• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : الفوائد والبحوث .
              • الموضوع : 313- الفوائد الأصولية: القصد (4) .

313- الفوائد الأصولية: القصد (4)

الفوائد الأصولية: القصد

جمع و اعداد الشيخ عطاء شاهين*

الفائدة الثامنة: ليس كل  مَن قصد اللفظ وعلم بمعناه أنه محباً له  ومُصدِقاً به  ومراداً  له  بالإرادة الجدية ؛ وهذا ما تمثل في الأوامر الامتحانية والمعلم و المتمرِّن والمورّي والمتّقي والمكرَه ؛ فإن المكرَه وإن  قَصَدَ ذلك اللفظ وعلم بمعناه ولكنه ليس بانٍ عليه؛  فظهر بذلك عدم تمامية قول الميرزا النائيني: إنه بعد قصده اللفظ وعلمه بمعناه لا يعقل عدم إرادته.

تفصيل الفائدة:
سبق نقل كلام الميرزا النائيني قدس سره ومناقشته بوجوه عديدة ونضيف تحقيقاً لما سبق وتدقيقاً ؛ فإن قوله: (والثانية: أن يكون قاصداً للمعنى باللفظ، أي بعد كونه قاصداً لصدور اللفظ كان قاصداً لمدلوله، لا بمعنى كونه قاصداً لأصل المعنى، فإنه بعد قصده اللفظ وعلمه بمعناه لا يعقل عدم قصده معناه)[1]

هل يريد المعنى المستقر أو غيره؟
يرد عليه: أنه هل يريد أنه لا يعقل عدم قصد معناه المستقر أو الأعم من المستقر وغيره؟ فإن أراد الأخير فلا كلام[2] وإن أراد الأول ففيه: أنه مما يعقل عدم قصد المعنى المستقر وذلك كما في الأوامر الامتحانية ؛ فإنه قَصَدَ معانيها لكن قصداً غير مستقراً ، أي أنه ليس بانٍ عليها، وكذا المعلم للطفل في قوله مثلاً: (قل جاء زيد ، أو أفتح الباب) ، فإنه قاصد لمعانيها قصداً غير مستقر ؛ إذ لا يريده أن يفتح الباب ولا يريد الإخبار حقيقة عن مجيء زيد، وكذلك حال المتمرِّن.

هل يريد المعنى المنجّز أو غيره؟
أو يقال: إنه هل يريد  قصد المعنى المنجّز ، أو الأعم منه ومن المعلّق؛ فإن أراد الأخير فلا كلام، وإن أراد الأول فينقض بالفضولي والمكرَه ؛ فإن الفضولي العارف بفضوليته-  وكون العقد موقوفاً على الملك- إنما يصح عقده بعد لحوق الإجازة به؛ لأنه قصد المعنى وإن كان قصده له معلّقاً [3].
وكذا المكره والمكرهة؛  فلو أُكرهت على النكاح ثم رضيت صحّ؛ حيث إنها لها في حينه قصداً لكنه غير منجّز [4]؛ بل هو معلّق –ولو ارتكازاً –على الرضا اللاحق ولو بتدخل من الشارع حكومةً[5] ،فتأمل[6].

هل يريد من (القصد) التصور أو التصديق؟
ويمكن أن يناقش الميرزا بوجه آخر؛ وهو هل أنه يريد في قوله: (فإنه بعد قصده اللفظ وعلمه بمعناه لا يعقل عدم قصده معناه) من القصد التصور أو التصديق؟ فإن أراد الأول، فهو مساوٍ للعلم؛ فالجملة لغو لا محصل لها ؛ إذ تكون: أنه بعد قصده اللفظ وعلمه بمعناه لا يعقل عدم تصوره معناه؛ على أنه بعيد أن يكون مقصوده من القصد التصور، وإن أراد الثاني فيرد عليه: وضوح بطلانه؛ لبداهة أن كثيراً ممن يقصد اللفظ ويعلم معناه لا يصدِّق بمعناه كما في تلاوتك القرآن الكريم وفيه ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾[7]، بل حتى تلاوتك ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [8] فهل تقصد الخطاب كما هو؟ فتأمل.

هل يريد من القصد الإرادة الجدية أو الاستعمالية؟
والأولى أن يناقش: بأنه هل أراد من قوله (لا يعقل عدم قصده معناه) الإرادة الجدية أو الإرادة الاستعمالية؟ فإن أراد الأول، ورد عليه: بداهة بطلانه؛ إذ كثيراً ما لا تنعقد الإرادة الجدية على مقتضى الاستعمالية فيقصد اللفظ ويعلم المعنى لكن لا يقصد المعنى ؛ أي لا يريده بالإرادة الجدية، كالمعلِّم والممتحِن والمتمرِّن، وكالمورّي والمتّقي بظاهر كلامه في بعض الصور، وكمن جاء بعام وفصل عنه مخصِّصه ، وغير ذلك.
وإن أراد الأول- ولعله مراده- فله وجه ؛ إذ كلما قصد اللفظ وعلم بمعناه فإنه يكون قد استعمله فيه قهراً، ولكنه مع ذلك، غير تام للنقض عليه بما سبق من المطلق والعام إذا أراد بعضه؛ فإنه وإن قصد اللفظ وعلم معناه ولكنه لم يقصده بل قصد بعضه فهو مجاز :
وتوضيحه :أنه لو قال: أكرم العالم العادل) فإن بنى على تعدّد الدال والمدلول فلا مجاز في البين؛ أي أنه إذا أراد بالعالم العالم، لا بعضه وهو العادل العادل، ولكنه أفاد كون مصب الحكم بـ(أكرم) هو العادل منه- بقوله (العادل)- فإنه لا مجاز ههنا؛ إذ أراد بالعالم المقسَم[9] وأراد بالعادل قسماً منه، لكنه إذا أراد من (العالم) العالم العادل، وجعل (العادل) قرينة على إرادته تلك -أي مشيراً لتجوزه ثبوتاً- فإنه يكون قوله (العالم) مجازاً غير مستعمل في الموضوع له ثبوتاً ، ويكون قوله (العادل) قرينة في عالم الإثبات على ما صنعه في عالم الثبوت.
والحاصل: أنه في الصورة الثانية قصد اللفظ وعلم بمعناه لكنه لم يقصده، كما سبق.
هل يريد قصد الوقوع أو الصحة أو المحبوبية أو الإرادتين؟
وبعبارة أكثر تدقيقاً: أنه هل يريد بقوله (لا يعقل عدم قصد معناه) قصد وقوعه؟ أو قصد صحته؟ أو قصد محبوبيته أو إرادته؟ أو قصد استعماله فيه؟
فالأول والثاني باطلان؛ لبداهة انه ليس كل قاصدٍ للفظ وعالمٍ بالمعنى- في جملة خبرية أو إنشائية- يقصد وقوعه أو صحته؛ وذلك كما في كافة موارد نقل أقوال المبطلين ومنه نقل مدّعى الخصم ودليله أولاً لتفنيده لاحقاً، وكذلك المتمرِّن والممتحِن وشبهها مما مضى.
كما ليس كل قاصد للفظ وعالم بمعناه - في إخبارٍ أو إنشاءٍ- محباً له أو مريداً له بالإرادة الجدية، وذلك كالمكرَه وكالممتحِن والمعلم وغيرهما مما سبق.
فبقي الأخير، وقد نقضناه عليه من قبل بالمتجوّز بالمطلقات والعمومات بإرادة بعضها، وأشباه ذلك.
تنبيه: مصب كلام الميرزا ومحله هو الجمل الخبرية والإنشائية لا المفردات التصورية ؛ إذ أن مطلع كلامه هو (ثم إنه لا شبهة أن لكل من الإخبار والإنشاء مراتب ثلاثة: الأولى...) ثم قال: (الثانية: أن يكون قاصداً للمعنى باللفظ، أي بعد كونه قاصداً لصدور اللفظ كان قاصداً لمدلوله، لا بمعنى كونه قاصداً لأصل المعنى، فانه بعد قصده اللفظ وعلمه بمعناه لا يعقل عدم قصده معناه)[10][11].

الفائدة التاسعة: لكي يتحقق المطلوب لا بد أن يكون بين  المعنى المصدري والمعنى الاسم مصدري أمر ثالث وهو التسبيب  ؛ ككون لفظ الطلاق سبباً للفرقة ولفظ البيع سبباً لنقل الملكية  ؛ هذا التسبيب ليس حقيقياً أو اعتبارياً بل هو انتزاعي اعتباري؛ فإذا جعل سبباً اعتبارياً كانت سببيته الانتزاعية قهرية الحصول ؛ كقهرية حصول  الزوجية من الأربعة.

تفصيل الفائدة:
يوجد بين المعنى المصدري والمعنى الاسم مصدري أمر ثالث وهو التسبيب والتوصل بهذا إلى ذاك ؛وتوضيحه في البيع:
إن المعنى المصدري هو الإنشاء ؛ أي البيع نفسه،  ولفظ بعتُ وقبلتُ هو ما به الإنشاء ؛ أي آلته[12]، وإنشاء البيع قصدي وليس اعتبارياً ؛ أما أنه قصدي فلأن الإنشائيات طُرّأ قوامها بالقصد؛ فإنه إيجاد في عالم الاعتبار وهو لا يتحقق بدونه، وأما أنه ليس باعتبار المعتبرين فلأن الإنشاء قائم بالمنشِئ، وإيجاده معنىً متحققٌ في رتبة سابقة على الاعتبار؛ بل وعلى وجود المعتبرين ؛ فإنه إذا قال بعت وقال طرفه الآخر اشتريت قاصداً فقد انشأ البيع ووجد المعنى المصدري شاء الآخرون أم لا،  اعتبروه أم لا.
وأما المعنى الاسم مصدري فهو النقل وهو (اعتباري – قصدي) ؛ أما أنه اعتباري فلوضوح أن الشارع[13] إذا لم يعتبر حصول النقل - عند إنشاء زيد له- لا يتحقق النقل، وقد تقدم أن الاعتبار إنما هو بيد من بيده الاعتبار وهو الشارع أو العرف دون الشخص نفسه[14].
وأما أنه قصدي فلأنه إذا لم يقصده كان إنشاؤه مجرد لقلقة لسان، بل دعوى أنه قصد الإنشاء ولم يقصد الـمُنشَأ تناقض إلا إذا قصد صورة الإنشاء[15].

سببيّة هذا لذاك انتزاعي من الاعتباري
وأما سببيّة هذا اللفظ لذاك الـمُنشَأ فهو انتزاعي وليس اعتبارياً؛ لكنه انتزاعي من الاعتباري.  وتوضيحه: أنه قد ذكرنا في موضعٍ أن الانتزاعي على قسمين:
أولهما: الانتزاعي من الأمر الحقيقي ؛ وذلك كالزوجية من الأربعة والماهية من الموجود الخارجي؛  بل والإمكان الفقري من الوجود.
وثنيهما: الانتزاعي من الاعتباري ؛ وذلك كانتزاع السببية من السبب الاعتباري ككون لفظ الطلاق سبباً للفرقة ؛ ولفظ البيع أو المعاطاة سبباً لنقل الملكية بالنحو الخاص؛ فإنه إذا جعل سبباً اعتبارياً كانت سببيته الانتزاعية قهرية الحصول حينئذٍ.
وكما لا يمكن جعل الأمر الانتزاعي من التكوينيات إلا بجعل منشأ الانتزاع - كإيجاد أربع برتقالات فتوجد الزوجية قهراً-  ولا يمكن رفعه إلا برفع منشأ الانتزاع، كذلك جعل الانتزاعي من الاعتباري ورفعه حذوَ القذّة بالقذّة[16].

الفائدة العاشرة: أن العبادات هي الأمر الوحيد الذي يصح القول بأن موضوع الحكم فيها هو المصدر لا اسم المصدر ؛ لذا  فهي مرتهنة بالقصد، وأما  التوصليات فقد تكون مرتهنة بالقصد وقد لا تكون ؛ فالأول كالبيع والثاني كطهارة اليد ؛ وأما التعبدي فقد يقال إنه مصدري فيكون مرتهن بالقصد ؛ ولكنه  غير تام ؛ إذ التعبدي أعم من العبادي ؛ ومثاله أن المطلقة  المدخول بها - غير الصغيرة واليائسة- تجب عليها العِدّة وإن حصل القطع بخلو رحمها من الحمل.

تفصيل الفائدة:
قد يقال في ضابط المصدري واسم المصدري وما يتوقف على القصد وما لا يتوقف : بأن التوصليات مطلقاً هي من قبيل اسم المصدر؛ فهي ليست بقصدية وهي مسقطة للتكليف ومحققه للغرض سواء أقصد أم لا، كما يظهر ذلك بوضوح بملاحظة الطهارة من الخبث فإنه توصلي وهي معنى اسم مصدري ؛ إذ تتحقق بجريان الماء على المتنجس [17]– بشروطه - ولو من دون قصد وإلتفات، وكذلك دفن الميت، والغبطة في نكاح المولّى عليها، والعِدّة للمطلقة وغير ذلك، على العكس من التعبديات فإنها مصدرية متوقفة على القصد مطلقاً.

ولكنَّ هذا الضابط في كلا طرفيه غير تام:
المناقشة: بعض التوصليات مصدرية - قصدية
أما كون التوصليات اسم مصدرية غير متوقفة على القصد فإنه لا يصلح كضابط لعدم عمومه وإن كان كذلك في الجملة؛ وذلك لبداهة أن المعاملات طراً[18] توصلية لكنها موقوفة على القصد سواءً بمعانيها المصدرية أم بمعانيها الاسم مصدرية؛ ألا ترى أن البيع سواء أريد به إنشاؤه أو المنشأ موقوف على القصد؟
وبعبارة أخرى: سواء أريد بـ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ﴾ [19] الإيجاب والقبول اللذين بهما الإنشاء أم أريد به النقل الخاص أو التمليك الخاص أو مبادلة مال بمال على نحو خاص، فإنه على كلا التقديرين- أي مصدرياً أريد أو اسم مصدري- بحاجة إلى قصد وإلا فإنه لا يتحقق عرفاً ولا شرعاً.
الإشكال بأن اسم المصدر معلول للمصدر فكيف يتوقف على القصد؟
لا يقال: إن المعنى الاسم مصدري معلول للمصدري؛ فإذا تحقق المصدري تحققه اسم المصدري قهراً من غير توقف على القصد؛ وإذا لم يتحقق المصدري لم يتحقق الاسم مصدري سواء أقصده أم لا؟
ويرد عليه:
المقصود بالواسطة مقصود
أولاً: أن المقدور بالواسطة مقدور ، وأن المقصود بالواسطة مقصود ؛ فإنه وإن الأمر كذلك[20] لكنه إذا قصد الاسم المصدري فأتى بالمصدري بقصد الاسم مصدري كان قاصداً له[21]، فتأمل[22].

ليست علاقة الإنشاء بالمنشأ كالكسر والانكسار
ثانياً: بل قد يناقش- قبل ذلك رتبةً- في المبنى بالقول بأن علاقة الإنشاء بالمنشأ والمصدري باسمه ليست من قبيل علاقة الكسر والانكسار من حيث قهرية حصول الثاني عند حصول الأول؛ وذلك لأن الإنشاء والمنشأ من عالم الاعتبار فيمكن التفكيك بينهما دون الكسر والانكسار ؛ فإنهما من عالم الواقع فلا يمكن.
لا يقال: إن الممتنعات ممتنعات مطلقاً في كل العوالم كما حققناه في محله.
إذ يقال: ذلك وإن صح على ما حققناه إلا أن الفرق هو أن الانكسار لا يتعدد بتعدد الاعتبار؛ فإنه إذا انكسر الزجاج انكسر ثبوتاً مطلقاً ولا يمكن وجود اعتبارين فيه، عكس الـمُنشَأ ؛ فحيث إن المعتبِر في الإنشاء قد يكون الشخص أو الشارع أو العرف العام أو الخاص فقد يقع الإنشاء من الشخص لكن الشارع لا يعتبر تحقق الـمُنشَأ بإنشائه؛ فالتفكيك نظراً لتعدد الـمُنشَأ والمعتبَر ثبوتاً.
نعم، المنشِئ نفسه لا يمكنه إلا اعتبار تحقق المنشَأ وإلا كان إنشاؤه صورياً لا حقيقياً، فتدبر جداً.

موضوع حكم الشارع المعنى الاسم مصدري مع القيد
ثالثاً: أن موضوع حكم الشارع - حتى في مثل الكسر والانكسار-  لو كان هو الكسر والانكسار بذاته لصح ما ذكر دون ما لو كان الموضوع لحكمه هو الكسر أو الانكسار مع القيد؛ فإنه يمكن أن يقيده الانكسار مثلاً كموضوع لحكمه بقيدٍ –كالقصد- فيكون حصول نفس الانكسار بالكسر قهرياً دون حدوث الانكسار المقيد بقيد اختياري؛ فإنه ليس قهريَّ الحصول عند حصول الكسر؛ ألا ترى أنه يمكنه أن يحكم بالضمان عند حصول الكسر أو الانكسار مطلقاً، سواءً أقصد أم لا وسواءً أعلم أم لا، كما يمكنه في المقابل أن يحكم بالضمان إذا كسر قاصداً ، أو إذا انكسر عامداً فيه [23].

والتعبديات عبادية وغيرها
وأما دعوى كون التعبديات مصدرية موقوفة على القصد فغير تام أيضاً؛ إذ التعبدي أعم من العبادي، فإنه يشمل مثل العِدّة للمطلقة المدخول بها غير الصغيرة واليائسة وإن قطع بخلو رحمها من الحمل.
والحاصل: أن العباديات هي الأمر الوحيد الذي يصح القول بأن موضوع الحكم فيه هو المصدر لا اسم المصدر وأنها قصدية، أما التعبدي فله إطلاقان: أخص يراد به العبادي وأعم يراد به مقابل التعقلي ؛ فيشمل التوصليات أيضاً؛ فالعبادي مرتهن بالقصد أما التعبدي غير العبادي فلا[24].

الفائدة الحادية عشر: الفرق بين بحث أن الأصل في الأفعال القصدية وبين بحث عدم تقوّم العناوين الواقعية بالقصد؛ أن الأول من عالم الإثبات والثاني من عالم الثبوت؛ لذا لو أراد من الأول خلاف القصدية فعليه إقامة القرينة ، ثم إن العناوين الواقعية وإن قلنا عدم تقوّمها بالقصد؛ ولكنها إذ نُسبت لشخص ينبغي أن تحمل على كونه ملتفاً قاصداً إلا عند إقامة القرينة ؛ ثم إن العناوين القصدية موضوعة للمفهوم وليس القصد جزء الموضوع له وإنما هو شرط التحقق ؛ عكس العناوين الواقعية -كالقتل والجرح- فإن القصد ليس مقوّم الماهية ولا شرط التحقق.

تفصيل الفائدة:
هناك فرقاً جوهرياً بين مبحث (أن الأصل في الأفعال القصدية) وبين مبحث : (أن العناوين الواقعية لا تتقوم بالقصد)؛ فإن الأول بحث من عالم الإثبات والثاني بحث من عالم الثبوت؛ وتوضيحه:
إنه تارةً : يبحث عن أن الفعل كلما نسب إلى شخص فهو ظاهر في قصده له؛  كما لو قلنا: باع زيد أو طلَّق أو كسر أو نقل؛ فإن الأصل فيه [25] أنه قصده ؛ وأنه لو أراد بقوله: بعت داري - أو حتى قوله كسرت يد زيد مثلاً - أنه لم يكن قاصداً وجب عليه إقامة القرينة، وإلا أخذ بظاهر إقراره، فهذا بحث في الإثبات وظاهر النسبة والحال.
وتارةً أخرى:  يبحث عن أن صدق العنوان في حد نفسه قد لا يتقوّم بالقصد مع قطع النظر عن ظاهر نسبته لفاعله ؛ فالقتل-مثلاً- بما هو هو غير متقوّم بالقصد؛ إذ يصدق ثبوتاً عنوان القتل ويصدق ثبوتاً عنوان القاتل وإن كان نائماً أو ساهياً ، لكنه إذا قيل قتل زيد عمراً فنسب له كان ظاهراً في أنه قتله ملتفتاً عن قصد وإلا لزم إقامة القرينة كما سبق.

مقوّمية القصد في مرحلة الحمل الشائع لا في الحمل الأولي
ثم إنه في عالم الثبوت حيث القصد قد يكون مقوّماً للعنوان - كالتعظيم أو البيع وسائر الإنشائيات أو الهويّ للركوع على ما سبق تفصيله - إنما يراد بالمقوّم مقوّم الوجود لا الماهية والمفهوم، بمعنى أن القصد ليس جزء المفهوم والموضوع له بل هو شرط التحقق ، أي أنه ليس مقوّماً للحمل الذاتي الأولي ، بل هو مقوّم للحمل الشائع الصناعي.
وذلك نظير الوجود للإنسان؛ فإن وجوده مقوّم له في مرحلة الحمل الشائع ومرحلة التمصدق والخارج وليس مقوّماً لمفهومه وفي مرحلة الحمل الذاتي؛ إذ الإنسان موضوع للحيوان الناطق لا للحيوان الناطق الموجود.
وكذلك العناوين القصدية فإنها موضوعة للمفهوم وليس القصد جزء الموضوع له ؛ بل هو شرط التحقق ، عكس العناوين الواقعية -كالكسر والجرح- فإن القصد ليس مقوّم الماهية ولا شرط التحقق والصدق بالحمل الشائع[26].

الفائدة الثانية عشر: إن اللفظ تارة يقصد استقلالياً، ؛ وأخرى يقصد آلياً ، وثالثة لا يقصد،، فالأولى كما  في المتمرن على كيفية أداء اللفظ؛ والثانية كما  هو المعهود من الكلام ؛ والثالثة كما في النائم والساهي؛ والمعنى كذلك : فهو تارة يقصد استقلالياً؛ وأخرى يقصد بما هو مدلول لهذا اللفظ، وثالثة أن لا يقصد أي معنى من المعاني، فأولها كالتفكير في المعاني المجردة، وثانيها كثاني ما جاء في اللفظ؛ وثالثها كالغافل عن اللفظ والمعنى، وقوام المعاملات بقصد اللفظ وقصد المعنى وقصد وقوع المعنى بهذا اللفظ ؛ ثم إن العلم غير القصد وهو أمر زائد على العلم،  والنسبة بينهما من وجه ؛ إذ قد يعلم ولا يقصد ؛وقد يقصد وهو غير عالم ؛ وقد يجتمعان ؛ فظهر عدم تمامية قول الميرزا النائيني : إنّه بعد قصده اللفظ وعلمه بمعناه لا يعقل عدم قصده معناه؛ إذ يرد عليه بأنه يعقل ذلك كما في التجوّز باستعمال العام وإرادة بعضه.

تفصيل الفائدة[27]:
يوجد في الأفعال الانشائية -كالبيع فإنه إنشاء والإنشاء فعل من الأفعال- قصدان بل قصود ثلاثة، قصد اللفظ، وقصد المعنى وقصد المعنى باللفظ، وتوضيحه:

الصور الست لقصد اللفظ والمعنى
إن اللفظ تارة يقصد استقلالياً وتارة يقصد آلياً وثالثة لا يقصد، وكذلك المعنى ؛ فإنه تارة يقصد استقلالياً ، وتارة يقصد بما هو مدلول لدالٍّ معين، وثالثة لا يقصد، فالصور ستّ:
الصورة الأولى: قصد اللفظ استقلالياً بدون قصد المعنى، كما في المتمرّن على الإعراب أو على كيفية أداء اللفظ وتلحينه وترتيله من غير التفات لمعناه.
الصورة الثانية : قصد اللفظ آلياً، كما في عامة الناس في معهود كلامهم فان الألفاظ مشيرات للمعاني أو هي جسور لها أو قوالب أو فانية فيها أو ملقاة المعاني بها أو غير ذلك، على المباني.
الصورة الثالثة: عدم قصده أبداً كالنائم والساهي الغافل تماماً، أو عدم قصد هذا اللفظ خاصة كالغالط الذي أراد لفظاً آخر فغلط.
الصورة الرابعة: قصد المعنى استقلالياً، وذلك إذا لم يستعمل اللفظ حتى في ذهنه: بأن فكّر في المعاني المجردة ، وذلك بناءً على إمكان ذلك كما هو الظاهر ، فإنه من الصعب - لا المحال-  على عامة الناس التفكير في المفاهيم والمعاني إلا عبر جسر الألفاظ والتفكير فيها.
ومن نافلة القول الإشارة إلى أن التفكير إذا كان في معاني وردت في ألفاظ المعصوم عليه السلام  وجب أن يجري بما أنها في قالب هذا اللفظ خاصة؛ لعلمهم المحيط بالمعاني والألفاظ بكافة دلالاتها الثلاثة والاقتضاء والإيماء والتنبيه والإشارة وغيرها فالخروج عن ألفاظهم -من عام ومطلق وغيرهما- والتفكير الحرّ أو التفكير في لفظ آخر خطأ وخطل وزلل.
ولكن فيما عدا ذلك فإن التفكير الابداعي يقتضي التمرن على التجرد من الألفاظ والنظر إلى المعاني بذاتها؛ إذ كثيراً ما تقيِّدُ الألفاظُ المعانيَ أو لا تطابقها أو تسلبها بعض ظِلالها ودلالاتها أو تضيف إليها ما لا ينبغي، ولعلنا نفصّل الكلام عن ذلك في موضع آخر.
الصورة الخامسة : قصد المعنى بما هو مدلول لهذا اللفظ خاصة، وهو المعهود أيضاً للعامة، وهو يقابل ان يقصد المعنى لكن لا بما هو مدلول لهذا اللفظ وذلك كما لو اجرى صيغة البيع أو الطلاق غير معتقد انهما واقعان به، بل امتثالاً لحكم القانون أو العرف مثلاً، وكان يعتقد انهما يقعان بالتصفيق مثلاً في البيع أو بمجرد نية الفراق في الطلاق، فتأمل؛ إذ هو خروج عن البحث إلى دائرة الإرادة الجدية، فالأولى التمثيل بالتورية[28].
الصورة السادسة: أن لا يقصد أي معنى من المعاني، فقد يجيء بلفظ ويقصده خاصة فهو الصورة الأولى، أو لا يقصد شيئاً أصلاً ، أو لا يجئ بلفظ كما لا يقصد معنى كما إذا أشار بيده غير قاصد معنى خاصاً.
وقوام المعاملات بقصد اللفظ وقصد المعنى وقصد وقوع المعنى بهذا اللفظ.

كلام الميرزا النائيني في قصد اللفظ والمعنى
لكن الميرزا النائيني ذكر الأولى والثالثة وأهمل الثانية ولعله لأنه مستبطن فيه؛ قال قدس سره: (ثمّ إنّه لا شبهة أنّ لكلٍّ من الإخبار والإنشاء مراتب ثلاث:
الأولى: القصد إلى اللفظ، لا بمعنى أن يكون اللفظ بالنظر الاستقلالي ملحوظاً فإنّ هذا خارج عن استعمال اللفظ في المعنى، فإنّ الاستعمال عبارة عن إلقاء المعنى باللفظ، فاللفظ غير منظورٍ فيه وفانٍ صرف، بل بمعنى أن لا يكون اللفظ صادراً عن غير الملتفت والغافل كالنائم والغالط، فإن اللفظ إذا صدر في حال النوم أو على غير عمدٍ بأن سبق اللسان إليه فلا أثر له.
والثانية: أن يكون قاصدا للمعنى باللفظ، أي بعد كونه قاصدا لصدور اللفظ كان قاصداً لمدلوله، لا بمعنى كونه قاصدا لأصل المعنى، فإنّه بعد قصده اللفظ وعلمه بمعناه لا يعقل عدم قصده معناه، فإن استعمال اللفظ عبارة عن إلقاء المعنى باللفظ، بل بمعنى كونه قاصداً للحكاية أو الإيجاد، أي كان داعيه على استعمال اللفظ في المعنى الحكاية عن وقوع هذا المدلول في موطنه من ذهنٍ أو خارجٍ أو إيجاد المنشأ بهذا اللفظ الذي هو آلة لإيجاده، فلو كان قصده الهزل واللعب فلا أثر له.
وفقد هذين المرتبتين في الإخبار يوجب عدم صدق الحكاية عليها ، وأمّا في المنشآت ففي العقود يوجب عدم صدق عنوان العقد، وفي الأحكام يوجب عدم صدق الحكم الواقعي، بل يطلق عليه (الحكم الصوريّ) أو (الهزليّ)، أو نحو ذلك من الدواعي)[29].
والأسهل الأفضل أن يقول: (الأولى: القصد إلى اللفظ آلياً، لا استقلالياً).
ثم إن الأولى أن يعبر بـ(مقومات ثلاثة) لا بـ(مراتب ثلاث) ؛ إذ كل من قصد اللفظ وقصد إلقاء المعنى باللفظ مقوِّم للإنشاء والإخبار وليس أحدهما مرتبة من مراتبه ، والآخر مرتبة أخرى.

المناقشات
ثم إنه قد يورد عليه:
ليس الاستعمال إلقاء المعنى باللفظ بل إشارة له به
أولاً: أن الظاهر هو أن الاستعمال في (الإنشاء) هو إيجاد المعنى أو الاعتبار في عالمه، وفي (الإخبار) هو الإشارة باللفظ إلى المعنى؛ فإنه يشير به إليه لا أنه يلقي المعنى الموجود في ذهنه إلى الخارج باللفظ ؛ فإنه وإن صح هذا لكنه ليس هو المقصود ارتكازاً للمتكلمين والمستعملين.
وبعبارة أخرى: الوجودات أربع: الوجود العيني والذهني واللفظي والكتبي، والتعبير عن اللفظ بأنه وجود للشيء لفظاً تجوّز ؛ فإنه يشير إليه لا أنه موجود به؛ إذ ليس هو من سنخه ولا من مراتبه لدى الدقة ولا هو من ماهيته، وليس أحد الوجودات إلقاء للوجود الآخر من عالمه إلى عالمه بل هو إشارة له به.
ثانياً: أن الظاهر من كلامه الخلط بين العلم والقصد ؛ فإن العلم غير القصد والنسبة بينهما من وجه ؛ إذ قد يعلم ولا يقصد ، وقد يقصد وهو غير عالم بل مجرد ظان أو شاك ، وقد يجتمعان.

بل يعقل كما في التجوّز بالعام عن الخاص
ثالثاً: أنه بعد قصده اللفظ وعلمه بمعناه يعقل عدم قصده للمعنى لا أنه لا يعقل؛ وذلك كما في التجوّز باستعمال العام وإرادة بعضه ؛ فإنه إذا قال: (أكرم العلماء إلا زيداً) لم يكن متجوّزاً ؛ إذ أنه استعمل (العلماء) في معناه الموضوع له وهو كل العلماء ثم أخرج منه في مرحلة الإرادة الجدية زيداً، لكنه لو قال أكرم العلماء قاصداً بعضهم فإنه متجوّز ومصحّحه علاقة الجزء والكل نظير رأيت زيداً وقد رأى رقبته.
والحاصل: أنه إذا قصد من العلماء بعضهم فقد قصد اللفظ وقد علم بمعناه لكنه لم يقصد معناه إذ قد قصد بعض معناه ؛  فإن القصد أمر زائد على العلم كما أن الإيمان زائد عليه ، وكما أن عقد القلب زائد عليه.

النقض بالاكتفاء بقصد اللفظ آلياً
رابعاً: أنه لو صح كلامه لورد عليه النقض بعدم الحاجة لقصد المعنى باللفظ أيضاً [30]؛ إذ يكفي حينئذٍ قصد اللفظ آلياً وهو شرطه الأول ؛ إذ لو قصد اللفظ آلياً إلى المعنى- كما هو فرض كلامه- فإنه كما لا يعقل عدم قصد المعنى لا يعقل عدم قصد المعنى بهذا اللفظ؛ لفرض أنه قصد اللفظ آلياً لمعناه -كما سلّم به-  فكيف فرّق بين الأمرين فرأى صحة الأخير وامتناع ما قبله؟  فتأمل [31].


--------------------

* هذه المباحث الاصولية تجميع لما طرحه سماحة السيد في مختلف كتبه وبحوثه، قام باعدادها وجمعها و ترتيبها مشكوراً فضيلة الشيخ عطاء شاهين وفقه الله تعالى

[1] وتمام كلامه قدس سره:  (ثمّ إنّه لا شبهة أنّ لكلٍّ من الإخبار والإنشاء مراتب ثلاث:
الأولى: القصد إلى اللفظ، لا بمعنى أن يكون اللفظ بالنظر الاستقلالي ملحوظاً فإنّ هذا خارج عن استعمال اللفظ في المعنى، فإنّ الاستعمال عبارة عن إلقاء المعنى باللفظ، فاللفظ غير منظورٍ فيه وفانٍ صرف، بل بمعنى أن لا يكون اللفظ صادراً عن غير الملتفت والغافل كالنائم والغالط، فإن اللفظ إذا صدر في حال النوم أو على غير عمدٍ بأن سبق اللسان إليه فلا أثر له.
والثانية: أن يكون قاصدا للمعنى باللفظ، أي بعد كونه قاصدا لصدور اللفظ كان قاصدا لمدلوله، لا بمعنى كونه قاصدا لأصل المعنى، فإنّه بعد قصده اللفظ وعلمه بمعناه لا يعقل عدم قصده معناه، فإن استعمال اللفظ عبارة عن إلقاء المعنى باللفظ، بل بمعنى كونه قاصدا للحكاية أو الإيجاد، أي كان داعيه على استعمال اللفظ في المعنى الحكاية عن وقوع هذا المدلول في موطنه من ذهنٍ أو خارجٍ أو إيجاد المنشأ بهذا اللفظ الذي هو آلة لايجاده، فلو كان قصده الهزل واللعب فلا أثر له.
وفقد هذين المرتبتين في الإخبار يوجب عدم صدق الحكاية عليها وأمّا في المنشآت ففي العقود يوجب عدم صدق عنوان العقد، وفي الأحكام يوجب عدم صدق الحكم الواقعي، بل يطلق عليه (الحكم الصوريّ) أو (الهزليّ)، أو نحو ذلك من الدواعي .

[2] لكن قد يقال : إن المتجوّز في المطلقات بإرادة بعضها، قَصَدَ المعنى المطلق قصداً غير مستقر، فتأمل.
[3] ووصف القصد بالتعليقي بلحاظ حال المقصود، لا أنه لا قصد له على الإطلاق ؛ وسيأتي في باب الفضولي الخلاف في أن الفضولي له قصد أو لا، ومعنى قصده بتفسير الشيخ قدس سره  وبتفسيرنا.
[4] وسيأتي تحقيقه في بابه بإذن الله تعالى.
[5] بان نزّل لا قصدها منزلة القصد.
[6] إذ لها قصد لكن لا عن طيبة نفس، إلا ان يبلغ الإكراه درجة كونها مسلوبة القصد ذاهلة عنه، وهو خارج عن محل الكلام.
[7] سورة النازعات: آية 24.
[8] سورة الإسراء: آية 78.
[9] بين العادل وغيره.
[10] راجع الدرس (267).
[11] مباحث البيع : الدرس 271.
[12] أو فقل: الإنشاء قائم به.
[13] أو العرف العام.
[14] انظر الفائدة السابقة.
[15] وهذا استثناء منفصل.
[16] مباحث البيع : الدرس 262.
[17] بشروطه.
[18] عقوداً كانت أو إيقاعات.
[19] سورة البقرة: 275.
[20] أي لا  يمكن أن يتحقق الاسم مصدري بدون المصدري وأنه إذا تحقق المصدري تحقق اسم المصدري قهراً.
[21] للاسم مصدري.
[22] فإنه جواب عن إشكال آخر ، فتدبر.
[23] بالعمد في سببه.
[24] مباحث البيع: الدرس 165.
[25] أي ظاهر النسبة.
[26] مباحث البيع : 261.
[27] هذه الفائدة مع الفائدة الثامنة إحداهما مكملة ومتممة للأخرى في جهات ؛ وكذا الحال قد حصل في بعض الفوائد الأخرى مع أخرى ؛ فلا تحسبها تكرار ؛  إذ هي متشابهة من جانب وغير متشابهة من جانب آخر.
[28] وقد تقدم بعض الكلام في ذلك.
[29] منية الطالب في شرح المكاسب : ج1 ص367.
[30] وهو المقوّم الثاني أو المرتبة الثانية لديه للإخبار والإنشاء.
[31] مباحث البيع: الدرس 267، 268 مع بعض الاختصار.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3340
  • تاريخ إضافة الموضوع : 15 ربيع الثاني 1440هـ
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 01 / 21