• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : التزاحم (1440-1441هـ) .
              • الموضوع : 190- مناقشه مع الميرزا النائيني: لا فرق بين المعاملات والحجج في الحاجه للامضاء او الاستغناء عنه .

190- مناقشه مع الميرزا النائيني: لا فرق بين المعاملات والحجج في الحاجه للامضاء او الاستغناء عنه

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

(190)

 

النائيني: المعاملات بحاجة إلى إمضاء، عكس الحجج([1])

سبق كلام المحقق النائيني قدس سره: (ومن ذلك يظهر: انه لا يحتاج في اعتبار الطريقة العقلائية إلى إمضاء صاحب الشرع لها والتصريح باعتبارها، بل يكفي عدم الردع عنها، فإنّ عدم الردع عنها مع التمكن منه يلازم الرضا بها وإن لم يصرح بالإمضاء.

نعم، لا يبعد الحاجة إلى الإمضاء في باب المعاملات؛ لأنها من الأمور الاعتبارية التي تتوقف صحتها على اعتبارها، ولو كان المعتبر غير الشارع فلا بدّ من إمضاء ذلك ولو بالعموم أو الإطلاق، وتظهر الثمرة في المعاملات المستحدثة التي لم تكن في زمان الشارع كالمعاملة المعروفة في هذا الزمان بـ"البيمة" فإنها إذا لم تندرج في عموم (أحلَّ الله) و(أوفوا بالعقود) ونحو ذلك فلا يجوز ترتيب آثار الصحة عليها).([2])

 

توضيح كلامه

وتوضيحه: ان بعض الأمور يكفي فيها الرضا وبعضها لا يكتفى فيها به بل لا بد من اعتباره وجعله وذلك بإنشائه.

فمن الثاني: المعاملات فان المالك لا يكفي في نقله ملكه إلى الغير أن يرضى به فقط بل لا بد من ان يعتبره العقلاء (أو الشرع) ناقلاً ولا بد لاعتبارهم النقل من إنشائه النقل فكذلك الشارع فانه لا يكفي رضاه عن معاملةٍ ما بل لا بد من جعله واعتباره وذلك لا يكون إلا بالإمضاء.

ومن الأول: الحجج؛ فان العقلاء إذا بنوا على حجية خبر الثقة مثلاً كفى رضا الشارع بذلك ولا يحتاج إلى جعل واعتبار منه ليتوقف على الإمضاء.

 

المناقشات

وقد يورد عليه نقضاً وحلاً:

 

نقضاً: الحجج كالمعاملات بحاجة إلى اعتبارٍ وإمضاء

اما نقضاً: فلأن الحجية بحاجة إلى اعتبارٍ وجعل، ولا يكفي فيها الرضا، وذلك على مختلف المباني في معناها، ولنقتصر على ثلاثة منها:

 

بناء على تفسير الحجية بالكاشفية

فإن كانت بمعنى الكاشفية فقد يتوهم ان خبر الثقة ما دام كاشفاً ومادام يراه العرف كاشفاً أيضاً فانه يكفي رضا الشارع ولا حاجة لجعلٍ منه واعتبار، لكنه غير تام إذ الفرض ان خبر الثقة وأضرابه كاشف ناقص عن الواقع وان الشارع – على مبنى الميرزا – تمّم كشفه وذلك بتنزيل الكاشف الناقص منزلة الكاشف التام فان الحجة الذاتية هي العلم واما ما عداه فحيث كان يحتمل فيه الخطأ أو الكذب فلا يجوز إتباعه إلا بتتميم كشفه تنزيلاً للناقص منزلة التام.

ومن الاستطراد القول ان وجه تتميمه الكشف وتنزيله الناقص منزلة التام هو ان المصلحة الأعظم في ذلك وان المفسدة الأكبر في العكس؛ إذ تَرْكُ ما خيره أكثر لوجود مفسدة قليلة فيه، مفسدة أكبر فانه إن لم يجعل خبر الثقة حجة لازم الإتباع كان خلافه وهو الوهم المضاد لمؤدى خبر الثقة هو المرجع، وهو ترجيح للمرجوح بل ترجيح للمفسدة الأكبر، بإتباع الاحتمال الضعيف المخالف لخبر الثقة، على المنفعة الأكبر ذات المفسدة الأقل (بإتباع خبر الثقة) وذلك بعد الفراغ عن ان الاحتياط موجب للعسر والحرج أو انه ليس طريقة العقلاء ولا الشارع في أمور المعاش والمعاد، وبعد الفراغ عن ان اشتراط الاثنين في نقل الخبر وجعله كباب الشهادة مثلاً مُوقِعٌ في العسر والحرج. فتأمل.

والحاصل: ان الحجج، كالمعاملات، لا يكفي فيها الرضا بل لا بد من جعلٍ: أَما في المعاملات فجَعْلُ اعتبارِ النقل والانتقال بالبيع أو الهبة مثلاً، وأَما في الحجج فجَعْلُ الكاشفية التنزيلية أو جعل متمِّم الكشف أو جعل الاعتبار في عالمه، فكلاهما سيّان من هذه الجهة، فإذا كان ذلك كذلك احتاج كلاهما إلى الإمضاء لا المعاملات فقط.

فهذا بناء على تفسير الحجية بمعنى الكاشفية.

 

وكذلك على تفسيرها بالمنجزية أو بما يحتج به

وكذلك الأمر بناء على تفسيرها بمعنى المنجزية والمعذرية إذ المنجز ذاتاً هو العلم وكذا المعذر ذاتاً هو القطع المخالف للواقع إذا كان عن قصور، واما الظنون فان إيجابها لاستحقاق العقاب بالمخالفة ومعذريتها لدى المخالفة إنما يكون بمتمم الجعل إذ لولا تنزيلها منزلة العلم لما وجب إتباعها.

وكذلك ما يحتج به المولى على عبده وبالعكس فان العلم كذلك اما الظن فلا يحتج به إلا لو أكمل الشارع كاشفيته. فتأمل([3])

والحاصل: ان الحجج، كالمعاملات، تماماً فان احتاجت الأخيرة إلى الإمضاء احتاجت الأولى كذلك وإن كفى عدم الردع في الأولى كفى في الثانية.

 

حلاً: يكفي الرضا من الشارع ولا حاجة لاعتباره وجعله

واما حلاً: فأولاً: انه قد يقال ان حال الشارع يختلف عن حال العبد فان رضا المكلف لا يكفي للنقل والانتقال أو للطلاق وغيره، عكس رضا الشارع فانه كافٍ، والسبب ان العبد ليس بيده التشريع عكس الشارع.

توضيحه: انه لا إشكال ثبوتياً في ان يكون رضا المالك مملّكاً، بل الإشكال إثباتي وهو انه ليس بيده التشريع ليجعل مجرد رضاه مملكاً، عكس الشارع فان بيده التشريع. بعبارة أخرى: ان العقلاء والشارع حفظاً للنظام وقطعاً لباب المنازعات اشترطوا في تحقق العقود والإيقاعات، الإنشاء؛ فانه مما يمكن ان يُشهد به وعليه، عكس الرضا الباطني؛ وإلا لادعى كل أحد انه رضي بطلاق زوجته قبل سنة فهي طالق أو رضي ببيع ماله لبكر ورضي بذلك بكر فقد انتقل... وهكذا، ولذلك فيّد الشارع والعقلاء حدود صلاحيات المالك في المعاملات بالمعنى الأعم، بكونها عن إنشاء، اما الشارع فهو المالك الحقيقي للتكوين والتشريع فرضاه كافٍ في حصول النقل والانتقال، نعم جرت سنته في عبيده ان لا يعتبر رضائهم كافياً في المعاملات، ولذا نجد انه متى اعتبر الرضا كافياً كفى كما لو علم الآخر ان صاحب الدار راضٍ بسكنه فيها مجاناً، فان الإباحة حينئذٍ غير متوقفة على المبرز أو على الإنشاء، وبذلك ظهر عدم تمامية قوله قدس سره (لأنها من الأمور الاعتبارية التي تتوقف صحتها على اعتبارها، ولو كان المعتبر غير الشارع فلا بدّ من إمضاء ذلك ولو بالعموم أو الإطلاق) إذ لا تتوقف صحتها على اعتبارها من الشارع ولو بالإمضاء بل يكفي رضاه – كما أوضحناه.

 

سلّمنا: لكن سكوته كاشف عن رضاه واعتباره معاً

ثانياً: سلّمنا لكن رضاه بالمعاملات العقلائية، كالمعاطاة([4]) التي كانت تجري أمام عينيه، كاشف عن اعتباره لها أو انه متضمن لاعتباره لها، وسكوته كاشف عن رضاه فلا حاجة للإمضاء الصريح بل هو منكشف بالسكوت الدال على الرضا أو المتضمن هو فيه، أو فقل ان سكوته كاشف عن رضاه وعن اعتباره معاً؛ وإلا لكان مغرياً بالجهل، فتدبر.

ثم ان ذلك كله جارٍ في مثل دفع المنكر – وهو محل البحث هنا – فان سيرة العقلاء على دفع ما هو منكر لديهم، ومن لم يفعل منهم فلتساهل وإهمال، والشارع سكت فيكشف سكوته عن رضاه الدال على حكمه بالوجوب أيضاً. فتأمل وللبحث صلة بإذن الله تعالى.                            

 

 

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

 

 

عن أبي جعفر عليه السلام قال: ((لَوْ أَنَّ الْإِمَامَ رُفِعَ مِنَ الْأَرْضِ سَاعَةً لَمَاجَتْ بِأَهْلِهَا كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ بِأَهْلِهِ)) (الكافي: ج1 ص179).

 

-------------------------------------

([1]) فيكفي فيها الرضا.

([2]) الشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني، فوائد الأصول، مؤسسة النشر الإسلامي – قم، ج3 ص193.

([3]) إذ ذلك كله على مبنى الحاجة إلى متمّم الجعل والتنزيل، والمنصور عدم الحاجة إليه وكفاية كون الطريق غالب الإيصال نوعاً في حجيته ولزوم إتباعه، وتفصيله في محله.

([4]) وهي محل بحثنا الآخر (في المكاسب) فهذا البحث نافع هناك أيضاً.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3472
  • تاريخ إضافة الموضوع : الثلاثاء 4 رجب 1440هـ
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 03 / 20