• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : الفوائد والبحوث .
              • الموضوع : 364- الفوائد الاصولية: الصحيح والأعم (7) .

364- الفوائد الاصولية: الصحيح والأعم (7)

الفوائد الأصولية
(الصحيح والأعم)

 

الفائدة السابعة : استدل الشهيد الثاني على أن الالفاظ موضوعة  للصحيح بالتبادر؛ إذ يتبادر من حاق اللفظ أنه للصحيح دون الفاسد ، وثانياً بالإقرار؛ إذ المقرّ إنما يقر لغاية عقلائية وهي ترتيب الأثر؛ والأثر إنما يترتب على الصحيح دون الفاسد، فدعواه غير الصحيح خلاف الظاهر ، وثالثاً بأصالة الصحة في عمل المسلم؛ إذ أنه لو باع أو طلَّق أو نكح أو صالح أو شبه ذلك حملوه على الصحيح دون الفاسد ، ورابعاً بالأخبار الظاهر في إثبات الآثار للعناوين ؛ حيث إنه يراد من (الصَّلَاةُ عَمُودُ الدِّينِ) و :(الطَّلَاقُ بِيَدِ مَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ) الصلاة الصحيحة والطلاق الصحيح لا الفاسد منهما .
ولكن يرد على الأول : بأن كلامه  مجمل ؛ حيث لا يُعلم أنه قصد التبادر الوضع للصحيح واقعاً أو شرعاً أو عرفاً  أو لغةً ، في حين أن الصحة الشرعية لا يُستدل عليها إلا بالتبادر لدى المتشرعة بما هم متشرعة ولا يُستدل عليها بالتبادر بقول مطلق، بالإضافة إلى أن الصحيح شرعاً في العقود والإيقاعات مجهول لدينا، فإذا كان مجهولاً فكيف يقال إن  التبادر دليل على الوضع للصحيح شرعاً ؛ ويرد على الثاني أن الإقرار إنما يحمل على الصحيح لظهور حال المقرّ في أنه يريد الصحيح وليس لظهور اللفظ في وضعه للصحيح، ويرد على الثالث أن ذلك عن أجنبي مبحث  الوضع للصحيح أو الأعم؛ لأن أصالة الصحة تستند إلى ظاهر حال المسلم في حين أن كلامنا إنما هو عن الواضع  وأنه وضع اللفظ للصحيح أو للأعم؛ فهما بابان مختلفان من واديين متباينين؛ ويرد على الرابع أن الاستعمال أعم من الحقيقة؛ فإن أصالة الحقيقية جارية فيما يُعلم المعنى المراد ويُجهل الموضوع، إذا جهل الموضوع له وعلم المراد  فهنا موطن الاستعمال أعم من الحقيقة ؛ لوضوح أن استعمال الناس للألفاظ قد يكون في معانيها الحقيقية وقد يكون في معانيها المجازية ولكل منهما حِكمة ومحلّ.
وأضاف بعضهم دليلين آخرين، أولهما : القطع بأن ديدن الواضعين هو الوضع للصحيح والمركبات التامة ؛  حيث إن مقتضى الحكمة للوضع هو التفهيم؛ وذلك لا يتم إلا أن يكون تاماً صحيحاً، وثانيهما: بصحة السلب عن الفاسد ؛ فيكون إطلاق الصحيح عليه مجازاً .
ولكن  ير د على الأول: أن دعوى القطع على ذلك مما لا سبيل لإثباتها ، إذ لا طريق لنا لإثباتها، وأما الحكمة فهي كما تقتضي الصحيح كذلك تقتضي الفاسد ولو بالقرينة أو غيرها ، فتكون - قضية الحكمة الداعية إلى الوضع-  أعم؛ والأعم لا يكون دليلاً على الأخص،  وعلى الثاني : أن دعوى القطع على ذلك مما لا سبيل لإثباتها ، إذ لا طريق لنا لإثباتها، وأما الحكمة فهي كما تقتضي الصحيح كذلك تقتضي الفاسد ولو بالقرينة أو غيرها ، فتكون - قضية الحكمة الداعية إلى الوضع-  أعم؛ والأعم لا يكون دليلاً على الأخص.

تفصيل الفائدة:
قد استدل الشهيدان على وضع ألفاظ المعاملات للصحيح بأدلة أربعة [1]:

أولاً : التبادر
الدليل الأول: التبادر ؛ إذ يتبادر من حاق لفظ البيع ومشتقاته -كبعتُ وباع وسأبيع- الصحيح منه لا الفاسد حتى أنه لو فسره به لاستغرب الناس، ولا يخفى أن التبادر دليل على وضعه لغة للصحيح وعرفاً، لكنه لا يستدل به على وضعه للصحيح شرعاً ، وسيأتي.

ثانياً: الإقرار.
الدليل الثاني : الإقرار ، وهو كما نقله  الشيخ عنه في المكاسب بقوله : (ثمّ إنّ الشهيد الثاني نصّ في (كتاب اليمين) من المسالك على أنّ عقد البيع وغيره من العقود حقيقة في الصحيح، مجاز في الفاسد؛ لوجود خواصّ الحقيقة والمجاز، كالتبادر وصحّة السلب، قال: ومِن ثَمّ حُمل الإقرار به عليه، حتى لو ادّعى إرادة الفاسد لم يسمع إجماعاً، ولو كان مشتركاً بين الصحيح والفاسد لقبل تفسيره بأحدهما كغيره من الألفاظ المشتركة، وانقسامه إلى الصحيح والفاسد أعمّ من الحقيقة، انتهى) [2] وسيأتي إيضاح تمام كلماته ثم المناقشة في بعضها بإذن الله تعالى [3].

ثالثاً: أصالة الصحة في عمل المسلم
الدليل الثالث : وقد يستدل على وضع ألفاظ المعاملات – وغيرها-  للصحيح بأصالة الصحة في عمل المسلم؛ بل أصالة الصحة في عمل الإنسان كما ذهب إليه السيد الوالد مستدلاً ببناء العقلاء من كل الملل والنحل عليها ؛ فإنهم كلما باع شخص أو طلَّق أو نكح أو صالح أو شبه ذلك حملوه على الصحيح الواقعي أو الصحيح عندهم كأصل عام إلا إذا ثبت لهم خلافه أو كان الفرد في مظان التهمة والشبهة لديهم.
وقد حمل بعضهم كلام الشهيد الثاني - الآتي في أصالة الصحة-  على استدلاله بها على الوضع للصحيح ،إذ قال في المسالك بعد قول الشرائع  : (فالقول قول مدّعي صحة العقد) على علّة الحكم، وهو أصالة الصحّة في العقود، فإنّ الظاهر من العقود الجارية بين المسلمين الصحّة، فيكون قول مدّعي الصحّة موافقا للأصل. وهذا يتمّ في المسألة الاولى. وأمّا الثانية فمدّعي الفسخ لا ينكر صحة العقد بل يعترف به ويدّعي أمرا آخر، لكن لـمّا كان الأصل عدم طروّ المبطل الموجب لاستمرار الصحّة أطلق عليه الصحة مجازا وأراد به بقائها) [4].
وقال في الروضة البهية: (يقدم مدعي الصحة ، لأنها الأصل في تصرفات المسلم) [5].

مناقشة الدليل الثالث
أقول: استدل الشهيد على تقديم قول مدعي الصحة لدى الاختلاف بين البائع والمشتري في صحة البيع وفساده بأصالة الصحة، وذلك كما لو ادعى البائع فساد البيع؛ لكي يسترجع ما باعه بعد أن ندم على بيعه مثلاً، وادعى المشتري الصحة، أو العكس: بأن ادعى المشتري الفساد ليتخلص من المعاملة ويسترجع ماله وادعى البائع الصحة.
لكن ذلك أجنبي عن مبحثنا من الوضع للصحيح أو الأعم؛ فإن أصالة الصحة تستند إلى ظاهر حال المسلم أو ظاهر حال الإنسان مطلقاً في أنه إذا أجرى معاملة فإنه يجري الصحيح منها [6]، فظاهر الحال - المستند إلى الغلبة - هو منشأ البناء على أصالة الصحة وتقديم قول مدّعيها، وهي قرينة خارجية أجنبية عن المبحث؛ إذ الكلام إنما هو عن الواضع [7] وأنه وضع اللفظ للصحيح أو للأعم؛ فهما بابان مختلفان من واديين متباينين، اللهم إلا أن يستدل بأصالة الصحة على أنه وضعه للصحيح من المداليل والعقود لا للفواسد منها، وهو واضح البطلان [8].
وبعبارة أخرى: إذا قال المسلم (بعت) فما هو ظاهر هذا اللفظ بنفسه وما المتبادر من حاقّه بحيث يكشف عن وضعه؟ فهذا مورد البحث، وأما مورد أصالة الصحة فهو أنه إذا قام بعمل - كالبيع مثلاً - وشك في أنه صحيح أو لا،  أو ادعي أنه فاسد ؛ فإن الأصل هو أنه قد قام بالبيع الصحيح لا بالفاسد؛ فأصالة الصحة تحدد حال العمل ونوعه، وأصالة الوضع للصحيح –على فرضها –تحدد حال الوضع اللغوي ونوعه.
فقد خلط المستدل بين أصالة الصحة في العقود، والتي منشؤها ظهور حال المسلم، وبين دعوى أن العقود حقيقة في الصحيح مجاز في الفاسد، وهذه منشؤها الوضع.
فإذا عرفت المناقشة في الوجه الثالث فلنرجع إلى مناقشة الوجهين الأولين ثم نكمل سائر الأدلة التي أقيمت على الوضع للصحيح.

مناقشة الدليل الثاني: الإقرار يحمل على الصحيح
وقد ظهر من مناقشة الدليل الثالث الوجه في مناقشة الدليل الثاني ؛ فإن الإقرار إنما يحمل على الصحيح لظهور حال المقرّ في أنه يريد الصحيح [9]؛ إذ المقرّ إنما يقر لغاية عقلائية وهي ترتيب الأثر؛ والأثر إنما يترتب على الصحيح دون الفاسد، فدعواه غير الصحيح خلاف ظاهر حال المقرِّين في مختلف الملل والنحل ، والاستثناء هو المحتاج للدليل.

مناقشة الدليل الأول: التبادر
وأما الاستدلال بالتبادر على الوضع للصحيح شرعاً، وإسناده للشهيد، ففيه مناقشات وردود:

هل أراد الشهيد الصحيح شرعاً؟
فأولاً: لا يوجد في كلام الشهيد الثاني الذي نقله الشيخ في المكاسب دلالة على أنه يقصد الوضع للصحيح شرعاً؛ إذ عبارته هي (عقد البيع و غيره من العقود حقيقة في الصحيح، مجاز في الفاسد)[10] فلا يعلم- على الأقل- مراده إنه الصحيح شرعاً أو عرفاً أو واقعاً؛ فهو مبدئياً محتمل لها جميعاً.

بل الظاهر أنه لم يرده
ثانياً: بل نقول: إن الظاهر أنه أراد الصحيح واقعاً، وإن تنزلنا فالصحيح لغة أو عرفاً؛ وذلك لاستدلاله بالتبادر[11] ، فإنه دليل الوضع لغة بمرآتية الارتكاز العرفي المتلقّى عن الواضعين يداً بيد، والواضعون يضعون الألفاظ للمعاني الواقعية لا الشرعية أو غيرها من أنحاء العرف الخاص ، أي أنهم يجعلون الألفاظ مشيرةً للمعاني النفس الأمرية والحقيقية، فذاك الوجود العيني يتحقق له وجود لفظي، والوجود اللفظي - بالكلمات الموضوعة- هو المشير الإثباتي والمرآة [12] للمعاني الثبوتية والواقعية.
وعليه فكل من دعاوى أن التبادر علامة على أن المتبادَر إليه هو الموضوع له لغةً أو هو الممضى عرفاً أو المجعول من قبلهم أو هو المعنى الواقعي، لها وجه، أما الصحة الشرعية والتي تعني الحقيقة الشرعية فهي مجعولة للشارع فلا يستدل عليها إلا بالتبادر لدى المتشرعة بما هم متشرعة والأصح تسميته حينئذٍ بالانصراف، ولا يصح الاستدلال عليه بالتبادر بقول مطلق ، وقد استدل الشهيد بالتبادر بقول مطلق لا بالتبادر في عرف المتشرعة ، فلا يمكن أن يكون مراده ثبوت الحقيقة الشرعية للمعاملات وأن ألفاظها موضوعة للصحيح منها شرعاً.

فرق التبادر عن الانصراف
ثالثاً: أنه خلط البعض بين التبادر والانصراف، مع أن الانصراف دليل على أن المنصرَف عنه حقيقة أيضاً لكن الذهن ينصرف- لكثرة الاستعمال أو غيره- إلى حصة خاصة من المعنى الحقيقي، أما التبادر فهو دليل على أن المتبادَر عنه مجاز؛ وعليه: فمن استدل على الوضع للصحيح بالتبادر أراد أن استعماله في الفاسد مجاز، ومن استدل بالانصراف بنى على أنه حقيقة في الصحيح والفاسد لكنه- بمناسبة الحكم والموضوع أو غيره- منصرف للصحيح [13].

رابعاً: (الصحيح شرعاً) مجمل فكيف يتبادر؟
ثم إنه أشكل على القول بأن التبادر دليل على الصحيح شرعاً -  أي على ان الموضوع له هو العبادة أو المعاملة الصحيحة شرعاً - : بأن الصحيح شرعاً مجمل مجهول؛ إذ الصحيح يعني الجامع للأجزاء والشرائط ونحن لا نعلم أجزاء أو شرائط المركب الشرعي كالصلاة ولا نعلم أجزاء وشرائط المعاملات لدى الشارع، فإننا إنما نعلم المركبات العرفية والاعتبارات والحقائق المخترعة لديهم أما الشارع فلا نعلم، فمثلاً نعلم بأن العربية في البيع ليست شرطاً في صحة العقد لدى العرف، أما الشرع فلا نعلم ماذا صنع؛ إذ نجهل ملاكات أحكامه وما له دخل في مركّبه الذي جعله واخترعه أو أمضاه بعد تعديل وزيادة فيه أو نقصان، فهل التنجز لدى الشارع شرط؟ أو الموالاة؟ أو تقدم الإيجاب على القبول؟ وما هي شروط الطلاق الصحيح لدى الشارع؟ وهكذا.
والحاصل: أن الصحيح شرعاً في العقود والإيقاعات مجهول لدينا، فإذا كان مجهولاً لدينا فكيف يقال بأن التبادر دليل على الوضع للصحيح شرعاً؛ إذ التبادر يعني أعلى درجات الوضوح فلو لم يكن الارتكاز في عمق الأذهان من الوضوح بحيث ينسبق المعنى إلى الذهن من حاق اللفظ فوراً لما صح القول بأنه متبادر فإنه من البدار المسارعة، والصحيح شرعاً مجهول الأجزاء والشرائط فكيف يتبادر؟
وقد أشار الآخوند إلى كلا المطلبين وإلى الجواب عن الإشكال بقوله: (ومنها: أن ثمرة النزاع إجمال الخطاب على القول الصحيحي، وعدم جواز الرجوع إلى إطلاقه في رفع ما إذا شك في جزئية شيء للمأمور به أو شرطيته أصلاً، لاحتمال دخوله في المسمى، كما لا يخفى، وجواز الرجوع إليه في ذلك على القول الأعمي، في غير ما احتمل دخوله فيه، مما شك في جزئيته أو شرطيته) [14].
وأشار للإشكال والجواب بقوله: (وكيف كان ، فقد استدل للصحيحي بوجوه: أحدها: التبادر ودعوى أن المنسبق إلى الأذهان منها هو الصحيح، ولا منافاة بين دعوى ذلك وبين كون الألفاظ على هذا القول مجملات، فإن المنافاة إنّما تكون فيما إذا لم تكن معانيها على هذا مبينة بوجه، وقد عرفت كونها مبينة بغير وجه) [15].

الأجوبة
وجوابه حق ويمكن تصويره بوجوه أربع، فإن قصدها جميعاً فهو وإلا كان ثانيها هو مقصوده كما فسره به عدد من الشراح والمعلقين، وكانت الثلاثة الأخرى وجوهاً أخرى نضيفها لدفع الشبهة تأييداً لكلامه:

إن الجامع معلوم وهو المتبادر
الوجه الأول: أن الجامع هو المتبادر وهو المعلوم تفصيلاً وليس بالمجهول، والمجهول هو الخصوصيات من الأجزاء والشرائط، والجامع هو عنوان انتزاعي أو اعتباري وهو الجامع للأجزاء والشرائط؛ فالموضوع له -مثلاً- هو البيع الصحيح شرعاً [16]، فهذا الموضوع له هو المتبادر -على دعوى التبادر- ولا شك أنه مفهوم واضح.
وأما المجهول فهو المصداق وأنه هل هذا جزء أو شرط أو لا، فهو معلوم مفهوماً مجهول مصداقاً، وذلك نظير العلم الإجمالي فإنه علم بالجامع وجهل بالخصوصيات؛ فالصحيح شرعاً معلوم مفهوماً إذ مفهومه هو الجامع للأجزاء والشرائط، وهذا هو المتبادر لا نفس الخصوصيات والأجزاء والشرائط لتكون مجهوليتها سبباً للإشكال بأنه كيف يجتمع التبادر المبني على معلومية المتبادَر لدى الذهن، مع المجهولية؟

المتبادر هو المدلول عليه بالآثار وهو معلوم لمعلوميتها
الوجه الثاني: أن المتبادر هو المعنى الإجمالي الذي تدل عليه الآثار وهي معلومة، لا المعنى التفصيلي وهذا هو ما فسر به عدد من الشراح كلام الآخوند، قال في الوصول: (وجه عدم المنافاة أنه ليس المراد بالتبادر تبادر المعنى التفصيلي حتى ينافي كون المعنى مجملاً، بل المراد تبادر المعنى الإجمالي المشار إليه من طريق الخواص والآثار، فإنه يتبادر من الصلاة ما هو معراج المؤمن، وخير موضوع، وإن كان غير مبيّن من جهة الأجزاء والشرائط) [17] وقال: (ولكن قد عرفت كونها -أي كون المعاني-  (مبينة) اجمالاً بالخواص و الآثار (بغير وجه) واحد، ؛ذ قد عرفت وجوها عديدة من الآثار كلها تشير الى المعنى الصحيح.
فتحصل أن الاجمال بحسب الاجزاء و الشرائط لا ينافي كونها مبينة من طرق آثار متعددة و لوازم كثيرة) [18].
ولا يخفى الفرق بين الوجه الأول والثاني؛ فإن الوجه الثاني ينطلق من البرهان الإنّي وهو خارجٌ، والأول ينطلق من الذاتيّ وهو داخل؛ فإنه تارة نقول: (هذا [19] معلوم) بمعلومية آثاره ومعاليله كمعلولية النار لنا بعلمنا بآثارها من حرارة وإحراق وغيرهما، وأخرى نقول: (هذا معلوم) بمعلومية جنسه أو جامعه.

المتبادر هو المشير وهو معلوم
الوجه الثالث: أن يكون المتبادر هو المشير والمرآة للذات وهي معلومة [20]، وأما المجهول فهو المشار إليه أي ماهيته لا إنّيته ، والصحيح شرعاً كمشيرٍ [21] واضح المعنى ؛ وهو المتبادر من ألفاظ العبادات والمعاملات على حسب دعوى الصحيحي، أما المشار إليه وأنه ما هو وممّ يتركب فهو المجهول.
وقد يمثل لذلك بإشارتنا إلى الله تعالى بالعالم والقادر؛ فإنه كمشيرٍ معلومُ المعنى؛ فإن القادر والعالم هو ذو القدرة وذو العلم، أما المشار إليه فمجهول لأن علمه تعالى عين ذاته فإذا كانت ذاته مجهولة لنا- بل لا يعقل لنا العلم بها، إذ لا نعلم إلا أصل وجوده؛ وإلا لأحاط الممكن بالواجب والمتناهي باللامتناهي- فكيف يكون علمه وهو عين ذاته معلوماً لنا؟
ولذلك تخّبط من حاول فهم (الكيفية) ففسّر علمه تعالى بالحضوري، فأُشكل عليه بأنه يستلزم عدم عدمه بالأشياء قبل وجودها؛ إذ حضورها لديه فرع وجودها [22]، فإذا لم يكن زيد قبل وجوده - أي قبل 70 سنة مثلاً أو قبل مليارات السنين وقبل خلق العالم موجوداً - فكيف يكون حاضراً لديه تعالى، فإذا انتفى حضوره لديه انتفى علمه تعالى به، وهذا محال، ولذا لجأ غيرهم إلى قِدَم العالم فورد عليهم بداهة حدوث الحوادث كحركة يد زيد وولادة عمرو، فلجأ غيرهم إلى نفي علمه بالجزئيات وأنه عالم بها على الوجه الكلي، مما يعني نفي علمه بكل الحوادث وبحركة يدي الآن وبصلاة عمرو الآن وكذب بكر الآن وانه جل اسمه إنما يعلم كلِّي (الحركة) أو كلِّي (الكذب) وما أشبه، وكل هذه الأقوال الموغلة في البطلان نشأت من محاولة فهم كيفية علمه ، مع أن الإنسان العاجز عن فهم روحه بل العاجز حتى عن معرفة نفسه بل وحتى عن أكثر خصوصيات جسده، كيف له أن يحيط بالباري تعالى وعلمه وكيفيته؟.

المعلوم هو ضده أو ملازمة، وهو المتبادر
الوجه الرابع: أن يكون المتبادر هو أحد المتلازمين، فإن الأشياء تعرف بأضدادها كما تعرف بأشباهها، فالليل يعرف بالنهار وبالعكس، والأمام والخلف والفوق والتحت والعدو والصديق كل منها يعرف بضده، فقد يكون الشيء مجهول الذات لكنه يكون معلوماً بلازمه أو ضده.
وفي المقام: فإنه قد يقال بأن المتبادر من البيع -أو الصلاة - هو البيع الصحيح شرعاً ، أي ما ليس بفاسد، والفاسد معلوم وهو المتبادر عدمه ولا يضر به جهل الصحة بذاتها ولا يخفى ما فيه، فتأمل .

الدليل الرابع: الاخبار الظاهر في إثبات الآثار للعناوين
قال في الكفاية: (ثالثها: الأخبار الظاهرة في إثبات بعضٍ الخواص والآثار للمسمّيات مثل : (الصَّلَاةُ عَمُودُ الدِّينِ) [23] أو (معراج المؤمن) [24] و (الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ) [25] إلى غير ذلك، أو نفي ماهيّتها وطبائعها، مثل : (لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب) [26] ونحوه، مما كان ظاهراً في نفي الحقيقة، بمجرد فقد ما يعتبر في الصحة شطراً أو شرطاً) [27].
وبعبارة أخرى: أن الصلاة في قوله (عليه السلام): (الصَّلَاةُ عَمُودُ الدِّينِ) ونظائره يراد بها الصلاة الصحيحة قطعاً؛ لأنها هي عمود الدين لا الصلاة الفاسدة ، فلا يصح إرادة الجامع أيضاً بأن يراد الصلاة الأعم من الصحيحة والفاسدة عمود الدين.
وكذلك الحال في العقود ، فإن قوله مثلاً :(الطَّلَاقُ بِيَدِ مَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ) [28] يراد به أن الطلاق الصحيح بيده لا الفاسد ؛ فإنهما -الزوج والزوجة-  فيه سيان، وحينئذٍ فلو كانت الصلاة موضوعة للصحيح لكانت هذه الرواية وغيرها بلا تامةً عناية، وأما لو كانت موضوعة للأعم لكان ينبغي القول بالتجوز فيها ؛ إذ أريد بها بعضها- أي أنها استعملت في بعض الموضوع له [29] -  وهو خلاف الأصل.

المناقشة: الاستعمال أعم من الحقيقة وتوضيحها
ولكن يرد عليه: أن الاستعمال أعم من الحقيقة، وتوضيحه: أنه تارة يُعلم المعنى المراد ويُجهل الموضوع له وأخرى بالعكس: يُعلم الموضوع له ويجهل المعنى المراد، و (أصالة الحقيقة ) [30]  جارية في الثاني دون الأول، عكس (الاستعمال أعم من الحقيقة) الجارية في الأول دون الثاني؛ فإنه إذا عُلم الموضوع له وأن الأسد مثلاً موضوع للمفترس وجُهل أنه أراده أو غيره فهنا موطن أصالة الحقيقة وأن الأصل في استعمال الناس هو استعمالهم اللفظ في المعنى الموضوع له إلا بقرينة على الخلاف.
وأما إذا جهل الموضوع له وعلم المراد- كما في المقام إذ علم المراد وهو أن الصلاة الصحيحة معراج المؤمن، ولكن جهل الوضع على الفرض وأنه هل الصحيح هو الموضوع له أو الأعم - فهنا موطن الاستعمال أعم من الحقيقة، أي استعمال اللفظ في معنى محدد وثبوت أنه مراده منه أعم من كونه موضوعاً له؛ لوضوح أن استعمال الناس للألفاظ قد يكون في معانيها الحقيقية وقد يكون في معانيها المجازية ولكل منهما حِكمة ومحلّ، فإذا استعمله في معنى وإرادة ثبت أنه مراد له ، لكن من أين يثبت أن الواضع وضعه لنفس هذا المعنى الذي أراده هذا المستعمِل الآتي بعده؟.
ولا يُدفع هذا الإشكال بقوله: (وإرادةُ خصوص الصحيح من الطائفة الأولى، ونفي الصحة من الثانية ؛ لشيوع استعمال هذا التركيب في نفي مثل الصحة أو الكمال خلاف الظاهر، لا يصار إليه مع عدم نصب قرينة عليه، واستعمال هذا التركيب في نفي الصفة ممكن المنع، حتى في مثل (لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد) [31] مما يعلم أن المراد نفي الكمال، بدعوى استعماله في نفي الحقيقة، في مثله أيضاً بنحو من العناية، لا على الحقيقة، وإلاّ لما دلّ على المبالغة، فافهم) [32].
فإن المسلّم إذا أراد الصحيح ، ولكن هل أراده لأنه الموضوع له ليكون دليلاً على الصحيحي؟ أو أراده لأنه بعض الموضوع وأنه يصح استعمال اللفظ الموضوع للعام في بعض أفراده كي لا يكون دليلاً؟ وأما القرينة فهي موجودة وهي مناسبات الحكم والموضوع وخصوص المحمول والأدلة القطعية الحافّة، وسيأتي.

مناقشة القاعدة: الاستعمال يستبطن الحمل فهو دليل الحقيقة
ولكن قد يورد على قاعدة (الاستعمال أعم من الحقيقة): أن الاستعمال يستبطن الحمل، أي أن كل استعمال فهو متضمن للحمل ؛ فإذا كانت صحة الحمل علامة الحقيقة فكيف لا يكون الاستعمال علامة عليها؟
وتوضيحه: أن قولك (رأيت أسداً) هو استعمال إذ استعمل الأسد في شبل الأسد مثلاً ، وقد يتضمّن حمل الأسد على الشبل ، فإذا كان قولك (شبل الأسد أسد) دليلاً على أنه موضوع له ومعنى حقيقي لصحة الحمل بلا عناية كان قولك (رأيت أسداً) مستعمِلاً إياه في شِبله دليلاً على أنه موضوع له حقيقة ؛ لأنه تضمن صحة الحمل كذلك.

الجواب
والجواب: أن صحة الحمل بلا عناية هو علامة الحقيقة لا مطلق صحة الحمل، والاستعمال متضمن للحمل لكن بعناية.
وبعبارة أخرى: الاستعمال بما هو استعمال ليس بعلامة الحقيقة لكنه بما هو حمل أو يتضمنه علامة عليها إذا كان بلا عناية.
وبعبارة ثالثة: صحة الحمل كأنه لوحظ بنحو القضية الحقيقية لذا كان علامة الحقيقة، وأما الاستعمال فكأنه لوحظ بنحو القضية الخارجية [33] فلا يكون علامة الحقيقة، فلذا لو جُرّد الاستعمال من محتفّاته وعُرِف أنه استعمال للفظ في معنى بلحاظ حاقّ ونفس اللفظ، لكان دليل الحقيقة، فتدبر ولعله يأتي له مزيد إيضاح.
ومنه ظهر الجواب عن إشكال آخر ، وهو أن الصلاة في تلك الروايات استعملت في الصحيحة منها بلا تجشم عناية مجاز ومؤونة قرينة فهو علامة الحقيقة؛ إذ يجاب – كما سبق – بانها استعملت في الصحيح بقرينة خصوصية المحمول وللأدلة الأخرى القطعية على أن منشأ الأثر هو الصحيح.

طريقة الواضعين الوضع للصحيح والمركبات التامة
الدليل الخامس : ما أشار إليه الآخوند بقوله: (رابعها: دعوى القطع بأن طريقة الواضعين وديدنهم، وضع الألفاظ للمركبات التامة، كما هو قضية الحكمة الداعية إليه، والحاجة وإنّ دعت أحياناً إلى استعمالها في الناقص أيضاً، إلّا إنّه لا يقتضي أن يكون بنحو الحقيقة، بل ولو كان مسامحة، تنزيلاً للفاقد منزلة الواجد، والظاهر أن الشارع غير متخطّ عن هذه الطريقة، ولا يخفى أن هذه الدعوى وأنّ كانت غير بعيدة، إلّا إنّها قابلة للمنع، فتأمل) [34].

المناقشة:
أقول: يمكن ان يناقش:

بل هم غافلون عن هذا التفصيل
أولاً: بأنه لا قطع ولا ظن بأن ديدنهم هو ذلك، بل قد يدعى غفلتهم عن النحويين من الوضع تماماً، ويعرف ذلك بملاحظة حالنا نحن إذا أردنا أن نضع لفظاً لمعنى، فمثلاً لو رأينا بيضةً - أو طائراً لم نره من قبل أو موجوداً غريباً أو جهازاً جديداً فنريد ان نخترع له اسماً-  ولم نكن قد عرفنا وضع لفظ لها فإننا نضع اللفظ بإزاء كُلّيها ، أي أن الوضع خاص أولاً ثم عام والموضوع له عام، وبه نوضّح قولهم (الوضع عام والموضوع له عام) ؛ إذ الوضع العام - والوضع يعني المعنى المتصوَّر-  يسبقه عادة وضع خاص،  أي معنى متصور خاص ؛ إذ الأوضاع تكون عادة منطلقة من الجزئيات والمصاديق [35]، فعندما كان الواضعون يرون مصداقاً - كالنهر أو البئر أو الذهن-  فيتصورنه فهو معنى متصور خاص ، ثم ينتقلون منه لتصور كُلِّيِّه، ثم يضعون اللفظ للكلي.
لكن السؤال هو: هل نضع لفظ البيع للصحيح أو الفاسد؟ الظاهر أننا حين الوضع- ولولا الالفات لهذا التفصيل- غافلون عن ذلك ، بل نضع اللفظ لهذا المعنى إجمالاً غافلين عن وضعه لخصوص البيض الصحيح أو الأعم من البيض الصحيح والفاسد.
والخلاصة: أن الآخوند قد استدل بدليلين على مدعاه ؛ فأولاً: (دعوى القطع بأن طريق الواضعين وديدنهم وضع الألفاظ للمركبات التامة) ، وثانياً: دعوى (أن ذلك هو قضية الحكمة الداعية للوضع) ويرد على الدعوى الأولى: أولاً ما سبق.

رد دعوى القطع بديدن الواضعين، بأنه لا طريق لنا إليهم
ثانياً: أن دعواه القطع بأن طريقه الواضعين وديدنهم هو الوضع للمركبات التامة - أي الصحيح بمعنى المستجمع للأجزاء والشرائط - مما لا سبيل إليها أبداً؛ إذ الطريق إلى القطع بكيفية وضعهم:
إما تصريحهم بذلك ولم يصرح أحد منهم بذلك ؛ ولم تجر العادة سابقاً أبداً بكتابة أحدهم سيرته الذاتية مثلاً وأنه كيف وضع؟ ومتى وضع؟ ولِمَ وضع؟ وغير ذلك؛ ولا بلغنا من أحدهم شيء ، وإما نقل أحد الرواة عنهم ذلك؛ ولم يبلغنا من ذلك شيء ، وإما تصريح المعصوم (عليه السلام) بذلك ولا يوجد بأيدينا شيء منه،وإما اكتشاف كيفية وضعهم من الرجوع إلى مرائي ذاتنا ، بأن نرجع إلى أنفسنا فنلاحظ أنها كيف تضع الألفاظ [36] فنعتبرها مرآة لكيفية وضعهم ، ولكن هذا طريق غير كاشف عن حال الواضعين:
أولاً: لاختلاف الأفراد في هذا الزمن في نحوِ وضعه ودواعيه؛ إذ الظاهر أن بعضهم يضع للصحيح والبعض الآخر للأعم [37] ، ثانياً: لأن صفحة ذات كل شخص في هذا الزمن لا تصلح مرآة لكشف صفحة ذات الواضع قديماً لبداهة اختلاف الدواعي والمسبقات الفكرية والنفسية والمعرفية والتراكم الثقافي وشبه ذلك، نعم لو رأينا النوع البشري على نحوٍ ما كشف ذلك نوعاً عن كونهم كذلك سابقاً.

ودواعي الواضعين مختلفة
ثالثاً: أنه قد يستظهر أن دواعي الواضعين مختلفة فلا يصح استدلاله: (كما هو قضية الحكمة الداعية إليه) ، فهذا جواب على الوجه الثاني من وجهي استدلاله، كما هو جواب عن الوجه الأول أيضاً.
وتوضيحه: أن الواضع تارة يُهمّهُ المركب بأكمله أي المستجمع لجميع الأجزاء والشرائط والمؤثر تمام الأثر ولا يهمه غيره أبداً، فحينئذٍ يضع اللفظ له، فيكون فاقد بعض الأجزاء أو الشرائط أو الأثر مجازاً.
وتارة أخرى: يُهمّه الأعم من واجد كافة الأجزاء والشرائط ومن واجد معظمها أو واجد أركانها وإن لم يشتمل على بعض أجزائها الأخرى كالصلاة مثلاً، وأيضاً الأعمّ من واجد كل الأثر أو واجد بعضه كالسقمونيا إذا فقدت بعض الأجزاء فكانت مسهلة للصفراء بعض الشيء، وحينئذٍ يضعه للأعم من الصحيح والفاسد لكن لا مطلقاً بل الفاسد في الجملة.
وثالثة: لا يُهمّه إلا المظهر فحينئذٍ يضعه للأعم مطلقاً ، أي وإن فقد نصف الأجزاء أو معظمها أو فقد معظم الأثر أو كله مادام مظهره كمظهر الواجد.
وكل هذه الثلاثة عقلائية فما الدليل على اختصاص الوضع بالأول؟ ومن أين القطع بأن الواضعين كانوا من القسم الأول فقط؟
إن قلت: للواضع أن يضع للأول -أي الصحيح- ولا يُخلّ ذلك بتعلق الغرض بإرادة الأعم أحياناً إذ يستعان عليه حينئذٍ بالقرينة، أي أن طريق المجاز إلى الأعم منفتح.
قلت: الحكمة تتحقق بكل منهما أي بالوضع للأخص- أي للصحيح- ثم تجويز الاستعمال في الأعم مجازاً بقرينة كالمشاكلة الظاهرية، وبالوضع للأعم فإذا أراد الأخص ، أي خصوص الصحيح أقام عليه القرينة المعيِّنة، وحيث كان كلاهما من الحكمة، فكونه حكيماً أعم ، فتكون - قضية الحكمة الداعية إلى الوضع-  أعم؛ والأعم لا يكون دليلاً على الأخص ، فتدبر.

الدليل السادس: صحة السلب، ونحواه
وقد استدل على الصحيح أيضاً بصحة السلب عن الأعم.
وفيه: أن صحة السلب على قسمين: صحته بلا عناية، وهو دليل كون المسلوب عنه مجازاً، وصحته بعناية كما في لا النافية للكمال وليس هذا الأخير دليلاً، فالعمدة كل العمدة إثبات أن صحة السلب عن الفاسد-  كصحة سلب البيض عن البيض الفاسد أو سلب البيع عن البيع الباطل-  هو كونه بلا عناية، وأنّى لكم ذلك؟ إذ لعله بعناية قياسه إلى ذي الأثر ولحاظ الغرض منه ، فيقال البيض الفاسد ليس ببيض بهذا اللحاظ أو المراد ننزّله منزلته لا أنه ليس بموضوع له.
والحاصل: أن صحة السلب -كصحة الحمل- يجب إثبات كونها جرياً أو سلباً بلحاظ حاقّ اللفظ لا المكتنِفات ، فإن أحرز فهو ، وإلا فلا.

أمثلة تمرينية
1- هل يصح سلب العالم عن الساحر؟ قد يقال لا لأن السحر نوع من العلم، وقد يقال نعم يصح السلب لأنه فنّ أو مكر وليس علماً؟ فما هو الصحيح منها وهل السلب لو كان فبعناية أو لا؟
2- هل يصح سلب الحائط عن الحائط المائي؟ أو الليزري؟ أو سلب الجدار عن الجدار الناري الذي اصطلح عليه اليوم في الحروب؟ وما وجه دعوى الإيجاب أو السلب؟
3- لو تعلم العامي مسألتين فقط أو الطفل حرفين من حروف الهجاء، فهل يصح سلب العالم عنه أو هل يصح حمله عليه؟
4- هل يصح سلب الأسد عن صورة الأسد الذهنية؟ وهل لذلك علاقة بالمبحث الفلسفي من أن الماهية توجد بوجودين تارة بوجود ذهني وأخرى بوجود خارجي فالأسد
الذهني أسد حقيقة، أو على المبنى الآخر من ان الموجود في الذهن شبحها لا غير أو سائر
المباني الستة [38] [39].


------------
[1] وهناك أدلة أخرى ستأتي بإذن الله تعالى.
[2]  المكاسب : ج3 ص19.
[3] ولا بأس بالإشارة إلى مسألة نافعة استطراداً ؛ وهي: أنه لو باع علي داره لزيد – مثلاً-  ثم اشتراها منه أو وهبها زيد له أو شبه ذلك، ثم ادعاها زيد وأنها ملكه ، فلو أقر علي في المحكمة بأنه باعها لزيد ثم اشتراها منه انقلب مدعياً؛  إذ إقراره على نفسه جائز فيثبت بيعه لزيد ، ثم قوله إنه اشتراها منه ادعاءً فتقع عليه مؤونة إقامة البينة، فلو أراد التخلص من إلزام الخصم له بذلك فله أن يقول: إن الدار ملكي (فإذا كانت في يده كانت امارة يُكتفى بها وعلى الآخر البينة، وذلك من غير أن يكون إقراره بالبيع ثم الشراء، عليه) وإن لم تكن يد أحدهما عليه فكفى في كون زيد مدعياً دعواه أنه اشتراها منه، وإلا فهما مدعيان.
فائدة أخرى: ذهب الكثير من الأعلام أنه لا يجوز للقاضي أن يرشد أحد الطرفين إلى ما فيه نفعه (كما فيما ذكرناه) وإن كان محقاً، كما لا يجوز له تعتعة الشاهد.

[4] مسالك الأفهام : ج3 ص267- 268.
[5]  الروضة البهية : ج3 ص541.
[6] لديه أو لدى عرفهم أو لدى شرعهم، على الخلاف.
[7] الواضع للغة، أو الواضع للحقيقة الشرعية أو العرفية.
[8] إذ ليس وضعه للأعم من الصحيح والفاسد، فاسداً أو لغواً وباطلاً، ليكون وضعه له خلاف أصل الصحة في عمله (ومنه وضعه وجعله)؛ فإن للجعل للأعم من الصحيح والفاسد، فوائد وحكماً.
[9] لا لظهور اللفظ في وضعه للصحيح.
[10]  المكاسب: ج3 ص19.
[11] وقد سبق نقل عبارته في الدرس السابق.
[12] أو الفاني على مبنى آخر.
[13] تنبيه: سبق في بحث آخر بيان مناشئ الانصراف وأن المشهور منها أثنان: كثرة الوجود وكثرة الاستعمال وليس الأول منشأً له، وقد ذكرنا أن مناشئه([13]) لدى التحقيق تبلغ سبعة، ومنها ما نشأ من مشككية الماهية أو المفهوم،  ومنها غير ذلك فراجع.
[14] كفاية الأصول: ج1 ص28.
[15] المصدر نفسه: ص29.
[16] أي البيع الجامع للأجزاء والشرائط.
[17]  الوصول إلى كفاية الأصول: ج1 ص146.
[18] المصدر نفسه.
[19] كالصحيح شرعاً.
[20] أي مرآتيتها لها وكشفها عن إنّيتها.
[21] وإن لم نعتبره جامعاً فرضاً. فتأمل.
[22] أو عينه.
[23] دعائم الإسلام: ج ١ص ١٣٣.
[24] جواهر الكلام :  ج7ص2.
[25] الفقيه: ج ٢ ص٤٤ .
[26] غوالي اللآلي: ج ١ص ١٩٦.
[27] كفاية الأصول: ج1 ص29.
[28] غوالي اللآلئ: ج1 ص234.
[29] الموضوع له هو الأعم والمستعمل فيه هو الصحيح.
[30] المشار إليها آخر الاستدلال بـ(وهو خلاف الأصل).
[31] دعائم الإسلام: ج ١ص ١٤٨.
[32] كفاية الأصول: ج1 ص29-30.
[33] للاكتناف عادة بقرائن تفيد المراد أو لاحتمالها والتردد حينئذٍ في أن إفادة المراد هل كان لأنه الموضوع له الحقيقي أو للقرائن الحافّة.
[34] كفاية الأصول: ج1 ص30.
[35] إلا في البحوث العقلية.
[36] إذا أردنا الوضع.
[37] وقد أجرينا استطلاعاً ميدانياً أثناء الدرس، فتأكد ما ذكرناه في المتن أكثر؛ إذ سألنا الطلاب الكرام عن أنه لو أراد أحدهم وضع لفظ الإناء أو الكأس أو أي لفظ آخر لهذا الشيء فرضاً (بأن لم يكن موضوعاً له من قبل، ككافة المخترعات الحديثة) فلو أراد وضع لفظ له الآن، فهل يجد من نفسه أنه يضعه على الإناء السليم فقط؟ أو على الأعم من السليم والذي به خدش أو فطر أو ثقب بسيط؟ أو على الأعم من ذلك؟ وكذا لو أرادوا وضع لفظ للجدار، فهل يضعونه للجدار الكامل أو للأعم من الجدار الكامل والناقص والذي على وشك الانهيار والمتفطر؟ فاختلف الطلاب الكرام إلى ثلاثة آراء (ليس في معتقَدِهم عن وضع الآخرين فحسب بل في كيفية وضعهم هم) فقال بعض بأنه سيضع للصحيح خاصة، وقال بعض بأنه يضع للأعم مطلقاً، وقال بعض بأنه يضع للأعم في الجملة ، أي الأعم من الإناء الذي به خدش أو كسر أو ثلمة بسيطة لا المتكسر أو المتهشم أو المثقوب كثيراً مثلاً.
ويمكن للقارئ أن يستطلع رأي عشرة علماء أو أطباء أو تجار أو عوام ليجد صدق مقالتنا، بل أن اختلاف علماء الفقه والأصول على مر التاريخ في الصحيحي والأعمي لهو أكبر شاهد على ذلك!.

[38]  وهي المتمثلة بقول صاحب المنظومة :
فأنكر الذّهنّي قوم مطلقاً                 بعض قياما من حصول فرّقا
وقيل بالأشباح الأشياء انطبعت        وقيل بالأنفس وهي انقلبت
وقيل بالتشبيه والمسامحة               تسمية بالكيف عنهم مُفصحة

[39] بحث البيع : الدرس : 35، 36، 37، 38.


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3739
  • تاريخ إضافة الموضوع : 29 ربيع الاخر 1441هـ
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 02 / 18