• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : التزاحم (1440-1441هـ) .
              • الموضوع : 167- هل الاغراض الخمسة المترتبة على الولاية من قبل الجائر واجبة او مستحبة ؟ .

167- هل الاغراض الخمسة المترتبة على الولاية من قبل الجائر واجبة او مستحبة ؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

(167)

 

إشكال على الطائفة الثالثة الدالة على استحباب الولاية

وقد يورد على الجواهر والمكاسب في قولهما بوجود طائفة ثالثة من الروايات دالة على استحباب الولاية من قبل الجائر إذا كانت طريقاً للدفع عن أولياء الله وإصلاح أمور المسلمين وشبههما، بان الأغراض المذكورة في هذه الطائفة من الروايات اما ان يقال بانها واجبة أو مستحبة؟ فعلى الأول: فاللازم ان تكون الولاية واجبة لا مستحبة، وعلى الثاني: فانه لا يعقل انقلاب المحرم إلى مستحب لأجل وقوعه مقدمة لفعل المستحبات. توضيحه:

 

إذ الاغراض فيها اما مستحبة واما واجبة

ان الأغراض التي رتبت في رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع، على الولاية من قبل الجائر هي خمسة وهي بنص الرواية التي استدل بها الشيخ على استحباب هذا النوع من الولايات: (فعن رجال الكشّي في ترجمة محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): ((قال: إنّ للّه تعالى في أبواب الظلمة مَن نَوّر اللّه به البرهان ومكّن له في البلاد ليدفع بهم عن أوليائه، ويصلح اللّه بهم أُمور المسلمين، إليهم ملجأ المؤمنين من الضرّر، وإليهم مرجع ذوي الحاجة من شيعتنا، وبهم يؤمن اللّه روعة المؤمنين في دار الظلمة)) )([1]) وكذا نظائرها من الروايات التي اعتبرها الشيخ دليل الاستحباب وخصص بها أدلة حرمة الولاية إذ قال: (ومنها: ما يكون مستحبة، وهي ولاية من لم يقصد بدخوله إلّا الإحسان إلى المؤمنين)([2]).

 

وعلى الاستحباب لا يعقل انقلاب الولاية المحرمة، بها، إلى مستحبة

وهذه الأغراض (ليدفع...) إن قيل بانها مستحبة، وَرَدَ على ذلك انه لا يعقل ان ينقلب الحرام إلى جائز (مباح أو مستحب) لمجرد وقوعه مقدمة لفعل المستحب أو المستحبات، والحرام هو الولاية من قبل الجائر والمستحب هو هذه الأهداف الخمسة على القول بانها مستحبة، ولا فرق في ذلك بين القول بحرمة الولاية النفسية أو القول بحرمتها الطريقية فان ما هو حرام لكونه مقدمة حرام يبقى حراماً وإن وقع مقدمة لمستحب أيضاً.

 

وعلى الوجوب فالولاية واجبة لأنها مقدمة الواجب

وإن قيل بانها واجبة ورد ان مقدمة الواجب واجبة فإذا وقعت الولاية طريقاً لهذه الواجبات الخمس أو بعضها، وجبت ولا وجه للحكم باستحبابها حينئذٍ.

 

الجواب عن الإشكال

ولكن هذا الإشكال غير وارد بالمرة؛ لفرض ان الولاية حرام نفسي (على ما بنى عليه الجواهر والمكاسب) فإذا وقعت مقدمة لواجب فان تساوت مصلحته مع مفسدة الولاية أبيحت (إباحة اقتضائية ناشئة من تزاحم الملاكين وتساويهما، مقابل الإباحة اللااقتضائية الناشئة من عدم وجود ملاك الوجوب ولا الحرمة) وإن رجح أحد الطرفين رجحاناً بالغاً مع المنع من النقيض حرمت أو وجبت، وإن رجح رجحاناً قليلاً استحبت أو كرهت.

وإنما لا يمكن ان يكون مقدمة الحرام إلا حراماً إذا كان مباحاً في حد ذاته، والفرض ان الولاية محرمة نفساً (بل الأمر كذلك حتى لو كانت محرمة طريقاً) فانها إذا وقعت مقدمة لواجب رجح عليها قليلاً استحبت إذ اجتمعت مفسدتها النفسية أو المقدمية مع مصلحة ذيها، ورجحت مصلحة ذيها عليها قليلاً.

نعم ينبغي عدم إطلاق القول بالاستحباب بل التفصيل كما ذكرناه فانه مقتضى باب التزاحم كما فصلناه سابقاً.

 

الأدلة على وجوب الاغراض الخمسة في رواية بن بزيع

ثم لا يخفى ان تلك الأغراض الخمسة واجبة مطلقاً([3]) على الحاكم والمسؤول وغيرهما من عامة الناس، على المختار، ثم إن سلّمنا انها أو بعضها أو بعض أنواع بعضها مستحبة على عامة الناس، كما لو قيل مثلاً بان دفع الضرر عن المؤمنين مستحب([4]) وليس واجباً، فانه قد يقال حينئذٍ بان هذه وإن فرض استحبابها على عامة الناس فانها واجبة على الحكام والمسؤولين خاصة وذلك للأدلة الروائية الكثيرة الدالة على ذلك مما يحتاج إلى عقد بحث مستقل عنها.

 

الأدلة على وجوب الإحسان على الناس وعلى الولاة خاصة

ولكن يكفي ان نشير إلى انه استدل مثل السيد الوالد قدس سره على وجوب الإحسان مطلقاً بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ)([5]) إذ وقع الإحسان متعلقاً لمادة الأمر، وقوله تعالى: (وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ)([6]) وانما لم نقل بوجوب الإحسان مطلقاً للإجماع على العدم والارتكاز القطعي وشبه ذلك، فيبقى وجوبه في الجملة بلا إشكال.

كما يكفي الاستدلال على ان ما يستحب على عامة الناس هو واجب على الحكام – فيما كان مرتبطاً بشؤون الحكم وقضايا الناس – بأحاديث كثيرة:

منها: ما ورد في رسالة الحقوق من قوله عليه السلام: ((وَأَمَّا حَقُّ رَعِيَّتِكَ بِالسُّلْطَانِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُمْ صَارُوا رَعِيَّتَكَ لِضَعْفِهِمْ وَقُوَّتِكَ فَيَجِبُ أَنْ تَعْدِلَ فِيهِمْ وَتَكُونَ لَهُمْ كَالْوَالِدِ الرَّحِيمِ وَتَغْفِرَ لَهُمْ جَهْلَهُمْ وَلَا تُعَاجِلَهُمْ بِالْعُقُوبَةِ وَتَشْكُرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا آتَاكَ مِنَ الْقُوَّةِ عَلَيْهِمْ))([7]).

ومنها: مقاطع مما جاء في عهده لمالك الاشتر، كقوله عليه السلام: ((وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ وَيُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وَتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَوَالِي الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَابْتَلَاكَ بِهِمْ وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ وَلَا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ‏))([8]) مما يستدعي تفصيل ذلك وغيره إلى بحث مستقل.

وقد فصلنا في بحوث سابقة الكلام عن اعتبار رسالة الحقوق سنداً دون شك وعن وجه الاستدلال بهذا المقطع ونظائره، ونشير هنا إشارة إلى انه ليس الاستدلال فقط باعتباره عليه السلام كون ذلك حقاً؛ نظراً لأن الأصل فيما ثبت انه حق وجوب الالتزام به، بل وأيضاً لتصريحه عليه السلام بالوجوب بقوله ((فَيَجِبُ أَنْ تَعْدِلَ فِيهِمْ وَتَكُونَ لَهُمْ كَالْوَالِدِ الرَّحِيمِ)).

لا يقال: الوجوب يأتي بمعنى الثبوت كقوله تعالى: (فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها)([9]) أي ثبتت واستقرت؟

إذ يقال: الأصل في الوجوب هو الوجوب – أي الحكم التكليفي – فانه المرتكز في الأذهان المنصرف إليه اللفظ أو المتبادر إلى الأذهان العرفية، واستعماله في الثبوت وإن صح إلا انه قليل جداً: فإن كان مجازاً فانه لا يصار إليه إلا بقرينة، وإن كان حقيقةً فان انصراف اللفظ للوجوب التكليفي لا شك فيه لأنس الذهن به لا لمجرد كثرة الاستعمال، بل ان أنس الذهن بإرادة الوجوب التكليفي من (وجب) لا يقارن بأنسه باستعمال الصيغة في الوجوب مع كثرة استعمالها في الندب وندرة استعمال مادة الوجوب في الثبوت. فتدبر وتأمل

 

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

 

قال أبو عبد الله عليه السلام: ((يَا إِسْحَاقُ خَفِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ وَإِنْ كُنْتَ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، فَإِنْ كُنْتَ تَرَى أَنَّهُ لَا يَرَاكَ فَقَدْ كَفَرْتَ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاكَ ثُمَّ بَرَزْتَ لَهُ بِالْمَعْصِيَةِ فَقَدْ جَعَلْتَهُ مِنْ أَهْوَنِ النَّاظِرِينَ عَلَيْكَ‏‏))

(الكافي: ج2 ص67).

 

 

-------------------------------------------

([1]) الشيخ مرتضى الانصاري، ط / تراث الشيخ الأعظم، ج2 ص76-77.

([2]) المصدر نفسه: ص76.

([3]) مع دعوى انصراف (الحاجة) و(يصلح) إلى الواجب منهما.

([4]) إلا ما علم من الشارع كراهة وقوعه مطلقاً.

([5]) سورة النحل: آية 90.

([6]) سورة القصص: آية 77.

([7]) الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي – قم، 1413هـ، ج2 ص621.

([8]) السيد الشريف الرضي، نهج البلاغة، دار الهجرة للنشر – قم، ص426.

([9]) سورة الحج: آية 36.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3411
  • تاريخ إضافة الموضوع : السبت 26 جمادى الاولى 1440هـ
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 05 / 26