• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : التزاحم (1440-1441هـ) .
              • الموضوع : 153- مناقشات المكاسب للجواهر 1- الاصل في العامين من وجه التوقف 2- التخيير ظاهري 3- يلزم استعمال اللفظ في اكثر من معنى .

153- مناقشات المكاسب للجواهر 1- الاصل في العامين من وجه التوقف 2- التخيير ظاهري 3- يلزم استعمال اللفظ في اكثر من معنى

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

(153)

 

الجواهر: تعارض العامين من وجه، مقتضٍ للتخيير

سبق ان الجواهر ذهب إلى: (ويمكن توجيه عدم الوجوب بتعارض ما دل على وجوب الامر بالمعروف وما دل على حرمة الولاية عن الجائر بناء على حرمتها في ذاتها، والنسبة عموم من وجه فيجمع بينهما بالتخيير المقتضي للجواز رفعا لقيد المنع من الترك من أدلة الوجوب، وقيد المنع من الفعل من أدلة الحرمة. وأما الاستحباب فيستفاد حينئذ من ظهور الترغيب فيه في خبر محمد بن اسماعيل وغيره الذي هو ايضا شاهد للجمع خصوصا بعد الاعتضاد بفتوى المشهور، وبذلك يرتفع اشكال عدم معقولية الجواز بالمعنى الاخص في مقدمة الواجب ضرورة ارتفاع الوجوب للمعارضة إذ عدم المعقولية مسلم فيما لم يعارض فيه مقتضى الوجوب انتهى)([1])

 

إشكالات المكاسب:

وقد أشكل عليه الشيخ بإشكالات أربع نذكرها هنا مع تعليقات موجزة عليها ثم نبدأ المناقشة غداً بإذن الله تعالى.

 

1- الحكم في العامين من وجه التوقف والرجوع للأصول

فقد أورد عليه في المكاسب أولاً بقوله: (وفيه: أنّ الحكم في التعارض بالعموم من وجه هو التوقّف والرجوع إلى الأُصول لا التخيير، كما قرّر في محلّه، ومقتضاها إباحة الولاية؛ للأصل، ووجوب الأمر بالمعروف؛ لاستقلال العقل به كما ثبت في بابه)([2]).

 

برهان استقلال العقل بوجوب الأمر بالمعروف

أقول: سيأتي الكلام عن الحكم في التعارض، ولكن لا بد هنا من الإشارة إلى البرهان على ما ادعاه من استقلال العقل بوجوب الأمر بالمعروف بقوله: (ووجوب الأمر بالمعروف؛ لاستقلال العقل به كما ثبت في بابه) وبرهانه: ان الناس عبيد المولى، والمملكة مملكة المولى، والحريم حريم المولى (حريم المحرمات والواجبات) فيجب كلما اقتحم شخص المنكر (وهو حريم المولى) نهيه عنه أو إذا ترك الواجب أمره به، كما هو شأن العبيد إذا رأوا من ينتهك حرمات مواليهم، بل أولى منه بما لا قياس.

وبوجه آخر: ان الله تعالى لم يخلقنا عبثاً ولم يتركنا سدى بل خلقنا لغايةٍ وحكمةٍ، وجعل أوامره ونواهيه طريقاً للوصول إليها فإذا رأى المكلف غيره يعصي الله فان عليه نهيه عن المنكر لأنه مبغوض المولى الذي يراه مانعاً عن الوصول إلى غاياته الملزمة.

وعلى أي فلو قلنا بان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يحكم به العقل باستقلاله فانه يلزمه انه يجب دفع المنكر لا النهي عنه فقط ولا رفعه فقط، وذلك لأن العقل مستقل بالأمرين معاً؛ إذ لا يرى العقل فارقاً بين منكر يُعمل وبين منكر يراد ان يفعل في مخلّيته بغرض المولى وفي كونه هتكاً لحريمه كما لا يرى فارقاً بين النهي عن المنكر أو رفعه وبين دفعه فيما عدّ عرفاً دفعاً كما في المقدمات القريبة لا البعيدة إذ كما ان العقل يرى ضرورة نهي من يشرب الخمرة عن شربها كذلك يرى ضرورة إغلاق باب الغرفة التي أراد العاصي ان يفتح بابها ليدخل فيشرب الخمرة التي فيها مثلاً.

وبذلك يشكل على المشهور الذين فرّقوا بين البابين فإن كان الشيخ منهم لزمه ما أوردناه مادام التزم بان الأمر والنهي مستقل عقلي، خاصة وانه التزم بان وجوب الأمر ووجوب النهي مما يستقل به العقل لا مطلق الرجحان. وقد فصلنا الكلام عن جوانب من ذلك في كتاب (الأوامر المولوية والإرشادية) فراجع.

 

2- والتخيير ظاهري لا واقعي

وأورد عليه الشيخ ثانياً بقوله: (ثمّ على تقدير الحكم بالتخيير، فالتخيير الذي يصار إليه عند تعارض الوجوب و التحريم هو التخيير الظاهري، و هو الأخذ بأحدهما بالتزام الفعل أو الترك، لا التخيير الواقعي)([3]) وسيأتي ان التخيير على ثلاثة أقسام فانه إما واقعي وإما ظاهري وإما تكويني، مع بيان فرق الأول عن الثالث، وان الحق هو ان التخيير واقعي لا ظاهري.

 

3- ويلزم استعمال الأمر في الوجوب والإباحة

كما أورد عليه الشيخ ثالثاً بقوله: (ثم المتعارضان بالعموم من وجه، لا يمكن إلغاء ظاهر كلّ منهما مطلقاً، بل بالنسبة إلى مادة الاجتماع؛ لوجوب إبقائهما على ظاهرهما في مادتي الافتراق، فيلزم استعمال كلّ من الأمر والنهي في أدلّة الأمر بالمعروف، والنهي عن الولاية، في الإلزام والإباحة...).

 

الجواب عن آخر إشكال: بل هو من تعدد الدال والمدلول

ولكن هذا الأخير يرد عليه ما لا يخفى؛ إذ لا يلزم صاحب الجواهر ما ألزمه به من (فيلزم استعمال...) لبداهة ان صاحب الجواهر لا يريد ان دليل وجوب الأمر بالمعروف هو بنفسه دال على وجوبه في مادة الافتراق وعلى جوازه في مادة الاجتماع ليلزم ما ذكره من استعمال اللفظ الواحد في معنيين متضادين، بل مراده ان ذلك بتعدد الدال والمدلول وليس ان اللفظ الواحد استعمل في أكثر من معنى، فالدال على الوجوب في مادة الافتراق هو الأمر أي دليل وجوب الأمر بالمعروف والدال على الجواز في مادة الاجتماع ليس هو الأمر نفسه بل دال آخر وهو مصادمة الدليل المعارِض له أو فقل هو مقتضى الجمع بين الدليلين المتعارضين كما هو صريح قوله: (فيجمع بينهما بالتخيير المقتضى للجواز؛ رفعاً لقيد المنع من الترك ممّا دلّ على الوجوب، والمنع من الفعل ممّا دل على الحرمة)([4]) بعبارة أخرى: يرفع اليد عن ظهور كل منهما في عدم جواز تركه، بقرينة الدليل الآخر.

 

كالعام المخصَّص بالمنفصل

ويوضحه أكثر: انه لا شك ان الشيخ يرى العام المخصَّص بالمنفصل، حقيقةً لا مجازاً، كما انه لا يرى استلزام التخصيص لاستعمال العام في الوجوب (في الأفراد الباقية تحته) وفي الجواز أو الحرمة (في الأفراد المستثناة) بل يرى العام مستعملاً في العموم دالاً على وجوبه واما الدلالة على جواز الخاص أو حرمته فتستفاد من الخاص لا من العام نفسه، فكما ان الأمر في العام والخاص من باب تعدد الدال والمدلول، كذلك حسبما ارتأه الجواهر في العامين من وجهٍ.

 

والمنثلم الإرادةُ الجديةُ لا الاستعمالية

بعبارة أخرى: فرق بين الإرادة الجدية والاستعمالية، وما يثلم الإرادة الجدية يؤكد عموم الاستعمالية للمخصَّص، فليس مستعملاً في أكثر من معنى، إنما الجدية انثلمت بدال آخر لمصادمتها بالظهور الأقوى.

بعبارة أخرى: استعمال العام في الخاص مجاز (وهذه هي مرحلة الإرادة الاستعمالية إذ قد تخلف عنها) اما استعماله في العام ثم إرادة الخصوص (في مرحلة الإرادة الجدية) من دال آخر فلا يخل بكون الاستعمال الأول حقيقة رغم ان الإرادة الجدية هي على ما عدا المخصَّص، فكذا في العامين من وجه فانه استعمل كل منهما مطلقاً بما يعم مادة الاجتماع، لكن الجمع العرفي – بنظر الجواهر – في مادة الاجتماع أفاد جوازها (أي مادة الاجتماع) أي أفاد الجواز في مرحلة الإرادة الجدية فتدبر تعرف، وللبحث صلة بإذن الله تعالى.                                    

 

 

  وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

قال الإمام علي الهادي عليه السلام: ((مَا مِنْ بَلِيَّةٍ إِلَّا وَلِلَّهِ فِيهَا نِعْمَةٌ تُحِيطُ بِهَا‏)) (تحف العقول، ص489).

 

 

-----------------------------------------------

([1]) السيد محمد صادق الروحاني، منهاج الفقاهة، المطبعة ياران،  1418هـ، ج2 ص198.

([2]) الشيخ مرتضى الانصاري، ط / تراث الشيخ الأعظم، ج2 ص82.

([3]) الشيخ مرتضى الانصاري، ط / تراث الشيخ الأعظم، ج2 ص82.

([4]) الشيخ محمد حسن النجفي الجواهري، جواهر الكلام، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ج22 ص164.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3365
  • تاريخ إضافة الموضوع : الاحد 29 ربيع الثاني 1440هـ
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 05 / 26