• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : التزاحم (1440-1441هـ) .
              • الموضوع : 171- الإشكال بان إقامة الفرائض حكمة لا علّة وبان النهي عن المنكر ليس دفعاً والجواب .

171- الإشكال بان إقامة الفرائض حكمة لا علّة وبان النهي عن المنكر ليس دفعاً والجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
(171)

مضى: (والمختار هو: وجوب النهي عن المنكر المستقبلي ووجوب دفعه؛ لوجوه عديدة:
لكونها مصاديق إقامة الدين
أولها ما سبق من (أَنْ أَقيمُوا الدِّينَ) فان الدين يقام بدفع المنكر ورفعه والنهي عن حالِيِّهِ ومستقبليِّهِ بالبداهة...) و(والحاصل: ان إقامة الدين كلي طبيعي ينطبق عليها جميعاً وانها بأجمعها مصاديقه بالحمل الشائع الصناعي دقةً وعرفاً.. وستأتي غداً الروايات المفيدة لذلك أيضاً).

من الروايات الدالة على ذلك
ومن الروايات ما رواه الكافي عن أبي جعفر الباقر عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرِيضَةٌ عَظِيمَةٌ بِهَا تُقَامُ‏ الْفَرَائِضُ...))([1]) مع وضوح ان إقامة الفرائض يكون بالأربعة جميعاً (النهي عن المنكر الحالي والمستقبلي ودفعهما، وكذا حال الأمر بالمعروف) أي انها جميعاً يصدق عليها الحمل الشائع الصناعي انها إقامة للدين)([2]).
ولكن قد يعترض على ذلك بوجهين:

إشكالٌ: (إقامة الفرائض و...) حِكَم وليست عِلّلاً فلا تفيد وجوب دفع المنكر
الأول: ان المذكورات في تلك الروايات ((بِهَا تُقَامُ الْفَرَائِضُ وَتَأْمَنُ الْمَذَاهِبُ وَتَحِلُّ الْمَكَاسِبُ وَتُرَدُّ الْمَظَالِمُ وَتُعْمَرُ الْأَرْضُ وَيُنْتَصَفُ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَيَسْتَقِيمُ الْأَمْرُ)) لا يعلم كونها علة، بل هي اما حكمة أو مرددة بين كونها علّة أو حكمة، وعلى الصورتين فلا يصح تعميم وجوب النهي عن المنكر لدفع المنكر؛ فان وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان لأجل إقامة الفرائض... وكان حكمةً فانه لا يصح تعميمه إلى موضوع مباين وهو دفع المنكر إذ النهي عن المنكر مباين لدفع المنكر([3])، وكذا إذا جهل حال الاغراض المذكورة في الرواية انها حِكمة أو علّة إذ لا يصح تسرية حكم من موضوع إلى آخر إلا بعد إحراز العِلّة ووجودها في المسرَّى إليه.

الإشكال بان دفع المنكر مغاير للنهي عنه
الثاني: ما التزم به في مصباح الفقاهة من (وأما النهي عن المنكر فانه وإن كان سبيل الانبياء ومنهاج الصلحاء، وفريضة عظيمة بها تقام الفرائض وتحل المكاسب وترد المظالم، الا أنه لا يدل على وجوب دفع المنكر، فان معنى دفع المنكر هو تعجيز فاعله عن الاتيان به وايجاده في الخارج، سواء ارتدع عنه باختياره أم لم يرتدع، والنهي عن المنكر ليس إلا ردع الفاعل وزجره عنه على مراتبه المقررة في الشريعة المقدسة، وعلى الاجمال انه لا وجه لقياس دفع المنكر على رفعه)([4]).
ولكن كلّا الإشكالين غير وارد ظاهراً:
الجواب: بل ظاهر المذكورات انها عِللُ وجوبِ النهي عن المنكر
اما الأول: فلوجهين:
أولاً: لأن الظاهر عرفاً من ((إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ سَبِيلُ الْأَنْبِيَاءِ وَمِنْهَاجُ الصُّلَحَاءِ فَرِيضَةٌ عَظِيمَةٌ بِهَا تُقَامُ الْفَرَائِضُ وَتَأْمَنُ الْمَذَاهِبُ وَتَحِلُّ الْمَكَاسِبُ وَتُرَدُّ الْمَظَالِمُ وَتُعْمَرُ الْأَرْضُ وَيُنْتَصَفُ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَيَسْتَقِيمُ الْأَمْرُ))([5]) هو وجوب هذه الأغراض وكونها علّة لوجوب الأمر بالمعروف لا مجرد كونها حكمة لا يدور مدارها الحكم (بوجوب الأمر بالمعروف) وجوداً وعدماً وانها حتى لو وجدت في فعل آخر (كدفع المنكر) فانه لا يجب.
وبعبارة أخرى: ان المرتكز في أذهان المتشرعة بل العقلاء ان إقامة الفرائض (بعد فرض كونها فرائض) وأمن المذاهب ورد المظالم والانتصاف من الأعداء هي علل وجوب ما يؤدي إليها ومنه الأمر والنهي، بل قد يقال بكون بعضها من المستقلات العقلية كـ(أمن المذاهب) و(ردّ المظالم) و(الانتصاف من الأعداء) كما ان العقل يستقل بعد تسليم صغرى كون هذه فريضة بوجوب إقامتها.
ثم انه لا يضر بما ذكر كون (حل المكاسب) و(عمران الأرض) و(استقامة الأمر) أعم من الواجب والمستحب بل لا يضر فرض انصرافها للمستحب؛ إذ يكفي كون سائر الغايات واجبة ليجب دفع المنكر الذي بدفعه يحصل أمن المذاهب وإقامة الفرائض و... كما يحصل بالنهي عنه. فتدبر

ولأن تعليل أمرٍ بمقدمته أو العكس ظاهر في وحدة حكمهما
ثانياً: انه قد يقال: بانه كلما عُلّلت مقدمةُ أمرٍ به كان لها حُكمُهُ، كما انه كلما عُلِّل أمرٌ بمقدمةٍ كان له حكمها([6]) وكان علة، وذلك للتلازم العقلي بين حكم المقدمة وحكم ذيها.
فمن الأول: ما لو قال: انصب السلم لكي تنقذ مَن على السطح، فان نصب السلم عُلِّل بالإنقاذ فلا محالة يكون له حُكْمُهُ ويكون الإنقاذ علة لوجوب أي أمر اشترك مع نصب السلم في مقدمتيه، على البدل، للإنقاذ، فلا يمكن والحال هذه ان يكون الإنقاذ حِكمة لوجوب نصب السلم، نعم قد يجب على سبيل البدل أي ان وجوبه إما بشخصه إن لم يكن له بدل أو بجامعه.
ومن الثاني: المقام؛ فان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما واجبان لا شك فيهما، عُلِّلا بتلك الغايات: إقامة الفرائض... الخ فكيف يمكن ان لا تكون تلك الغايات واجبة مع انه إنما أوجب الأمر والنهي لأجلها؟ وكيف يمكن ان تكون حِكمة وقد أوجبا مطلقاً لأجلها؟
وإن أبيت عن الدلالة عقلاً على العِلّية، فلا ريب في الدلالة عرفاً من ظاهر اللفظ عليها، فتدبر وتأمل.
وبذلك ظهر ان هذا المورد استثناء مما أسسناه في مباحث سابقة من ان الأصل في علل([7]) الشارع انها حِكَم، إلا ما علم بالدليل عكسه، فان هذا مما علم بالدليل الآنف.
والدفع ليس تعجيز فاعله بل الحيلولة دون فعله
واما الثاني: فقد يورد عليه بوجهين أيضاً، والعمدة الثاني:
أولاً: ان معنى دفع المنكر ليس ما ذكره قدس سره من (تعجيز فاعله عن الاتيان به وايجاده في الخارج، سواء ارتدع عنه باختياره أم لم يرتدع) بل معناه:
الحيلولة دون حصول المنكر وإن لم يعجز فاعله كما إذا كان المنكر مستقبلياً، فانه لو نهاه عنه فارتدع باختياره فانه لا شك انه يصدق عليه انه دفع وقوع المنكر بنهيه عنه من قبل؛ فانه ليس رفعاً بلا شك([8]) بل هو دفع عرفاً، بل ان الدفع أعم – دقةً – من العلة التامة التكوينية والعلة المعدّة ومن التوليدي والاعدادي فتدبر.
لكن هذا الإشكال وإن تمّ إلا انه غير ضار بمدعاه قدس سره؛ إذ لنفرض ان النهي عن المنكر المستقبلي دفع، لكن وجوبه لا يستلزم وجوب مطلق الدفع وإن كان لا عبر النهي عن المنكر، فانه قياس ظاهر. فتدبر تعرف([9]).
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
روي عن سيدة النساء صلوات الله عليها انها قالت: ((مَنْ أَصْعَدَ إِلَى اللَّهِ خَالِصَ عِبَادَتِهِ أَهْبَطَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ أَفْضَلَ مَصْلَحَتِهِ‏‏‏))
(عدة الداعي: ص233).

-------------
([1]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج5 ص55.
([2]) الدرس (170).
([3]) سيأتي منا ان الدفع أعم من وجه
([4]) السيد أبو القاسم الخوئي، مصباح الفقاهة، الناشر: مكتبة الداوري – قم، ج1 ص294.
([5]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج5 ص55.
([6]) إِنّاً لا لِـمّاً. فتدبر
([7]) أريد بالعلل ههنا المعنى الأعم من الحِكَم.
([8]) لفرض انه مستقبلي.
([9]) والحاصل: ان الدفع الحاصل في ضمن النهي عن المنكر واجب، فمن أين وجوب غيره (أي الدفع الحاصل في ضمن غيره)؟

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3422
  • تاريخ إضافة الموضوع : الأحد 4 جمادى الآخرة 1440هـ
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 06 / 19