• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : الفوائد والبحوث .
              • الموضوع : 295 - الفوائد الأصولية (الحكومة (5)) .

295 - الفوائد الأصولية (الحكومة (5))

الفوائد الأصولية (الحكومة (5))

جمع و اعداد الشيخ عطاء شاهين

الفائدة السادسة: الحكومة نوعان؛ حكومة مصطلحة وحكومة عرفية ؛ فالثانية كـ( لَا ضَرَرَ  ولا حرج ) و ( وجوب الصوم) بل ومطلق العناوين الثانوية على الأولية ؛  فحيث لا نسبة بين الدليلين أو أظهرية فإن العرف يوفق بينهما بالتصرف أو بتقديم أحدهما على الآخر ؛ وأما الأولى فحيث وجد البيان فلا تحتاج لتصرف العرف؛ لكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي – أو مطلقاً - ناظراً لبيان مدلول الدليل الآخر وشارحاً له ؛ وبذلك ظهر الفرق بين الحكومة المصطلحة والحكومة العرفية.             
تفصيل الفائدة:
ويمكن تنوين  أنواع الحكومة إلى نوعين مبدئياً:

الحكومة المصطلحة
النوع الأول: الحكومة المصطلحة، وهي التي فسرها العديد من الأعلام تبعاً للشيخ (قدس سره) بـ(أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي ناظراً لبيان مدلول الدليل الآخر وشارحاً له مبيناً لكمية مقداره توسعةً أو تضييقاً تنزيلاً أو رفعاً) ويختلف هذا النوع عن لاحقه بالأساس في قيد (بمدلوله اللفظي)  كما سيتضح.
مثاله: قوله: (لا شك مع كثرة الشك)، أو (مع حفظ الإمام أو المأموم) و(لا شك في النافلة) في الرفع، وأما في التنزيل فكـ:(الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ فِيهِ الْمَنْطِق ) [1] على مخالفة لبعض الأعلام [2] في كونه من الحكومة التنزيلية، وكـ: قاعدة الطهارة بالنسبة إلى "لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ"[3] بناءً على أنه ظاهر في الطهارة الواقعية إذ لو كان المراد به الأعم كانت قاعدة الطهارة واردة لا حاكمة.
وهذا النوع من الحكومة هو الذي اقتصر عليه البعض، كما هو ظاهر بعض عبارات الشيخ أيضاً.

الحكومة العرفية
النوع الثاني: الحكومة العرفية ؛ وهي التي فسرت بـ(كون الدليلين بحيث إذا عرضا على العرف فانه يوفق بينهما بالتصرف في احدهما أو كليهما) وذلك مع قيدين : أ- بلا ملاحظة نسبة بينهما ب- ولا ملاحظة أظهرية.
وذلك كحكومة الأدلة الثانوية على الأدلة الأولية، كلا ضرر ( لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَام ) [4] ولا حرج ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [5] وغيرهما بالنسبة لأمثال (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ).

فرق الحكومتين
وفرقها عن الحكومة المصطلحة ظاهر؛ إذ (لا ضرر ولا ضرار) ليس ناظراً بمدلوله اللفظي إلى ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) عكس (لا شك لكثير الشك) الناظر بلفظه إلى أن للشك حكماً لكنه غير مجعول لكثير الشك، بل أن لا ضرر إنما هو ناظر بحسب ما يفهمه العرف عند الجمع بينه وبين مثل ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ) فشارحيته ليست لفظية ولا باعداد شخصي من المتكلم للشرح والتفسير بل هي شارحية لبية عقلائية مستندة إلى فهم العقلاء عند ضمهما إلى بعض أن الأول (أي مثل لا ضرر) مهيمن وحاكم وشارح لحدود وكمية المراد الجدي من الثاني.
وأما القيدان فأمرهما واضح؛ إذ الحاكم حاكم سواء أكانت النسبة من وجه كما بين لا ضرر ودليل الصوم وغيره، أم لا، كما أن الحاكم متقدم على المحكوم لكونه شارحاً له  فلا يناط تقدمه عليه بكونه أظهر، وفي كثير مما مضى بحث ومناقشات وأقوال ستأتي بإذن الله تعالى [6].  
بحث تطبيقي:
ذهب الميرزا النائيني (قدس سره) إلى ( الأقوى: وجوب الأخذ بظهور الخاص وتخصيص العام به ولو كان ظهوره أضعف من ظهور العام فان أصالة الظهور في طرف الخاص تكون حاكمة على أصالة الظهور في طرف العام، لأن الخاص يكون بمنزلة القرينة على التصرف في العام؛ كما يتضح ذلك بفرض وقوع العام والخاص في مجلس واحد من متكلم واحد، فانه لا يكاد يشك في كون الخاص قرينة على التصرف في العام؛ كما لا ينبغي الشك في حكومة أصالة الظهور في القرينة على أصالة الظهور في ذي القرينة ولو كان ظهور القرينة أضعف من ظهور ذيها) [7].
العراقي: ليس الخاص حاكماً، فلا يتقدم على العام إلا لو كان أظهر
وقد استشكل عليه المحقق العراقي بأن الخاص لا يمكن أن يكون حاكماً على العام أبداً، لأن الحاكم هو الناظر للغير الشارح له وليس الخاص ناظراً للعام ولا شارحاً بل أنه لا يفيد إلا مدلوله ومؤداه.
وبعبارة أخرى: الحاكم هو المسوق لبيان حال الغير وليس الخاص كذلك ؛ إذ أنه مسوق لبيان حال نفسه وحكم مورده.
وبعبارة أخرى: ليس الخاص بقرينة على المراد من العام ؛ لأنه لم يسق لبيان حاله ؛ وما سيق للقرينية على حال غيره لا بد له من أن يكون مسوقاً لبيان حاله وليس الخاص مسوقاً لبيان حال العام؛ ألا ترى أن قوله (لا تكرم زيداً العالم) يفيد هذا المعنى الظاهر وليس مسوقاً لبيان حال (أكرم العلماء) ولا ناظراً لحاله؟  بل مفاده هو حرمة إكرام زيد العالم الذي يتضاد مع وجوب إكرامه المدلول عليه بالدلالة التضمنية لـ(أكرم العلماء).
وعليه: فالخاص إنما يتقدم على العام إذا كان أظهر لا مطلقاً؛  إذ ليس مسوقاً لبيان حال العام ليتقدم عليه مطلقاً.
قال المحقق العراقي: (أقول: لا إشكال في تقدم ما سيقت للقرينية على التصرف في غيره، ولا يلاحظ فيه الأظهرية.
ولكن عمدة الكلام في هذا المعنى، إذ مرجع سوقه قرينة على التصرف في الغير إلى سوقه لبيان حال الغير، ولا يكون إلا بكونه ناظراً إلى شرح الغير، وهو ليس إلا شأن الحاكم.
وأما المخصّص – حسب اعترافه سابقاً – لا يكون له مثل هذا النظر أبداً، وإنما مفاده حكم آخر مضاد مع حكم غيره في فرد خاص أو مناقض؛ ففي هذه الصورة لا مجال لدعوى سوقه للقرينة على شرح غيره، بل كان معارضاً مع غيره محضا، وفي مثله لا محيص من الترجيح بالأقوى؛ فيجري على الأقوى حكم القرينة، لا أنه حقيقة قرينة؛ فإجراء حكم القرينة على الخاص حينئذٍ فرع أقوائيته، وإلا فلو كان العام في دلالته على المورد أقوى – ولو من جهة إبائه عن التخصيص – يجري على العام حكم القرينة على التصرف في الخاص مثلاً. ولعمري! إن ما أفيد في المقام من غرائب الكلام) [8].

دفاعاً عن المحقق النائيني: القرينة أعم مما سيق للقرينية
أقول: لكن إشكال المحقق العراقي على الميرزا غير وارد ظاهراً؛ حيث إن الميرزا لم يدّع بأن الخاص قد سيق قرينة على التصرف في الغير كما توهمه العراقي من كلامه [9]  بل ادعى بأن الخاص حاكم على العام وادعى بأنه (بمنزلة القرينة) على العام ؛ قال: (لأن الخاص يكون بمنزلة القرينة على التصرف في العام) ؛ بل أن قوله: (فإنه لا يكاد يشك في كون الخاص قرينة على التصرف في العام) أعم ؛ لأن كون الشيء قرينة أعم من كونه قد سيق للقرينية كما سيتضح؛  وكون الشيء حاكماً على أمر آخر أعم من كونه قد سيق للقرينية عليه أو كونه ناظراً إليه، فمدعى الميرزا أن أصالة الظهور في الخاص حاكمة على أصالة الظهور في العام من غير أن يدعى كونها قد سيقت لبيان حال العام ولا كونها ناضرة إلى شرح الغير.

الحكومة نوعان
توضيحه: أن الحكومة – على حسب التحقيق الذي بنى عليه الميرزا النائيني أيضاً – على قسمين:

الحكومة المصطلحة: ما كان بمدلوله اللفظي ناظراً للغير
الأول: ما سيق لبيان حال غيره وكان ناظراً إليه شارحاً له وذلك مثل الطواف بالبيت صلاة، ولا شك لكثير الشك أو مع حفظ الإمام أو المأموم أو في النافلة، مما أفاد تنزيلاً أو رفعاً، وهذا القسم هو الذي عبر عنه بعض الأعلام بـ(الحكومة المصطلحة) التي عُرفت بـ(أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي ناظراً للدليل الآخر وشارحاً له) ؛  وهذا هو الذي توهم العراقي أن النائيني قد قصده وأراده فأشكل عليه بعدم انطباقه على الخاص، مع أن الميرزا النائيني نفى بصريح عباراته فيما مضى من بحث انحصار الحكومة في هذا القسم.
نعم ، لو كان رأى النائيني حصرها فيه لورد عليه إشكال العراقي بعدم انطباق هذه الحكومة على الخاص.

الحكومة العرفية: ما كان بلحاظ صدورهما معاً في مجلسٍ
الثاني: الأعم من ذلك الشامل لما لم يُسَق لبيان حال الغير ولم يكن بمدلوله اللفظي ناظراً شارحاً ، بل كان بحيث إذا لاحظ العرف صدورهما في مجلس واحد من متكلم واحد جمع بينهما بجعل أحدهما هو القرينة على التصرف في الآخر؛ وذلك كحكومة الأدلة الثانوية على الأدلة الأولية كلا ضرر ولا حرج ، بل وكحكومة الأمارات على الأصول العملية النقلية كحكومة خبر الثقة على رفع ما لا يعلمون؛ فإن خبر الثقة حاكم على رفع ما لا يعلمون لكن لا لكونه من القسم الأول من الحكومة ؛ إذ ليس مثل ( الْعَمْرِيُّ وَابْنُهُ ثِقَتَانِ فَمَا أَدَّيَا إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّيَان ) [10] ناظراً بمدلوله اللفظي إلى (رفع ما لا يعلمون) وشارحاً له ، بل لكونه من الحكومة من قسمها الثاني؛  فإن العرف إذا جمعهما رأى هيمنة هذا على ذاك وأنه (بمنزلة الشارح) وليس (الشارح لفظاً) وأن المراد هو (نتيجة التفسير) وليس (التفسير).
قال السيد الاصفهاني في منتهى الوصول : (الحكومة الاصطلاحية؛ وهي عبارة عن كون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي ناظراً لبيان مدلول الدليل الآخر، وناظراً إلى مقدار دلالته وكمية مقداره، توسعة وتضييقا) و (الحكومة العرفية المعبر عنها بالتوفيق العرفي، وهي عبارة عن كون الدليلين بحيث إذا عرضا على العرف يوفقون بينهما بالتصرف في أحدهما أو كليهما بالحمل على معنى لا ينافي أحدهما الآخر بلا ملاحظة نسبة بينهما، بل يقدمون أحد الدليلين على الآخر ولو كان أضعف دلالة منه وكانت النسبة بينهما عموماً من وجه، ولمشاكلتها مع الحكومة الاصطلاحية في عدم ملاحظة النسبة والاظهرية بين الدليلين عرفاً عُبِّر عنها بالحكومة العرفية، وذلك كالأدلة النافية للعسر والحرج والضرر ونحوها مما يتكفل لأحكامها الثانوية بالنسبة إلى أدلة الأحكام بعناوينها الأولية، حسبما تقدم في قاعدة لا ضرر على ما هو المختار عند المصنف [11] وعندنا) [12].

بعض عبارات النائيني الصريحة في أعمية الحكومة
بل أن الميرزا النائيني (قدس سره) صرح بأن الحكومة أعم من القسم الأول في كلمات له سابقة ؛  فقال : (فقيل: إنّ ضابط الحكومة هو أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي شارحاً و مفسّراً لما أريد من الدليل الآخر) [13] ثم قال: (والتحقيق: أنّه لا يعتبر في الحكومة أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي مفسّرا لمدلول الآخر و شارحاً له بحيث يكون مصدّرا بأحد أدوات التفسير أو ما يلحق بذلك، فانّ غالب موارد الحكومات لا ينطبق على هذا الضابط، بل لم يوجد فيها ما يكون مصدّرا بأحد أدوات التفسير) [14] وقال: (والظاهر أنّ مراد الشيخ (قدس سره)  من التفسير في قوله: «وهو تخصيص في المعنى بعبارة التفسير» ليس هو التفسير اللفظي، بل المراد منه نتيجة التفسير وإن لم يكن تفسيرا لفظيّا، بداهة أنّه لو كان مفاد أحد الدليلين بمدلوله المطابقي ما تقتضيه نتيجة تحكيم الخاصّ والمقيّد على العامّ والمطلق، لكان حاكما على الآخر، مع أنّه ليس في تحكيم الخاصّ والمقيّد على العامّ والمطلق ما يوجب شرح اللفظ فانّ الخاصّ والمقيّد لم يتعرّض لما أريد من لفظ العامّ والمطلق، بل وظيفة الخاصّ والمقيّد بيان الموضوع النّفس الأمري وما تعلّقت به الإرادة الواقعيّة من دون أن يتصرّف في لفظ العامّ والمطلق، بناء على ما هو التحقيق: من أنّ التخصيص والتقييد لا يوجب التجوّز في لفظ العامّ والمطلق. نعم: بناء على أنّ التخصيص والتقييد يقتضي المجازيّة، يكون الدليل الّذي كان مفاده المطابقي ما تقتضيه نتيجة تحكيم الخاصّ والمقيّد على العامّ والمطلق، شارحا ومبيّنا لما أريد من لفظ العامّ والمطلق) [15].
وقال: (فالتحقيق: أنّه لا يعتبر في الحكومة أزيد من أن يرجع مفاد أحد الدليلين إلى تصرّف في عقد وضع الآخر بنحوٍ من التصرّف إمّا بأن يكون مفاد أحدهما رافعا لموضوع الآخر في عالم التشريع، كما في حكومة الأمارات على الأصول العمليّة وحكومة الأصول بعضها على بعض - على ما تقدّم بيانه في خاتمة الاستصحاب - وإمّا بأن يكون مفاد أحدهما إدخال ما يكون خارجا عن موضوع الآخر أو إخراج ما يكون داخلا فيه. وقد يرجع مفاد أحد الدليلين إلى التصرّف في عقد حمل الآخر لا في عقد وضعه، كأدلّة نفي الضرر والعسر والحرج، فانّها تكون حاكمة على الأحكام الأوليّة، مع أنّه لا يرجع مفادها إلى التصرّف‌ في موضوعات الأحكام، بل يرجع تصرّفها إلى نفس الأحكام، كما أوضحناه في ((رسالة لا ضرر)) [16].
ولذا كله قال الميرزا هنا: (لأن الخاص يكون بمنزلة القرينة على التصرف بالعام) [17] ولم يقل (إنه قرينة) بل (بمنزلة القرينة).
لا يقال: إنه صرح بعد ذلك بأنه (قرينة)؟.
إذ يقال: أراد – بقرينة كافة كلماته – أنه ببركة فرض وقوعهما في مجلس واحد كان كذلك لا بالذات فلاحظ قوله ( كما يتضح ذلك بفرض وقوع العام والخاص في مجلس واحد من متكلم واحد، فإنه لا يكاد يشك في كون الخاص قرينة على التصرف في العام) [18].

 

الفائدة السابعة : قُسمت الحكومة إلى واقعية وظاهرية ؛ والأولى ما أوجبت التوسعة والتضييق في الموضوع  كـ (الطواف بالبيت صلاة)   و (لا ربا بين الوالد وولده) ؛ والثانية ما  لم توجب ذلك كحكومة الأمارات على الأصول؛ ولكن المناسب أن يضاف إليهما قسمان آخران ؛ وهما حكومة العناوين الثانوية على العناوين الأولية وحكومة على نفي آثار الحكم ؛ إذ أولهما  تنزيل لموضوع  منزلة موضوع آخر  من غير توسعة وتضييق كحكومة لا ضرر على وجوب الصوم ؛  وثانيهما كحكومة (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) على قاعدة الحظر؛ فالحاكم  هنا تطرق لرفع العذاب ولم يتطرق لرفع الحكم ؛ ورفع العذاب أعم من رفع الحكم ؛ إذ قد يُرفع العذاب تفضلاً  أو شفاعة أو غير ذلك [19] .
وبهذا التقسيم ظهر أن الحكومة كما تجري باب التعارض فهي تجري في باب التزاحم أيضاً؛ لأنها من عالم الإثبات والأدلة ؛ وهي مرتهنة بلسان الدليل ولا يختلف حالها باختلاف عالم الثبوت ووجود ملاك في المستثنى وعدمه.
تفصيل الفائدة:
قسّم الميرزا النائيني (قدس سره)  الحكومة إلى قسمين [20]، لكن الأكمل والأدق هو أنها تنقسم إلى أربعة أقسام:

الحكومة الواقعية
القسم الأول: الحكومة الواقعية؛ وهو ما جاء في قوله (قدس سره) : (والفرق بين الحكومة الواقعية والحكومة الظاهرية، هو أن الحكومة الواقعية توجب التوسعة والتضييق في الموضوع الواقعي، بحيث يتحقق هناك موضوع آخر واقعي في عرض الموضوع الأولى كما في قوله "الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ" [21] )[22].

الحكومة الظاهرية
القسم الثاني: الحكومة الظاهرية ؛ وهو ما جاء في قوله (قدس سره) : (وهذا بخلاف الحكومة الظاهرية مع ما لها من العرض العريض: من حكومة الأمارات بعضها على بعض، وحكومتها على الأصول، وحكومة الأصول بعضها على بعض، وحكومة الجميع على الأحكام الواقعية، فإنه ليس في الحكومة الظاهرية توسعة وتضييق واقعي، إلا بناءً على بعض وجوه جعل المؤدّى الذي يرجع إلى التصويب.
وأما بناء على المختار: من عدم جعل المؤدّى وأن المجعول فيها هو الوسطية في الإثبات والكاشفية والمحرزية، فليس هناك توسعة وتضييق واقعي، وحكومتها إنما تكون باعتبار وقوعها في طريق إحراز الواقع في رتبة الجهل به، فيكون المجعول في باب الطرق والأمارات والأصول في طول الواقع لا في عرضه. وليس للشارع حكمان: حكم واقعي وحكم ظاهري، بأن يكون تكليفان مجعولان شرعيان: أحدهما تكليف واقعي، والآخر تكليف ظاهري، فان التكليف الظاهري بهذا المعنى مما لا نعقله) [23].

الفرق بين الحكومتين
وبعبارة أخرى: في الحكومة الواقعية موضوعان لكل منهما أحكام وقد نُزّل أحدهما منزلة الآخر موضوعاً بلحاظ بعض آثاره وأحكامه ، أي ليترتب بعض أحكام المنزل عليه على المنزَّل.
وأما في الحكومة الظاهرية فهناك حكم واقعي؛ فإن شككت فيه: فالبراءة الظاهرية أو شبه ذلك [24] ، وإن قامت عليه الأمارة : فقد أحرزته، ففي الحكومة الظاهرية إحراز للواقع وفي الحكومة الواقعية صنعٌ للواقع، فذاك كاشف وهذا صانع أو موجِد.
وبعبارة أخرى: في الحكومة الواقعية إنشاء وإيجاد وفي الحكومة الظاهرية إخبار وكشف ؛ وهذا هو المختار [25].
والميرزا النائيني (قدس سره)  اختار وجود الجعل والإنشاء في الأمارات عندما قال: (وأن المجعول فيها هو الوسطية في الإثبات والكاشفية والمحرزية، فليس هناك توسعة وتضييق واقعي... فيكون المجعول في باب الطرق والأمارات والأصول في طول الواقع لا في عرضه) [26] .
ولكنه إنشاء للحجية والكاشفية والوسطية في الإثبات وليس إنشاء للواقع أو للمؤدّى وتصرفاً فيه،  عكس ( الطواف بالبيت صلاة )  أو (لا شك لكثير الشك) فإنه تصرف في المؤدى والواقع.

حكومة العناوين الثانوية
القسم الثالث: حكومة العناوين الثانوية على العناوين الأولية [27]؛ فإنها ليست من الحكومة الواقعية بالتعريف الذي عرفها الميرزا به،  ولا هي من الحكومة الظاهرية.
أما أنها ليست من الحكومة الواقعية؛ فلأنها – حسب تعريفه – توجب التوسعة والتضيق في الموضوع الواقعي، بحيث يتحقق هناك موضوع آخر واقعي في عرض الموضوع الأولى؛  فهناك – بصريح كلامه - موضوعان نزّل أحدهما منزلة الآخر، أما في لا ضرر فلا يوجد موضوعان بل موضوع واحد متفصِّل تارة بفصل الضرر ،  وغير متفصل به تارة أخرى ، ولكل منهما حكم ولا تنزيل بالتوسعة أو عكسه بالتضييق.
وبعبارة أخرى: الضرر من (المحمول بالضميمة) المقابل لـ(المحمول من صميمه) أما في التوسعة والتضييق فلا يوجد محمول بالضميمة بل تنزيل لموضوع بتمامه منزلة موضوع آخر بتمامه، اعتباراً.
نعم ، كان له أن يوّسع تعريفه للحكومة الواقعية لتشمل القسم الثالث، إلا أن ذلك وإن أمكن وصحّ لكنه لا ينفي كونهما نوعين حقيقة وإن أمكن العثور لهما على جامع، ولذا [28] أنكر حكومة العناوين الثانوية على الأولية بعضٌ مع إقراره بالحكومة بالتوسعة أو التضييق.
والتعميم بأن يقال مثلاً: الحكومة الواقعية هي ما توجب تصرفاً في الموضوع الواقعي بالتوسعة بإدراج موضوع آخر فيه أو بالتضييق بإخراج بعض أفراده منه موضوعاً، أو بضم قيد وحيثية تقييدية توجب تغير الحكم، فتأمل.

الثمرة: فالحكومة أعم من باب التزاحم
ثم إنه قد ظهر مما ذكرناه حتى الآن: أن الحكومة أعم من باب التزاحم والتعارض؛ وذلك لأن الحكومة الظاهرية من باب التعارض أي من مستثنيات بابه؛  لأنها من التعارض غير المستقر ، وأما الحكومة الواقعية فهي من التزاحم الملاكي بكلا قسميها ؛ أما القسم الثالث [29] فلأن الضرر ملاك مزاحم لملاك وجوب الصوم وحيث كان أقوى تغلب وتقدم فجعل المولى الحكم على طبقه ؛ وأما القسم الأول فلأن الظاهر هو أن في الحكومة التضييقة في مثل "لَيْسَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَ وَلَدِهِ رِباً..." [30] و(لا شك لكثير الشك) ملاكاً مزاحماً اقتضى تحليل الزيادة الربوية بين الوالد والولد مقابل ما فيه من المفسدة  وكذلك (لا شك...) ولعله لمصلحة التسهيل أو لمصلحة طرد الوسوسة ؛ فإن التسهيل فيها من مقتضيات ترويح الأعصاب ودفعها ، فتأمل.

حكومة ما ينفي آثار الحكم
القسم الرابع: حكومة مثل ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [31] على قاعدة الحظر المستندة إلى حق المملكة أو حق المملوكية الذاتية أو حق الطاعة وشبه ذلك، وهذا نوع آخر من الحكومة ؛ إذ لا يتطرق الحاكم إلى حكمٍ ولا يتضمنه بل إنما لسانه رفع العذاب؛ ورفع العذاب أعم من رفع الحكم ؛ إذ قد يكون حراماً ويرفع العذاب عن مرتكبه تفضلاً أو للشفاعة والتوبة وشبه ذلك، وعليه فمفاد الآية – على هذا – ان ما حُظِر عقلاً لا نُعذب عليه ما دمنا لم نبلغه لكم نقلاً، وهذا أعم من رفع حرمته ثبوتاً [32]،  فتأمل [33].

بحث تطبيقي
هل تجري الحكومة -  وكذا والورود والتخصيص وأشباهها [34]  - في باب التزاحم أم أنها خاصة بباب التعارض؟

وجه توهم اختصاص الحكومة وأخواتها بباب التعارض
فقد يتوهم اختصاصها بباب التعارض نظراً لأنها من مستثنيات بابه، إذ أنها من التعارض غير المستقر [35] ، فيقال مثلاً أن للتعارض أحكاماً كالتساقط كأصل أولي ؛ والتخيير في خصوص الأخبار أو مطلقاً كأصل ثانوي ، ثم تذكر مستثنيات باب التعارض وهي الحكومة والورود والتخصيص وما أشبه.
وأما باب التزاحم فهو قسيم باب التعارض ؛ إذ التعارض هو تكاذب الخبرين أما التزاحم فهو تدافع الملاكين من غير تكاذبٍ بين الخبرين أو الخبر الجامع لهما ، بل يكون كلاهما صحيحاً وارداً من المولى لكن عجز المكلف عن الامتثال لعدم قدرته على الجمع هو الذي أوقع التدافع بينهما ؛ فيتخير إن تساوى الملاكان وإلا فيرجح الأهم تعييناً إن كان الرجحان بدرجةٍ ملزمة وإلا فندباً، ولأجل ذلك قد يتوهم أنه لا تجري فيه مستثنيات الباب القسيم له.

الصحيح: أعمية الحكومة وأخواتها من باب التعارض والتزاحم
لكن الصحيح هو أن الحكومة  - وكذا التخصيص والورود-  تجري في باب التزاحم كما تجري في باب التعارض؛ وذلك لأنها من عالم الإثبات والأدلة وهي مرتهنة بلسان الدليل ولا يختلف حالها باختلاف عالم الثبوت ووجود ملاك في المستثنى وعدمه ؛  وتوضيحه:

التخصيص قد يكون لفقد الملاك وقد يكون لاقوائية ملاكه المضاد
أما في التخصيص ؛ فلأنه عبارة عن استثناء فرد أو صنف أو نوع من كلي [36] فقد يكون لأنه لا ملاك له بالمرة ، وقد يكون لوجود ملاك فيه مضاد لملاك العام مع كونه أقوى منه وأرجح فيستثنى من حكمه بمتصلٍ أو منفصلٍ؛ فمثال الثاني كما لو قال (أكرم العلماء) واستثنى زيداً العالم لكونه فاسقاً ؛ فإن ملاكي العلم والفسق يتزاحمان إذ العلم يقتضي الإكرام والفسق يقتضي الإهانة، فإذا كان ملاك الفسق المقتضي للإهانة أقوى بنظر المولى حَكَم بإكرام العلماء وأخرج زيداً العالم الفاسق بمخصص متصل أو منفصل.
وأما مثال الأول [37] ما لو اعتبر المولى العالم المأخوذ موضوعاً للإكرام كعنوان مشير إلى الملاك ولم يعتبره هو الملاك نفسه [38] ؛ كما لو كان حكمه بـ(أكرم العلماء) لا لكون العلم ملاكاً لوجوب الإكرام بنظره بل كان قد أخذ العلم مرآة للخدمة أو التقوى مثلاً، وكان حكمه بوجوب الإكرام واقعاً منصباً على المتقي أو الخدوم، فإذا وجد المولى أن زيداً العالم غير خدوم أو غير متقي فإنه يستثنيه [39] فيخرجه بلسان التخصيص مثلاً، فلا يوجد ملاك ههنا في المخصَّص عكس السابق.

التزاحم الملاكي والتزاحم في مقام الامتثال
تنبيه: التزاحم على قسمين: التزاحم الملاكي والتزاحم في مقام الامتثال، والبحث جار في كليهما.
والمراد بالتزاحم الملاكي: ما تتزاحم فيه الملاكات في مرحلة حكم الشارع، فهو من شؤون الشارع والمولى ، أي أنه لدى إنشائه الحكم يلاحظ وجود الملاكات المختلفة في المتعلق [40] فيحكم بعد ترجيحه لبعضها على البعض الآخر والكسر والانكسار بالوجوب أو الحرمة أو غيرهما ، فلاحظ – مثلاً-  قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [41].
وأما التزاحم في مقام الامتثال فإنه يحصل عند عجز المكلف عن الجمع بين امتثال التكليفين الواجبين – مثلاً - معاً ؛ وذلك يعني تمامية الملاك في كل منهما وإيجاب الشارع لهما معاً إلا أن العبد كانت قدرته قاصرة فعجز عن الجمع ؛ لذا فهو من شؤون المكلف وتابع لحالاته من قدرته وعدمها ؛ وذلك كعجزه عن إنقاذ الغريقين الواجدين للملاك [42] .
وما سبق من المثال كان للتزاحم الملاكي وتخصيص المولى للراجح ملاكاً وإخراجه عن حكم العام ذي الملاك الأضعف.
وأما التزاحم في مقام الامتثال فيدخل فيه التخصيص أيضاً  ؛ إذ يصاغ هكذا – مثلاً -: (كل غريق مصون الدم يجب إنقاذه إلا لو زوحم بغريق أهم مع العجز عن الجمع فلا يجب بل يحرم) أو (الواجب إنقاذ كلا الغريقين إلا لو كان أحدهما أهم [43] وعجز المكلف عن إنقاذهما فلا يجب إنقاذ المفضول) فقد استثنى إنقاذ المفضول من الحكم الكلي بوجوب إنقاذ كل غريق مع أن فيه الملاك، وذلك لو كان أحدهما أهم ، وأما لو كانا متساويين فيقال (الواجب إنقاذ كل غريق تعييناً إلا لو تزاحم إنقاذهما فلا يجب إلا أحدهما تخييراً).
وأما في الحكومة: فلأن الحكومة لسانٌ، واللسان لا يختلف حاله باختلاف حال عالم الثبوت وأن مورد الحاكم واجد لملاك مورد المحكوم [44] أو لا [45].

 
---------------------------------------------------------------
[1] عوالي اللئالي العزيزية ج1 ص214.
[2]  كالمشكيني في حاشية الكفاية.
[3]  من لا يحضره الفقيه: ج1 ص58.
[4]  عوالي اللئالي : ج1 ص220.
[5]  سورة الحج: 78.
[6]  مباحث التعارض: الدرس
[7]  فوائد الأصول: ج4 ص720.
[8] فوائد الأصول: ج4 ص720  الحاشية  .
[9]  إذ قال  إذ مرجعه سوقه...
[10]  الكافي  ط – الإسلامية : ج1 ص330.
[11]  أي صاحب الكفاية.
[12]  منتهى الوصول: 257.
[13]  فوائد الأصول: ج4 ص710.
[14]  فوائد الأصول: ج4 ص710.
[15]  فوائد الأصول: ج4 ص711.
[16]  فوائد الأصول: ج4 ص712-713.
[17]  فوائد الأصول: ج4 ص720.
[18]  مباحث التعارض: الدس 105.
[19]  هذا التقسيم باعتبار اصناف الحكومة ؛ لذا أضاف  إليها (دام ظله) صنفان آخران ؛ وإلا فما أضافه (دام ظله) سيكون محل تأمل ، أو سيكون  قولنا إن هذا التقسيم بهكذا اعتبار هو محل تأمل .
[20]  هما القسمان الأولان الآتيان.
[21]   عوالي اللآلئ: ج2 ص167.
[22]   فوائد الأصول: ج3 ص19.
[23]  فوائد الأصول: ج3 ص19-20.
[24]  كالاستصحاب.
[25] وقد فصلنا وجهه في مواضع أخرى.
[26]  فوائد الأصول: ج3ص19.
[27]  كحكومة لا ضرر ولا حرج على وجوب الصوم مثلاً.
[28]  تعليل لكونهما نوعين.
[29]  هذا القسم والذي بعده تفصيل : بكلا قسيمها .
[30]   الكافي:  ج5 ص147.
[31]  سورة الإسراء: آية 15.
[32]  وسيأتي وجهه وتتمة البحث بإذن الله تعالى.
[33]  بحث التعارض: الدرس 240.
[34]  المراد بها: التقييد وأيضاً التخريج الذي اصطلحنا عليه، بل والتخصص مطلقاً.
[35]  أي التعارض البدوي.
[36]  نوعاً أو جنساً.
[37]  وهو المتصل.
[38] إذ العناوين المأخوذة في الموضوعات تارة تكون هي الملاك وأخرى تكون مشيرة له وقد تكون نسبتها حينئذٍ معه من وجه إلا أن المولى أخذ العنوان المشير موضوعاً لِحُكمِهِ لِحِكمةٍ ، ككونه مما يفهمه المكلف أو للتقية أو غير ذلك.
[39]  وكل ما لم يتوفر فيه الملاك الواقعي.
[40]  أو في متعلقين متضادين – وهو قسم آخر.
[41]  سورة البقرة: آية 219.
[42]  ككونهما محقوني الدم واجبي الحفظ مع التساوي فالتخيير،  وإلا فالأهم كالنبي 9 هو الواجب إنقاذه.
[43]  ككونه نبياً.
[44]  مع كونه أقوى منه لذا تقدم عليه.
[45] مباحث التعارض: الدرس 239.


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3261
  • تاريخ إضافة الموضوع : 12 صفر 1440هـ
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 12 / 11