• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : التزاحم (1440-1441هـ) .
              • الموضوع : 161- ثمرات جعل التخيير الشرعي رغم التخيير التكويني .

161- ثمرات جعل التخيير الشرعي رغم التخيير التكويني

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

(161)

 

وجه عام في الجواب عن إشكال النائيني بلزوم تحصيل الحاصل

وبوجه آخر: يرد على المحقق النائيني في دعواه لزوم تحصيل الحاصل من جعل التخيير الشرعي الواقعي والظاهري في موارد دوران الأمر بين المحذورين، ودعواه قصور التكليف المردد بين وجوب الشيء وحرمته عن ان يكون داعياً ومحرِّكاً نحو الفعل أو تركه مع ظاهر تفريعه على ذلك استحالة جعل التخيير الشرعي في موارد الدوران بين المحذورين، أنّ تحصيل الحاصل واللغوية([1]) وعدم إمكان المحركية إنما تلزم لو كان متعلق التخيير الشرعي نفس مصبّ التخيير التكويني ولو أريد من العلم الإجمالي ان ينجز نفس ما المكلف لا يخلو منه تكويناً، لكنه ليس أي من الأمرين كذلك كما ظهر وسيظهر.

 

الضابط الإني لردّ دعوى تحصيل الحاصل

وظهور ذلك إنما يكون بالبحث عن ضابط نحتكم إليه عند الخلاف في ان هذا من تحصيل الحاصل أو لا، والضابط هو ان نرى انه بعد ما يدعى انه جعل للحكم أو للتخيير أو غيرهما مما ادعي انه تحصيل للحاصل، هل حدث فرق في المتعلَّق مستندٌ إلى هذا الجعل أو لا فإن حصل فليس تحصيل الحاصل ولا تلزم من جعله اللغوية ولا يمنع من جعله عدم إمكان الباعثية، وإن لم يحصل فهو تحصيل حاصل أو لغو أو شبه ذلك.

وتوضيحه: ان الجعل، سواء أكان في عالم العين أم الاعتبار، لا يمكن ان يتعلق بنفس ما تعلق به جعل سابق، بذاته أو صفته، عكس ما لو تعلق في السابق بالعين وتعلق في اللاحق بالكيفية فانه ليس من تحصيل الحاصل؛ ألا ترى انه لو جعل الجدار ثم جعله أبيض او أطول أو أقصر أو شبه ذلك لم يكن من تحصيل الحاصل لأن الأول جعل بسيط والثاني جعل مركب والمتعلَّق في الأول الذات وفي الثاني الصفة؟ وكذلك لو خلقه ثم جعله خليفةً أو عالماً أو غنياً.. وهكذا..

فالضابط الذي يمكن الاحتكام إليه هو البرهان الإني، وذلك بان يلاحظ الفرق في الشيء قبل الجعل الثاني (المدعى) وبعده فإن تغير شيء مّا لم يكن من تحصيل الحاصل، بلحاظه، أبداً.

 

ثمرات الجعل التشريعي للتخيير والفوارق الحاصلة به

وفي المقام: فان جعل التخيير الشرعي متعلَّقة غير المجعول التكويني ويكشف ذلك بثمراته، والثمرات متعددة:

 

1- صحة استناد المكلف إليه، وقصد القربة

أولاً: فانه قد يجعل التخيير الشرعي ليصح للمكلف الاستناد، فانه وإن صح انه تكويناً اما فاعل واما تارك لكنه إذا لم يَرِد دليل شرعي على تخييره بين الفعل والترك لما صح له إذا فعل ان يسنده إلى الشارع ولا إذا ترك، اما بعد ورود التخيير الشرعي فله ان يفعل وان يقول فعلت لأن الشارع خيّرني بين الفعل والترك وأجاز كلّا منهما لي، كما له الترك كذلك، ويتفرع على صحة الاستناد صحة قصد القربة وعدمه.

والحاصل: ان المجعول تكويناً هو التخيير التكويني اما المجعول شرعاً، بقوله خيّرتك بينهما، فهو في واقعه صحة الاستناد إليه أو هو بلحاظه. فتأمل

 

2- المجعول في التخيير التشريعي جواز الفعل، وفي التكويني الإمكان

ثانياً([2]): ان المجعول في التخيير الشرعي جواز فعل هذا وجواز تركه، وكان يمكن له ان يجعل حرمة الفعل، ترجيحاً لدفع المفسدة على جلب المصلحة كما قال به قوم كما كان يمكن ان يجعل وجوبه إن رجّحه لجهة من الجهات([3]) ولكنه لم يجعل أياً منهما بل جعل قسيمهما وهو جواز هذا وجواز ذاك، وذلك هو ما سبق بيانه من انه قبل التخيير الشرعي كان المتحقق تكويناً هو الإمكان التكويني (لقدرته على الفعل والترك فهو مُمكَّن تكويناً منهما) وبعد التخيير الشرعي تحقق الجواز الاعتباري، وأين الإمكان من الجواز؟ وأين عالم الاعتبار من عالم العين؟ فهذا هو الذي تغيّر بعد جعل التخيير التشريعي والصالح كبرهان إني على ان المقام ليس من تحصيل الحاصل.

 

3- المجعول بشرط لائية التخيير بقاءً فهو ابتدائي

ثالثاً: ان المجعول بالتخيير التشريعي هو التخيير الابتدائي أي اللازم له لما اختاره، وهو أمر زائد على التخيير التكويني الذي هو تخيير استمراري.

بيانه: ان القادر على الفعل والترك له ان يفعل في الآن الأول ويترك في الآن الثاني ثم يفعل في الآن الثالث وهكذا، وله – في مثالنا الفقهي – تكويناً ان يقبل الولاية ويأمر بالمعروف وان لا يقبلها فلا يأمر، والتخيير التكويني مستمر كل يوم وساعة ولحظة، فإذا أراد الشارع تحديد التخيير بالابتداء فقط وانه مخير في مرحلة العلة المحدثة لا المبقية وانه إذا اختار أحد الطرفين لزمه، جَعَلَ التخيير التشريعي، وعليه: (فلو صلى الجمعة هذا الأسبوع انطلاقاً من دليل وجوبها وجب عليه ان يصليها في كافة الأسابيع القادمة، ولو قَبِل الولاية وجب الاستمرار، ولا يصح له ان لا يصليها الأسبوع القادم انطلاقاً من دليل حرمتها أو ان يترك الولاية لاحقاً).

ووجهه: ان التخيير الاستمراري يلزم منه المخالفة القطعية وإن لزمت منه الموافقة القطعية أيضاً([4]) لكنه مرجوح بالنسبة للتخيير الابتدائي فقط الذي هو المخالفة الاحتمالية والموافقة الاحتمالية، وليس الكلام في قبول المبنى أو الدليل بل في فائدة جعل التخيير التشريعي على هذا المبنى.

والحاصل: انه بالتخيير الشرعي يجعل بشرط لائية التخيير الابتدائي، وحرمة التنقل بين الطرفين وهو غير حاصل في التخيير التكويني.

 

4- لزوم الفحص إذا جعل التخيير الشرعي، عكس ما لو لم يجعل

رابعاً: انه في التخيير التكويني لا يلزم الفحص وفي التشريعي يلزم، توضيحه: انه إذا دار الأمر بين الفعل والترك (كشرب الماء وعدمه) تكويناً فانه اما يفعل أو لا، أي اما ان يشرب أو لا، ولا معنى للقول بوجوب الفحص حينئذٍ عن الدليل على التخيير إذ هو تخيير تكويني قهري والتخيير الشرعي، برأي الميرزا، غير ممكن لأنه تحصيل حاصل وشبهة فلا يمكن ان يوجد دليل على التخيير الشرعي فكيف يجب أو يستحب الفحص عنه؟

ولكن التخيير التشريعي يستلزم إمكان بل وصحة بل ولزوم الفحص، وذلك في صورتين:

أولاً: إذا تعارض دليلان، فهنا يجب الفحص عن المرجح (السندي، الجهوي، الدلالي والمضموني) فان وجده لزمه الطرف الراجح (خلافاً للتخيير التكويني) وإن وجدهما متكافئين فتشمله هنا أدلة التخيير، فتحصل انه يجب عليه الفحص عن حال الدليلين ليحرز الترجيح فيعمل بالراجح أو عدمه ليبقى مخيراً، بل تحقق الثمرة في أحد القسيمين كان في جعل التخيير بينهما. فتأمل.

ثانياً: إذا وجد دليل واحد مجمل الدلالة وانه أوجب أو حرّم، فانه مجرى التخيير التشريعي، خلافاً لإطلاق كلام الميرزا، والثمرة لزوم الفحص عن حال الدليل إذ لعل به يرتفع الإجمال أو الاشتباه ويعلم انه ورد (عليه ان لا يفعل) لا (عليه ان يفعل) مثلاً لو شك في ان (لا) زائدة سهواً أو هي من كلام الإمام عليه السلام، عكس ما لو كان التخيير تكوينياً من غير ورود دليل مجمل فانه لا معنى للقول بلزوم الفحص، فتدبر وتأمل.

ملحق([5]): والحاصل: ان الميرزا في فقرتي كلامه خلط بين عدم إمكان جعل التخيير والذي أوردنا عليه انه([6]) يرفع عنك التكليف التعييني بالحرمة لدى الدوران بين المحذورين، لا انه يجعل تكليفاً، وبين عدم إمكان تشريع التكليف بالعلم الإجمالي المتعلق بالوجوب أو الحرمة فتدبر جداً.

 

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

 

عن الإمام السجاد عليه السلام أنه سئل: ((مَا بَالُ الْمُتَهَجِّدِينَ بِاللَّيْلِ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهاً؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ خَلَوْا بِاللَّهِ فَكَسَاهُمُ اللَّهُ مِنْ نُورِهِ‏‏)) (عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج1 ص282).

 

 

 

-------------------------------------------

([1]) الإضافة منّا.

([2]) وقد سبق هذا.

([3]) ومنها: لو لاحظ المولى بعلمه المحيط ان أكثر موارد تحيّر المكلفين يكون الواجب هو المجعول أو تكون المصلحة البالغة أقوى جداً من المفسدة الضعيفة في القسيم الآخر كما فصلناه ووجهه في بحث سابق.

([4]) لو عمل في فترة بطرف وفي فترة بطرف آخر.

([5]) بالبحث السابق.

([6]) (التخيير).

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3387
  • تاريخ إضافة الموضوع : الأربعاء 9 جمادى الأولى 1440 هـ
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 05 / 26