• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : التزاحم (1440-1441هـ) .
              • الموضوع : 143- تتمة البحث السابق - رفع لا ضرر ولا حرج للأمور التكوينية - الفرق بين الضرر النوعي والشخصي - الفرق بين الضرر النوعي السابق واللاحق .

143- تتمة البحث السابق - رفع لا ضرر ولا حرج للأمور التكوينية - الفرق بين الضرر النوعي والشخصي - الفرق بين الضرر النوعي السابق واللاحق

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

(143)

 

وجوه أربع لجواز التردد في المعابر العامة المغصوبة

وقد يمثل لرافعية لا ضرر ولا حرج للأحكام الوضعية بالأراضي والبيوت التي تغصبها الدولة وتجعلها طريقاً، كما فيما بين الحرمين إذ كانت أكثر هذه المسافة مدارس أو موقوفات أخرى أو ملكاً شخصياً وقد غصبتها الدولة البعثية قطعاً، فكيف يجوز لنا التردد فيها والمشي عليها؟

والجواب: ان لذلك وجوهاً أربعة:

الأول: ما هو مورد الكلام الآن بدعوى ان لا ضرر ولا حرج ترفع الأحكام الوضعية، وملكية البيوت ووقفية المدارس التي هدمتها الدولة وجعلتها شارعاً أو ساحة أو شبه ذلك، منها فترفع بلا ضرر ولا حرج، والمتيقن المجمع عليه من عدم رفعهما الملكية هو الممتلكات التي يغصبها غاصب شخصي واما ما تغصبه الدولة وتجعله معبراً عاماً وشبهه فلا إجماع على بقائه على ملكية مالكه كما ان سائر الأدلة منصرفة عنه، فلا بأس بشمول لا ضرر له. فتأمل

الثاني: ما استظهره السيد الوالد قدس سره من قصور أدلة الملكية (الحاصلة بالحيازة أو الإحياء أو الإرث أو الشراء أو شبه ذلك) عن الشمول في مرحلة العِلّة المبقية لمثل ذلك، نظير القرى التي باد أهلها أو انجلوا عنها أو خربت([1]) فانه يجوز تملكها لسقوطها عن ملكيتهم لقصور أدلة الملكية عن شمولها لما بعد هلاكهم أو الانجلاء أي انها تعود من المباحات الأصلية. ويمكن تعليل ذلك بان الانعراض القهري هو كالاعراض. فتأمل

الثالث: ان يقال بان ما تمشي عليه ليس من أطراف العلم الإجمالي المنجّز إذ لا يوجد علم بغصب جميع تلك المسافة بل غاية الأمر العلم بغصب بعضها أو حتى أكثرها، فيجوز لك ان تمشي أو تجلس على أية قطعة شئت إذ ليست كل الأطراف مورد ابتلائك الآن، فانه كلما تردّد العلم الإجمالي بين طرفين أو أطراف بعضها خارج عن مورد الابتلاء كان غير منجّز.

الرابع: اللجوء إلى ولاية الفقيه لتجويز المشيء وشبهه على مبنى من يقول بعمومها لمثل ذلك.

 

رفع لا ضرر ولا حرج للأمور التكوينية

المطلب الثالث: هل ترفع (لا حرج) و(لا ضرر) الأمور التكوينية؟ والجواب ظاهر لأن مقام المشرّع غير مقام المكوّن والبارئ جل وعلا وإن كان بيده التشريع والتكوين، كما ان الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم كذلك بإذن الله، لكنه وهو في مقام التشريع مشرّع وليس مكوِّناً، و(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)([2]) و((لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ))([3]) إنما وردت في مقام التشريع فلا يعقل رفعها للأمور التكوينية إذ لا ترفع إلا بأمر تكويني لا تشريعي.

لكن العلامة الحلي ذهب إلى رفع النجاسة بقاعدة لا ضرر قال: (الخامس: لا ينجس جوانب البئر بما يصيبها من المنزوح للمشقة المنفية، وهو أحد وجهي الشافعية، والآخر ينجس فيغسل لو أريد تطهيرها، وليس بجيد للضرر)([4])

ويمكن توجيه ذلك بأحد وجهين:

الأول: انه لا يرى الطهارة والنجاسة أمرين تكوينيين حقيقيين كشف عنهما الشارع بل يراهما أمرين اعتبارين وحكمين وضعيين كسائر الوضعيات لذا يمكن رفعهما بمثل (لا ضرر).

الثاني: انه وإن كان يراهما أمرين تكوينيين إلا انه لا بأس بشمول لا ضرر لهما إذ ان التشريع إذا تعلق بأمر تكويني أريد به أحكامه التشريعية الثابتة له فتكون أحكام نجاسة أطراف البئر مرتفعة عنها، وعلى هذا فان أطراف البئر نجسة حقيقة لكن الأحكام الشرعية الثابتة للنجس، كنجاسة ملاقيه وعدم صحة السجود عليه وشبهها، تكون مرتفعة بـ(لا ضرر) نعم ظاهر عبارة العلامة ان النجاسة مرتفعة حقيقة لا ان أحكامها مرتفعة فلا محالة من ان يكون مبناه هو الأول، ولا يخفى الإشكال على اصل التزامه بطهارة أطراف البئر استناداً إلى لا ضرر، فتدبر.

 

الفرق بين العسرُ والضرر النوعي والشخصي

المطلب الرابع: وقد يقال: بان لا ضرر ولا حرج يسقط المرجّحات عن كونها مرجحة (فينتقل للتخيير) كما يسقط الحجج عن كونها حجة (فينتقل للحجة اللاحقة) وهذا ما لعله ظاهر العلامة المجلسي في عبارته التي نقلناها سابقاً عنه إذ عَلّل كلام المحدّث الكليني: (ونحن لا نعرف من جميع ذلك([5]) إلا أقله ولا نجد شيئا أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم عليه السلام وقبول ما وسّع من الأمر فيه بقوله عليه السلام : « بأيما أخذتم من باب التسليم وسعكم ».)([6]) بـ: (وأما أقوال المخالفين فان الاطلاع عليها مشكل لأكثر المحصلين) فأشكلنا عليه بانه لو كان مستنده انه حيث كان مشكلاً وعسراً على أكثر المحصلين لذا يسقط هذا المرجّح عن كونه مرجحاً وننتقل إلى التخيير (كما قال الكليني) بان العسر شخصي وكذا الضرر والحرج فلِكلٍّ حكمُهُ، فمن تعسّر عليه سقط عنه دون غير الأكثر ممن لم يتعسّر عليه، بل أشكلنا بانه مادام قد أشكل على أكثر المحصلين دون كلهم فتنتقل وظيفتهم من الاجتهاد إلى التقليد لا ان المرجّح يسقط عن المرجحية ويكون حكمهم حينئذٍ التخيير؛ إذ الفرض انه لم ينسدّ بابه على جميع المجتهدين بل على أكثر المحصلين فقط، وكلما تعذر أو تعسر أحد أفراد الواجب التخييري، كالاجتهاد هنا، انتقل إلى بقية أفراده: التقليد أو الاحتياط.

 

دفاعاً عن العلامة المجلسي

ولكن ورغم ذلك فانه يمكن الدفاع عنه بالفرق بين العسر والضرر النوعيين والشخصيين فإن كانا شخصيين سقطا عن خصوص المكلف الذي تعسّر عليه الامتثال للتكليف (كالصوم إذا صار عسراً عليه أو ضرراً) وإن كانا نوعيين فان الحكم يسقط عن الكل حتى من لم يكن عليه ضرر أو حرج؛ ألا ترى قوله صلى الله عليه واله وسلم: ((لَوْ لَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ))([7]) فحيث كان شاقاً على النوع لم يوجب حتى على من ليس شاقاً عليه، وكذلك الحال في زيارة الإمام الحسين عليه السلام وغُسل الجمعة وشبههما فان المستفاد من الروايات الكثيرة الشديدة اللحن انه لولا إيقاع النوع في المشقة لأوجبهما الشارع لقوة ملاكهما وكثرة ثوابهما كثرة توجب الاطمئنان بان ملاكهما أقوى من ملاكات عدد من الواجبات الأخرى([8])، وحيث لم يوجبه لم يجب حتى على من ليس حرجاً وضرراً عليه.. ولشدة لحن رواياتها افتى بعض الفقهاء بوجوب غسل الجمعة وبوجوب زيارة الإمام الحسين عليه السلام بالعمر مرة([9]).

لكن الظاهر عدم الوجوب وانهما لم يوجَبَا للمشقة النوعية في إيجابهما؛ فان زيارة الإمام الحسين عليه السلام تختلف عن مكة والحج في ان الشارع الأقدس علم ان كربلاء تكون في أغلب الأزمنة بيد المخالفين من أمويين وعباسيين وعثمانيين وأكثر الأزمنة اللاحقة عكس مكة التي هي غالباً بيد أهل العامة وأحياناً بيد الخاصة وكلاهما متفق على وجوبه واستحباب غير الواجب منه فلا حرج نوعياً في إيجابه على من أستطاع، اما زيارة الإمام الحسين عليه السلام فان إيجابها رغم كثرة الأعداء وتسلط دول المخالفين عادة لا ريب انه يوجب الحرج العظيم نوعاً فلم توجَب لذلك ولكن عوّض الشارع عن ذلك بان حرضنا عليها بعبارة عجيبة كي يندفع الناس للزيارة قدر المستطاع من غير إيجاب.

والحاصل: انه قد يكون المقام كذلك، ولذا التزم المجلسي بما التزم.

 

الفرق بين الضرر اللاحق للتكليف والسابق عليه

ولكن هذا الدفاع رغم وجاهته ظاهراً لكنه ضعيف باطل إذ هناك فرق بين العسر والضرر النوعي السابق على التكليف وبين اللاحق منهما للتكليف.

بيانه: ان الشارع الأقدس في مرحلة تشريع الأحكام لا ريب انه يلاحظ كافة الملاكات بتزاحماتها فإذا لم يشرّع حكماً لكونه رآه ضررياً وانّ ضرره غالب أو مساو لمصلحته فانه لا يُنشأه، ومع عدم إنشائه فلا وجوب حتى على من ليس ضررياً بحقه لفرض انه لم يشرعه فاللاضرر النوعي في نظر المشرِّع سبب لعدم جعل الحكم (أو لجعل الحكم الطارد له) ومعه لا فرق بين من تحقق فيه الضرر ومن لم يتحقق، وكذلك حال العسر والحرج.

ولكن المشرِّع إذا لاحظ ان تشريع الحكم من حيث المجموع أولى وإن كان يتضرّر به بعض الأفراد، فإذا شرّعه وجب على الكل وخرج عنه بدليل لا ضرر من لا يتضرر به فيكون اللاضرر حينئذٍ شخصياً دائراً مدار حال الشخص نفسه عكس لا ضرر السابق على التشريع الدائر مدار ضرر النوع والمنتفي ببركته الحكم حتى في مرتبة إنشائه فلا يدور مدار الأشخاص بل حيث كان ضررياً نوعاً ارتفع التكليف (أي انه لم يجعل، أي كان دفعاً لا رفعاً) عن النوع وكافة الأشخاص.

فمثلاً: الصوم حيث شرّعه المولى، كان لا ضرر الوارد عليه بعد ذلك شخصياً ولذلك فانه حتى لو فرض ان النوع تضرر به في زمان أو مكان خاص كما لو عمّ الفقر بلدة فتمرضوا وضعفوا وصار الصوم ضررياً لنوعهم فان أي واحد منهم لم يكن الصوم ضررياً بحقه فانه يجب عليه الصوم لأن اللاضرر النوعي هذا لاحق للحكم فيختص بمن تضرر عكس الضرر السابق للحكم المانع من إنشاء الحكم، فتدبر جيداً.

وفي المقام فان عسر تحصيل المرجّحات (على ما افترضه العلامة المجلسي) وإن فرض تحققه للنوع لكنه حيث كان لاحقاً لتشريعه فلا يسقط عمن لم يكن تحصيلها حرجاً وعسراً عليه. وللبحث صلة.

 

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ((أَيُّمَا رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ عِلْماً فَكَتَمَهُ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلْجَماً بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ)) (الأمالي للطوسي، ص377).

 

 

--------------------------------------------------

([1]) على كلام وتفصيل في صورة الانجلاء وفي صورة ما لو طرأ عليها الخراب.

([2]) سورة الحج: آية 78.

([3]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج5 ص280.

([4]) العلامة الحلي، منتهى المطلب ط/ الجديدة، تحقيق قسم الفقه في مجمع البحوث الإسلامية، ج1 ص105.

([5]) ومقصوده من (جميع ذلك) هو المرجّحات الثلاث: موافقة الكتاب أو مخالفته، وموافقة العامة أو مخالفتهم، وموافقة الشهرة.

([6]) العلامة المجلسي، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، دار الكتب الإسلامية – طهران، 1404هـ، ج1 ص23.

([7]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج3 ص22.

([8]) فتأمل.

([9]) لعله والد العلامة المجلسي أو غيره فيحتاج للمراجعة.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3335
  • تاريخ إضافة الموضوع : الاربعاء 11 ربيع الثاني 1440 هـ
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 05 / 26