو هي (الاستقامة على جادة الشرع) وإن لم تكن مع الملكة.

 

تعريف القوانين للاجتهاد وتوضيحه

ثم ما هي هذه الملكة؟ فقد ذهب صاحب القوانين إلى انها: (ملكة يتمكن بها من رد الفروع إلى الأصول، وإرجاع الجزئيات إلى الكليات، والترجيح عند التعارض([15])).

وهذا التعريف أيضاً مما يشهد بضرورة وأهمية التعاريف في الدلالة على المباني ومرآئيتها لها، وقد أشار صاحب القوانين بقوله (رد الفروع إلى الأصول) إلى مسائل علم الأصول وإلى قوله عليه السلام ((عَلَيْنَا إِلْقَاءُ الْأُصُولِ وَعَلَيْكُمُ التَّفْرِيعُ))([16]) وبقوله (إرجاع الجزئيات إلى الكليات) إلى القواعد الفقهية، وذلك بحسب احدى الضوابط التي ذكرت للتمييز بين المسألة الأصولية والقاعدة الفقهية؛ فان القاعدة الفقهية هي أحكام شرعية بذواتها وهي كليات تنطبق على جزئياتها وليست كذلك المسائل الأصولية إذ ليست أحكاماً شرعية([17]) كما انها ليست كليات تنطبق على صغريات المسائل الفقهية، بل المسألة الأصولية – حسب مبنىً – هي: ما تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الفرعي الكلي الإلهي.

وتوضيح ذلك بالمثال: ان ((عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ))([18]) قاعدة فقهية وهي حكم شرعي إذ معناها الضمان وتنطبق على جزئياتها وكذلك قاعدة ((لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ إِلَّا مِنْ خَمْسَةٍ الطَّهُورِ وَالْوَقْتِ وَالْقِبْلَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ))([19]) وغيرها.

واما المسألة الأصولية فهي مثل الظواهر حجة، وليست الحجية حكماً شرعياً سواءً أخذت بمعنى الكاشفية أم بمعنى المنجزية والمعذرية، وسواء أكانت مجعولة للشارع أم ممضاة له، نعم إذا أريد بها لزوم الإتباع كانت حكماً شرعياً لكنه حكم أصولي، والمقصود من الكلي والجزئي في المقام([20]) الحكم الفقهي لا الأصولي، على انه – أي هذا الحكم وهو الحجية على تقدير تسليم انه حكم شرعي – يقع في طريق الاستنباط للحكم الشرعي له وليس جزئياً له؛ إذ لا بد من تشكيل قياسين هكذا (هذا – كالأمر – ظاهر في الوجوب وكل ظاهر حجة "وهذه هي المسألة الأصولية" فهذا حجة) ثم يقال (هذا (الأمر بجلسة الاستراحة مثلاً) حجة في الوجوب وكل حجة فيه يجب امتثاله فهذا يجب امتثاله) أو بعبارة مختصرة (هذا ظاهر في الوجوب فهو واجب) فقد تفرع الوجوب عليه وليس جزئياً له([21]).

وقد فصلنا في بعض الكتب النقاش في هذا الضابط للمسألة الأصولية والضوابط الأخرى وفي ضابط القاعدة الفقهية والضوابط الأخرى له (وهي ثمانية) فراجع([22]).

ثم انه قد يورد على تعريف القوانين انه ناقص إذ ينبغي إضافة (وعند التزاحم) أيضاً، كما ان هناك وجوهاً أخرى من النقاش في التعريف والنقاش في النقاش نتركها لتدبركم وللمفصلات.

 

أسئلة عن ملكة الاجتهاد

ثم هل هذه الملكة قابلة للتجزئة ليمكن الاجتهاد المتجزئ أو لا؟ وهل هي حقيقة تشكيكية ذات مراتب أو لا؟

وهل هذه الملكة اكتسابية أو هي غريزية موهبية أو هي مزيج منهما؟ ذلك كله مما يوكل لمظانه من كتاب (الاجتهاد والتقليد).

وهل يتوقف أصل الاجتهاد أو استقامته على (استقامة السليقة وعدم اعوجاجها؟ أو على ان لا يكون جربزياً لا يقف ذهنه على شيء)([23]) أو على غير ذلك؟ سيأتي لاحقاً بحث العنوان الأخير بإذن الله تعالى.

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

([1]) سورة النجم: آية 28.

([2]) الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني، كفاية الأصول، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث – قم، ج1 ص464.

([3]) في إدخال فرد أو إخراجه، ثبوتاً.

([4]) بل قد يوهمه هو، لاحقاً، ان مبناه هو ما تضمّنه تعريفُه!

([5]) من الكاشفية، لا عكس الشيء.

([6]) فلا حاجة للبحث عنه وعن تعريفه وحدوده.

([7]) السيد الخوئي حسبما نقل عنه.

([8]) السيد الشريف الرضي، نهج البلاغة، دار الهجرة للنشر – قم، ص39.

([9]) وهو أداء حقه تعالى.

([10]) سورة التوبة: آية 122.

([11]) سورة النساء: آية 83.

([12]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج1 ص67.

([13]) أحمد بن محمد بن خالد البرقي، المحاسن، دار الكتب الإسلامية – قم، 1371هـ، ج1 ص229.

([14]) الشيخ الطوسي، الأمالي، دار الثقافة للنشر – قم، 1414هـ، ص225.

([15]) وعند التزاحم.

([16]) محمد بن الحسن الحر العاملي، وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت – قم، 1409هـ، ج27 ص62.

([17]) المراد الأحكام بالمعنى الأخص وهو المعهود من أحكامٍ تكليفية ووضعية، والحجيّة ليست منها، نعم هي حكم شرعي بالمعنى الأعم. إن كانت بتأسيس منه دون ما إذا كانت مجرد إمضاء.

([18]) ابن ابي جمهور الاحسائي، عوالي اللآلئ، دار سيد الشهداء (عليهم السلام) – قم، 1405هـ، ج1 ص224.

([19]) الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي – قم، 1413هـ، ج1 ص279.

([20]) في قوله (إرجاع الجزئيات إلى الكليات).

([21]) إذ الوجوب ليس صغرى وجزئياً (هذا ظاهر في الوجوب).

([22]) (المبادئ التصورية والتصديقية للفقه والأصول) و(قاعدة الإلزام) وغيرهما.

([23]) القوانين: ج3-4 ص509.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3202
  • تاريخ إضافة الموضوع : الاربعاء 18 ذي القعدة 1439 هـ
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 07 / 4