• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : الفوائد والبحوث .
              • الموضوع : 292- الفوائد الأصولية (الحكومة (2)) .

292- الفوائد الأصولية (الحكومة (2))

الفوائد الأصولية (الحكومة (2))

جمع و اعداد الشيخ عطاء شاهين

الفائدة الثالثة : عرّف السيد اليزدي الحكومة   بـ: (أن  يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي متصرفاً في الدليل الآخر وناظراً إليه نظر شرحٍ وتفسيرٍ، لكن لا بالتفسير الصريح بل بالتفسير الضمني، سواء كان بتخصيص عمومه أو تقييد إطلاقه أو بحمله على خلاف ظاهره أو إيجابه لعدم العمل بمقتضاه، فهي قسم من القرائن المنفصلة في الحقيقة، والفرق بينها بالمدلول اللفظي لا بحكم العقل كما في غيرها) .
 ويرد عليه عدة أمور؛ أولها وثانيها وثالثها: أنه حيث قيّد (أحد الدليلين بمدلوله اللفظي...) فقد أخرج اللُّبّيان واللُّبّي مع اللفظي عن الحكومة؛ بل أخرج ما كان بحكم العقل متصرفاً في الدليل الآخر لا بمدلوله اللفظي وذلك كتصرف الخاص في العام؛ بل حتى الورود ؛ ورابعها: أنه بقوله (لكن لا بالتفسير الصريح بل بالتفسير الضمني) فقد اشترط  التفسير الضمني في الحكومة خلافاً لمن عمَّم الحاكم إلى المفسر الضمني والصريح، وخامسها: أنه بقوله ( سواء كان بتخصيص عمومه أو تقييد إطلاقه، أو بحمله على خلاف ظاهره أو إيجابه لعدم العمل بمقتضاه) فقد عمم الحكومة إلى الأنواع الأربعة؛ وسادسها : أنه اعتبر الحاكم من القرائن المنفصلة؛ والأصح أنه أعم من كونه منفصلاً ومتصلاً؛ وسابعها: بما أن الحكومة عنده غير التنزيل فكان عليه أن يقيّد التعريف على مبناه  فيقول: لا بالتفسير الصريح  ولا بنحو التنزيل.

تفصيل الفائدة:
وهناك تعريف ثالث للحكومة ذكره المحقق اليزدي في كتاب التعارض، فقال (قدس سره): (المقام الأول: الحكومة أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي متصرفاً في الدليل الآخر وناظراً إليه نظر شرحٍ وتفسيرٍ، لكن لا بالتفسير الصريح بل بالتفسير الضمني، سواء كان بتخصيص عمومه أو تقييد إطلاقه أو بحمله على خلاف ظاهره أو إيجابه لعدم العمل بمقتضاه، فهي قسم من القرائن المنفصلة في الحقيقة، والفرق بينها بالمدلول اللفظي لا بحكم العقل كما في غيرها) [1].

مطالب مبنوية في تعريف اليزدي
أقول: تحقيق بعض الكلام حول تعريفه بما ابتنى عليه من مبانٍ في ضمن مطالب:

لزوم ان يكون الحاكم دليلاً لفظياً
الأول: أنه وإن لم يقيد (أحد الدليلين) باللفظيين أو باللفظي لكنه بنى – حسب تعريفه - على التقييد به لظهور قوله بعدها (بمدلوله اللفظي) في ذلك، فحسب تعريفه يخرج اللُّبّيان واللُّبّي مع اللفظي عن الحكومة، ويخرج -احتمالاً أيضاً- عنها اللفظي نظير ما أسلفناه عن الشيخ (قدس سره).

لزوم أن يكون تصرفه بمدلوله اللفظي لا بحكم العقل
الثاني: أن قوله (بمدلوله اللفظي) لإخراج ما كان الدليل بحكم العقل متصرفاً في الدليل الآخر لا بمدلوله اللفظي؛ وذلك كتصرف الخاص في العام فإنه بحكم العقل - القاضي بعدم اجتماع الإرادتين الجديتين المتخالفتين في مورد الخاص وتدافعهما وأظهرية الخاص من العام أو شبه ذلك- لا بالمدلول اللفظي؛ إذ ليس الخاص بلفظه شارحاً للعام أو متصرفاً فيه.
فهو (قدس سره) يشير بذلك إلى ما قاله الشيخ من (والفرق بينه وبين التخصيص: أن كون المخصص بيانا للعام، إنما هو بحكم العقل، الحاكم بعدم جواز إرادة العموم مع العمل بالخاص، وهذا بيانٌ بلفظه ومفسرٌّ للمراد من العام، فهو تخصيص في المعنى بعبارة التفسير) [2].

الخاص شارح للعام على مبنى مجازية العام
أقول: نعم،  يمكن إدراج الخاص بالنسبة للعام في دائرة الشرح والتفسير على مبنى من يرى أن العام مجاز أريد به الخاص والخاص قرينة على ذلك، وذلك هو ما أشار إليه الميرزا النائيني بقوله: (نعم: بناءً على أن التخصيص والتقييد يقتضي المجازية، يكون الدليل الذي كان مفاده المطابقي ما تقتضيه نتيجة تحكيم الخاص والمقيّد على العام والمطلق، شارحاً ومبيّناً لما أريد من لفظ العام والمطلق، فإن الخاص والمقيد يكون حاله حال سائر قرائن المجاز؛ إلا أن ذلك بمعزل عن الواقع كما أوضحناه في محلّه) [3].

لزوم كون التفسير ضمنياً
الثالث: أن هناك خلافاً في اشتراط التفسير الضمني في الحكومة، فإن البعض يرى أن التفسير الصريح ليس من الحكومة بل يرى أن الصريح مفسِّر لا حاكم.
فقد ذهب بعض الأعلام ومنهم المحقق اليزدي إلى الاشتراط ، قال: (لكن لا بالتفسير الصريح بل بالتفسير الضمني) بينما ذهب بعض آخر إلى عدم الاشتراط ، أي أنه عمَّم الحاكم إلى المفسر الضمني والصريح، بل أن الميرزا النائيني بالغ في ذلك حتى عدّ المفسر الصريح أقوى أفراد الحكومة كما يظهر ذلك من قوله : (والتحقيق: أنه لا يعتبر في الحكومة أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي مفسّراً لمدلول الآخر وشارحاً له بحيث يكون مصدّراً بأحد أداة [4] التفسير أو ما يلحق بذلك؛ فانّ غالب موارد الحكومات لا ينطبق على هذا الضابط، بل لم يوجد فيها [5] ما يكون مصدّراً بأحد أداة [6] التفسير) [7] فإن ظاهر قوله (بحيث...) أنه هو الفرد المسلّم للحكومة.
وسيأتي تحقيق الحال في كل ذلك ، إذ الكلام الآن في استعراض الأقوال والمباني بشكل عام وموجز مع بعض الإشارات لاختلافاتها أو مع ذكر وجه فقط للتأييد أو الرد والتفصيل آت بإذن الله تعالى.

الأنواع الأربع للحكومة
الرابع: أن قوله (سواء كان بتخصيص عمومه أو تقييد إطلاقه، أو بحمله على خلاف ظاهره أو إيجابه لعدم العمل بمقتضاه) تعميم للحكومة إلى الأنواع الأربعة:
فالأولان كـ(لا شك لكثير الشك) بعد قوله (حكم الشكوك في الثنائية والثلاثية والرباعية كذا أو حكم الشك فيها كذا) و(العالم هو غير النحوي) بعد قوله مثلاً (أكرم العلماء) أو (أكرم العالم).
وثالثها [8]: وهو في المتباينين [9]، فيكون أحد المتباينين مفسراً للمباين الآخر وشارحاً له وذلك مثل قوله (رأيت أسداً) إذا فسره بقوله (الأسد هو الرجل الشجاع) أو وصله بقوله (يرمي) وكذا قوله (الطواف بالبيت صلاة).
ورابعها: وهو في (من وجه) كـ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [10] بالنسبة إلى أدلة العناوين الأولية.

الحاكم من القرائن المنفصلة، حسب رأيه
الخامس: أنه اعتبر الحكومة من القرائن المنفصلة لكن الأصح أن الحاكم أعم من كونه منفصلاً ومتصلاً؛ إذ لا فرق في الحكومة بين وصل مثل (يرمي) و(الطواف بالبيت صلاة) بالمحكوم عليه أو فصله [11]؛ ولذا تعدُّ قرائن المجاز من الحكومة مطلقاً، وذلك ما ذهب إليه الميرزا النائيني أيضاً، قال: (وإن قيل: إن المراد من التفسير ما يعمّ تفسير قرينة المجاز لذي القرينة، حيث إن قرينة المجاز إنما تكون شارحة لما أريد من لفظ ذي القرينة مع عدم كونها مصدّرة بأداة التفسير.
قلنا: قصر الحكومة على ذلك أيضاً يوجب خروج غالب الموارد عنها) [12].
السادس: أن قوله (والفرق بينها بالمدلول اللفظي لا بحكم العقل كما في غيرها) قد أوضحناه في ضمن الأمر الثاني، ونضيف: أنه لإخراج لا العام والخاص فقط بل وغيرهما أيضاً حتى الورود ؛ فتأمل.

الحكومة غير التنزيل
السابع: أنه كان عليه أن يقيّد التعريف- على مبناه-  بأن لا يكون بنحوِ التنزيل ؛ بأن يقول مثلاً (لكن لا بالتفسير الصريح بل بالتفسير الضمني، ولا بنحو التنزيل) وذلك لأنه اعتبر التنزيل قسيماً للحكومة فيما مضى من كلماته إذ قال (وأعلم ان هنا أبواباً...) وعدّ منها : باب التزاحم ، وثانيها باب التنزيل، وثالثها باب الورود ، ورابعها باب الحكومة.
والأصح أن التنزيل من الحكومة كما سيأتي [13].

هذه المباحث الاصولية تجميع لما طرحه سماحة السيد في مختلف كتبه وبحوثه، قام باعدادها وجمعها و ترتيبها مشكوراً فضيلة الشيخ عطاء شاهين وفقه الله تعالى

 
----------------
[1]  كتاب التعارض  لليزدي  ص53.
[2]  فرائد الأصول: ج4 ص14.
[3]  فوائد الأصول: ج4 ص711.
[4]  أدوات.
[5]  أي في الآيات والروايات.
[6]  أدوات.
[7]  فوائد الأصول: ج4 ص710.
[8]  حمله على خلاف ظاهره.
[9]  وإن كان بحسب اللفظ أعم.
[10]   سورة الحج: 78.
[11]  بالقول مثلاً بعد فترةٍ:  وكان ذلك الأسد رامياً .
[12]  فوائد الأصول: ج4 ص711.
[13]  مباحث التعارض: الدرس  120.


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3244
  • تاريخ إضافة الموضوع : 30 محرم الحرام 1440هـ
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 12 / 11