• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : التزاحم (1440-1441هـ) .
              • الموضوع : 297- مناقشة مع الشيخ في المرجع لدى تساوي الضررين - الشيخ: الضرر نسبي .

297- مناقشة مع الشيخ في المرجع لدى تساوي الضررين - الشيخ: الضرر نسبي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

(297)

 

الشيخ: مع تساوي الضررين فالمرجع العمومات

ولكن قد يورد على قول الشيخ قدس سره (ومع التساوي فالرجوع إلى العمومات الأخر، ومع عدمها فالقرعة):

 

المناقشة: الباب اما باب التزاحم أو التعارض

ان المقام (دوران الأمر بين الضررين المتساويين) اما ان يكون بنظر الشيخ مندرجاً في باب التزاحم واما ان يكون مندرجاً في باب التعارض:

 

أ- فان كان من التزاحم، فالمرجع التخيير لا العمومات الأخرى

أ- فان ارتأى اندراجه في باب التزاحم، وَرَدَ عليه انه مع التساوي (أي تساوي الملاكين) فالمرجع التخيير لا العمومات الأخر، إذ ذلك هو مقتضى تزاحم المتساويين، نعم العمومات الأخر إن كانت ذات مدخلية في ملاك أحدهما بان زادته قوة فالمرجع ذو الملاك الأقوى، لكنه خروج عن الفرض إذ انه افترض تساوي الملاكين لا اقوائية أحدهما عن الآخر، إضافة إلى ان المرجع سيكون اقوائية الملاك لا العام، والعام يكون مرجّحاً لا مرجعاً، بعبارة أخرى: الأقوى ملاكاً هو المتعيّن، واقوائيته نشأت من أمرين: من وجدانه للملاك كالضرر ومن انضمام ملاك آخر إليه ببركة العام الآخر كالحرج مثلاً فيكون العام مرجِّحاً حينئذٍ لا مرجعاً.

ونضيف: انه لو تساوى المتزاحمان فان الحكم هو التخيير فيما لو دار الأمر بينهما واما إذا أمكن إجراء قاعدة العدل والإنصاف فهي المحكمة وإلا بان كانا ارتباطيين ودار الأمر بينهما من غير إمكان تنصيفٍ وشبهه، فالتخيير.

 

ب- وإن كان من التعارض، فإشكالان مبنويان:

ب- وان ارتأى اندراجه في باب التعارض، وَرَدَ عليه إشكالان مبنويان:

 

1- لا يعقل كونه من التعارض مع كون ملاكهما الضرر

الأول: انه لا يعقل ان يقول بان صورة تساوي الضررين هي من التعارض، فان (الضرر) من الملاكات العقلية المستقلة وقد جعل في (لا ضرر ولا ضرار بنفسه) ملاك الحكم ومداره، برفع أيِّ حكم ضرري، إضافة إلى انه قدس سره بنى كل كلامه على ان الحكم بلا ضرر يدور مدار الضرر الأشد فهو المرفوع بلا ضرر دون الأخف لدى الدوران بينهما وان الضررين لو تساويا فنرجع إلى العمومات الأخر، وهذا كما ترى ناطق بانه من تزاحم الملاكين.

بعبارة أخرى: مرجّحات باب التعارض مغايرة لمرجّحات باب التزاحم: فمرجحات التزاحم جامعها الأهم والمهم([1]) مثل المصلحة الغالبة الملزمة في الواجبين أو المفسدة والضرر في المحرمين كما لو تزاحم إنقاذ الغريقين فيلاحظ ان ايهما مصلحته أهم (ككونه نبياً والآخر شخصاً عادياً) أو ان ترك أيهما أعظم مفسدةً أو مضرةً ككون أحدهما قائد جيش ينهار العسكر بموته وكون الآخر جندياً عادياً، أو تزاحم أكل الخنزير مع أكل ميتة الشاة في الجائع الذي كان يموت إن لم يأكل أحدهما، واما مرجّحات باب التعارض فكما فيما ورد في المقبولة من ((الْحُكْمُ مَا حَكَمَ بِهِ أَعْدَلُهُمَا وَأَفْقَهُهُمَا وَأَصْدَقُهُمَا فِي الْحَدِيثِ وَأَوْرَعُهُمَا))([2]) والمرفوعة ((خُذْ بِمَا اشْتَهَرَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ وَدَعِ الشَّاذَّ النَّادِرَ... فَقَالَ انْظُرْ مَا وَافَقَ مِنْهُمَا مَذْهَبَ الْعَامَّةِ فَاتْرُكْهُ وَخُذْ بِمَا خَالَفَهُمْ...))([3]) فانها كلها مرتبطة بالسند ولا ربط لها بالملاك بوجه، ولذلك فان الأقوى سنداً لو تعارض مع الأضعف سنداً تقدم عليه وإن كان الاضعف سنداً ذا ملاك أقوى على فرضه بمعنى انه لو كان هو الصادق غير الكاذب، لكان ذوه (أي متعلقه والمخبر به عنه) ذا ملاك قوي، ولو كان الآخر صادقاً لكان ذوه ذا ملاك ضعيف؛ نظراً لبداهة تبعية الأحكام لمصالح ومفاسد في المتعلقات.

 

2- المرجع لدى التعارض التخيير لا التساقط

الثاني: ان الحكم بالتساقط والرجوع إلى سائر العمومات لدى تعارض المتساويين هو مبنى المشهور الذي بنى قدس سره عليه، ولكن المستظهر ان المتعيّن لدى تعارض المتساويين، التخيير وانه الأصل، وان الروايات الحاكمة بـ(فتخير) لدى تعارض الخبرين هي على القاعدة وعلى الأصل العقلائي لدى تعارض الحجتين، وليست على خلاف القاعدة وواردة تعبّداً مما يلزم قول المشهور بان الأصل في المتعارضين التساقط.

 

إذا تعارضت الحجتان فالاستصحاب مرجّح لا مرجع

نعم، لو تعارضت الحجتان، كما لو تعارض قولا البينتين في موضوع أو الخبيرين في الصحراء فيما إذا ضلّ الطريق ودار الأمر بين طريقين في أحدهما النجاة وفي الآخر الهلاك، فان الأصل وإن كان هو التخيير كما هو المنصور لا التساقط كما هو المشهور، لكنه لدى تعارضهما يرجع إلى العمومات الأخر حتى ما هو أضعف من الامارة، كالاستصحاب، وذلك لا لتساقطها بل لضعفهما فيتقدم عليهما الاستصحاب لاقوائيته حينئذٍ منهما لا لسقوطهما وكونهما كالعدم، نظير تقدم الخاص على العام ومطلق الأظهر على الظاهر فانه ليس لأن العام والظاهر عدم أو بمنزلته بل لأنه ضعيف مغلوب، والأدق والمختار هو ان يقال: ان الاستصحاب مرجّح لما طابقه من القولين وليس بمرجع، وعليه فلا يصح الاستدلال للتساقط بمرجعية الاستصحاب عقلائياً لدى تعارض الخبيرين أو البينتين إذ انه مرجّح وليس مرجعاً، على ان كونه مرجعاً أعم من التساقط كما ظهر وسيظهر أكثر.

توضيحه: إن كاشفية قول الخبير النوعية هي بدرجة 80% أو 90% مثلاً، واما كاشفية الاستصحاب عن الواقع، على المنصور من ان فيه جهة كشف وليس أصلاً محضاً كالبراءة (ولعله لذلك عبّر بعض الأعلام عنه بكونه أصلاً تنزيلياً وعرش الأصول وفرش الامارات) والأدق:  انه أمر بينهما أي بين الاصل والامارة والأصح: انه امارة ضعيفة في جهة كاشفيتها بالقياس إلى سائر الامارات، فمثلاً كاشفية 60% أو 70%، وحينئذٍ: فحيث ان سائر الامارات كالبينة والإقرار وخبر الثقة قوة كاشفيتها هي 80% أو 90% والاستصحاب كاشفيته 60% أو 70% لذا تتقدم تلك الامارات عليه بالحكومة أو بالورود على وجه أوضحنا تفصيله في كتاب (الحكومة والورود)، ولكن الخبرين أو القولين إذا تعارضا ضعفت جهة كاشفيتهما فصارت جهة كاشفية كل منهما مثلاً 50% ولذا يتقدم عليهما الاستصحاب والأصح كما سبق انه مرجّح لما طابقه فيتقدم على قسيمه، لا انهما يتساقطان ويرجع إليه، ولا انهما متساويان والمكلف مخيّر بينهما لكنه مع وجود الاستصحاب يكون هو المرجع لأنه اقوى منهما. فتأمل، وقد أوضحنا ذلك ودفعنا عدداً من الإشكالات عليه في بحث سابق فراجع ولا تعجل بالردّ إلفةً بالقول المعهود. والله الهادي.

 

الشيخ: الضرر نسبي فربّ ضرر درهم أعظم من ضرر دينار

وقال الشيخ: (لكن مقتضى هذا، ملاحظة الضررين الشخصيين المختلفين باختلاف الخصوصيّات الموجودة في كلٍ منهما من حيث المقدار و من حيث الشخص، فقد يدور الأمر بين ضرر درهم وضرر دينار مع كون ضرر الدرهم أعظم بالنسبة إلى صاحبه من ضرر الدينار بالنسبة إلى صاحبه، وقد يعكس حال الشخصين في وقتٍ آخر)([4]).

أقول: وحاصله ان الضرر نسبي أي يلاحظ منسوباً إلى هذا الشخص وذاك، ووجهه هو: ان الضرر من العناوين الإضافية القائمة بآحاد المكلفين، وليس معنى مستقلاً قائماً بنفسه كي يلاحظ الضرر، مستقلاً عن الأشخاص، بل الضرر قائم بالمتضرر، مع ان امتنانية (لا ضرر) تشهد بذلك إذ الامتنان إنما هو على المكلف لدفع الضرر عنه، وحينئذٍ فتجب ملاحظة النقص أو العيب أو فقل الضرر منسوباً إلى هذا الشخص وذاك نظير الحيثية التقييدية فقد تكون خسارة الفقير ديناراً أعظم عليه وأشد ضرراً من خسارة الغني مليون دينار لأن الفقير كان سيتضور جوعاً بفقده ديناره، واما الغني فكان لا يهتز عرشه بفقد المليون، وعليه فلا ضرر يفيد لزوم حفظ دينار الفقير عن التلف وإن أدى إلى تلف مليون الغني، لا العكس، وللبحث مزيد إيضاح وهناك مناقشات آتية بإذن الله تعالى.

 

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

 

قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الْحَسَنَةَ فَيَتَّكِلُ عَلَيْهَا، وَيَعْمَلُ الْمُحَقَّرَاتِ فَيَأْتِي اللَّهَ وَهُوَ مِنَ الْأَشْقِيَاءِ)) (الأمالي للطوسي: ص529).

 

 

 

--------------------------------------------

([1]) كما حققنا سابقاً ان كل مرجحات باب التزاحم التي ذكرها الأصوليون ترجع للأهم والمهم، وعلى أي فلو فرض عدم رجوعها كلها إليه فانه غير ضار بما في المتن.

([2]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران: ج1 ص67.

([3]) عوالي اللآلئ: ج4 ص133.

([4]) الشيخ مرتضى الانصاري، رسائل فقهية، مجمع الفكر الإسلامي ـ قم: ص125.


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3798
  • تاريخ إضافة الموضوع : الثلاثاء 9 جمادي الاخرة1441هـ
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 04 / 1