• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : التزاحم (1440-1441هـ) .
              • الموضوع : 126- المتواتر معتمد -عادة- على الحدس - ووجوه مساواة الإجماع للمتواتر .

126- المتواتر معتمد -عادة- على الحدس - ووجوه مساواة الإجماع للمتواتر

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

(126)

 

 

التفريق بين الحس والحدس بعدم تأثير حس على حس وتأثير حدس على حدس

وقال السيد الشهيد قدس سره: (الثالث: أنّه في باب الإخبار لا يحتمل عادةً كون إخبار بعض دخيلاً في حسّ الآخر، بينما في باب الاجتهاد كثيراً مّا يؤثّر اجتهاد السابق في اجتهاد اللاحق بحسن ظنّه، وإذا اتّفق جماعة من المجتهدين في عصر على شيء فقد يتابعهم المتأخّرون باعتقاد أنّ هذا المطلب أصبح إجماعيّاً، وأنّ الإجماع حجّة بلا أن يتكلّفوا تصحيح دليل هذه الفتوى، وإذا احتمل بشأن المتأخّر كون إفتائه قائماً على أساس إجماع السابقين فموافقته لهم لا توجب ضعفاً لاحتمال خطئهم([1])، ولا تؤثّر شيئاً إلاّ بمقدار قليل لا يذكر. أمّا إذا علم بكون موافقته على هذا الأساس ـ كما لو صرّح به ـ لم يبق لموافقته أثر في تضعيف احتمال خطأ السابقين أصلاً، فإذا كان كلّ الموافقين المتأخّرين من هذا القبيل، لم يؤثّر ذلك في تضعيف احتمال خطأ السابقين)([2]).

 

الأجوبة: أولاً: بل يحتمل تأثير الحس على الحس؛ لوجهين

ويرد عليه: أولاً: ان قوله (لا يحتمل عادةً...) غير تام فانه محتمل ذلك في الاخبار لوجهين:

الأول: انه كثيراً ما تؤثر القوة المتخيلة في الرؤية الحسية؛ وقد تواتر مثلاً لدى الناس رؤية وجه أحد العلماء في القمر، لكنه ليس بحجة لأن إخبار أشخاص برؤيته فيه يتصرف في متخيلة الآخرين فيتخيلون انهم يشاهدونه في القمر كذلك مع انه ليس إلا من صناعة القوة المتخيلة، وكذا إخبار بعضهم برؤية زيد في المجلس فإذا شاهده الآخرون من بعيد تصوروه زيداً فاخبروا به مع انه خطأ نشأ من إخبار حسي خاطئ، ومن أمثلته ما صنعه الواقفة من تمثال الإمام الكاظم عليه السلام الموهم لمن رآه انه هو وانه حيّ يرزق، وكذلك إخبار أقوياء النفوس من الزهاد أو حتى المرتاضين فانه يؤثر في حاسة السامع أو الناظر. فتأمل

 

ولأن أكثر الاخبار الحسية هي حسية – حدسية

الثاني: - وهو العمدة – ان أكثر الأخبار الحسية والتي تتشكل منها أكثر الأخبار المتواترة بل هي عمدتها ليست حسية محضة بل هي حسية – حدسية إذ غالب الحسيات مقترنة بالتفسير الحدسي فمثلاً اخبار الثقة بان زيداً سرق من مال الغير خبر حسي دون شك لكنه لدى التأمل حسي – حدسي معتمد على تفسير ما رآه بانه سرقه مع انه لعله أخذه تقاصّاً أو عارية أو بأمر الحاكم الشرعي أو شبه ذلك، فمن هنا يتسرب إليه احتمال الخطأ.

والمتواتر متشكل من هذه الآحاد فلو رآه كلهم وهو يسرق (بزعمهم) فاخبروا بانه سرق مال الغير لم يمتنع عادة اجتماعهم على الخطأ في دعواهم سرقته، ومن الواضح أيضاً ان أحدهم إذا شاهده يسرق وقال للآخرين: انظروا إليه وهو يسرق فان قوله يؤثر على تفسيرهم لما يشاهدونه فيقطعون بانه سارق ولا يحتملون وجهاً آخر..

وكذا الكذب فانه حسي إذ سمعناه يقول خلاف الواقع.. لكنه حس – حدسي إذ لعله ورّى أو اتقى أو شبه ذلك، وكذلك نظره للأجنبية الموجب للحكم عليه بفسقه مع الإصرار فلعله نظر إليها متوهماً انها زوجته أو لعله كان مكرهاً أو غير ذلك.

وليس الكلام عن حجية هذه الإخبارات ونظائرها وعدمها، وذلك لأن الحجية مبنية على الظواهر ونفي احتمال الخلاف بإهماله أو بإلغائه وبالتنزيل إلا لو بلغ الاحتمال حدّاً معتنى به لدى العقلاء، إنما الكلام في ما ادعاه من انه (لا يحتمل عادةً...) ليرتّب عليه أرجحية التواتر من الإجماع وانه لا يحتمل عادة في الأخبار مدخلية إخبار بعض في اعتماد البعض الآخر على خبره، بينما تؤثر فتوى أحدهم على فتوى الآخر؛ إذ أوضحناه انه في كليهما (التواتر والإجماع) يحتمل كثيراً، مدخلية حس هذا وإخباره به في حس الآخر وإخباره به كما يحتمل مدخلية حدس هذا واجتهاده في حدس الآخر واجتهاده.

 

سلّمنا، لكن محتمل الخطأ ليس بإجماع

ثانياً: سلّمنا، لكن ذلك لا يشكل ميزة للمتواتر على الإجماع لما سبق من انه لا يكون إجماعاً إلا لو افاد الحدس القطعي وان الضابط فيه مآلي وليس كمّياً فكلما امتنع عادة اجتماعهم على الخطأ والكذب كان إجماعاً، فراجع ما سبق.

 

ولا يعقل تساهل كل الفقهاء واعتمادهم على حسن الظن المحض بالسابقين

ثالثاً: ويرد على قوله (بحسن ظنه) انه خروج عن البحث واستناد إلى أمر أجنبي عنه إذ الكلام عن الإجماع وليس عن اجتهاد شخص واحد أو اثنين أو ثلاثة ليقال ان اللاحق قد يحسن الظن بالسابق فيؤثر اجتهاده فيه؛ وذلك لبداهة ان حسن الظن من المجتهد الواحد باجتهاد السابق([3]) بحيث يفتي على طبق رأيه، حتى لكأنه مقلّد له أو شبه ذلك، وإن أمكن لكنه لا يحتمل في حق كافة العلماء المجمعين لبداهة ان فيهم المدقق والمحقق والمتشدد والمتسامح ومثل العلامة الحلي و الشيخ الانصاري والكمباني، واحتمال حسن ظنهم جميعاً بالسابقين حتى عطّل ملكة الاجتهاد فيهم غير وارد أصلاً.

وقوله: (وان الإجماع حجة بلا ان يتكلفوا تصحيح دليل هذه الفتوى) واضح البطلان لما سبق لبداهة ان الواحد قد يتسامح ولا يفحص عن دليل السابقين اما رمي كل الفقهاء باحتمال انهم لم يتكلفوا مراجعة الدليل والتثبت منه فلا وجه له أبداً ولا يحتمل في حقهم أصلاً.

 

ولا يحتمل في إجماع اللاحقين الاعتماد على صرف إجماع السابقين

رابعاً: ان قوله (أمّا إذا علم بكون موافقته على هذا الأساس ـ كما لو صرّح به ـ لم يبق لموافقته أثر في تضعيف احتمال خطأ السابقين أصلاً) يرد عليه: انه يصح ذلك في المقلد المحض لا في المجتهد، ولا يحتمل في المجمعين ان تكون موافقتهم على ذلك الاساس؛ وذلك لأن الإجماع محتمل الاستناد ليس بحجة لدى الكثير من العلماء وكذا الإجماع المقطوع الاستناد فكيف يحتمل في حق المجمعين انه (قد يتابعهم المتأخّرون باعتقاد أنّ هذا المطلب أصبح إجماعيّاً، وأنّ الإجماع حجّة بلا أن يتكلّفوا تصحيح دليل هذه الفتوى) نعم لو كان الكل يرى حجية الإجماع بضرس قاطع حتى المحتمل الاستناد منه وحتى مقطوعه لما كان في ضمّ إجماع المتأخرين إلى المتقدمين تقوية له، لكن ذلك فرض غير واقع.

 

وانضمام اجتهاد إلى اجتهاد آخر مقوّ له

خامساً: لا شك في ان انضمام اجتهاد مجتهد مسلم إلى اجتهاد آخر تقوية له؛ ألا ترى ان الطبيب الثاني لو عضد رأي الطبيب الأول في تشخيص نوع المرض أفاد ظن نوعياً أقوى إلا لو أحرز انه اعتمد محضاً على الأول وأحسن الظن صرفاً به فقرّر ما قال وبنى عليه، وليس ذلك بمحتمل في كافة المجمعين على اختلاف مشاربهم وأذواقهم ومسالكهم.

بل حتى لو فرضنا ان فتوى السابق أثرت في فتوى اللاحق لكن فتوى اللاحق حتماً مقوية لفتوى السابق رغم ذلك، لفرض انه أعمل اجتهاده وتدبر وفكر لا انه قلد السابق، غاية الأمر ان تكون فتوى السابق مؤيداً لفتواه، نعم لو كان مقلداً أو كان يرى حجية فتوى السابق عليه دون حاجة لإعماله النظر لكان ضم رأيه إلى رأي السابق غير مقوّ له.

 

مقارنة الحس المحرَز مقتضِية على الحدس غير المحرَز مقتضِية

وقال: (الرابع: أنّه في باب الحسّ يكون المقتضي للإصابة محرزاً غالباً من الحواسّ الظاهريّة مع المدركات الأوّليّة للعقل، ويبقى فقط احتمال المانع: من رمد في العين، أو وجع في الرأس، أو اشتغال البال ونحو ذلك، بينما في باب الاجتهاد والحدس قد يقع الشكّ في أصل وجود المقتضي للإصابة، كما إذا احتملنا نشوء الخطأ من عدم خلق قدرة فهم النكتة الدقيقة الدخيلة في الاستنباط الصحيح في نفس هذا المستنبط)([4]).

 

الجواب: أولاً: هو كيل بمكيالين

ويرد عليه أولاً: ان من أقسام المغالطة الكيل بمكيالين وقياس أحد الأمرين على الآخر مع تغيير شروطهما الموضوعية؛ إذ المفروض ان يقيس الاجتهاد التام في مرحلة المقتضي على الحس التام في مرحلة المقتضي، لا ان يفرض الحس تاماً في مرحلة المقتضي والحدس غير تام فيه، وإلا لكان لنا ان نعكس فندعي اقوائية الحدس من الحس إذ نقيس الحدس التام في مرحلة المقتضي على الحس غير التام فيه كما لو كان ضعيف البصر جداً.

 

ثانياً: انه خلط بين الاحتمال في المجتهد الواحد، وبين الكل

وثانياً: انه خَلْطٌ بين المجتهد الواحد والإجماع، وكلامنا وكلامه عن الإجماع مقيساً للتواتر لا عن فتوى الواحد مقيساً لفتوى المجتهد، ومن البديهي انه قد يحتمل في الفقيه الواحد ما ذكره من (نشوء الخطأ من عدم خلق قدرة فهم النكتة الدقيقة الدخيلة في الاستنباط الصحيح في نفس هذا المستنبط) لكنه لا يحتمل ذلك أبداً في كافة الفقهاء بمن فيهم أمثال الشيخ الانصاري وصاحب الجواهر والشهيدان والحلييان وغيرهم!

 

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

قال الإمام الكاظم عليه السلام  في وصيته لهشام: ((اصْبِرْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَاصْبِرْ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ، فَإِنَّمَا الدُّنْيَا سَاعَةٌ فَمَا مَضَى فَلَيْسَ تَجِدُ لَهُ سُرُوراً وَلَا حُزْناً وَمَا لَمْ يَأْتِ مِنْهَا فَلَيْسَ تَعْرِفُهُ فَاصْبِرْ عَلَى تِلْكَ السَّاعَةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا فَكَأَنَّكَ قَدِ اغْتَبَطْتَ‏)) (تحف العقول: ص395).

 

 

------------------------------------------------------------

([1]) أي تضعيفاً لاحتمال الخطأ فيهم.

([2]) السيد كاظم الحسيني الحائري، مباحث الأصول، انتشارات دار البشير – قم، 1433هـ، ج2 ص302.

([3]) لكونه أستاذه مثلاً أو لغير ذلك.

([4]) السيد كاظم الحسيني الحائري، مباحث الأصول، انتشارات دار البشير – قم، 1433هـ، ج2 ص302.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3289
  • تاريخ إضافة الموضوع : الاثنين 11 ربيع الاول 1440 هـ
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 09 / 18