• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : الفوائد والبحوث .
              • الموضوع : 362- الفوائد الاصولية: الصحيح والأعم (5) .

362- الفوائد الاصولية: الصحيح والأعم (5)

الفوائد الأصولية
(الصحيح والأعم)

الفائدة الخامسة : ذهب بعضهم إلى أن ألفاظ المعاملات موضوعة للصحيح ، وذهب آخرون إلى أنها موضوعة للأعم ؛ فعلى الأول تكون العقود حقيقةً في الصحيح مجازاً في الفاسد؛ ولكن قيل  بأن هذا يعني القول بالحقيقة الشرعية والمشهور عدمها؛ بالإضافة إلى أنه  يستلزم عدم صحة التمسك بالعمومات والإطلاقات في موارد الشك ؛ لأنه يكون من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية،  مع أنهم  يتمسكون بهما فيها.

بحث تطبيقي
هل أن ألفاظ المعاملات بالمعنى الأعم [1] موضوعة للصحيح منها أو للأعم؟  فإن كانت موضوعة للصحيح منها فإطلاقها على الفاسد مجاز ولا يصح التمسك بإطلاق ما وردت ألفاظها فيها باعتبارها موضوعاً للحكم الشرعي، لنفي ما شك في مدخليته في صحتها، وإلا كان حقيقة.

تسلسل بحث  الشيخ في البيع
وقبل تحقيق الحال في ذلك لا بد من الإشارة إلى أن الشيخ ((قدس سرة)) ابتدأ كتاب البيع بذكر تعريفاته والمناقشة فيها، وضمنّها بحثاً عن الحقوق وصحة المعاوضة عليها ونقلها وانتقالها أو إسقاطها وشبه ذلك، كما ضمنّها فوارق البيع عن مثل الهبة المعوضة والصلح وشبهها مما كان تمليكاً بعوض، ثم أنتقل إلى كلام الشهيد في أن البيع وسائر العقود حقيقة في الصحيح لا الأعم فهي مجاز في الفاسد، وذلك كتمهيدٍ لتحقيق أنه كيف يمكن التمسك بإطلاقات أدلة البيع وغيرها لنفي كل ما شك في شرطيته فيه أو كونه قيداً أو جزءاً أو مانعاً.

نقل الشيخ لكلام الشهيد: العقود حقيقة في الصحيح منها فقط
حيث قال (قدس سرة): ( ثمّ إنّ الشهيد الثاني نصّ في ((كتاب اليمين)) من المسالك على أنّ عقد البيع وغيره من العقود حقيقة في الصحيح، مجاز في الفاسد؛ لوجود خواصّ الحقيقة والمجاز كالتبادر وصحّة السلب، قال: ومِن ثَمّ حُمل الإقرار به عليه، حتى لو ادّعى إرادة الفاسد لم يسمع إجماعاً، ولو كان مشتركاً بين الصحيح والفاسد لَـقُبِل تفسيره بأحدهما كغيره من الألفاظ المشتركة، وانقسامه إلى الصحيح والفاسد أعمّ من الحقيقة، انتهى.
وقال الشهيد الأوّل في قواعده: الماهيّات الجعليّة كالصلاة والصوم وسائر العقود لا تطلق على الفاسد إلّا الحجّ؛ لوجوب المضيّ فيه، انتهى. وظاهره إرادة الإطلاق الحقيقي) [2].

تلخيص الوالد لكلام الشيخ
ولخصّ السيد الوالد (قدس سرة)  البحث تبعاً للميرزا النائيني بقوله: (ثم إن الشهيد الثاني (قدس سرة) جعل العقود حقيقةً في الصحيح مجازاً في الفاسد، وقد تبع بذلك الشهيد الأول (قدس سرة) ، وظاهرهما أن الأمر كذلك في الإيقاعات.
وأورد عليهما الشيخ (قدس سرة) وغيره - تبعاً لصاحب الحاشية-  بأن ذلك اعتراف بالحقيقة الشرعية والمشهور عدمها؛ حيث إن المعاملات امضائيات، ويستلزم عدم صحة التمسك بالعمومات والإطلاقات في موارد الشك ؛ لأنه يكون من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية،  مع أن العلماء يتمسكون بهما فيها) [3]  [4].

بحث تطبيقي آخر :
إن المعاني المحتملة في  رواية ( إنما الأعمال بالنيات )  خمسة معانٍ، والذي ينفعنا في المقام هو خامسها فقط [5]:
المعنى الأول:  أن يكون المراد من (إنما الأعمال بالنيات) أن الأعمال في وجودها وعدمها متوقفةٌ على النية، والعمل مرتهن بها .
المعنى الثاني: أن يكون المراد من (إنما الأعمال بالنيات) أن الأعمال في تعنونها ونوعها متوقفة على النية، لا أنها تحتاج إليها في أصل وجودها.  
المعنى الثالث:  أن يكون المراد من  (إنما الأعمال بالنيات) أن الأعمال: تكون في ثوابها متقومة بالنية، أو أنها تكون في قبولها متقومة بها، فهي صحيحة ولكن لا ثواب عليها, أو ليست بمقبولة ، أو إن المراد من (إنما الأعمال بالنيات) أن كمال العمل متوقف على وجود النية، وهنا يوجد ثواب ولكن لا كمال للعمل لعدم القصد والنية، وهذه معانٍ ثلاثة قد أدرجناها كلها في هذا المعنى لتسهيل الأمر.
المعنى الرابع:  أن يكون المراد من ( إنما الأعمال بالنيات )  هو الإجمال؛ فإن بعض الأعلام [6]  حيث تحير في المراد من الرواية، ذهب إلى إجماله.
المعنى الخامس: أن يكون المراد من  (إنما الأعمال بالنيات) هو أن صحة الأعمال تتوقف على وجود النية؛ فإن براءة ذمة المكلف وسقوط التكليف عنه قد تكون بوجود النية، من دون أن يكون أصل وجود العمل أو تعنونه موقوفاً عليها؛ وذلك كما في الزكاة، فإن المكلف لو دفعها بدون قصد القربة فإنها متحققة [7] لكنها ليست بصحيحة على مبنيين دون ثالث:
1- فإنه بناءً على مسلك الأعمي فهي ليست بصحيحة، وليست مبرئة للذمة رغم وجودها وصدق الاسم عليها؛ إذ الأسماء والألفاظ موضوعة للأعم من الصحيح والفاسد؛ وعليه فإن الزكاة بدون نية هي زكاة لكنها ليست بصحيحة.
2- وأمّا على مبنى الصحيحي فإنه ينشعب إلى صورتين ومبنيين ، وهو  أن الزكاة ليست بصحيحة على أحدهما:
أ- فلو قلنا: إن الأسماء موضوعة للصحيح فقط في المخترعات الشرعية وغيرها وليس للأعم، ولكن مع ذلك لم نقل بالحقيقة الشرعية، فبناءً على هذا المبنى فإن الزكاة ما دامت ليست بحقيقة شرعية فهي باقية على معناها اللغوي والعرفي، وحيث إنّ اللغة والعرف لا يرى النية مقومة للزكاة فهي لغة وعرفاً زكاة، للصدق الحقيقي، ولكنها ليست مبرئة للذمة شرعاً؛ لعدم النية والقصد، فتأمل.
ب- وأمّا لو قلنا بمسلك الصحيحي مع القول بثبوت الحقيقة الشرعية للزكاة، فإن الزكاة الفاقدة لقصد القربة ليست بزكاة [8].

بحث تطبيقي ثالث :
في تحقيق الحال في  (البر) هل أنه مجرى الاشتغال أو البراءة لو شك في كون هذا العمل براً أم لا عندما أمره الشارع : أفعل البر ، أو نذر بأن يفعل براً ؟
فهنا ما شك في كونه براً [9]  فهو غير مبرئ لذمته لو فعله عند الصحيحي، وأما عند الأعمي فإنه مبرئ لديه نظراً لصدق البر، والشك في القيد يُدفع بالأصل والإطلاق.
وأما لوكان البر متعلقاً للأمر لا موضوعاً كما في الآية الشريفة (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ) [10] حيث إن الموضوع هو (التعاون) والمتعلق هو (البر) فالظاهر أن الأمر بالعكس تماماً، فعلى الصحيح حيث يشك أنه (بر) لا يجب التعاون عليه ؛ لأن الحكم لا يتكفل موضوعه ولا أصل ينقحه، فما فرض أنه (بر) يجب عليه التعاون،  وأما على الأعم فيجب التعاون عليه لصدق البر، والشرط يدفع بالأصل،  فليدقق.
وليست هذه المسألة فرضية، بل هي من موارد الابتلاء، كما لو شك في أن إكراه أحد أبويه على شرب هذا الدواء (بر) نظراً لحاجته إليه، أم (إثم) نظراً لإيذائه بذلك، فعند الصحيحي لا يجب فعل ذلك ولا التعاون عليه، وعند الأعمي يجب،  فتأمل.
وكذلك لو شك في أن عقد هذه المعاهدة مع تلك الدولة الكافرة (بر) أم لا ؛ نظراً لباب التزاحم، فهل يجب التعاون على عقدها أم لا؟ وهل يحرم (التعاون على الإثم) أم لا؟
وكذلك لو شك في أن إذن الفقيه الجامع للشرائط شرط لشرعية الحزب الجامع لكل الشرائط عدا الإذن ؛ فإنه على الصحيحي يشك في كون ذلك (براً) فلا يجب التعاون عليه، بل يحرم التعاون عليه نظراً لكونه إثماً [11] ، وعلى الأعمي فإنه (بر) يصح أو يجب التعاون عليه، هذا كله لو شك في اشتراط الإذن وعدمه ، وأما لو علم اشتراطه فليس (ببر) حتى على الأعمي لأن المدار في حكم الشرع على ما هو موضوعه واقعاً لا على الألفاظ العرفية ، كما أنه لو علم عدم الاشتراط فإنه (بر) حتى على الصحيحي كما لا يخفى [12].


-----------
[1] الشامل للعقود والإيقاعات.
[2]  المكاسب :ج1 ص240.
[3]  الفقه/ البيع، ص41 -42.
[4] الدرس : 218، بحث البيع.
[5] وأمّا بقية المعاني  فنذكرها من باب تتميم الفائدة وعلى وجه الأجمال ، وأما تفصيلها فموجود في مصدر هذا البحث .
[6] انظر: الحدائق الناضرة2: 184 حيث قال: ((وبالجملة فحيث كانت المسألة خالية من النص فالواجب الوقوف فيها على ساحل الاحتياط، وخبر: إنما الأعمال بالنيات، ولا عمل إلا بنية، مع تسليم حمل النية فيه على المعنى الشرعي... فيه كما ترى من الإجمال والاحتمال ما يخرج به عن حيز الاستدلال)).
[7]  أي: هي زكاة .
[8] فقه الرشوة : ص 265.
[9] للشك في تحقق شرط كالقيام مثلاً إذا شك في كونه في حالة معينة احتراماً فإنه بشرط كونه احتراماً بر.
[10]سورة المائدة: 2.
[11] وليس ذلك بدعوى التضاد بين البر والإثم فإن لهما ثالثاً، بل بلحاظ أن الحزب ـ بلحاظ احتمال اشتراط إذن الفقيه إما جائز بالمعنى الأعم أو حرام.
[12] فقه التعاون: ص365.


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3717
  • تاريخ إضافة الموضوع : 19 ربيع الاخر 1441هـ
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 09 / 30