• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : التزاحم (1440-1441هـ) .
              • الموضوع : 147- مسألة: الخلط بين بابي التزاحم والتعارض - الشيخ: خلطه بين تعارض دليلي الإكراه والضرر، وتزاحمها. .

147- مسألة: الخلط بين بابي التزاحم والتعارض - الشيخ: خلطه بين تعارض دليلي الإكراه والضرر، وتزاحمها.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

(147)

 

مسألة: الخلط في المسائل الفقهية بين بابي التزاحم والتعارض

مسألة: سبق (أقول: لكن اللازم أولاً تنقيح أنّ تدافع (لا ضرر) مع (الناس مسلطون) في مورد الاجتماع هل هو من باب التعارض أو هو من باب التزاحم؟ فإن كان من باب التعارض رجعنا إلى مرجّحات بابه، كعمل الأصحاب الذي رجّح قدس سره به، ولم يصح عضده بالملاك كما قال: (ولا سيّما إذا استلزم منع المالك عن التصرف ضرراً عليه أشدّ من ضرر الجار أو مساوياً أو أقل بحيث لم يتفاحش معه ضرره) فان هذا شأن باب التزاحم لا التعارض وإن كان يمكن توجيهه بوجه سيأتي بإذن الله تعالى، وإن كان من باب التزاحم وجب الرجوع إلى مرجّحاته خاصة.

وسيأتي الكلام عن كلي الخلط الحاصل لدى بعض الأعلام في بعض المسائل بين بابي التزاحم والتعارض إذ أدخلوا مسألة من باب التزاحم في باب التعارض فرجعوا إلى قواعد الأخير أو مرجّحاته مع ان اللازم الرجوع لمرجّحات الأول)([1]).

وهذه المسألة من أهم المسائل التي يجب ان يفرد لها باب في الأصول، ولم نجد من صنع ذلك في استقراء ناقص، حيث تكرر خلط بعض كبار الفقهاء في بعض المسائل بين البابين، وكان المفروض بنا ان نكمل المسألة السابقة (وهي حكومة أدلة العناوين الثانوية كلا ضرر ولا حرج على الأحكام الوضعية مطلقاً وعلى الأحكام الوضعية الأصولية كالحجية والمرجحية خاصة، وعدمها) ولكن حيث طلب بعض الأفاضل بحث هذه المسألة بمناسبة ما أشكلنا به على الشيخ من خلطه بين البابين([2]) لذلك نقدّمها بالبحث ثم نعود لإكمال بحث ما كنا فيه بإذن الله تعالى، فنقول: وبالله الاستعانة:

ان المتتبع لكلمات الفقهاء يجد العديد من الموارد التي رجع فيها الفقهاء إلى مرجّحات باب التعارض أو عملوا فيها بقواعده مع ان المسألة من باب التزاحم واللازم الرجوع فيها إلى مرجّحاته وقواعده دون التعارض، أو العكس، وسنقتصر ههنا على ذكر مثالين أحدهما من المكاسب والآخر من الجواهر، وقد جرى اختيار مسألة المكاسب لكونها مجمع بحثينا في التزاحم وفي البيع إذ هو بحث تطبيقي أصولي لباب التزاحم على ضوء مسألة من مسائل المكاسب:

 

المكاسب: إطلاق (الإكراه) مقدم على (الضرر) مطلقاً([3])

المسألة الأولى: ان الشيخ ذهب في المكاسب إلى انه يباح بالإكراه كل محرم حتى ما هو أهم من المكره عليه بدرجات كثيرة، ما لم يبلغ حدّ القتل، ولا بد من نقل عبارته بنصها وبطولها ليتضح صراحته في الأمر ثم موارد إشكالنا عليه، قال:

(الأوّل أنّه كما يباح بالإكراه نفس الولاية المحرّمة، كذلك يباح به ما يلزمها من المحرّمات الأُخر وما يتفق في خلالها، ممّا يصدر الأمر به من السلطان الجائر، ما عدا إراقة الدم إذا لم يمكن التفصّي عنه، ولا إشكال في ذلك، إنّما الإشكال في أنّ ما يرجع إلى الإضرار بالغير من نهب الأموال وهتك الأعراض وغير ذلك من العظائم هل يباح كلّ ذلك بالإكراه ولو كان الضرر المتوعّد به على ترك المكره عليه أقلّ بمراتب من الضرر المكره عليه، كما إذا خاف على عرضه من كلمة خشنة لا تليق به، فهل يباح بذلك أعراض الناس وأموالهم ولو بلغت ما بلغت كثرة وعظمة، أم لا بدّ من ملاحظة الضررين والترجيح بينهما؟ وجهان:

من إطلاق أدلّة الإكراه، وأنّ الضرورات تبيح المحظورات.

ومن أنّ المستفاد من أدلّة الإكراه تشريعه لدفع الضرر، فلا يجوز دفع الضرر بالإضرار بالغير و لو كان ضرر الغير أدون، فضلًا عن أن يكون أعظم.

وإن شئت قلت: إنّ حديث رفع الإكراه ورفع الاضطرار، مسوق للامتنان على جنس الأُمّة، ولا حسن في الامتنان على بعضهم بترخيصه في الإضرار بالبعض الآخر، فإذا توقّف دفع الضرر عن نفسه على الإضرار بالغير لم يجز ووجب تحمّل الضرر.

هذا، ولكن الأقوى هو الأوّل؛ لعموم دليل نفي الإكراه لجميع المحرّمات حتّى الإضرار بالغير ما لم يبلغ الدم، وعموم نفي الحرج؛ فإنّ إلزام الغير تحمّل الضرر وترك ما اكره عليه حرج. وقوله (عليه السلام): ((إِنَّمَا جُعِلَتِ التَّقِيَّةُ لِيُحْقَنَ بِهَا الدَّمُ فَإِذَا بَلَغَتِ التَّقِيَّةُ الدَّمَ فَلَا تَقِيَّةَ))([4])، حيث إنّه دلّ على أنّ حدّ التقية بلوغ الدم، فتشرع لما عداه)([5]).

أقول: يرد عليه انه لا يخلو من انه قدس سره اما ان يرى تدافع دليل الإكراه ((وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعُ خِصَالٍ... وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ))([6]) مع دليل لا ضرر ((لَا ضَرَرَ وَ لَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ))([7]) من باب التزاحم – كما هو الحق – أو يراه من باب التعارض، وعلى كلا التقديرين يرد عليه أكثر من إشكال، وهي كما يلي:

 

الأجوبة: 1- كلاهما عنوان ثانوي ومطلق فلا يصح التمسك بإطلاق أحدهما لتقديمه

أولاً: ان كلا الدليلين عنوان ثانوي، ولا وجه لتقديم دليل الإكراه على دليل لا ضرر؛ بحكومة أو غيرها، فلم لا يُقدَّم دليل لا ضرر على دليل الإكراه فيقال بحرمة الإضرار بالغير وإن كان مكرهاً خاصة إذا كان ضرره أشد مما توعده به المكرِه؛ استناداً إلى مثل ((لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ))؟ والغريب انه لم يستند للحكومة (التي لا وجه لها لأن العناوين الثانوية حاكمة على الأولية لكن من أين حكومة دليل الإكراه على دليل لا ضرر مع كونهما عنوانين ثانويين) بل استند في وجه عدم لزوم ملاحظة أهم الضررين (والذي رجّحه وبنى عليه بعد ذلك) إلى (إطلاق دليل الإكراه) إذ يرد عليه بوضوح: أوليس دليل لا ضرر مطلقاً أيضاً والنسبة بينهما عموم من وجه؟ فأي استدلال هذا؟ ولو استدل بحكومته عليه لكان له وجه (على انه غير تام كما سبق).

هذا ان بنى على التعارض كما لعله ظاهره، وإن بنى على التزاحم ففيه: ان الاستدلال أيضاً غير تام لأن كل المتزاحمات مطلقة (بل حتى لو كانت نصاً) فانه لا يقدم أحدها على الآخر لإطلاقه بل ملاك التقديم الأهمية؛ ألا ترى ان (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)([8]) مطلق و(أزل النجاسة) مطلق، ولا يستدل لتقدم أحدهما على الآخر بإطلاقه بل بأهميته، والحاصل: انه إن كان بانياً على انه من التزاحم واستدل بالإطلاق فهو خلط بين البابين إلا ان يعتبر الإطلاق كاشفاً عن الملاك وأهميته لكنه خلاف صريح مبنى كلامه، على ان لكليهما إطلاقاً فتدبر.

وقوله: (ولكن الأقوى هو الأوّل؛ لعموم دليل نفي الإكراه لجميع المحرّمات حتّى الإضرار بالغير ما لم يبلغ الدم، وعموم نفي الحرج؛ فإنّ إلزام الغير تحمّل الضرر وترك ما اكره عليه حرج) أيضاً غريب؛ إذ أليس دليل لا ضرر عاماً أيضاً فكيف يستدل بتقديم أحد العامين من وجه على العام الآخر بان العام الأول عام؟

 

2- ان تدافعهما من باب التزاحم لا التعارض

ثانياً: ان تدافع لا ضرر مع لا إكراه ليس من باب التعارض بل هو من باب التزاحم، لوضوح انه لا تكاذب بين ((لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ)) وبين ((وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعُ خِصَالٍ... وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)) بل هما في مادة الاجتماع متزاحمان نظير تزاحم الصلاة مع إزالة النجاسة ولا يقول أحد ان أقم الصلاة مع أزل النجاسة متعارضان، وذلك بديهي على إمكان الترتب واما على امتناعه فانه وإن قيل ان التزاحم يعود إلى التعارض في مادة الاجتماع لكنه ليس بمعنى التعارض المعهود القسيم للتزاحم المراد به تكاذب الخبرين لوضوح انه لا تكاذب بينهما سنداً ولا جهةً بل المراد التعارض في مرحلة الإرادة الجدية([9]).

وعلى أي فان من يقول بامتناع الترتب ويُرجع التزاحم إلى التعارض – بأي معنى كان – فانه يبقى متشبثاً بمرجّحات باب التزاحم بينها لا بمرجّحات باب التعارض، فتدبر جيداً.

وبعبارة أخرى: لا شك في الضرر مفسدة لذا رفعه الشارع بلا ضرر، كما لا شك في ان فعل المكرِه بالمكرَه ما تهدده به مفسدة، فدفعاً لها رفع الشارع حرمة فعل ما أُكرِه عليه، وذلك بديهي أي ان كلا منهما له ملاك، ويؤكده ان كلا منهما عقلائي بل مما يستقل به العقل وليس تعبداً صِرفاً بلا ملاك.. وعليه: يقع التزاحم بين الإضرار بالغير وبين الاستسلام لإضرار المكرِه بك فيقدم الأهم منهما، بل ان الشيخ اعترف بصريح كلامه بان لكليهما الملاك فقال: (أم لا بدّ من ملاحظة الضررين والترجيح بينهما؟ وجهان) ولم يردّ، لاحقاً، وجود الملاكين، ومع الإذعان بوجود الملاكين يجب الرجوع لمرجحات باب التزاحم وجامعها تقديم الأهم، لا التمسك بإطلاق أحد الدليلين المرتبط بعالم الإثبات وباب التعارض (البدوي أو المستقر) ويوضحه انه لو كان لكليهما قطعاً إطلاق لمادة الاجتماع وكان لكل منهما ملاك لوجب ترجيح ذي الملاك الأهم لا التمسك بإطلاق أحدهما او الغفلة عن إطلاق الآخر بل لو كان كلاهما نصاً لوجب تقديم الأهم ولم يتعارضا بمعنى التكاذب بل تزاحما وعاد التعارض على الامتناع إلى عدم انعقاد الإرادة الجدية الفعلية على أحدهما – كما سبق.

بل ان الخلط يظهر من جمعه بين الوجهين (من إطلاق أدلّة الإكراه، وأنّ الضرورات تبيح المحظورات) إذ الثاني من باب التزاحم قطعاً، والأول من باب التعارض كما سبق، بل نقول: انه لا شك في ان الضرورات درجات والمحظورات درجات ولا تبيح كل ضرورة وإن كانت ذات مصلحة قليلة جداً، كل محظور وإن كان ذا مفسدة عظيمة جداً، وذلك بصريح حكم العقل وبناء العقلاء.

ثالثاً: ان ما ذكره قدس سره خلاف بناء العقلاء بل مخالف لصريح العقل والمستقلات العقلية كما سيأتي بإذن الله تعالى.

 

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

قال الإمام الصادق عليه السلام: ((إِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ عِنْدَنَا مَعَاقِلُ الْعِلْمِ وَآثَارُ النُّبُوَّةِ وَعِلْمُ الْكِتَابِ وَفَصْلُ مَا بَيْنَ النَّاسِ)) (الاختصاص، ص309).

 

 

--------------------------------------------------------------------

([1]) الدرس (146).

([2]) كما في الدرس، ولم نذكره في هذا المكتوب.

([3]) أي ولو كان الضرر المتوعد به على ترك المكره عليه أقل بكثير جداً من الضرر المكره عليه.

([4]) الشيخ الطوسي، التهذيب، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج6 ص172.

([5]) الشيخ مرتضى الانصاري، ط / تراث الشيخ الأعظم، ج2 ص86-87.

([6]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج2 ص463.

([7]) ابن أبي جمهور الاحسائي، عوالي اللآلئ، دار سيد الشهداء عليه السلام – قم، 1405هـ، ج1 ص220.

([8]) سورة الإسراء: آية 78.

([9]) وقد سبق في العام الماضي تفصيله فراجع.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3345
  • تاريخ إضافة الموضوع : الثلاثاء 17 ربيع الثاني 1440 هـ
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 11 / 21