• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : التزاحم (1440-1441هـ) .
              • الموضوع : 149- مناقشة مع الشيخ في التقية: انها لحفظ الدماء والاعراض والاموال للشخص وغيره .

149- مناقشة مع الشيخ في التقية: انها لحفظ الدماء والاعراض والاموال للشخص وغيره

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

(149)

 

ثالثاً: الروايات المصرحة بعموم التقية للأموال والأعراض([1])

كما يرد على استدلاله بعموم ((إِنَّمَا جُعِلَتِ التَّقِيَّةُ لِيُحْقَنَ بِهَا الدَّمُ فَإِذَا بَلَغَتِ التَّقِيَّةُ الدَّمَ فَلَا تَقِيَّةَ))([2]) على جواز ارتكاب كل العظائم إلا القتل فقط لمجرد ان يتقي من كلمة خشنة أو صفعة واحدة، ان هناك طوائف من الروايات تصرح بان التقية هي لستّ جهات: لحفظ الأنفس والأعراض والأموال لا للشخص نفسه فقط بل لعموم المؤمنين، فتقيد الرواية الأولى وتكون (إنَّمَا) فيها للحصر الإضافي دون الحقيقي، والغريب ان الشيخ روى بنفسه، بعد صفحتين من الرواية الأولى، رواية صريحة في ذلك والظاهر انه قد غفل حين روايته الرواية الأولى عنها وإلا لوجب ان يقيدها بها ولا يلتزم بـ(ولكن الأقوى هو الأوّل؛ لعموم...)([3])

قال الشيخ: (نعم، لو خاف على بعض المؤمنين جاز له قبول الولاية المحرّمة، بل غيرها من المحرّمات الإلهية التي أعظمها التبرّي من أئمة الدين؛ لقيام الدليل على وجوب مراعاة المؤمنين وعدم تعريضهم للضرر مثل ما في الاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام: قال: ((وَإِنْ أَنْتَ تَبْرَأُ مِنَّا بِلِسَانِكَ وَ أَنْتَ مُوَالٍ لَنَا بِجَنَانِكَ لِتُبْقِيَ عَلَى نَفْسِكَ رُوحَهَا الَّتِي بِهَا قِوَامُهَا وَمَالَهَا الَّذِي بِهِ قِيَامُهَا وَجَاهَهَا الَّذِي بِهِ تَمَاسُكُهَا وَتَصُونَ مَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ وَعَرَفْتَ بِهِ مِنْ أَوْلِيَائِنَا وَإِخْوَانِنَا وَأَخَوَاتِنَا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ بشِهُوُرٍ أَوْ سِنِينَ إِلَى أَنْ تَتَفَرَّجَ تِلْكَ الْكُرْبَةُ وَتَزُولَ بِهِ تِلْكَ النَّقِمَةُ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ تَتَعَرَّضَ لِلْهَلَاكِ وَتَنْقَطِعَ بِهِ عَنِ الْعَمَلِ فِي الدِّينِ وَصَلَاحِ إِخْوَانِكَ الْمُؤْمِنِينَ

وَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ تَتَعَرَّضَ لِلْهَلَاكِ أَوْ أَنْ تَتْرُكَ التَّقِيَّةَ الَّتِي أَمَرْتُكَ بِهَا فَإِنَّكَ شَائِطٌ بِدَمِكَ وَدِمَاءِ إِخْوَانِكَ مُعَرِّضٌ لِنِعَمِكَ وَنِعَمِهِمْ لِلزَّوَالِ مُذِلٌّ لَهُمْ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ دِينِ اللَّهِ وَقَدْ أَمَرَكَ اللَّهُ بِإِعْزَازِهِمْ فَإِنَّكَ إِنْ خَالَفْتَ وَصِيَّتِي كَانَ ضَرَرُكَ عَلَى نَفْسِكَ وَإِخْوَانِكَ أَشَدَّ مِنْ ضَرَرِ النَّاصِبِ لَنَا الْكَافِرِ بِنَا))([4]))([5]) فصريح الحديث ان التقية لوقاية النفس والمال والجاه للشخص نفسه (لتبقي على نفسك) وللمؤمنين (وتصون من عرف...) ثم أكّد الإمام عليه السلام كونها لاحدى الوجوه الثلاث بقوله ((فَإِنَّكَ شَائِطٌ بِدَمِكَ وَدِمَاءِ إِخْوَانِكَ مُعَرِّضٌ لِنِعَمِكَ وَنِعَمِهِمْ لِلزَّوَالِ مُذِلٌّ لَهُمْ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ دِينِ اللَّهِ)).

وبضم هذه الرواية التي اعتمد عليها الشيخ إلى الرواية الأولى يكون المفاد هكذا: (إنما جعلت التقية لتحقن بها الدماء والأعراض (وهي الجاه) والأموال لنفسك وللمؤمنين) فيجب حفظ أعراض وأموال المؤمنين عبر التقية.

 

فالباب باب التزاحم لا التعارض

ثم ان التقية على نفسه وعلى غيره (في عِرضيهما أو ماليهما أو نفسيهما أو بالاختلاف) لو تدافعت كان من باب التزاحم لا التعارض لكونها جميعاً مصاديق الرواية وكأفراد كُلّيّها فلا يعقل التعارض([6])، إضافة إلى انه لا تكاذب بل هناك أمر بكليهما (حفظ مال غيره، وحفظ مال نفسه.. وهكذا) ولكليهما ملاك هو كونه مالاً له أو عرضاً له أو نفساً – فهذا ثابت – فهو التزاحم فيجب تقديم الأهم منهما فلو دار الأمر بين ان يتقي على نفسه فيُظهر انه سني مثلاً مثلاً ليحفظ ديناراً له أو ليحفظ عرضه من سبّة أو كلمة خشنة في الخلأ أو ان يتقي على أخيه المؤمن([7]) ليحفظ مليون دينار له أو ليحفظ عرضه من إذلاله أمام ألوف فيجب تقديم الأهم.

والحاصل ان الرواية ناطقة بتعدد الأغراض من التقية، وبان ملاكها حفظ الدماء والأعراض والأموال، فإذا حدث تدافع بين مصداقي الغرض والملاك (فيه وفي غيره) كان من التزاحم الذي المرجعية فيه للأهم والمهم.

 

الأغراض الثلاثة في الرواية هي لا بشرط عن الآخر

لا يقال: الأغراض الثلاثة هي بشرط شيء فلو اجتمعت وجبت حينئذٍ التقية.

إذ يقال: كلا؛ إذ ان الأصل – أي القاعدة – في الاغراض المعطوفة بالواو، المترتبة على الأمر المولوي، ان كلّا منها واجب التحصيل بنفسه وانه عامل مستقل لامتثال الأمر؛ ألا ترى انه لو قال له أذهب إلى صديقك كي لا يضربوه ولا يسرقوا ماله، فذهب ورجع ولم يدافع عنه حتى ضربوه، ولما رجع اعتذار بانهم أرادوا ضربه فقط لا ضربه وأخذ ماله، وانه لم يكن الأمر ظاهراً في ان كلّا منهما علة مستقلة لوجوب الدفاع عنه!، ألا ترى ان العقلاء لا يرونه معذوراً أبداً؟.

سلّمنا، لكنّ قرينية المادة ومناسبات الحكم والموضوع وارتكازية كون كل منها علة للأنقياد والامتثال، دليل قطعي على ان كلّا منها لا بشرط علة تامة لوجوب التقية وليس بشرط شيء (أي بشرط تحقق الآخَرَين)

بل نقول: ان الشيخ أيضاً مسلّم لذلك لتصريحه بـ(لقيام الدليل على وجوب مراعاة المؤمنين وعدم تعريضهم للضرر) وهو صريح في الأعم من الثلاثة وقوله بعدها (لكن لا يخفى أنّه لا يباح بهذا النحو من التقيّة الإضرار بالغير؛ لعدم)

إضافة إلى ما سبق فان الرواية صريحة في كون الثالث علة مستقلة (فَإِنَّكَ شَائِطٌ بِدَمِكَ وَدِمَاءِ إِخْوَانِكَ مُعَرِّضٌ لِنِعَمِكَ وَنِعَمِهِمْ لِلزَّوَالِ مُذِلٌّ لَهُمْ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ دِينِ اللَّهِ وَقَدْ أَمَرَكَ اللَّهُ بِإِعْزَازِهِمْ)([8]) فلاحظ قوله عليه السلام (وَقَدْ أَمَرَكَ اللَّهُ بِإِعْزَازِهِمْ) واما الدم فواضح أمره ولا يعقل كون المال – وهو بينهما – بشرط شيء دونهما، فتدبر.

وبعبارة أخرى([9]): ان الشيخ اما ان يرى الأمر من باب التزاحم أو يراه من باب التعارض:

فعلى الأول، فاللازم الترجيح بالأهمية.

وعلى الثاني، فيتعارضان في مورد الاجتماع (كلما تدافعت تقيته عن نفسه مع تقيته عن غيره) ويتساقطان وحيث تساقطا لا يرجع إلى التخيير كأصل ثانوي وذلك لوجود عام فوقاني حاكم وهو عمومات حرمة التصرف في مال الغير أو عرضه أو نفسه فلو فرض القول بتعارض لا ضرره مع لا ضرر جاره أو تقيته مع تقيته تساقط وجوبهما ورجعنا إلى حرمة الإضرار بالغير وعموم أدلة وجوب الدفاع عن المؤمن وحفظه، فتدبر.

 

التزاحم ظاهرٌ في ارتكاز الشيخ

بل نقول: ان كون الباب من التزاحم (أي ان لكل منهما ملاكاً) ظاهر في ارتكاز الشيخ إذ يتجلى في ثنايا ما كتبه مكرراً فانه، إضافة إلى ما سبق نقله عنه، قال: (لأنّ المفروض تساوي من أُمر بالإضرار به و من يتضرر بترك هذا الأمر، من حيث النسبة إلى المأمور، مثلًا لو أُمر الشخص بنهب مال مؤمنٍ، و لا يترتب على مخالفة المأمور به إلّا نهب مال مؤمنٍ آخر، فلا حرج حينئذٍ في تحريم نهب مال الأوّل، بل تسويغه لدفع النهب عن الثاني قبيح، بملاحظة ما علم من الرواية المتقدّمة من الغرض في التقيّة، خصوصاً مع كون المال المنهوب للأوّل أعظم بمراتب، فإنّه يشبه بمن فرّ من المطر إلى الميزاب)([10]).

فلاحظ قوله: (لأنّ المفروض تساوي من أُمر بالإضرار به و من يتضرر بترك هذا الأمر).

ولاحظ قوله: (بل تسويغه لدفع النهب عن الثاني قبيح) فان القبح حكم العقل ومرتكز العقلاء والمتشرعة وهو إقرار بالملاك الذي يدركه العقل، وهو ما أشكلنا به عليه من ان حكمه قدس سره بتسويغ الإكراه (ولو كان بكلمة خشنة) لارتكاب العظائم قبيح، ولولا انه يرى انه صريح حكم العقل لورد عليه ان ملاكات الأحكام لا نعلمها بتمامها فكيف يستدل بالقبح؟

بل لاحظ قوله: (بملاحظة ما علم من الرواية المتقدّمة من الغرض في التقيّة) وقوله: (خصوصاً مع كون المال المنهوب للأوّل أعظم بمراتب، فإنّه يشبه بمن فرّ من المطر إلى الميزاب) فانه صريح في انه يرى ثبوت الأمر والملاك وان الأهم مقدم، ثم انه كيف رأى المقام يشبه من فرّ من المطر إلى الميزاب ولم ير ان ما التزمه سابقاً كذلك إن لم يكن اسوأ!([11]) وللبحث تتمة.

 

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ((الْعِلْمُ مَقْرُونٌ إِلَى الْعَمَلِ فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ وَمَنْ عَمِلَ عَلِمَ وَالْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا ارْتَحَلَ عَنْهُ))

(الكافي، ج1 ص44).

 

 

----------------------------------------

([1]) لنفسه ولغيره من المؤمنين.

([2]) الشيخ الطوسي، التهذيب، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج6 ص172.

([3]) الشيخ مرتضى الانصاري، ط / تراث الشيخ الأعظم، ج2 ص86-87.

([4]) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، نشر المرتضى – مشهد، 1403هـ، ج1 ص238.

([5]) الشيخ مرتضى الانصاري، ط / تراث الشيخ الأعظم، ج2 ص90-91.

([6]) إذ لا يعقل ان يكذّب الحديث نفسه.

([7]) بان يظهر انه شيعي فينشغلوا به فيهرب صاحبه بمليونه، ويُصادر ديناره هو مثلاً، أو بإخباره فيهرب فيعرفوا انه المخبر فيعاقبوه بمصادرة ديناره أو بصفعه بدل قطع يد ذلك المؤمن مثلاً.

([8])  الشيخ مرتضى الانصاري، ط / تراث الشيخ الأعظم، ج2 ص91.

([9]) سبق نظيرها ولكنا نعيدها نظراً لوجود إضافة هامة.

([10]) الشيخ مرتضى الانصاري، ط / تراث الشيخ الأعظم، ج2 ص91- 92.

([11]) إذ يفرّ من مجرد صفعةٍ أو كلمة خشنة إلى ميزاب هتك عرض المؤمنات وتعذيب العلماء!!.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3351
  • تاريخ إضافة الموضوع : السبت 21 ربيع الثاني 1440 هـ
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 08 / 19