• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : دراسات وقراءات .
              • الموضوع : عمارة الأرض في ضوء بصائر قرآنية .

عمارة الأرض في ضوء بصائر قرآنية

عمارة الأرض في ضوء بصائر قرآنية

اعداد: السيد نبأ الحمامي

قال تعالى (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ)[1]
في الآية الكريم بصائر متعددة, نشير الى بعضها:

البصيرة الأولى: إنارات من فقه اللغة في الآية الكريمة
الإنارة الأولى: تعليل العبادة بمنة الإنشاء والاستعمار
ان قوله تعالى(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) كأنه واقع موقع التعليل[2], لقوله تعالى(اعْبُدُوا اللَّهَ) [3]
وذلك هو مقتضى القاعدة؛ فإنَّ أصل خلقة الإنسان من الله هو بنحو العلة المحدثة, وعمره وامتداده أو عمرانه للأرض[4] من الله وبإذنه وإقداره للناس على ذلك بتوفير مختلف الآلات الممكّنة للعباد من ذلك هو بنحو العلة المبقية[5].

الإنارة الثانية: في احتمالات معنى(اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)
الاحتمال الأول: أنه تعالى طلب منكم العمر والحياة والبقاء فيها, بأن تتمسكوا بعوامل البقاء من الحفاظ على الصحة والأمن وغير ذلك من الأمور التي لها دخل في البقاء والحياة[6][7]

الاحتمال الثاني: طلب عمرانكم لها بصنوف العمران وألوان الإعمار[8]
وهذا المعنى هو الأرجح, لدلالة قوله تعالى(استعمركم) على طلب العمران[9].
الإنارة الثالثة: استعمار جميع الأفراد أو مجموعهم لجميع الأراضي أو مجموعها
والمراد من (الجميع) الآحاد, أي كل فرد فرد من أفراد البشر, وكل قطعة قطعة من الأرض.
والمراد من (المجموع) الهيأة الاجتماعية للأفراد, بحيث يكون كل فرد من الأفراد جزءا مشاركا في العمل, وكل قطعة من قطع الأرض جزءا من خطة إعمارية متكاملة شاملة.
والآحاد, مثل : زيد وبكر وعمرو.
والمجموع, مثل: الحزب والعشيرة والنقابة والشعب والأمة
وبذلك تكون المحتملات أربعة, بحسب الحالات المذكورة:
1- كل فرد فرد من الأفراد يعمر كل قطعة قطعة من الأرض.
2- كل فرد  فمن الأفراد يعمر مجموع قطع الأراضي. ويتصور هذا المحتمل بأن يشارك كل فرد في إعمار قطع من الأراضي.
3- مجموع البشر يعمرون كل قطعة قطعة. بحيث تساهم هذه المجاميع البشرية في إعمار كل قطعة من الأراضي.
4- مجموع البشر يعمرون مجموع الأراضي. بحيث تتشارك المجاميع البشرية في المساهمة بإعمار مجموع الأراضي.
ومن الواضح أن إعمار الأرض على النحو الأرجح يكون بوضع خطة عمرانية متكاملة شاملة, بحيث يكون كل عمل وإعمار متكاملا مع العمل والإعمار الآخر على نحو تكون مخرجات تلك الخطة مدينة متكاملة تستوعب كافة الحاجات, وبالتالي تكون هذه الخطة العمرانية هي المصداق الأجلى للعمران والاستعمار في قوله تعالى(واستعمركم فيها)

البصيرة الثانية: إنارات أصولية في الآية الكريمة.
الإنارة الأولى: هل تدل مطلوبية العمران في الآية على الوجوب
قد يستظهر من الآية الكريمة أن (عمران الأرض والبلاد) هي من غايات خلقة الإنسان على الأرض, وأن عمرانها راجح شرعا ومحبوب لله تعالى ومطلوب له[10], فيمكن – على ضوء ذلك - أن نقصد بإعمارها – بالزراعة والبناء وغير ذلك – القربة الى الله تعالى, فتكون عبادة نستحق لها الأجر والثواب[11]. وذلك لأن قوله تعالى(استعمركم) يدل على طلب العمران, كما تقدم, ومن الواضح أن طلب المولى الحكيم من عبيده شيئا, دليل على محبوبيته لديه, وعلى حسنه, بل وعلى وجود المصلحة فيه, فإن الأحكام ونظائرها[12] تابعة لمصالح ومفاسد في المتعلقات.
وبعد البناء على كون عمران الأرض راجحا ومطلوبا شرعا, هل يمكن القول إنها تدل على الوجوب؟
إذ يمكن أن يقال: بأن المطلوبية والرجحان أعم من الوجوب والاستحباب, وكما يتعلق الطلب بالوجوب, يتعلق بالاستحباب أيضا, غاية ما هنالك أن الوجوب طلب مع قيد المنع من الترك, والاستحباب طلب من دون ذلك القيد.
ويمكن الاستدلال على دلالة صيغة الطلب[13]على الوجوب بالوجوه التي استدل بها عدد من الأصوليين على دلالة صيغة الأمر على الوجوب, فبناء على مبناهم في الأمر واستدلالهم عليه يتم الاستدلال ههنا على وجوب امتثال طلب المولى ولزوم تحقيق مطلوبه[14].
والوجوه, بعد تطويرها بما يتناسب مع الطلب, هي:

الوجه الأول: بالإطلاق ومقدمات الحكمة.
وهو ما ذهب إليه المحقق العراقي في الأمر, إذ يمكن القول بنظيره في الطلب, وهو: ان الطلب – وكذا الأمر - تابع للإرادة ونابع منها, فإن الشخص إذا أراد شيئا طلبه. ولما كانت الإرادة درجات, فمنها الشديد ومنها الضعيف, فكذلك الطلب:
1- فالطلب الشديد يفيد الوجوب. وهو بسيط غير مركب, فإن ما به الامتياز هو عين ما به الاشتراك, فليس محدودا بحد زائد على الإرادة نفسها, وبالتالي لا يحتاج الى إلى إقامة قرينة عليه, بل الطلب بنفسه - من دون قرينة على الخلاف – يدل على الشديد منه.
2- أما الطلب الضعيف فيفيد الاستحباب. وهو مركب من الإرادة(الطلب) مع حد عدمي, أي (الطلب زائدا عدم الشدة), وذلك لأن الضعف مزيج من الشيء والعدم.
فإذا أراد الطلب الضعيف, لزم أن يقيم عليه القرينة, على العكس من الطلب الشديد, فإذا كان الطلب مجردا عن القرينة تمت مقدمات الحكمة, إذ الفرض أن المتكلم في مقام البيان, ولم يقم قرينة على الخلاف[15], وليس هناك قدر متيقن في مقام التخاطب. وبذلك يدل الطلب, المجرد عن أية ضميمة, على الوجوب, وتدل الإرادة بإطلاقها على الرتبة الشديدة منها, المنطبقة على الوجوب[16].

الوجه الثاني: بحكم العقل.
بمعنى أن مقام المولوية يقتضي وجوب الامتثال. فإن الطلب إذا كان من المولى, دل - عقلا – على الوجوب, استنادا الى قرينة مقام المولوية والعبودية, فإن مقام العبودية يقتضي تحقيق ما يطلبه المولى منه, ما لم يرخص في الترك[17].

الوجه الثالث: بالانصراف.
أي ان الطلب منصرف الى الطلب الوجوبي, وإن كان موضوعا  للأعم من الطلب الوجوبي والندبي. ويدل على هذا الانصراف صحة معاقبة المولى العبد اذا لم يمتثل طلبه, وليس له أن يتعلل بكونها موضوعة للأعم. فتأمل[18][19]

البصيرة الثالثة: إنارات أخلاقية في الآية الكريمة.
الإنارة الأولى: الآثار المترتبة على استفادة استحباب إعمار الأرض من الآية.
يمكن على القول بالملازمة بين مطلوبية الشيء للشارع وبين استحبابه[20], استفادة استحباب (إعمار الأرض), وصحة قصد القربة بإعمارها, من الآية الكريمة, أما قصد القربة فإن أمره أهون لبداهة صحة قصد التقرب الى المولى في كل ما ثبتت مطلوبيته له[21].
ويترتب على ثبوت الاستحباب لعنوان(إعمار الأرض):
1- إمكانية التقرب بكل ما يصدق عليه هذا العنوان, من زراعة وري وشق جداول وتعبيد الطرق وإصلاحها وبناء الجسور وإنشاء المصانع وغيرها, إضافة الى إعمارها بالمساجد والحسينيات والمكتبات والمدارس والمستشفيات وما شاكل ذلك, وقبل ذلك إعمارها بالعبادة.
وما ذكرناه إنما هو مبني على صدق (الإعمار) عرفا, وبالحمل الشائع, على ذلك ونظائره, وإذا كان هناك انصراف الى بعضها فهو بالنظر البدوي. فتأمل[22].
2- الآثار التربوية الناشئة من تحقق عبادية الأعمال. إذ يمكن لكل إنسان انشغل بنوع من أنواع  (إعمار الأرض) أن يقصد القربة, فتتحقق عبادية تلك الأعمال, وتكون – حينئذ – روابط للبشرية الى الله تعالى, ويكون حالها كحال بقية العبادات, فكما أن الصلاة هي حلقة ربط بالله تعالى, مذكرة به, كذلك تكون الزراعة والصناعة وسائر الأعمال, حين يقصد العامل بها قاصدا القرب الى الله تعالى. وكما أن هناك تفاوتا في درجات ثواب المتقرب الى الله تعالى بالعبادة – من صلاة وصيام وحج وغيرها –  فإن التفاوت ثابت أيضا في مقدار ثواب المتقرب الى الله تعالى بأعمال (إعمار الأرض).
2- أن يكون ذلك دافعا وحافزا للتمدد والتطور العمراني. إذ ان اكتساب (إعمار الأرض) لصفة العبادة بقصد القربة بها, يشكل عاملا محركا ومحفزا للناس المؤمنين في شتى بقاع الأرض للعمل في إعمار الأرض, إضافة لما يحققه الإعمار من رفع للمستوى الاقتصادي لهم.

البصيرة الرابعة: إنارات فقهية في الآية الكريمة
الإنارة الأولى: الأنواع الستة للفقه وموقع فقه الغايات منها.
(لكي يتضح لنا موقع الآيتين الكريمتين – آية الاستعمار وآية بسط الرزق – من (فقه الحياة)، يحسن بنا أن نلقي نظرية سريعة على بعض أنواع الفقه، ونركز الضوء على نوع واحد منها, له علاقة بالآية موضع البحث, فإن (الفقه) [23] يتنوع إلى أنواع مختلفة جداً وهي تتراوح بين المشهور منها والمأثور وبين المهمل منها والمهجور, والأنواع هي:
الأول: فقه الواجبات والمحرمات وسائر الأحكام التكليفية الخمسة[24]. إضافة إلى الأحكام الوضعية كالملكية والزوجية والقضاوة وكالجزئية والشرطية والمانعية وغيرها، وهو الذي تمحورت حوله المئات من الكتب الفقهية بدءاً من الموسوعات الكبرى كالمسالك والجواهر والفقه وانتهاءً بالرسائل العملية..
وهذا النوع من الفقه هو الذي يهتم بتحصيل الأحكام الشرعية الفرعيّة[25] من أدلتها.

الثاني: فقه المقدمات[26]
وهو الفقه الذي تمحورت حوله إحدى أهم مسائل علم الأصول في مبحث مقدمة الواجب[27]
حيث قسمت الى مقدمة العلم, ومقدمة الوجود, ومقدمة الوجوب, ومقدمة الصحة, والى المقدمة الموصلة, وغيرها[28]
ولم تتطرق كتب الفقه إلا لبعض المقدمات كالمشي إلى زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) وكالمشي في الأرض المغصوبة لإنقاذ الغريق. وبقيت مقدمات كثيرة تحتاج إلى بيان حكمها في كتب الفقه، بعد الفراغ عن المبنى العام الأصولي للفقيه[29].

 ومن تطبيقات هذا النوع من الفقه:
● حكم ما إذا كان زواج الرجل المؤمن من المرأة المخالفة يؤدي إلى تسنّنه[30]، فهل هذا  الزواج حرام؟ وعلى فرض الحرمة فهل هو باطل؟
● حكم الدراسة في الجامعة أو العمل في الشركة الذي يؤدي إلى الاختلاط المحرم، أو إلى الوقوع في الزنا لا سمح الله، أو إلى الانضمام لإحدى الفئات الضالة، فهل يحرم مطلقا أو يجوز مطلقاً أو نقول بالتفصيل؟
والتفصيل من وجوه:
- بين صورة القطع أو الظن المعتبر بأداء ذلك لذلك[31]، وبين صورة الاحتمال – على درجاته[32]؟
وبين المقدمة الموصلة وغيرها؟ وبين ما يسلب الاختيار[33] وما لا يسلبه أي المقدمات التوليدية والاعدادية[34], حسب مصطلح الميرزا النائيني.
● حكم امتناع الزوجة عن التبرج والسفور بأمر زوجها، وكان ذلك الامتناع يؤدي إلى طلاقه لها وضياع أطفالها. فهل يجوز لها – حينئذ - التبرج ؟ أو يحرم؟ أو يجب؟
 بحسب اختلاف درجات ذي المقدمة ودرجات السفور والاختلاف؟
● حكم الحديث مع الأجنبية في وسائل التواصل الاجتماعي إذا كان يؤدي، أو يحتمل ان يؤدي، إلى وقوعه في الحرام.
فهل هذا الحديث والحوار حرام مطلقاً؟ أو إذا ظن الوقوع في الحرام أو حتى لو احتمل؟ أو لا حرمة إلا على المؤدى إليه نفسه؟.
● حكم ما إذا كان الزواج بالثانية يؤدي إلى ظلم الأولى أو ظلم الأولاد؟
نعم, تطرق بعض الفقهاء للإجابة عن بعض أو أكثر تلك الأسئلة، في أجوبتهم على الاستفتاءات.
ومن الواضح ان ذلك كله يبتني على مباحث أصولية كـ: مقدمة الواجب ومقدمة الحرام، والتجري، والتزاحم بين المقدمة وذيها، إلا ان الكلام في ذكر تطبيقاتها ومصاديقها في الفقه؛ لأن العامي عاجز عن رد الفروع إلى الأصول وعن تشخيص ان هذا المصداق صغرى لأية كبرى أصولية.

الثالث: فقه الملازمات
وهو الفقه الذي تمحورت مسائله حول قاعدة الملازمة بأطرافها الأربعة[35]:
1- كلما حكم بحسنه العقل حكم بحسنه الشرع، وكلما حكم بقبحه العقل حكم بقبحه الشرع.
2- كلما حكم بوجوبه العقل حكم بوجوبه الشرع.
3- كلما حكم بحسنه أو قبحه الشرع حكم بحسنه أو قبحه العقل.
4- كلما حكم بوجوبه الشرع حكم بوجوبه العقل[36].
فهذه القواعد الأربع بهذه الصياغة هي الصحيحة، وليس من الصحيح وجود ملازمة بين حكم العقل بالقبح وحكم الشرع بالحرمة أو حكمه بالحسن وحكم الشرع بالوجوب كما أدعاه المشهور[37].

الرابع: فقه المقارنات
والمقصود بالمقارنات ما اقترن بالموضوع متزامنا معه، سواء أكان اقترانه في ظرف دون ظرف أو حالة دون أخرى، أم كان اقترانه دائمياً من دون ملازمة ذاتية بينهما بل كان لسبب خارج.
ومن تطبيقات هذا النوع من الفقه:
● حكم النظر في الصلاة إلى الأجنبية. وقد ذكر الفقهاء حكمه وانه حرام لكنه غير مبطل للصلاة.
● حكم الصلاة في ثوب غصبي أو في مكان مغصوب. وقد فصَّل الفقهاء الكلام حوله بصُوَرِه المختلفة من العلم أو الجهل بالحكم أو الموضوع، قصوراً أو تقصيراً.
ولكن: ما حكم الصلاة إذا كان قد غرس سناً مغصوبة أو زرع كلية مسروقة؟
● حكم المطالعة أو الانشغال بأي عمل آخر متزامناً مع قراءة قارئ للقرآن الكريم ولو عبر احدى الأجهزة، فهل هو حرام استناداً إلى قوله تعالى (وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ)[38] أم مكروه في غير الصلاة. وقد ذكر الفقهاء حكمه.
● حكم اقتران الوضوء أو الغسل بالإسراف فهل هو باطل؟
ومما لم يذكروه عادةً:
● حكم الانشغال بالصلاة أو الدراسة متزامناً مع ظلم ظالم لشخصٍ، فهل تحرم مطلقاً؟ أو لا مطلقاً؟ أو بالتفصيل بين درجات الظلم بدءً من ضربِهِ ابنَه ضرباً خفيفاً وصولاً إلى قتل النفس المحترمة؟
● حكم اقتران طلب العلم بالعجب أو الرياء؟ أو اقتران العمل بترك حقوق الزوجة أو الأبوين مثلاً؟
● حكم اقتران الإطعام بالإسراف والتبذير، كما في بعض الاحتفالات أو المجالس أو الأعراس، فما هو حكم هذا الاحتفال أو المجلس أو العرس؟
● حكم تزامن عناية الطبيب بهذا المريض ورعايته مع إهمال المريض الآخر، في صورة عدم قدرة الطبيب على الجمع بين العنايتين؟
والأشكل من ذلك ما لو كان الجهاز - مثلاً -موصولاً بشيخ كبير مريض مشرف على الموت وجيء بشاب في حالة خطرة بحيث لو وصل الجهاز به ضمنّا حياته، فهل يجوز فصل الجهاز عن الأول المؤدي ذلك إلى موته قبل أوان موته بدقائق مثلاً؟[39]
وقد يقال ان فصل الجهاز مقدمة لإنقاذ الشاب لكن إبقاءه مقارن لموت الآخر وقد يعد هو أيضاً مقدمة. فتأمل[40]
● اقتران الجهاد بغصب بيوت الناس لإسكان الجيش فيها مثلاً، وذلك في حالة عسر الجهاد بدون ذلك[41], لا في حالة تعذره لوضوح الحكم حينئذٍ، أو في حالة الجهل بالأهم منهما؟.
وكل ذلك مما يتفرع على المسألة الاصولية المعروفة وهي ان الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده الخاص أم لا؟ وعلى مسألة التزاحم والأهم والمهم، وقد بُحثت كلياتها وأصولها في الاصول، إلا ان الكلام عن المصاديق وأحكامها, إذ كثيراً ما يجهل العامي بل حتى بعض الفضلاء اندراج هذه الصغرى والمسألة في أية كبرى أو تفرعها على أي أصل.

الخامس: فقه الغايات.
والمراد فقه الأغراض والأهداف، وهو ذات فقه مقاصد الشريعة[42].
ومقاصد الشريعة, هي ما شُرعت مجموعة من التشريعات للمحافظة عليها
وما يذكر في الآيات الآتية التي تعد من آيات فقه المقاصد أو فقه الغايات هي على نحو الحكمة والمقتضي والعلة الغائية. لا على نحو العلة التامة التي يدور الحكم مدارها وجودا وعدما. وعليه, فلا بد من ملاحظة الأدلة في كل مورد من الموارد.
من موارد تطبيق فقه الغايات في الكتاب العزيز:

الآية الأولى: قال تعالى (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)[43]
يستفاد من الآية الكريمة واحدة من الغايات المطلوبة للشارع المقدس, وهي (حفظ الأرض من الفساد), وذلك عن طريق (دفع الله الناس بعضهم ببعض).
ولهذه القاعدة جنبة تكوينية, وجنبة تشريعية:
أما الجنبة التكوينية: فإن قاعدة (دفع الله الناس بعضهم ببعض) هي جوهر ومحور الحياة الديمقراطية الحديثة, ذلك أن (التعددية) و(التنافس الإيجابي) و(التداول السلمي للسلطة) ونظائرها, تعود الى قاعدة (دفع الله الناس بعضهم ببعض) [44]
ولولا ذلك لاستبد الحزب الحاكم بالأمور كلها, لكن الله يدفع بعض الناس ببعض:
1- ففي الحكومات الديمقراطية. يدفع قوة السلطة بقوة مراكز الضغط, أي اللوبيات[45], كما يدفع قوة السلطة التنفيذية بالسلطة الإعلامية, وبالسلطة القضائية المستقلة.
2- في السلطات المستبدة. عن طريق تحجيم سلطات حكام البلاد المستبدة بقوة حكم آخر في بلاد أخرى.
كما قد تُدفع قوة الجيش الذي يستند عليه المستبدّون بقوة العشائر التي تستند الى المرجعيات الدينية ومؤسسات المجتمع المدني.
وأما الجنبة التشريعية: فيستفاد من القاعدة القرآنية (دفع الله الناس بعضهم ببعض), أن حفظ الأرض من الفساد هو من غايات الشريعة[46], ولذلك دفع الله الناس بعضهم ببعض تكوينا كي لا تفسد الأرض.
ويتفرع كذلك على هذه الغاية من الناحية التشريعية, حرمة كل شكل من أشكال (الإفساد في الأرض), ومنها:
1) (إفساد البيئة), كإحراق الغابات أو قطع أشجارها بدون ضابطة علمية, حتى لو لم تخل – فرضا – بالحياة الحيوانية.
2) القيام بالتفجيرات في الصحاري المؤدية الى إفسادها.
3) العبث بالتوازن البيئي في البحار أو القرى والأرياف, وغيرها.
فكل ذلك من مصاديق (الإفساد في الأرض). وهو ما بين محرم قطعا, ومكروه قطعا, وما بينهما مما يحتاج الى مزيد من التثبت والدراسة والتمحيص.

الآية الثانية. قوله تعالى (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)[47].
الآية الكريمة وإن كانت تتكلم عن تقسيم الفيء إلا أن الغاية التي ذكرتها  (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِياءِ مِنْكُمْ) يمكن الاستفادة منها مرجوحية تركز الثروة في جهة وحرمان بقية الجهات ومنها الطبقة الحاكمة . وبالتالي سعى الإسلام في تشريعاته الى تحقيق هذه الغاية, فحرمت بعض الممارسات التي تؤدي الى جعل المال (دولة بين الأغنياء) كالاحتكار[48], واكتناز النقود, والفوائد الربوية وعدم إخراج الحقوق المالية الشرعية كالخمس والزكاة والكفارات, فضلا عن بخس الحقوق المالية الشخصية لأفراد المجتمع, وجعلت أخرى مكروهة, كترك الصدقة المستحبة أو الهبات والهدايا، وشرعت الإرث الذي تقسم التركة بموجبه غالبا على عدد من الأقرباء الورثة, فهو يفتت الثروات باستمرار ويحول دون تكدسها عن طريق تقسيمها على الأقرباء، وفقاً لما تقرره أحكام الميراث[49].

الآية الثالثة: قوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ).[50]
وهي من آيات فقه الغايات والمقاصد التي أسهب الفقهاء في البحث عنها في القواعد الفقهية[51], وفي الأصول بنحو الاستطراد. ومؤداها رفع التكاليف المؤدية الى العسر[52]
فما كان فيه مشقة تأتي قاعدة اليسر وترفعه, وليس مطلق المشقة, وإلا لم يجب أي تكليف فيه نوع مشقة[53].

الآية الرابعة: قوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [54][55].
فتطهير الناس وتزكية الأنفس والسكن هي من الغايات المطلوبة للشارع الأقدس[56].
وهي – في الوقت ذاته – من النتائج التكوينية لدفع الصدقات. ولذا كانت هذه الآية الكريمة مصداقا لفقه الغايات ولفقه المآلات.

الآية الخامسة: قال تعالى (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [57]
والمقصود من (الحجة), ما يحتج الله تعالى به على خلقه, فلا يكون للناس على الله حجة[58], وهم الأنبياء والمرسلون, وكذلك الأئمة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)[59].
وقد روي ذلك عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه, حيث قال : إنَّ الله تبارك وتعالى طهّرنا وعصمنا وجعلنا شهداء على خلقه وحجّته في أرضه وجعلنا مع القرآن وجعل القرآن معنا لا نفارقه ولا يفارقنا[60].

الآية السادسة: قال تعالى(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)[61]
والفتنة سواء فسّرت بالشرك, كما دلت عليه بعض الروايات[62], أم بمعنى الفتنة والفوضى واختلال النظام والهرج والمرج, مما تحتاج في حدودها وبيان معالمها ومصاديقها إلى كتب علمية مفصلة. فتأمل[63]
ومن التفسير بالمصداق تفسيرها بالحركات الإلحادية[64], أو تلك التي تروج للشذوذ الأخلاقي, أو تدعو الى دعم الحركات الإرهابية[65].

الآية السابعة: قوله تعالى(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[66][67].
فالحياة في دائرة فقه الغايات, وذلك مما يفتح بابا واسعا على تحديد حكم مختلف العوامل التي تقضي على بعض مصادر الحياة, كتجفيف مصادر المياه وتحويل مساراتها بما يقضي على حياة أراض زراعية شاسعة أو على حياة حيوانات المنطقة[68].
وزيادة انبعاث الغازات السامّة, كأول أوكسيد الكربون وغيره, مما قد يسبب ثغرة في طبقة الأوزون, أو قد يسبب انتشار أمراض وأوبئة كثيرة[69].
كما أن مثل هذه الآية قد تعد من الأدلة التي تشرع بموجبها القوانين التي تحافظ على أرواح الناس, كقوانين السير وقيادة المركبات وغيرها[70]

السادس: فقه والمآلات.
والمراد منه فقه النتائج التكوينية.
والفرق بينهما كبير وواضح؛ فان الغايات يراد بها الأهداف والأغراض للفاعل المختار أي الغاية والغرض من تشريعه هذا الحكم وسنّه هذا القانون في عالم التشريع، أو من هذا الفعل التكويني، في عالم التكوين.

ومن تطبيقات فقه المآلات:

الآية الأولى: قوله تعالى(وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ)[71]
في هذا النص القرآني نهي أن تضرب النساء بأرجلهن على الأرض حتى لا يظهر صوت الخلخال المخفي, وحتى لا يعلم انها متزينة بزينة ، ويستفاد من هذا النص ان كل زينة تتزين بها المرأة يجب ان تخفيها عن غير المحارم وان لا تُعلم بها أحداً من الآخرين.
والملفت في الآية الكريمة أنها تنهى بظاهرها عمّا يسبب مجرد علم الأجنبي بأنها تلبس خلخالا, فما بالك بمفاكهة الأجنبية الجلوس معها على مائدة واحدة والأكل سوية, مع أن ذلك في مظانّ الوقوع في الحرام بشكل شبه قطعي؛ إذ ينكشف – عادة – بعض يدها ورقبتها أثناء تناول الطعام[72]. كما أنه يكسر الحاجز النفسي للحياء مع الأجنبية, مما يعدّ من المقدمات القريبة أو البعيدة للوقوع  في الآثام[73].

الآية الثانية: قوله تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [74].
فان إذاقتهم لباس الخوف والجوع هو مآل كفرانهم لأنعم الله وليس انه غاية مطلوبة لله تعالى كما انها ليست هدفاً مطلوباً لهم ولا حتى مقصوداً. بل إن كفران الناس للنعم الإلهية يستتبع[75] أن يلبسهم الله لباس الخوف والجوع[76], وقد نرى تجسيدا لذلك المآل البشع, في الولادة المنحوسة للحركات الإرهابية والفوضوية, أمثال داعش والقاعدة والوهابية النواصب وما شابههم.
وكفران النعم له مظاهر عديدة, منه الإعراض عن مناهجه المثلى في العدل والإحسان والشورى والتعددية والإنصاف في المعاملات وغيرها؛ فإن مناهج الله تعالى هي من أعظم النعم, وكفرانها والإعراض عنها يؤدي الى ظهور هذه الحركات الهدّامة والفيروسات الخطيرة [77].

الآية الثالثة: قوله تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) [78]
فان بغيهم في الأرض هو نتيجة طبيعية لبسط الرزق للناس لكن بغيهم في الأرض ليس غاية لله تعالى أو غرضاً وهدفاً، بل ان حال الناس، غالباً أو كثيراً ما، هو كذلك أي انهم يطلبون بسط الله الرزق لهم من غير ان يقصدوا من ذلك ان يبغوا في الأرض ويطغوا (بل قد يكون مع قصدهم طاعة الله وعبادتهِ بذلك) لكن النتيجة الخارجية والمآل الثبوتي المستقبلي لبسط الرزق لهم هو البغي في الأرض.
وقد أشار الإمام الصادق(عليه السلام) الى هذه النتيجة الطبيعية(أي البغي في الأرض) لبسط الرزق, بقوله(عليه السلام) " لو فعل لفعلوا ولكن جعلهم محتاجين بعضهم إلى بعض واستعبدهم بذلك ولو جعلهم كلهم أغنياء لبغوا في الأرض"[79]
وربما كان بسط الرزق سببا طبيعيا للبغي في الأرض, لكنه ليس سببا مباشرا أو قريبا له, بل هناك أمور يمكن أن تكون أسبابا مباشرة أو قريبة للبغي في الأرض ومسببة عن بسط الرزق, وقد ذكر الشيخ الطبرسي عدة من هذه الأسباب القريبة الناتجة عن بسط الرزق, والمسببة للبغي في الأرض, منها: البطر والتنافس والتغالب. قال "لو وسع الرزق على عباده على حسب ما يطلبونه ، لبطروا النعمة ، وتنافسوا، وتغالبوا ، وظلموا في الأرض، وتغلب بعضهم على بعض ، وخرجوا عن الطاعة"[80]

الآية الرابعة: قال تعالى(فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)[81]
اللام في قوله تعالى(لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) هي لام العاقبة, وهو ما يؤول إليه الأمر. أي: ان عاقبة ومآل التقاط فرعون لموسى(عليه السلام) واتخاذهم لموسى ولداً بالتبنّي, أن أصبح لهم عدوا وحزنا. وليست هي لام الغاية والغرض, لأنهم التقطوه ليكون قرة عين كما قالت امرأة فرعون عند التقاطه " قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا "[82][83].
ولهذا الاستعمال نظائر في القرآن الكريم, وروايات المعصومين(عليهم السلام), وكلام العرب:
1- أما في القرآن الكريم, فقوله تعالى(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا) [84], والمراد ان امرهم بينهم يؤول إلى هذه وعاقبتهم تنتهي إليه لا لأن الله عز وجل جعلهم فيها ليعصوا ويمكروا وقوله (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) [85].
2- ومن روايات المعصومين ما روي عن الإمام أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قال: ملك ينادي كل يوم : ابن آدم لد للموت واجمع للفناء وابن للخراب "[86], أي إن ولادتكم عاقبتها الموت. وجمعكم من الدنيا عاقبته الفناء والنفاد, وبناؤكم عاقبته الخراب.
3- ومن كلام العرب يقال : " للموت ما تلد الوالدة " ، " ولخراب الدهر تبنى المساكن ، " والمراد بذلك كله العاقبة [87].
ولا يخفى انه يمكن ان تجتمع الغاية والمآل في مورد ما بل ذلك كثير إذ النسبة بينهما العموم والخصوص من وجه [88]، ومن ذلك آية الصدقة والتطهير وآية إخفاء الزينة فتدبر.

تطبيقات من فقه الغايات والمآلات من كلام المعصومين (عليهم السلام)
ومن كلامهم(عليهم السلام) في بيان لفلسفة التشريعات والغايات التي شرعت من أجلها, والعواقب والمآلات المترتبة عليها:
1- ما روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام), قال: فرض الله الإيمان تطهيرا من الشرك ، والصلاة تنزيها عن الكبر ، والزكاة تسبيبا للرزق ، والصيام ابتلاء لإخلاص الخلق ، والحج تقربة للدين، والجهاد عزا للاسلام ، والأمر بالمعروف مصلحة للعوام ، والنهي عن المنكر ردعا للسفهاء ، وصلة الرحم منماة للعدد، والقصاص حقنا للدماء ، وإقامة الحدود إعظاما للمحارم وترك شرب الخمر تحصينا للعقل ، ومجانبة السرقة إيجابا للعفة، وترك الزنا تحصينا للنسب، وترك اللواط تكثيرا للنسل ، والشهادة استظهارا على المجاحدات، وترك الكذب تشريفا للصدق ، والسلام أمانا من المخاوف ، والأمانة نظاما للأمة، والطاعة تعظيما للإمامة [89].
2- ما جاء في احتجاج فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) على القوم لما منعوها فدك, قولها(عليها السلام): فجعل الله الإيمان : تطهيرا لكم من الشرك ، والصلاة : تنزيها لكم عن الكبر ، والزكاة : تزكية للنفس ، ونماء في الرزق ، والصيام : تثبيتا للاخلاص ، والحج : تشييدا للدين ، والعدل : تنسيقا للقلوب ، وطاعتنا : نظاما للملة ، وإمامتنا : أمانا للفرقة, والجهاد : عزا للإسلام ، والصبر ، معونة على استيجاب الأجر ، والأمر بالمعروف : مصلحة للعامة ، وبر الوالدين : وقاية من السخط ، وصلة الأرحام : منساة في العمر ومنماة للعدد ، والقصاص : حقنا للدماء ، والوفاء بالنذر : تعريضا للمغفرة ، وتوفية المكائيل والموازين : تغييرا للبخس ، والنهي عن شرب الخمر : تنزيها عن الرجس واجتناب القذف : حجابا عن اللعنة ، وترك السرقة : إيجابا بالعفة ، وحرم الله الشرك إخلاصا له بالربوبية ، فاتقوا الله حق تقاته ، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون[90].

الإنارة الثانية: الجسر الرابط بين البحوث التفسيرية والفقهية التحليلية
من الجسور الرابطة بين البحوث التفسيرية ومباحث الفقه التحليلية, حرف (اللام), في مثل قوله تعالى(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)[91].
ولمعرفة المعنى المراد من (لكم), لا بد أن نتوقف في عملية استنباطية لاستنطاق مجموع الآيات والروايات والعقل لمعرفة دلالات (لكم).
إذ يمكن تصور استعمالات متعددة لحرف (اللام) في قوله تعالى(خَلَقَ لَكُمْ) كما استفاد الفقهاء من معاني (اللام) في قوله تعالى(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [92]
وقوله تعالى(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)[93].
وحيث أن الفقهاء لم يتصدوا لبحث دلالات (لكم) في الآية الشريفة, بينما تصدوا لبحث دلالاتها في آيتي الخمس والزكاة(الصدقات), فيمكن – حينئذ – من إقامة جسر رابط بين البحوث التفسيرية والبحوث الفقهية, ونستعين بالعمق الفكري والإبداع العلمي الذي تجلى في بحث الفقهاء للزكاة, في كيفية تعلق حق (الفقراء والمساكين..) بأموال الزكاة, فنستعير تلك المباحث الفقهية لنستثمرها في آية(خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا), بعد تكييفها وتطويرها بما يتناسب وطبيعة هذا البحث المغاير بالجوهر لذلك البحث, إلا أن الكثير من مباحثه ستثري البحث في الآية محل بحثنا.

وفي الآية الكريمة بحثان:
الأول: نوع (اللام).
● فإذا كانت هذه (اللام) للاستغراق والإشارة إلى الأفراد الخارجية, فيحمل المعنى على أن كل فرد فرد من أفراد الإنسان له حق في خيرات هذه الأرض.
● وإذا كانت (اللام) للإشارة إلى الجنس والطبيعة والماهية, من دون نظر للأفراد, فيحمل المعنى على أن مجموع الناس بما هو مجموع له الحق في خيرات هذه الأرض, أي على نحو الشأنية. وهو المعنى الذي استفاده الفقهاء.
الثاني: معنى (اللام).
ان مما لا شك فيه أن للفقراء حقا في أموال الأغنياء التي تعلقت بها الزكاة, بقوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا..), ولكن السؤال المطروح هو عن كيفية تعلق هذا الحق للفقراء والمساكين..؟
فلو تمّ النصاب ووجب الإخراج، فعلى أي وجه يملك المستحق جزءًا من هذا النصاب؟
وفي كيفية تعلق هذا الحق لمستحقيه أقوال, منها:
القول الأول: ملك لمستحقه. ويتصور على نحو أحد وجهين:
الوجه الأول: ملك يتعلق بذمة المالك. كحال الدين والقرض.
ونسب إلى بعض العامة.
وعليه, فيرد تلف النصاب - كلا أو بعضا - على المالك .
الوجه الثاني: ملك يتعلق بالعين الزكوية.
أي ان المستحقين يملكون قسطا من مال المالك, ولكن على أحد أنحاء:
1- يتعلق بعين النصاب بمشخصاته, والشرع قد رتب عليه آثارا مختلفة.
كما ذهب إليه السيد حسن القمي[94].
2- الشركة الحقيقة والكسر المشاع, مع ترتب جميع آثار الإشاعة.
كما ذهب إليه السيد عبد الهادي الشيرازي.
3- الشركة الحقيقة والكسر المشاع, لكن لا يترتب عليه جميع الآثار.
كما ذهب إليه السيد أحمد الخوانساري, والسيد الكلبيكاني.
4- الكلي في المعين. كما لو باع صاعا من صبرة. واختاره صاحب العروة, وكما يظهر من صاحب المستند, على ما نقله عنه آقا ضياء العراقي.[95]
القول الثاني: هو حق معين متعلق بمالية النصاب, وليس ملكا, فهو متعلق بالعين لا بالذمة, ومتعلق بمالية العين(النصاب)[96] لا بمشخصاته الوجودية(الخارجية) وأوصافه, أي بالروح السارية فيه, لا بشخصه وعينه وخصوصياته. وهو مختار الميرزا النائيني.
وعلى هذا القول, يلزم المالك أداؤه من نفس العين أو من ماله الآخر.
القول الثالث: من قبيل الشركة في المالية, ومع ذلك يجوز التصرف فيه. كما ذهب إليه السيد الجد(قدّس سرّه).
القول الرابع: من قبيل الرهانة[97].
القول الخامس: من قبيل حق الفقير بالمال المنذور التصدق به عليه. كما قربه السيد الوالد.
[وأشكل على هذا القول: بأن المال المنذور التصدق به لا يجوز التصرف فيه بما ينافي الصدقة، ولا يجدي إبداله بمال آخر, بينما يجوز دفع ما يعادل فريضة الزكاة من مال آخر].
القول السادس: من قبيل تعلق حق غرماء الميت بتركته.[98].
القول السابع: من قبيل تعلق أرش الجناية برقبة العبد الجاني خطأ.
كما احتمله السيد حسن القمي[99] [100].
القول الثامن: من قبيل حق إرث للزوجة في غير الأرض [101].
القول التاسع: من قبيل استثناء الأرطال, مع كون التلف على المالك والمستحق. كما قوّاه المحقق العراقي [102].
القول العاشر : لا شيء من الحقوق المتقدمة, بل هو نحو آخر في مقابل الحقوق المعروفة. كما استظهره السيد محسن الحكيم.
القول الحادي عشر: التفصيل: ففي الغلّات, تكون الشركة على نحو الإشاعة, وفي الغنم على نحو الكلي في المعين, وفي الإبل على نحو الشركة في المالية. كما ذهب إليه السيد محمّد تقي القمّي, واحتاط لمخالفته المشهور. [103] [104]
ان العديد من المحتملات السابقة تجري في قوله تعالى (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا), بين ما هو باطل قطعا, وما هو صحيح قطعا, وما هو مطروح للبحث والنقاش والتدبر:
فمما هو باطل قطعا ملكية كافة ما في الأرض لكافة الناس بالفعل على نحو المشاع.
ومما هو صحيح قطعا ملكية الناس لما في الأرض على نحو الشأنية.
ولكن يبقى البحث في بعض المحتملات الأخرى المذكورة في الوجوه التي ذكرت كيفية استحقاق الزكاة للمستحق.
أهمية المسألة
تتضح أهمية المسألة ومعرفة كيفية تعلق حق الناس لما في الأرض حين نعلم أن بحوثا كثيرة تبنى عليها:
مثلا: هل يحق لشخص واحد أو لشركة كبرى أن تقوم بحيازة كافة الأراضي المحيطة بالنجف الأشرف مثلا. أو حيازة الغابة أو الغابات أو المعادن وآبار النفط كلها, بما يحرم سائر الناس من فرصة حيازتها واستثمارها؟


--------------


[1] سورة هود/61.
[2] ونقصد به الحكمة. (منه دام ظله).
[3] وهذا التعليل مبني على أحد وجهين أوكليهما:
الوجه الأول: إنه من باب وجوب شكر المنعم, وقد ذكره السيد الماتن, بمعنى أن الله تعالى المنعم عليكم بنعمة الإيجاد وقد أنشأكم من تراب الأرض الذي لا حياة فيه, فأفاض عليكم الحياة, وجعل لكم الأرض صالحة للإعمار والعيش فيها, على تفصيل في معنى استعمار الأرض سيأتي من الماتن إن شاء الله تعالى.

الوجه الثاني: انه قضاء لحق المولوية والإلوهية, فلأنه تعالى(ما لكم من إله غيره) اقتضى ذلك حق العبودية له.
[4] بحسب اختلاف تفسير استعمار الأرض.
[5] وحيث كان إنشاء الإنسان من الأرض واستعماره فيها سببا وعلة لعبادة الله تعالى كما تقدم, يمكن أن يكون سببا وعلة لوجوب استغفار الله تعالى وطلب التوبة منه لا من غيره, وذلك بموجب فاء التفريع في قوله تعالى(فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ), أي يتفرع على كون إنشاء الله تعالى للإنسان من الأرض واستعماره فيها, أن يكون طلب المغفرة والتوبة منه تعالى, وليس من أحد سواه.
[6] من باب الأمر بالمسبب (العمر والبقاء) وإرادة السبب(الأسباب والعوامل المؤدية البقاء).
[7] ذكره الفيض الكاشاني في التفسير الأصفى: 1/545, والعلامة المجلسي في بحار الأنوار: 11/373.
[8] ينظر: الراغب الأصفهاني, المفردات في غريب القرآن: 347. العلامة المجلسي, بحار الأنوار: 57/321.
[9] وهذا المعنى مبني على كون(الألف والسين والتاء) موضوعة للطلب والاستدعاء كما ذكر ذلك أهل اللغة[ينظر: ابن سيده, المخصص: ج4ق2/180]
وتساعد عليه الروايات عن المعصومين(عليهم السلام) أيضا, فقد روى علي بن الحسين المرتضى في رسالة ( المحكم والمتشابه ) نقلا من تفسير النعماني، عن علي ( عليه السلام ) - في حديث - إن معايش الخلق خمسة : الإمارة ، والعمارة ، والتجارة ، والإجارة ، والصدقات - إلى أن قال : - وأما وجه العمارة فقوله تعالى : " هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها " فأعلمنا سبحانه أنه قد أمرهم بالعمارة ليكون ذلك سببا لمعايشهم بما يخرج من الأرض من الحب والثمرات وما شاكل مما جعله الله معايش للخلق[الحر العاملي, وسائل الشيعة: 13/195]. .

[10] ويلمح ذلك الرجحان من إسناد الفعل في الجملة الخبرية (أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) الى الله تعالى.
[11] وذلك لصحة قصد القربة الى الله تعالى بالعناوين الراجحة شرعا, ومنها (استعمار الأرض).
[12] من مطلوبات المولى. (منه دام ظله).
[13] وهي في مقامنا (الألف والسين والتاء) الموضوعة للطلب.
[14] قد يشكل في المقام بأن الطلب أعم من الأمر, فلا يمكن سحب ما استدل به على دلالة الأمر على الوجوب الى مقامنا, وطلب المساوي من المساوي(الالتماس) أو طلب الداني من العالي(الدعاء) لا يدلان على الوجوب قطعا, مع أن كلا منهما طلب. قال في الكفاية" الظاهر اعتبار العلو في معنى الامر ، فلا يكون الطلب من السافل أو المساوي أمرا ، ولو أطلق عليه كان بنحو من العناية". الآخوند الخراساني, كفاية الأصول: 63.
وجوابه: ان فرض مسألتنا في الطلب هو صدوره من المولى الواجب الطاعة, وحينئذ تجري عليها الوجوه التي ذكرها السيد الماتن من استفادة الوجوب من الأمر.
[15] وهو إرادة المرتبة الضعيفة (منه دام ظله).
[16] ويمكن تقريب ذلك بوجهين:
1- أن الطلب الوجوبي طلب تام وكامل، وحيث أن كمال الشيء عين الشيء لا أنه أمر زائد عليه، فلا يحتاج بيانه في المقام إلى مؤونة زائدة، وهذا بخلاف الطلب الندبي فإنه طلب ناقص وضعيف، والنقص والضعف أمر عدمي فلا يمكن أن يكون عين الطلب، وحينئذ فلا محالة يكون أمرا زائدا عليه، فبيانه بحاجة إلى مؤونة زائدة ولا يكفي اطلاق الأمر، وعلى هذا فإذا ورد أمر من المولى بشيء وكان في مقام البيان ولم ينصب قرينة على الندب كان مقتضى اطلاقه الوجوب[نهاية الأفكار: 1/162]
2- ان الوجوب عبارة عن طلب الفعل مع (عدم الترخيص في الترك)، والاستحباب عبارة عن طلب الفعل مع (الترخيص في الترك)، فهما يشتركان في الجامع وهو الطلب المتعلق بالفعل. ويمتازان في القيد، فان الوجوب مقيد بقيد عدمي والاستحباب مقيد بقيد وجودي، فإذا كانت للجامع حصتان وكان المميز لإحداهما أمرا عدميا وللأخرى أمرا وجوديا، فمقتضى اطلاق الدليل تعين الحصة الأولى(أي المقيدة بالأمر العدمي) دون الثانية، باعتبار أنها مقيدة بقيد عدمي, إذ لا يحتاج بيانها إلى مؤونة زائدة ودليل آخر، بل يكفي في ذلك عدم نصب قرينة على إرادة الحصة الثانية، وعلى ذلك فإذا ورد أمر بشيء من قبل المولى ولم تكن قرينة على الترخيص فهو محمول على الوجوب[الشيخ محمد إسحاق الفياض, المباحث الأصولية: 3/26]
وقد ذكر السيد الماتن كلا الوجهين ودمجهما ببيان واحد مختصر واف.

[17] وقد اختاره المحقق النائيني (قدس سره) وتبعه فيه السيد الخوئي (قدس سره).
(أ) أما المحقق النائيني (قدس سره) فقد أفاد في وجهه أن صيغة الأمر موضوعة لإيقاع المادة على المخاطب ومستعملة فيه في جميع الموارد أعم من موارد الوجوب والاستحباب، ولكن العقل يحكم - فيما إذا صدرت من المولى ولم تكن مقرونة بالقرينة على الترخيص في الترك - بلزوم الامتثال, قضاء لحق المولوية, وأداء لوظيفة العبودية, وتحصيلا للأمن من العقوبة، ولا يصلح الاعتذار عن الترك بمجرد احتمال كون المصلحة غير لزومية طالما لم تكن قرينة على ذلك لا متصلة ولا منفصلة [تقرير بحث الميرزا النائيني للسيد الخوئي, أجود التقريرات: 1/95].
(ب) وأما السيد الخوئي (قدس سره) فقد قرب ذلك بما يلي:
أن الأمر موضوع مادة وهيئة للدلالة على ابراز الأمر الاعتباري النفساني، وحينئذ فإذا أمر المولى بشيء, فان نصب قرينة على الترخيص في الترك فهو، وإلا فالعقل يحكم بوجوب امتثاله والاتيان به في الخارج قضاء لحق المولوية, وتحصيلا للأمن من العقوبة، على أساس أن احتمال المولوية مساوق لاحتمال العقوبة إذا لم تكن قرينة على الأمن منها، ولا نقصد بالوجوب إلا ادراك العقل لابدية الخروج عن عهدته، فيما إذا لم يحرز لا من الداخل ولا من الخارج ما يدل على جواز تركه[تقرير بحث السيد الخوئي للشيخ الفياض: محاضرات في أصول الفقه: 2/8.

[18] قوله(فتأمل): لعله إشارة الى أن صحة معاقبة المولى للعبد اذا لم يمتثل طلبه, وان كانت مسلمة, ولكنها قد تكون ناشئة من  أمور أخرى غير الانصراف, كحكم العقل وجوب الامتثال قضاء لحق المولوية, أو لانسباق الذهن اليها بالوضع, مثلا. أي إن الدليل أعم من المدعى.
[19] وهناك قول رابع لاستفادة الوجوب من صيغة الأمر (الطلب في مفروض مسألتنا), وهو:
الوجه الرابع: بالوضع.
فإن صيغة الأمر موضوعة للدلالة على النسبة الطلبية بين المادة والمخاطب وتدل على تلك النسبة في وعائها، فإذا استخدمها المولى في مقام البعث والطلب بعنوان المولوية صدق عليها عنوان الأمر، فإذا صدق عليها ذلك كان المتبادر منها عرفا وارتكازا هو نسبة إيجاد المادة إلى المخاطب بنحو اللزوم والوجوب، ولا تتوقف هذه الدلالة على شيء ما عدا صدورها من المولى وعدم نصب قرينة على الترخيص في الترك. وهو قول صاحب الكفاية.

[20] أي استحبابه النفسي.
[21] وقد تقدم في الإنارة السابقة استفادة مطلوبية (العمران) من الآية الكريمة.
[22] لعل منشأ التأمل حصول الانصراف العرفي في بعض هذه النشاطات البشرية دون غيرها, وأما حمل (العمران) على البعض فبنحو من العناية والتجوز.
ومما يرشد الى ذلك – بالإضافة الى إمكان ادعاء حصول الانصراف العرفي لعنوان(العمران) في بعض مصاديقه - تقسيم الرواية الواردة عن أمير المؤمنين(عليه السلام) معائش الخلق في خمسة أمور: الإمارة ، والعمارة ، والتجارة ، والإجارة ، والصدقات. مع أن بعض هذه الأمور داخلة في عنوان(العمران) بالمعنى الواسع, لو قلنا بعدم انصرافه الى البعض. ينظر: [الحر العاملي, وسائل الشيعة: 13/195.

[23] المقصود من (الفقه) الذي يدور الكلام على انقسامه على ستة أنواع, هو الأعم من الفقه بالمعنى اللغوي, وهو ما يساوق مطلق العلم, والفقه بالمعنى الاصطلاحي, الذي هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية, بمعنى أن من الموارد التي يستشهد بها السيد الماتن ينطبق عليها المعنى اللغوي, وفي بعضها الآخر ينطبق عليها المعنى الاصطلاحي.
[24] المستحبات والمكروهات والمباحات.(منه دام ظله).
[25] من الوجوب والنّدب والإباحة والكراهة والتّحريم والصحّة والبطلان ، لا من حيث هي ، بل من حيث هي عوارض لأفعال المكلَّفين.. من حيث الاقتضاء والتّخيير .[العلامة الحلي, منتهى المطلب: 1/7].
[26] المقدمة بصورة عامة: ما يتوقف عليها ذو المقدمة.
[27] فكان كبرى قياس المسألة الفقهية: ثبوت الملازمة بين وجوب المقدمة ووجوب ذي المقدمة. ونتيجتها: – بناء على ثبوت الملازمة – وجوب المقدمة.
[28] ذكر السيد الماتن في بحوث الاجتهاد والتقليد ستة أنواع للمقدمات:
النوع الأول: المقدمة الوجودية. وهي ما يتوقف عليها وجود الواجب وتحققه خارجاً كطي المسافة للحج ونصب السلم للكون على السطح.
النوع الثاني: المقدمة الوجوبية. وهي ما يتوقف عليها وجوب الواجب لا وجوده كالاستطاعة للحج والزوال للصلاة، فبدونها لا وجوب.
النوع الثالث: مقدمة الصحة. وهي ما يتوقف عليها صحة الشيء (أي المتعلق كالصلاة), لا وجوبه ولا وجوده، كشرائط الصلاة من طهارة واستقبال وستر وغيرها.
النوع الرابع: المقدمة العلمية. وهي ما يتوقف عليها العلم بامتثال التكليف, كما في الاحتياط في أطراف العلم الاجمالي بالصلاة إلى الجهات الأربع عند الاشتباه في القبلة على المشهور.
النوع الخامس: مقدمة الكشف. وهي التي ذكرت بعنوان (الواجب الطريقي)، وهي التي تكشف عن الأحكام الواقعية، ويمكن أن تسمى (مقدمة العلم)، أي العلم بالحكم (التكليف)وليس العلم بالامتثال للحكم المسمات بالمقدمة العلمية.
النوع السادس: مقدمات التنجز: وهي ما توقف تنجز الواجب عليها, لا أصل الوجوب. فإن الحكم، على ما ذهب إليه الآخوند، ينقسم إلى أربع مراتب:
الأولى: الاقتضاء.
الثانية: الإنشاء .
الثالثة: الفعلية.
الرابعة: التنجز, بمعنى استحقاق العقاب بالمخالفة.
والمقصود من مقدمات التنجّز: ما لا يتوقف عليها الحكم بمراتبه الثلاثة الأولى، وإنما يتوقف تنجزه فقط عليها. [راجع: دروس الاجتهاد والتقليد لسماحة السيد مرتضى الحسيني الشيرازي/الموضوع 26/أنواع المقدمات]
أما المقدمة الموصلة, فهي ليست نوعا آخر في عرض المقدمات المذكورة, بل هي مقدمة الواجب المتصفة بالإيصال الى ذي المقدمة, فإنّ مقدّمة الواجب لا تتّصف بالوجوب والمطلوبية - من حيث كونها مقدّمة - إلَّا إذا ترتّب عليها وجود ذي المقدّمة، لا بمعنى أنّ وجوبها مشروط بوجوده، بل بمعنى أنّ وقوعها على الوجه المطلوب منوط بحصول الواجب.. فالواجب بالوجوب الغيري ليس مطلق المقدّمة - أي ما يتوقف عليه وجود الغير - بل فرد خاصّ منه ، وهو ما يتعقّبه ذو المقدّمة ، ويوصل به إليه[ تقرير بحث المجدد الشيرازي للروزدري: 2/318 ] .

[29] من كون مقدمة الواجب واجبة بالوجوب الشرعي أو ليست كذلك.
[30] أو ما اذا كان زواج المرأة المؤمنة من الرجل المخالف يؤدي الى تسنّنها.
[31] فيحرم.
[32] فاذا كان الاحتمال كبيرا يحرم وإلا فلا.
(33) أي المقدمة التي إذا فعلها سلب اختياره، فيقال بالحرمة حينئذٍ مثلاً.(منه دام ظله)
(34) أي سراية التحريم من ذي المقدّمة إلى المقدّمة التوليدية ، أعني : ما لا تتوسط بين المقدّمة وذيها إرادة المكلّف ، كالإلقاء بالنسبة إلى الإحراق، وأمّا في العلل الإعدادية من السبب والشرط والمعد فبما انّ الإتيان بغير الجزء الأخير ( الإرادة ) لا يسلب الاختيار من المكلّف ويتمكّن المكلّف معه أيضاً من ترك الحرام فلا يترشّح التكليف إلى ما عدا الجزء الأخير. وأمّا الجزء الأخير ، أعني : الإرادة ، فهو وإن كان لا يتمكّن معه من ترك الحرام لكنّه أمر خارج عن الاختيار لا يتعلّق به التكليف. [ينظر: أجود التقريرات: 1/38]
[35] فكان كبرى قياس المسألة الفقهية: ثبوت الملازمة بين حكم العقل(بالحسن أو القبح أو الوجوب) وحكم الشرع(بالحسن أو القبح أو الوجوب). ونتيجتها: – بناء على ثبوت الملازمة – ثبوت اللازم, وهو الحكم الشرعي بـ(الحسن أو القبح أو الوجوب).
[36] ذكر السيد الماتن في بحث المكاسب المحرمة أن قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع يمكن إن تطرح على ثلاثة مستويات، بل هي ثلاثة أقوال:
القول الأول: الملازمة بين القبح العقلي للفعل وحرمته الشرعية أو بين الحسن العقلي ووجوبه الشرعي. وهذا هو ظاهر الميرزا النائيني في فوائد الأصول، وغيره.
ولكنه ينقض بحسن الإحسان وغيره، فانه حسن عقلاً قطعاً لكنه ليس بواجب عقلاً فكيف بوجوبه شرعاً.
القول الثاني: الملازمة بين الذم العقلي والحرمة الشرعية أي بين استحقاق العبد للمذمة عقلاً وبين استحقاقه للعقاب شرعاً الكاشف عن الحرمة الشرعية. وهو ظاهر الشيخ في بعض مواضع الرسائل
والثمرة بين القولين تظهر فيما لو قلنا إن القبح أعم من استحقاق الذم وانه ليس كل قبيح فهو مما يستحق عليه فاعله الذم. وأما لو قلنا بالتلازم فلا ثمرة عملية
القول الثالث: الملازمة بين القبح العقلي والقبح الشرعي, وبين الذم العقلي والشرعي, وبين الحرمة العقلية والحرمة الشرعية, فكلما حكم  بحرمته العقل حكم بحرمته الشرع، وكلما حكم بقبحه العقل حكم بقبحه الشرع.
ولمزيد بيان وتفصيل راجع: [بحث المكاسب المحرمة للسيد الماتن/الموضوع248- 249

[37] فصلنا الكلام عن ذلك في (قاعدتا الملازمة بين حكمي العقل والشرع)(منه دام ظله).
[38] سورة الأعراف: آية 204.
[39] وهذا الفرع من فقه المقدمات.
[40] قوله (فتأمل) للإشارة الى احتمالية كون المسألة من فقه المقدمات, باعتبار أن إبقاء الجهاز مع الشيخ هو مقدمة – عرفا - لموت الشاب, ويمكن عدّها – كذلك – من فقه المقارنات باعتبار أن إبقاء الجهاز على الشيخ يكون مقارنا الى موت الشاب, وليس مقدمة له.
قد يقال: إن ما ينبغي أن تبحث عنه مسائل فقه المقارنات هو ما كانت المقارنة عارضة للموضوع نفسه, كمقارنة الغصب والنظر الى الأجنبية لحركات الصلاة, ومقارنة الإطعام بالإسراف, لا ما كانت عارضة لموضوعين مختلفين, كإبقاء الجهاز على الشيخ المقارن لموت الشاب, وإلا لو كان البناء على مطلق المقارنات فإن هناك ما لا يعد ولا يحصى من الأمور المقارنة الاتفاقية لكل حدث.
وهذا القول صحيح على نحو الموجبة الجزئية, فإن بعض المقارنات تعرض لموضوعين مستقلين, ومع ذلك يمكن عدّها من فقه الغايات, ومن أمثلة ذلك:
● اقتران صلاتي جمعة ليس بينهما المسافة الشرعية المعتبرة,
● وقوع الطلاق في حال حيض المرأة.
● اقتران زواج خمسة نساء.
● اقتران ولاية الجد مع ولاية الأب.

[41] قد يقال إن غصب بيوت الناس في حالة عسر الجهاد بدون الغصب قد يكون مقدمة لارتفاع العسر. والأولى التمثيل لفقه المقارنات, باقتران الجهاد بغصب بيوت الناس لإسكان الجيش في حالة وجود سكن بديل.
[42] فكان كبرى قياس المسألة الفقهية: ثبوت الملازمة بين ما يستفاد من رجحان الغاية التي تذكرها النصوص الشرعية أو مرجوحيتها وبين الحكم الشرعي المترتب على ذلك. ونتيجتها: - بناء على ثبوت الملازمة – ثبوت الحكم الشرعي المرتبط بتلك الغاية
[43] (سورة البقرة/251). وكذلك قوله تعالى(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. (سورة الحج/40).
[44] ان مظاهر الحياة الاجتماعية المتطورة المستفادة من هذه القاعدة القرآنية الكريمة, تستند على ركيزتين أساسيتين, أشار إليها العلامة الطباطبائي في تفسيره, وباختلال هاتين الركيزتين اللتين جبل عليهما الإنسان, يختل العمران وتفسد الأرض. وهاتان الركيزتان هما:
الأولى: ركيزة الاستخدام والتسخير. وهما قوام الاجتماع الانساني الذي به عمارة الأرض، إذ أن مؤداهما التصالح في المنافع ومظاهر التمدن والاجتماع التعاوني.
الثانية: ركيزة التنافس والتنازع. فإن دفع بعض الناس بعضا ذبا عن منافع الحياة وحفظا لاستقامة حال العيش, سُنَّة فطرية جارية بين الناس والسنن الفطرية منتهية إليه تعالى ويشهد به تجهيز الانسان كسائر الموجودات بأدوات وقوى تسهل له البطش ثم بالفكر الذي يهديه إلى اتخاذ وسائل الدفع والدفاع عن نفسه أو أي شأن من شؤون نفسه مما تتم به حياته وتتوقف عليه سعادته . والتنافس والتنازع سنة جارية في المجتمع الانساني بل في جميع الموجودات التي لها نفسية ما واستقلال ما[العلامة الطباطبائي, الميزان في تفسير القرآن: 2/305 , 14/385]

[45] تستخدم هذه الكلمة سياسياً في وصف الجماعات أو المنظمات التي يحاول أعضائها التأثير على صناعة القرار في هيئة أو جهة معينة
[46] فإن هذه الغاية المطلوبة شرعا , تتحقق (بدفع الله الناس بعضهم ببعض) عن طريق تشريع بعض التكاليف المؤمنة لهذا الغرض, كواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وكذلك الجهاد في سبيل الله, وبهذين الواجبين يحافظ على المجتمع سليما من النقائص والظلم والتعدي من قبل الأعداء, ويمنع من وصول المنتهزين والجبابرة والمفسدين الى مواقع القرار أو التأثير على حياة المسلمين, وقد جعل أمير المؤمنين(عليه السلام) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعبة من شعب الجهاد بمعناه الواسع الأعم من القتال. قال(عليه السلام) "الجهاد على أربع شعب : على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في المواطن وشنآن الفاسقين ، فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن ، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق ، ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه ، ومن شنأ الفاسقين وغضب لله عز وجل غضب الله له"[الشيخ الكليني, الكافي: 2/51]. ولذلك وردت الآية الكريمة في مقام الحديث عن الجهاد
[47] سورة الحشر/7.
[48] كما في الدول الشيوعية, حيث تحتكر الدولة لنفسها كل الثروات, وفي الدول الاشتراكية, حيث تحتكر منابع الثروة الكبرى باسم التأميم, بل ومختلف الدول, إذ تحتكر منابع الثروة العامة – كالنفط – باسم (منه دام ظله).
[49] وهذا المنع عن التركز وإن كان يرتبط بصورة مباشرة بالتوزيع ، ولكنه يرتبط أيضاً بشكل غير مباشر بالإنتاج ، ويؤدي إلى الاضرار به .لأن الثروة حين تتركز في أيد قليلة ، يعم البؤس وتشتد الحاجة لدى الكثرة الكاثرة . ونتيجة لذلك سوف يعجز الجمهور عن استهلاك ما يشبع حاجتهم من السلع لإنخفاض قوتهم الشرائية . فتتكدس المنتجات دون تصريف وسيطر الكساد على الصناعة والتجارة ويتوقف الإنتاج [السيد محمد باقر الصدر, اقتصادنا: 629].
[50] البقرة/185.
[51] قال في نضد القواعد الفقهية: قاعدة : كون المشقة سبب اليسر . وجميع رخص الشرع وتخفيفاته تعود إليها ، كالتقية ، وشرعية التيمم عند الخوف على النفس ، وابدال القيام عند التعذر في ( صلاة )الفريضة ومطلقا في النافلة ... وقصر الصلاة والصوم ( وإن كان فرض السفر مستقلا في نفسه ). ومنه المسح على الرأس والرجلين بأقل مسماه ... وإباحة الميتة عند المخمصة يعم السفر والحضر عندنا . ومن رخص السفر ترك الجمعة والقصر ، وسقوط القسم بين الزوجات لو تركهن ، بمعنى عدم القضاء بعد عوده ، وسقوط القضاء للمتخلفات لو استصحب بعضهن ... ومن الرخص إباحة كثير من محظورات الاحرام مع الفدية ، وإباحة الفطر للحامل والمرضع والشيخ والشيخة وذي العطاش ، والتداوي بالنجاسات والمحرمات عند الاضطرار.[المقداد السيوري, نضد القواعد الفقهية: 74].
[52] لأنه تعالى لو كان كلف خلقه  ما لا يستطيعون كان غير مريد بهم اليسر ، وغير مريد للتخفيف عنهم ، لأنه لا يكون اليسر والتخفيف في تكليف ما لا يطاق. [الشريف المرتضى, رسائل الشريف المرتضى: 2/247].
[53] قال المحقق النراقي "والمشقة الموجبة للتخفيف : هي ما تنفك عنه العبادة غالبا ، أما ما لا تنفك عنه فلا ، كمشقة الوضوء والغسل في البرد وإقامة الصلاة في الظهيرات ، والصوم في شدة الحر وطول النهار ، وسفر الحج ، ومباشرة الجهاد ، إذ مبنى التكليف على المشقة . ومنه : المشاق التي تكون على جهة العقوبة على الجرم و إن أدت إلى تلف النفس ، كالقصاص والحدود بالنسبة إلى المحل والفاعل وان كان قريبا يعظم عليه استيفاء ذلك من قريبه . والضابط في المشقة : ما قدره الشرع " [المحقق النراقي, عوائد الأيام: 202].
[54] سورة التوبة/103.
[55] المقصود من الصدقة في الآية الكريمة هي الزكاة بدليل ما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) "لما نزلت آية الزكاة ( خُذْ من أموالِهمْ صدقةً تُطهّرهُم وتزكّيهمْ بها ) في شهر رمضان ، فأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مناديه فنادى في الناس : إن الله تبارك وتعالى قد فرض عليكم الزكاة.."[الشيخ الصدوق, من لا يحضره الفقيه: 2/12].
[56] والتزكية, إما بمعنى (التطهير), وإما بمعنى (النماء) [ينظر: الخليل الفراهيدي, العين: 5/394]
وقد لوحظ هذان المعنيان في قوله تعالى(تزكيهم), فإن في الصدقة(الزكاة) تطهيرا للنفس من رذائل الأخلاق ومذامها من سائر الذنوب والمعاصي وفي طليعتها رذيلة البخل كما انها تكون مطهرة للأموال مما فيها من الشبهات
ومن جهة أخرى, فان إخراجها يوجب نماء الرزق وزيادته من الله عز وجل بحسن الخُلف ومضاعفته وإلى هذا المعنى أشار قوله تعالى : ( وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ) [ سورة الروم / 40 ] .
وقد أشارت الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) إلى هذين المعنيين في خطبتها عندما استعرضت فيها فلسفة بعض العقائد والعبادات والأخلاق حيث قالت ( عليها السلام ) : فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر والزكاة تزكية للنفس ونماءً للرزق..[الشيخ الطبرسي, الاحتجاج: 1/134].

[57] سورة النساء/165.
[58] ابن طاووس, فلاح السائل: 3.
[59]الآية الكريمة يستفاد منها أمران:
الأول: وجود الأئمة, الذين هم حجج الله على الخلق بعد النبي محمد(صلى الله عليه واله), وأن الأرض لا تخلو من حجة لله تعالى, لئلا يحتجَّ أحدٌ على الله عزّ وجلّ أنّه تركه بغير حجّة لله عليه, سواء كان الحجة ظاهرا أم غائبا.
الثاني: عصمة الحجة , سواء كان نبيا أم إماما " فان الآية ظاهرة في أن الله سبحانه  يريد قطع عذر الناس في ما فيه المخالفة والمعصية وان لا قاطع للعذر الا الرسل عليهم السلام ، ومن المعلوم ان قطع الرسل عذر الناس ورفعهم لحجتهم انما يصح إذا لم يتحقق في ناحيتهم مالا يوافق إرادة الله ورضاه : من قول أو فعل ، وخطاء أو معصية والا كان للناس ان يتمسكوا به ويحتجوا على ربهم سبحانه وهو نقض لغرضه تعالى" العلامة الحلي, الألفين: 79.
وقد أشار العلامة الحلي في كتابه(الألفين) الى كلا الأمرين, بقوله : المراد من الآية أن لا يكون لأحد الناس شيء من وجوه الحجج ،(والعموم في(الناس) باعتبار الجمع المحلى بلام الاستغراق أو الجنس, والعموم في (الحجة) لأنها نكرة في معرض النفي وإنما يتم ذلك في حق من يأتي بعد عصر الرسول مع عصمة ناقل الشرع ، وقائم مقام الرسول في جميع ما يراد منه سوى النبوة ، ولا يتحقق ذلك إلا مع عصمة الإمام . فيجب عصمة الإمام.

[60] الشيخ الكليني, الكافي: 1/191.
[61] سورة البقرة/193.
[62] روي عن محمد بن مسلم، قال : قلت لأبي جعفر عليه السّلام : قول اللَّه تعالى ذكره « وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ » فقال « لم يجئ تأويل هذه الآية بعد ، إن رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله وسلّم رخص لهم لحاجته وحاجة أصحابه ، فلو قد جاء تأويلها لم يقبل منهم ولكنهم يقتلون حتى يوحد اللَّه تعالى وحتى لا يكون شرك » .[الكافي: 8/201].
[63] قد يكون الأمر بالتأمل إشارة الى أن تفسير الفتنة بالشرك - كما ذكرتها الرواية - أو ما يشمل الانحرافات العقائدية الأعم من الشرك, لا يمنع من تفسيرها بالهرج والمرج واختلال النظام؛ كما ورد هذا المعنى في قوله تعالى(ِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)[سورة الأنفال/73], ويساعد على هذا التفسير أن معنى (الفتنة) اللغة هي: أشد الاختبار وأبلغه. [أبو هلال العسكري, الفروق اللغوية: 396.
وهذا المعنى للفتنة عام يشمل الشرك والانحرافات العقائدية والانحرافات الأخلاقية والحركات الإرهابية.
[64] وممن فسر الفتنة بما هو أعم من الشرك المولى محمد صالح المازندراني في شرحه لأصول الكافي . قال "قوله ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) : أي لا توجد فيهم شرك ونفاق واختلاف ( ويكون الدين كله لله ) ويرتفع بينهم الأديان الباطلة والمذاهب المختلفة والعقائد الفاسدة ( فقال : لم يجيء تأويل هذه الآية بعد ) تأويلها ظهور القائم ( عليه السلام ) "[مولى محمد صالح المازندراني, شرح أصول الكافي: 12/267].
[65] بناء على كون الشذوذ الأخلاقي والحركات الإرهابي من مصاديق الهرج والمرج واختلال النظام.
[66] سورة البقرة/179.
[67] هذه الآية بألفاظها الموجزة، تضع الإطار العام - ببلاغة وفصاحة متناهيتين - للقصاص في الإسلام، وتبين أن القصاص ليس انتقاما، بل السبيل إلى ضمان حياة الناس . إنه يضمن حياة المجتمع ، إذ لو انعدم حكم القصاص ، وتشجع القتلة القساة على تعريض أرواح الناس للخطر, فقد روي عن علي بن الحسين ( عليهما السلام ) في قوله تعالى : (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ): ولكم يا أمة محمد في القصاص حياة لان من همَّ بالقتل فعرف أنه يقتص منه, فكفّ لذلك عن القتل؛ كان ذلك حياة الذي همَّ بقتله، وحياة لهذا الجاني الذي أراد أن يقتل، وحياة لغيرهما من الناس إذا علموا أن  القصاص واجب لا يجترون على القتل مخافة القصاص[الشيخ الطبرسي, الاحتجاج: 2/49].
[68] القصاص هو مجازاة الجاني بالمثل, سواء كان متعلق الجناية دما أو حقا من الحقوق[ينظر: الراغب الإصفهاني, المفردات في غريب القرآن: 404. الخليل الفراهيدي العين: 5/10 ] وعلى هذا يكون المعنى: ان الغاية من تشريع القصاص هو استمرارية الحياة, فكل ما يؤثر على استمرارية الحياة يقع تحت طائلة المجازاة.
[69] فكل هذه الأمور التي تمنع استمرارية الحياة يشرع في مقابلها القصاص حفظا على استمرارية الحياة, وحينئذ تختلف أحكام القصاص والمجازاة بحسب درجة التسبيب أو المباشرة, وبملاحظة حالة العمد أو غيره, والعدوان وغيره, مما يكون موردا للأبحاث الفقهية في هذا المجال.
[70] وقد ورد في بعض الإحصاءات أن حوادث السير في إيران تقضي على حياة 22 ألف شخص سنويا, وهو رقم كبير جدا, يعود سببه الى الحكومة من جهة, باعتبار وجود الطرق الضيقة أو غير المعبدة, وسوى ذلك, والى الناس من جهة أخرى, باعتبار عدم مراعاتهم لقوانين المرور وقواعد قيادة المركبات.(منه دام ظله).
[71] سورة النور/31.
[72] فإن علم الرجل بما تخفي المرأة من الزينة (خلخالا وسواه) هو مآل ونتيجة الطبيعية أو القهرية التي تترتب تكويناً على ضرب الرِّجل, وقد يكون مقصودا للمرأة, وقد لا يكون كذلك, إلا أن هذا المآل والنتيجة منهي عنه في الشرع, وبالتالي يكون جلوس مع المرأة الأجنبية على مائدة واحدة أو المفاكهة معها محرما إما بوحدة الملاك وإما بالأولوية العرفية.
[73] فهو إما محرم نفسي باعتبار ورود النهي عنه في الآية, أو محرم طريقي باعتباره مقدمة للحرام, لا سيما إذا كان مقدمة قريبة.
[74] سورة النحل/112.
[75] لمكان (فاء) التفريع في قوله تعالى (فأذاقهم).
[76] فصار الجوع في داخلهم والخوف في أنفسهم وكأنهما لباسان على البدن ملاصقان به ملازمان له[السيد محمد الحسيني الشيرازي, الفقه ، البيئة: 205].
[77] وقوله تعالى(بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) أي بسبب ما كانوا يصنعون من الكفران بالنعم الإلهية, وهذا السبب (أي كفران النعم)هو المقتضي وجزء العلة لإذاقتهم العذاب على نحو الفعلية, وليس علة تامة له, وإلا لزم أن يكون الله تعالى ملجَأً ومجبورا على تعذيبهم.
[78] سورة الشورى/27.
[79] تفسير القمي: 2/276.
[80] الشيخ الطبرسي, تفسير مجمع البيان: 9/52.
[81] سورة القصص/8.
[82] سورة القصص/9.
[83] سورة القصص/9.
[84] سورة الانعام/123.
[85] سورة آل عمران/178.
[86] الشيخ الكليني, الكافي: 2/131.
[87] الجوهري, الصحاح: 5/2036.
[88] فبعض الموارد يقع تحت فقه الغايات لا غير, وبعضها الآخر يقع تحت فقه المآلات فقط, وبعض ثالث يكون مصداقا للأمرين كليهما, وقد تخلو موارد أخرى منهما معا.
[89] نهج البلاغة:4/55.
[90] الشيخ الطبرسي, الاحتجاج:1/131.
[91] سورة البقرة/29.
[92] سورة التوبة/60.
[93] سورة الأنفال/48.
[94] ينظر: الميرزا القمي, غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام: 4/86.
[95] وأشكل على القول بالملك بثلاثة إشكالات:
الأول: انه خلاف ظاهر آية الزكاة(إنما الصدقات للفقراء..) فظاهرها: أن ما فرضه الله تعالى في أموال الأغنياء للفقراء هو صدقة يجب على الغني دفعها من ماله تقربا إلى الله تعالى. ولا وجه للتصدق على الفقير بمال يملكه فعلا, بل الصدقة تكون من مال لا يملكه الفقير.
الثاني: ان استحقاق الفقير لما تعلقت به الزكاة في الأموال على نحو الاستحباب مساو لما تعلقت به على نحو الوجوب. ولا يتصور كون الفقير شريكا في مال يستحب إعطاؤه له, بل الشركة الحقيقية لا تتصور الا في الوجوب.
الثالث: ان المال المشاع بين مالكين لا يجوز لأي منهما التصرف فيه إلا بإذن الآخر. ولا خلاف في جواز تصرف المالك في العين الزكوية فيما عدا مقدار الزكاة من النصاب, وهذا يتنافى مع الملكية أو الشركة الحقيقية للفقير.
ولو كانت الملكية بنحو الكلي في المعين فإن مقتضى ذلك كون البيع المذكور بالنسبة إلى مقدار الفريضة فضوليا يتوقف نفوذه على إجازة من له الولاية على الزكاة ، وهذا خلاف المتسالم عليه من نفوذ البيع المذكور.

[96] وهو شاة من أربعين شاة, أو ربع مثقال شرعي إذا بلغ الذهب عشرين مثقالا (يعادل العشرون مثقالا: 72 غراما تقريبا), أو شاة واحدة إذا بلغ عدد الإبل خمسة.. وهكذا(منه دام ظله).
[97] وأشكل على هذا القول بإشكالات:
الأول: عدم قدرة الراهن(المالك) التصرف في الرهن (النصاب) قبل فك الرهان(أداء فريضة الزكاة), وهو خلاف ما هو المتسالم عليه في باب الزكاة.
الثاني: اذا تلف الرهن بلا تفريط يكون من مال الراهن لا المرتهن, وهو خلاف ما هو المتسالم عليه في باب الزكاة من عدم ضمان شيء على المالك إذا تلف من النصاب شيء.

[98] وأشكل عليه بأن التلف في التركة يختص به الوارث، أما في الزكاة فيتوزع التلف الواقع في النصاب على المالك والمستحق بالنسبة . لأن ما للوارث من تلك التركة متأخر عن حق الغرماء، وفي طوله, ومقتضى ذلك ورود التلف على ما يخص الوارث من المال المتروك وسلامة حق الغرماء.
[99] ينظر: الميرزا القمي, غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام: 4/86.
[100] وأشكل عليه بالفرق بينهما؛ فإن حق الجناية ليس أمرا مفروضا على مالك العبد يلزمه أداؤه لمستحقه ، وإنما هو كسائر الحقوق موكول لمن له الحق إن شاء أخذ به  وإن شاء عفا فيسقط,  بخلاف حق الزكاة فإنه فرض من الله تعالى على مالك النصاب ، يلزمه أداؤه - من العين أو بدلها - لمستحقه ، وليس لأحد إسقاطه والعفو عنه.
[101] وأشكل على هذا القول, بأنه: وإن كانت هناك مشابهة بين حق الزكاة للفقير, وإرث الزوجة - مما سوى الأرض - من حيث تعلقه بمالية العين لا بمشخصاتها, إلا أن إرث الزوجة من الأموال المنقولة يتعلق بالعين، ومن الأموال غير المنقولة يتعلق بماليتها وقيمتها.
[102] آقا ضياء العراقي, تعليقة استدلالية على العروة الوثقى: 183.
[103] يراجع "العروة الوثقى والتعليق عليها" المحشاة بحواشي (41) فقيها من الفقهاء: جزء 11/صفحة 166 فصاعدا/إعداد وتحقيق مؤسسة السبطين العالمية(منه دام ظله).
[104] ينظر: السيد محمد بحر العلوم, بلغة الفقيه: 1/43. الشيخ محمد تقي الآملي, مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى: 10/75.

 

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3360
  • تاريخ إضافة الموضوع : 26 ربيع الثاني 1440هـ
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 01 / 21