• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : التزاحم (1440-1441هـ) .
              • الموضوع : 166- طائفة خامسة من الروايات ونسبتها مع الطائفة الثالثة .

166- طائفة خامسة من الروايات ونسبتها مع الطائفة الثالثة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

(166)

 

مناقشة مع الشيخ: المستحب يتصعّد ليكون واجباً ولا عكس

وقد يورد على الشيخ إذ جمع بين الوجوب والاستحباب بقوله: (ومن المعلوم المقرّر في غير مقام أنّ دليل استحباب الشيء الذي قد يكون مقدمة لواجب لا يُعارض أدلّة وجوب ذلك الواجب، فلا وجه لجعله شاهداً على الخروج عن مقتضاها؛ لأنّ دليل الاستحباب مسوق لبيان حكم الشيء في نفسه، مع قطع النظر عن الملزِمات العرضية، كصيرورته مقدمة لواجب أو مأموراً به لمن يجب إطاعته، أو منذوراً وشبهه)([1]) أن المستحب يمكن ان يتصعّد ليكون واجباً لوقوعه مقدمة لواجب ولا يمكن عكسه وهو ان يتنزّل الواجب ليكون مستحباً بسبب مقدميته لمستحب، والمقام من الثاني فلا يصح الاستدلال بالأول عليه كما فعل الشيخ.

وتوضيحه: ان المستحب، كصلاة الليل مثلاً، إذا وقع مقدمة لواجب كإنقاذ النفس المحترمة صار واجباً فهو مستحب نفسي وواجب عرضي أي مقدمي، ولكن لا يصح عكسه فان الواجب كإنقاذ المسلم إذا وقع مقدمة للمستحب كإدخال السرور على قلب أم مَن أنقذه فانه لا يصير مستحباً، والمقام من الثاني إذ الأمر بالمعروف واجب فكيف يتنزل ليكون مستحباً بسبب كونه مستنداً إلى الولاية من الجائر؟

 

الجواب: لم يصعّد الشيخ ولم ينزل، بل اعتبره من التزاحم

ولكنه غير وارد على الشيخ؛ إذ انه لم يصعّد ولم ينزّل بل جمع بينهما أو تنزّل من الوجوب للاستحباب لا للمقدمية بل للمزاحمة، فانه قدس سره إما ان يقول باجتماع جهتي الاستحباب والوجوب في الأمر بالمعروف فهو، كما سبق، يندرج في بحث اجتماع الأمر والنهي وكفاية تعدد الجهة لكونها تقييده... إلى آخر ما سبق، فلم يرفع اليد عن هذا ليتنزل إلى ذلك بل جمع، وإما ان يرفع اليد عن الوجوب إلى الاستحباب لتزاحم ملاك مصلحة الأمر بالمعروف مع ملاك مفسدة الولاية من الجائر وتكاسرهما وغلبة ملاك الأمر بالمعروف على مفسدة الولاية لكن لا إلى درجة المنع من النقيض فيكون مستحباً فقط، فذلك لجهة التزاحم وليس لأن الأمر بالمعروف وقع مقدمة لفعل مستحب بل لأنه اجتمع عليه العنوانان كما سبق.

ولكن هذا وإن صح([2]) لكنه خلاف مبناه([3]) الذي يجري عليه البحث الآن إذ مبناه على تعارض هذه الأدلة الثلاثة وليس ان للواجب ملاكاً وللمحرم ملاكاً  ثم تزاحم الملاكان فيتكاسران فهذا وإن صح لكنه مخالف لمبنى كلامه من تعارض الأدلة والبحث عن وجه جمع بينهما، اللهم إلا ان يكون قدس سره قد رجع للتزاحم الذي صرح به قبل ذلك، بل ان جمعه بين الاستحباب النفسي والوجوب المقدمي هو عوْد لباب الملاكات والتزاحم وخروج عن باب التعارض. فتأمل

 

إشكال: وجود طائفة خامسة تعارض الطائفة الثالثة

وقد يورد على الشيخ والجواهر أيضاً: بان هنالك طائفة خامسة كان لا بد من لحاظها ولحاظ نسبتها مع روايات الطائفة الثالثة، وذلك لأنها – كما قد يدعى –تعارضها، فلم يكن من الصحيح لحاظ الطوائف الثلاثة واعتبار الثالثة متقدمة على أدلة التحريم لكونها أخص منها مع وجود طائفة خامسة تعارض الطائفة الثالثة فكان لا بد من حل تعارضهما([4]) أولاً، وروايات هذه الطائفة (الخامسة) هي الدالة على تحريم حتى بناء المسجد لهم أو إكراء الجِمال ليحجوا بها أو شبه ذلك مما تدل على تحريم المعونة معهم حتى في مثل الحج وبناء المسجد فتعارض الروايات الدالة على استحباب الولاية لأجل قضاء حوائج الإخوان ونحوها.

ومنها: رواية صفوان بن مهران الجمّال قال: ((دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ عليه السلام فَقَالَ لِي: يَا صَفْوَانُ كُلُّ شيء مِنْكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ مَا خَلَا شَيْئاً وَاحِداً، قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَيُّ شيء، قَالَ عليه السلام: إِكْرَاؤُكَ جِمَالَكَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ يَعْنِي هَارُونَ، قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَكْرَيْتُهُ أَشَراً وَلَا بَطَراً وَلَا لِلصَّيْدِ وَلَا لِلَّهْوِ، وَلَكِنِّي أَكْرَيْتُهُ لِهَذَا الطَّرِيقِ يَعْنِي طَرِيقَ مَكَّةَ وَلَا أَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِي وَلَكِنِّي أَبْعَثُ مَعَهُ ِلْمَانِي...))([5])

ومنها: رواية سليمان الجعفري قال: ((قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام مَا تَقُولُ فِي أَعْمَالِ السُّلْطَانِ؟ فَقَالَ يَا سُلَيْمَانُ الدُّخُولُ فِي أَعْمَالِهِمْ وَالْعَوْنُ لَهُمْ وَالسَّعْيُ فِي حَوَائِجِهِمْ عَدِيلُ الْكُفْرِ وَالنَّظَرُ إِلَيْهِمْ عَلَى الْعَمْدِ مِنَ الْكَبَائِرِ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ النَّارُ))([6])

ومنها: قول الإمام الصادق عليه السلام: ((لَا تُعِنْهُمْ عَلَى بِنَاءِ مَسْجِدٍ))([7]).

وقوله عليه السلام: ((مَا أُحِبُّ أَنِّي عَقَدْتُ لَهُمْ عُقْدَةً أَوْ وَكَيْتُ لَهُمْ وِكَاءً وَ إِنَّ لِي مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا لَا وَ لَا مَدَّةً بِقَلَمٍ، إِنَّ أَعْوَانَ الظَّلَمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي سُرَادِقٍ مِنْ نَارٍ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ الْعِبَادِ))([8]).

والجواب، بعد ان بعضها خارج من الطائفة الخامسة بل هو من الطائفة الأولى([9]):

 

الجواب أولاً: موضوع الطائفتين مختلف تماماً

أولاً: ان موضوع الطائفتين (الثالث والخامسة) مختلف؛ إذ موضوع الثالثة، هو مثل ((لِيَدْفَعَ بِهِمْ عَنْ أَوْلِيَائِهِ)) و((يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ)) و((إِلَيْهِمْ ملْجَأُ الْمُؤْمِنُين مِنَ الضُّرِّر)) و((وَبِهِمْ يُؤْمِنُ اللَّهُ رَوْعَةَ الْمُؤْمِنِين فِي دَارِ الظَّلَمَة)) وشبهها فهي خاصة بدفع الضرر والأذى عن المؤمنين، واما موضوع الخامسة فليس ذلك بل هو إعانة الظالم في فعل مستحب من المستحبات كبناء المسجد والحج وشبه ذلك.

 

ثانياً: الخامسة محمولة على عناوين ثانوية

ثانياً: انه قد يستظهر ان هذه الروايات محمولة على صورة كون ذلك إعانة لهم على ظلمهم وان المحرّم هو 1- معونتهم في جهة ظلمهم 2- ومعونتهم على أمر يكون به تقوية سلطاتهم، 3- أو مع حب بقائهم كما هو ظاهر رواية صفوان أو شبه ذلك ولا يحرم إذا كان صرف معونتهم على بناء المسجد دون انطباق سائر العناوين.

قال في الجواهر: (فالمتّجه حينئذٍ في الجمع بين الجميع: تخصيص الحرمة في:

الإعانة على المحرّم في نفسه – كما في كل عاص – وإعداد نفسه لها، من غير تقييد بمحلّل ومحرّم على وجهٍ يندرج في "أعوانهم"؛ فإن ((وَمَنْ عَلَّقَ سَوْطاً بَيْنَ يَدَيْ سُلْطَانٍ جَائِرٍ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ السَّوْطَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُعْبَاناً مِنْ نَارٍ طُولُهُ سَبْعُونَ ذِرَاعاً يُسَلِّطُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ))([10]).

والإعانة لهم عن ميلٍ لظلمهم، وبقصد السعي في إعلاء شأنهم، وحصول الاقتدار على رعيتهم، وتكثير سوادهم وتقوية سلطانهم، فإنّه لا ريب في حرمتها؛ إذ هي كالإعانة، بل هي منها في الحقيقة.

وأمّا ما عدا ذلك – من خياطة ثوب أو بناء جدار... أو نحو ذلك ممّا هو مباح في نفسه، ولم يكن من قصد الفاعل ما سمعت – فالظاهر‌ جوازه، وإن كان هو لا يخلو من كراهة ما لم تدع الضرورة من تقيّةٍ ونحوها إليه، فإنّ القرب إليهم مطلقا مظنّة الهلاك. هذا كلّه في ظلمة المخالفين وسلاطينهم...)([11]).

 

ثالثاً: الكلام عن اجتماع عنوانين لا عن مقدمية الواجب للمستحب

ثالثاً: ان ذلك خارج عن البحث من جهة أخرى أيضاً إذ ليس الكلام في الطائفة الثالثة عن الولاية لأجل القيام بعمل مستحب كي تعارضه الطائفة الخامسة الدالة على حرمة حتى بناء المسجد لهم، بل عن استحباب نفس الولاية (أي انقلاب حرمتها إلى استحباب) إذ وقعت مقدمة لفعل واجب. فتدبر.

 

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

 

قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ((الْمَوْتَ الْمَوْتَ!! أَلَا وَلَا بُدَّ مِنَ الْمَوْتِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ جَاءَ بِالرَّوْحِ وَالرَّاحَةِ وَالْكَرَّةِ الْمُبَارَكَةِ إِلَى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لِأَهْلِ دَارِ الْخُلُودِ الَّذِينَ كَانَ لَهَا سَعْيُهُمْ وَفِيهَا رَغْبَتُهُمْ،

وَجَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ بِالشِّقْوَةِ وَالنَّدَامَةِ وَبِالْكَرَّةِ الْخَاسِرَةِ إِلَى نَارٍ حَامِيَةٍ لِأَهْلِ دَارِ الْغُرُورِ الَّذِينَ كَانَ لَهَا سَعْيُهُمْ وَفِيهَا رَغْبَتُهُمْ‏‏)) (الكافي: ج3 ص257).

 

 

---------------------------------------

([1]) الشيخ مرتضى الانصاري، كتاب المكاسب، ط / تراث الشيخ الأعظم، ج2 ص83.

([2]) بكلا وجهيه، ولكن على المبنيين.

([3]) على كلا وجهيه أيضاً.

([4]) الطائفة الثالثة والخامسة.

([5]) محمد بن عمر الكشي، رجال الكشي، مؤسسة النشر في جامعة مشهد المقدسة، ص440.

([6]) محمد بن مسعود العياشي، تفسير العياشي، المطبعة العلمية – طهران، 1380هـ، ج1 ص238.

([7]) الشيخ الطوسي، التهذيب، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج6 ص338.

([8]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج5 ص107، الشيخ الطوسي، التهذيب، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج6 ص331.

([9]) المحرّمة للولاية من قبل الجائر مطلقاً، وذلك كالرواية الثانية والرابعة.

([10]) الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي – قم، 1413هـ، ج4 ص17.

([11]) الشيخ محمد حسن النجفي الجواهري، جواهر الكلام، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط/7، ج22 ص53-54.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3408
  • تاريخ إضافة الموضوع : الأربعاء 23 جمادى الأولى 1440 هـ
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 05 / 26