• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : التزاحم (1440-1441هـ) .
              • الموضوع : 157- مناقشة الشيخ للجواهر: التخيير ظاهري لا واقعي الجواب: 1- اختلاف المبنى 2- تفصيل انواع التخيير الاربع .

157- مناقشة الشيخ للجواهر: التخيير ظاهري لا واقعي الجواب: 1- اختلاف المبنى 2- تفصيل انواع التخيير الاربع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
(157)

الشيخ: التخيير عند تعارض الوجوب والحرمة، ظاهري
كما أورد الشيخ على الجواهر: (ثمّ على تقدير الحكم بالتخيير، فالتخيير الذي يصار إليه عند تعارض الوجوب والتحريم هو التخيير الظاهري، وهو الأخذ بأحدهما بالتزام الفعل أو الترك، لا التخيير الواقعي)([1])

المناقشات
ولكن قد يناقش فيه:
1- الجواهر لم يعدّ المقام من دوران الأمر بين الوجوب والحرمة
أولاً: بان صاحب الجواهر لم يرَ الأمر دائراً بين الوجوب والحرمة أي لم يره من تعارضهما ليرد عليه ان التخيير حينئذٍ ظاهري لا واقعي، بل انه رفع التعارض برفع الوجوب والحرمة والالتزام بالإباحة، وكل مباحٍ فأنت مخير بين فعله وتركه، فلم يره من دوران الأمر بين المحذورين أي انه ليس بنظره من الدوران بين الوجوب والحرمة ليفرّع عليه كذا([2]) بل جعله من السالبة بانتفاء الموضوع إذ رفع قيد المنع من الترك، من أدلة الوجوب، ببركة أظهرية دليل حرمة الولاية من قبل الجائر مع ظهور دليل وجوب الأمر بالمعروف في المنع من الترك، كما رفع قيد المنع من الفعل من أدلة الحرمة، ببركة أدلة وجوب الأمر بالمعروف التي هي أظهر في رفع الحرمة من أدلة الحرمة.. فهذا هو صريح كلامه: (ويمكن توجيه عدم الوجوب بتعارض ما دلّ على وجوب الأمر بالمعروف وما دلّ على حرمة الولاية عن الجائر بناء على حرمتها في ذاتها والنسبة عموم من وجه فيجمع ما بينهما بالتخيير المقتضي للجواز دفعاً لقيد المنع من الترك من أدلّة الوجوب وقيد المنع من الفعل من أدلّة الحرمة)([3]) وكما ترى فانه لم يبقِ الواجب على وجوبه والحرام على حرمته ليحدث التعارض والدوران بين المحذورين، بل جمع بينهما دلالياً.. وكما سبق فانه رأى ان التعارض بدوي غير مستقر فلا تعارض حقيقة وإن بدا كذلك بدواً فقول الشيخ (عند تعارض الوجوب والتحريم) إنما يرد على من رأهما متعارضين اما من حل مشكلة التعارض بالجمع الدلالي فانه نفي التعارض من أصله إذ لم يبقَ – لديه – وجوب ولا حرمة ليدور الأمر بينهما ليكون من دوران الأمر بين المحذورين.. وقد سبق بيان ذلك مفصلاً فراجع. كما سبق ان الإشكال عليه لو كان فهو ان جمعه تبرعي فتدبر.
2- والتخيير، على فرض التعارض، واقعي
ثانياً: سلّمنا ان المقام من دوران الأمر بين المحذورين وتعارض الوجوب والتحريم وانه مستقر بينهما لكن الحكم كما ذكره الجواهر وهو التخيير الواقعي لا التخيير الظاهري الذي التزم به الشيخ، وتوضيحه يعتمد على بيان أمور:

أنواع التخيير
الأمر الأول: ان التخيير على أربع أنواع: التخيير التكويني، التخيير الواقعي العقلي، التخيير الواقعي الشرعي، التخيير الظاهري:

التخيير التكويني
اما التخيير التكويني فهو التخيير اللابدي القهري الذي يخضع له الإنسان قسراً بحسب قواعد المادة والطبيعة سواء أكان هنالك تشريع وشريعة أو لا فهو سابق رتبة على التشريع، بل لا يمكن ان تناله يد التشريع من حيث هو. بيانه: ان كل صور الدوران بين المتناقضين هي كذلك، وكذلك كل صور دوران الأمر بين الضدين اللذين لا ثالث لهما، وكذلك صور دوران الأمر بين الأضداد الثلاثة التي لا رابع لها وهكذا، فمثلاً يدور أمر الإنسان في الآن الواحد بين الحركة والسكون، وهذا دوران تكويني أو فقل تخيير تكويني لا مجال للتشريع فيه أي لا مجال لتشريع التخيير فيه فانه سواء أقال له الشارع أنت مخير بين الحركة والسكون أم لم يقل ذلك فانه مخيّر قهراً، وكذلك التخيير بين الأضداد الثلاثة أو الأكثر كالصلاة إلى أحدى الجهات الأربع بل الصلاة إلى كل زاوية ممكنة من الزوايا الـ360 درجة فان التخيير بينها تكويني إذ لا مناص له من أحدها تكويناً، وقد ذهب المشهور إلى وجوب الصلاة إلى أربع جهات فهو وجوب تعييني شرعي بينما ذهب السيد الوالد إلى كفاية الصلاة إلى جهة واحدة وعلى أي فكلاهما غير التخيير، إنما الكلام في انه لا معنى لأن يخيره الشارع بين الصلاة إلى كل الزوايا الممكنة مثلاً لأنه تكويناً مخيّر فتخييره تحصيل للحاصل. فهذا توضيحنا للتخيير التكويني، ولكن سيأتي ما فيه.

التخيير الواقعي العقلي
واما التخيير الواقعي فهو ما كان لكل من الطرفين ملاك، وهو عقلي وشرعي:
اما التخيير الواقعي العقلي: فذلك فيما لو تعلق التكليف بالجامع فانه يخيّر بين أفراده عقلاً لانطباق الجامع عليها على حد سواء فلو أمره بالمجيء بالماء تخيّر عقلاً بين مختلف مصاديق الماء، وكما ترى فان في كل مصداق الملاك.

التخيير الواقعي الشرعي
واما التخيير الواقعي الشرعي: فكما لو تعلق التكليف بأفراد عرضية لا يجمعها جامع مطلقاً (أو لا يجمعها جامع قريب) وذلك كخصال الكفارة إذ لا جامع بينها أو لا جامع في الخطاب بينها، كما ان لكل منها ملاك ومصلحة مستقلة..
ولذا قال في فوائد الأصول: (غايته أن المكلف يكون مخيّراً بين أحد الشيئين، إمّا تخييراً شرعياً، وهو فيما إذا لم يكن بين الشيئين جامع خطابي "كما إذا دار الأمر بين وجوب أحد الشيئين وحرمة الآخر أو وجوب أحد الشيئين ووجوب شيء آخر لا يجمعهما جنس قريب" وإمّا تخييراً عقلياً وهو فيما إذا كان بين الشيئين جامع خطابي "كما إذا دار الأمر بين وجوب إكرام هذا العالم أو ذلك العالم" فإنه يصح التكليف بإكرام العالم مبهماً، فيكون المكلف مخيّراً عقلاً في إكرام أحد الفردين أو الأفراد)([4]).

التخيير الظاهري
واما التخيير الظاهري فهو: التخيير لدى تعارض الطرق والامارات أي التخيير في الحجج المتعارضة لا في الأحكام، كما لو تعارض خبرا ثقتين أو تعارضت البينتان فان أحداهما كاذبة أو مخطئة قطعاً (أو انه صدر أحد الخبرين لغير بيان الحكم الواقعي) فلا يعقل ان يكون التخيير الوارد في لسان الشرع بينهما (كقوله: إذن فتخير أحدهما...) واقعياً إذ أحدهما كاذب لا ملاك له أصلاً وليس بكاشف عن الحكم الواقعي أبداً.
فهذا هو تفسير التخيير الظاهري كما قرره الأصوليون واما الشيخ فقد اصطلح عليه في المقام بتفسير آخر([5]) ومع انه لا مشاحة في الاصطلاح إلا انه، فنياً، لا ينبغي ذلك مع وجود مصطلح معروف له تفسير معروف.. إلا ان ذلك ليس بالمهم في المقام إنما المهم ما سيأتي عليه من الإشكال، فانتظر. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
قال أمير المؤمنين عليه السلام: ((مَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ، قَارِنْ أَهْلَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ وَبَايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُم‏)) (نهج البلاغة، ص402).

---------
([1]) الشيخ مرتضى الانصاري، ط / تراث الشيخ الأعظم، ج2 ص82.
([2]) أي التخيير الواقعي ليعترض عليه بانه تخيير ظاهري.
([3]) المصدر نفسه، ص81.
([4]) الشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني، فوائد الأصول، مؤسسة النشر الإسلامي – قم، ج3 ص443.
([5]) حسب أحد تفسيري كلامه.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3375
  • تاريخ إضافة الموضوع : السبت 5 جمادى الاولى 1440هـ
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 05 / 26