• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : التزاحم (1440-1441هـ) .
              • الموضوع : 142- هل دليل الضرر والحرج يرفع الاحكام الوضعيه عامه و الاصوليه خاصه؟ .

142- هل دليل الضرر والحرج يرفع الاحكام الوضعيه عامه و الاصوليه خاصه؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

(142)

 

مسألة: رافعية الضرر والحرج للحجية والمرجّحية([1])

حيث انتهى بنا سياق البحث إلى انه يجب الانتقال من الترجيح إلى التخيير كلما تعذر الوصول إلى المرجح، فلا بد من البحث عن الانتقال إليه إذا تعسر الوصول إلى المرجح أو كان حرجياً، كما هو ظاهر عبارة العلامة المجلسي الآنفة الذكر والتي علل بها كلام المحدّث الكليني، وسيأتي الكلام عنها ومناقشتها.

ولكي يكون البحث أعم فائدة فلا بد من ان نجعل معقد المسألة أعم من باب التعارض والتزاحم لتكون من المسائل المشتركة بين العلمين النافعة فيهما، بل الأولى ان نجعله أعم من مبحث الحجج كلها، بل جعله أعم من الأحكام الوضعية الفقهية والأصولية.

وتوضيح ذلك في ضمن مطالب:

المطلب الأول: ان الكلام تارة يقع في مطلق الأحكام الوضعية وان قاعدتي لا ضرر ولا حرج تشملها أم لا، وأخرى يقع في خصوص الحجج وهي الأحكام الوضعية الأصولية، وثالثة يقع في خصوص المرجّحات مع تعميمها إلى مرجّحات باب التزاحم – وهو محل البحث – ومرجّحات باب التعارض، والكلام في هذه المسألة معقود لتحقيق حال الأخيرين وإنما نذكر في المطلب الثاني الآتي، الأول وهو مطلق الأحكام الوضعية كتمهيد لهما.

 

هل تشمل لا ضرر ولا حرج الأحكام الوضعية؟

المطلب الثاني: انه قد يقال: ان مثل (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)([2]) و((لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ))([3]) و(غَيْرَ مُضَآرٍّ)([4]) و(وَلَا تُضَارُّوهُنَّ)([5]) ونظائرها خاصة بالأحكام التكليفية كالصوم الضرري أو الحرجي وكذا الغُسل الضرري أو الحرجي ونظائرها، لكنه لا يشمل الأحكام الوضعية؛ ألا ترى أن (الملكية) لا يمكن رفعها بـ(لا ضرر ولا حرج) ولا الزوجية، فإذا كان بقاؤها زوجة له ضررياً عليها أو حرجياً فانه لا يرفع دليل الضرر والحرج زوجيتها بل لا بد لرفعها من الطرق التي حددها الشارع كطلاق الزوج أو الطلاق الولوي (الولائي) وكذلك الملكية فانها لا تسقط ولا ينقطع حبل اتصال العين المملوكة بالمالك لمجرد كونه (أي كون بقاء الملكية له) ضررياً أو حرجياً عليه بل لا بد لسقوط الملكية ونقلها للغير من احدى الأسباب المعهودة كالهبة أو البيع أو الصلح أو غير ذلك.

 

الجواب بالإيجاب لقابلية المحل وإطلاق الدليل

لكنّ ذلك غير صحيح، بل الظاهر عموم دليل لا ضرر ولا حرج للأحكام الوضعية أيضاً ويخرج منها ما يخرج (كالملكية والزوجية) بدليل كالارتكاز وكونه متسالماً عليه أو شبه ذلك.

والحاصل: ان الأحكام الوضعية صالحة في حد ذاتها لأن تنالها يد الوضع والرفع لانها اعتبارات مجعولة، ودليلهما([6]) كالآية والرواية الآنفة مطلق، فيشملها، ولا وجه لدعوى الانصراف، بل قد يقال: ان الشمول للأحكام الوضعية ليس مقتضى إطلاق مثل: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) و((لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ)) فقط بل هو مفادهما صريحاً لقوله تعالى (فِي الدِّينِ) ومن البديهي ان الدين ليس خاصاً بالتكليفيات بل يشمل الوضعيات أيضاً لبداهة ان الزوجية والبينونة والملكية وعدمها والحرية والرقية والولاية والوصاية والقضاوة وغيرها من الأحكام الوضعية هي من الدين فانها مجعولات للشارع كالأحكام التكليفية، بل حتى المعاملات فانها بلحاظ كونها امضائيات هي من الدين، وكذلك قوله صلى الله عليه واله وسلم ((لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ))([7]) فان الأحكام الوضعية الآنفة وغيرها كلها من الإسلام.

 

رفع لا ضرر للزوم المعاملة الغبنية

ولذلك ذهب الكثير من الأعلام في الكثير من المسائل إلى رفع بعض الأحكام الوضعية بـ(لا ضرر أو لا حرج) ومن ذلك اللزوم في المعاملة الغبنية فانهم التزموا بتزلزل العقد وعدم لزومه استناداً إلى لا ضرر، مع ان تزلزل العقد وعدم لزومه حكم وضعي يلحقه جواز الرد، قال الشيخ قدس سره في المكاسب: (فحاصل الرواية: أن الشارع لم يحكم بحكم يكون فيه الضرر، ولم يسوغ اضرار المسلمين بعضهم بعضا، ولم يُمضِ لهم من التصرفات ما فيه ضرر على الممضى عليه.

ومنه يظهر: صحة التمسك لتزلزل كل عقد يكون لزومه ضرراً على الممضى عليه، سواء أكان من جهة الغبن أم لا، وسواء أكان في البيع أم في غيره: كالصلح غير المبنيّ على المسامحة([8])، والاجارة وغيرها من المعاوضات)([9]).

وقال السيد العم (دام ظله) (والمستفاد من حواشي المحققين على المكاسب للشيخ: موافقتهم له في أن لا ضرر دليل خيار الغبن، وحيث لا خصوصية للغبن، فيكون العلة: حكومة لا ضرر على الحكم الوضعي، كحكومته على الحكم التكليفي، مثل الآخوند، واليزدي، والإيرواني، والاصفهاني قدّست أسرارهم، وغيرهم)([10]).

 

ارتكاز الشيخ على مجعولية الأحكام الوضعية، بالاستقلال!

وليس الاستدلال بكلام الشيخ وحده كي يقال بانه يرى الأحكام الوضعية منتزعة من التكليفية، بل بقول معظم المعلقين على كلامه وغيرهم الذين ذهبوا إلى انها مجعولة بالاستقلال، على اننا نرى ان ارتكاز الشيخ وفطرته ووجدانه على خلاف مبناه في انتزاعية الوضعي من التكليفي ولذا تجد انه رغم ان ذاك هو مبناه إلا انه يعبّر في مختلف المواطن بالتعابير الوجدانية الظاهرة في مجعولية الحكم الوضعي بنفسه؛ ألا تراه ههنا يقول (ومنه يظهر: صحة التمسك لتزلزل كل عقد يكون لزومه ضرراً على الممضى عليه) فبدل ان يقول (صحة التمسك لجواز فسخ كل عقد يكون تحريم فسخه ضرراً على الممضى عليه) وهي عبارات تناسب القول بعدم مجعولية غير الحكم التكليفي، يقول (صحة التمسك لتزلزل كل عقد يكون لزومه ضرراً على الممضى عليه) وهي المناسبة لمجعولية الحكم الوضعي.

 

رفع لا ضرر ولا حرج للولاية على البِكر الرشيدة

وإليك مثالاً آخر من الحكم الوضعي المرفوع بلا ضرر ولا حرج: ولاية الأب أو الجدّ على البِكر الرشيدة فانها تسقط إذا كانت ولايته عليها عسراً أو ضرراً عليها، وعضلها من صغرياتها، فتدبر.

 

دون مثل القيمومة والوصاية

نعم لا تشمل القاعدتان بعض الأحكام الوضعية للدليل الخاص كما فيما مضى من الزوجية والملكية وأيضاً كالقيمومة على الصغار والوصاية على الأوقاف وشبهها فانها لا تسقط بمجرد كونها حرجاً على الوصي والقيّم أو ضرراً بل لا بد ان يراجع الحاكم الشرعي لينصب غيره.

 

حكم ما لو ادعت انها زوجته ولها بينة وتعسّر الوصول لها

مثال آخر: لو ادعت امرأة انها الزوجة الثانية للمتوفى أو ادعى أشخاص انهم أولاده من زوجته الثانية وانه كان قد أخفى الأمر على أهله وزوجته الأولى لسبب ما كخوف الفتنة أو غيرها) وأدعت ان لها شاهدين عادلين هما فلان وفلان في البلد الكذائي، ولكن تعسّر على القاضي (دون ان يتعذر) السماع منهما أو الوصول إليهما أو الإشهاد عليهما، فهل تسقط حجية البيّنة حينئذٍ لمجرد العسر في الوصول إليها وينتقل إلى أصالة عدم كونها زوجة وعدم كونهم أبناء فيحرمون من الإرث؟ أم لا بد من إيقاع الصلح بين الورثة وبين المدعين للبنوة، ولو القهري؟ أم يلجأ للقرعة([11]) أم غير ذلك؟

بل يقع البحث في شمول القاعدتين للأمور التكوينية أيضاً كما سيأتي، وللبحث صلة بإذن الله تعالى.

 

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

قال الإمام الصادق عليه السلام: ((ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ يَحْتَاجُ النَّاسُ طُرّاً إِلَيْهَا: الْأَمْنُ وَالْعَدْلُ وَالْخِصْبُ))(تحف العقول: ص319).

 

 

-----------------------------------------

([1]) ومطلق الأحكام الوضعية.

([2]) سورة الحج: آية 78.

([3]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج5 ص280.

([4]) سورة النساء: آية 12.

([5]) سورة الطلاق: آية 6.

([6]) رفع الضرر والحرج.

([7]) ابن أبي جمهور الاحسائي، عوالي اللآلئ، دار سيد الشهداء عليه السلام – قم، 1405هـ، ج1 ص220.

([8]) إذ انه بالقدر المبني على المسامحة عرفاً صحيح نافذ، اما الأكثر فهو غبن عرفاً.

([9]) الشيخ مرتضى الانصاري، كتاب المكاسب، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، ج15 ص145.

([10]) السيد صادق الحسيني الشيرازي، بيان الأصول، مطبعة سيد الشهداء عليه السلام – قم، 1435هـ، ج5 ص245.

([11]) ولا وجه لها ههنا ظاهراً.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3332
  • تاريخ إضافة الموضوع : الثلاثاء 10 ربيع الثاني 1440 هـ
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 08 / 23