• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : التزاحم (1440-1441هـ) .
              • الموضوع : 301- بحث نسبة لاضرر إلى دليل السلطنة في صورة تزاحم حقي الغاصب والمغصوب منه .

301- بحث نسبة لاضرر إلى دليل السلطنة في صورة تزاحم حقي الغاصب والمغصوب منه

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

(301)

 

الرجوع لدليل السلطنة عند تعارض الضررين

سبق: (وبعبارة أخرى: ان دليل السلطنة (سلطنة المالك للدابة عليها مما يقتضي ان له إخراجها من دار الغير) محكوم بدليل لا ضرر، ولكن حيث تساوى الضرران (ضرر المالك بهدم جداره وضرر صاحب الدابة ببقائها أو بذبحها أو ببيعها) تساقطا ويرجع للعام الفوقاني وهو دليل السلطنة، وكذلك إذا اختلف الضرران اختلافاً غير بالغ؛ فانه حتى إذا كان صاحب الدار متضرراً ضرراً أكبر فان سلطنته على جداره موهونة باعتدائه على مال الغير (بإدخال دابة الغير في داره غصباً) ولا تشفع له لا ضرر، لأن ضرر مالك الدابة وإن كان أضعف لكنه مشفوعاً بسلطنته التي لا مسقط لها شرعاً أو عرفاً، أقوى من ضرر مالك الدار منضماً إلى دليل سلطنته، بل ان دليل سلطنته منصرف عن صورة إضراره بغيره عمداً فلم يبق له إلا تضرره وشمول (لا ضرر) له، دون مالك الدابة؛ لفرض ان ضرره (مالك الدار) أعظم، ولكن: لمالك الدابة، كما سبق، دليل السلطنة)([1]).

 

الرد: كلاهما ذا سلطنة، عكس إضراره بجاره

ولكن يرد عليه: ان كليهما ذا سلطنة فليس دليل السلطنة مرجعاً لأحدهما خاصة وهو صاحب الدابة (المعتدى عليه حسب الفرض)، وبذلك يختلف المقام عن الصورة التي ذكرها الشيخ واعتبر فيها ان المرجع قاعدة السلطنة بعد تعارض الضررين، توضيحه: ان صورة الشيخ هي ما لو كان تصرفه في داره (كدق المسمار في الجدار) مضراً بجاره وكان عدم دقّه مضراً به (صاحب الدار) فحيث تعارض ضررا صاحب الدار والجار وكانا متساويين أو مطلقاً، على الخلاف، تساقطا ويرجع للعام الفوقاني وهو دليل السلطنة (على داره بالقيام بأي تصرف فيها ومنه دق المسمار)، اما المقام فليس كذلك إذ الفرض ان كليهما مالك (فهذا للدابة وذاك للدار، وقد دار الأمر بين تضرر هذا أو ذاك) فكل منهما ذو سلطنة على ملكه وقد تعارضت (أو تزاحمت) السلطنتان كما تزاحم (أو تعارض) الضرران فلا معنى للقول بانه بعد تعارض الضررين يرجع للعام الفوقاني وهو السلطنة لأحدهما وهو صاحب الدابة.

 

الجواب: دليل السلطنة منصرف عن المعتدي

ويمكن ان يجاب: بان ذلك وإن صحّ لكن الحل بان يقال بان دليل السلطنة منصرف عن المعتدِي إذا تزاحمت سلطنته مع سلطنته الآخر وكان التزاحم بسوء اختياره كما في الفرض([2]).

وذلك لأنه لا يخلو اما ان يقال بان دليل سلطنة الملّاك على أملاكهم، شامل لهما جميعاً فلكل منهما التصرف في ملكه كما شاء (فلصاحب الدابة إخراجها ولو استلزم هدم جدار الغير ولصاحب الدار الممانعة من هدم جداره ولو استلزم ذلك بقاء الدابة فيها أبداً أو ذبحها)، أو غير شامل لأي منهما، أو شامل لصاحب الدار (المعتدي) دون الآخر أو العكس أي لصاحب الدابة (المعتدى عليه دون الأول).

فاما الأول فغير ممكن؛ لفرض تزاحمهما فكيف يشرع الشارع لهذا جواز هدم جدار دار الغير ويشرع لصاحب الجدار جواز الممانعة؟ بل كيف يشرع لهذا السلطنة على هدم جدار صاحب الدار ويشرع لصاحب الدار السلطنة على منع هدمه؟

والثاني: لا وجه له؛ إذ الإشكال نشأ من تسليطهما جميعاً، واما أحدهما على سبيل البدل (أو الراجح منهما) فلا إشكال فيه فَلِمَ يرفَعُهُ الشارع؟.

والثالث: ترجيح للمرجوح، فبقي الرابع فانه ترجيح للراجح.

والحاصل: انه لو دار الأمر بين رفع اليد عن دليل سلطنة المعتدي أو عن دليل رفع سلطنة المعتدى عليه، فلا شك في أرجحية الأول لدى الدوران، وهو الوجه في إنصراف دليل ((النَّاسَ مُسَلَّطُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ)) عن المعتدي، إلى المعتدى عليه خاصة، فتدبر.

وكذلك يقال في الصورة الثانية التي سبقت وهي: (وكذلك إذا اختلف الضرران اختلافاً غير بالغ؛ فانه حتى إذا كان صاحب الدار متضرراً ضرراً أكبر فان سلطنته على جداره موهونة باعتدائه على مال الغير (بإدخال دابة الغير في داره غصباً) ولا تشفع له لا ضرر، لأن ضرر مالك الدابة وإن كان أضعف لكنه مشفوعاً بسلطنته التي لا مسقط لها شرعاً أو عرفاً، أقوى من ضرر مالك الدار منضماً إلى دليل سلطنته)([3]) إذ ان المعتدي وإن كان تضرره برفع اليد عن سلطنته أكبر إلا انه أوقع نفسه في الضرر بسوء اختياره وبعدوانه فدليل السلطنة ينبغي ان يكون منصرفاً عنه، إلى المعتدى عليه؛ وحيث ان المبنى نفي سلطنته لذلك لا يصح القول (منضماً إلى دليل سلطنته) لذلك عدلنا إلى: (بل ان دليل سلطنته منصرف عن صورة إضراره بغيره عمداً فلم يبق له إلا تضرره وشمول (لا ضرر) له، دون مالك الدابة؛ بفرض ان ضرره (مالك الدار) أعظم، ولكن: لمالك الدابة، كما سبق، دليل السلطنة مشفوعاً بلا ضرر فيقدم على لا ضرر المالك، فان إلغاء سلطنته على ماله (دابته) ضرر يضاف إلى تضرره الفعلي بعدم كون الدابة في متناوله)([4]) بل قد يقال: ان (لا ضرر) منصرف عنه أيضاً لأنه معتدي. فتأمل

والحاصل: ان كليهما مشمول لدليل السلطنة، بدواً، كما هو مشمول للاضرر، وإنما الإنصراف (انصراف دليل السلطنة عن المعتدي) هو الذي أوجب عدم شمول دليل السلطنة له، فيكون المرجع دليل سلطنة المعتدى عليه كما ان انصراف لا ضرر عن المعتدي أوجب اختصاصه([5]) بالمعتدى عليه.

كما سبق: (د- لدليل الإقدام

وذلك لأن الغاصب بوضعه ماله في محبرة غيره، يكون قد أقدم على الإضرار بنفسه.

وفيه: ما سبق من ان الإقدام ليس من الأدلة على الضمان ولا على عدمه، وقد سبق ان النسبة بينه وبين اليد هي من وجه، ونضيف: ان النسبة بينه وبين الضمان هي من وجه كذلك، فقد يُقدِم على الضمان ولا ضمانَ، كما لو أقدم على المجانية كالضيف، وقد لا يقدم عليه ويكون ضامناً كما لو توهمه ملكاً له فأكله فبان ملكاً لغيره فهو ضامن.

وكذلك قد يقدم على الضرر ويكون إقدامه ممضى شرعاً كما لو باع بأقل من القيمة أو وهب أو شبه ذلك، وقد لا يكون ممضى شرعاً كما لو أسقط ما لم يجب، بناء على المشهور من عدم صحته وكما لو باع السفيه ماله بضرر وهكذا.

بل سيأتي النقاش صغرىً بانه لا إطلاق لإقدامه على الإضرار بنفسه، فانتظر)([6])

وتحقيق المطلب في ضمن نقاط:

 

الإقدام مصدري أو اسم مصدري

الأولى: ان الإقدام تارة يراد به المعنى المصدري وأخرى يراد به المعنى الاسم مصدري، فإذا أقدم على الإضرار بنفسه أو بغيره في الماليات([7]) جاهلاً قصوراً فان الإقدام بالمعنى المصدري غير متحقق، لكنه بالمعنى الاسم مصدري حاصل، فهل يختلف الحكم فيهما؟ الجواب ان المرجع هو أدلة قاعدة الإقدام وليس صدق الإقدام بنفسه (مصدرياً) وعدمه وقد مضى بعضها وسيأتي بيان مفادها بإذن الله تعالى.

الثانية: ان مرجع قاعدة الإقدام إلى قاعدة الاحترام، كما صار إليه جمع منهم المحقق الرشتي. وللبحث صلة بإذن الله تعالى.

 

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

 

قال أمير المؤمنين عليه السلام: ((يَا طَالِبَ الْعِلْمِ إِنَّ الْعِلْمَ ذُو فَضَائِلَ كَثِيرَةٍ: فَرَأْسُهُ التَّوَاضُعُ وَعَيْنُهُ الْبَرَاءَةُ مِنَ الْحَسَدِ وَأُذُنُهُ الْفَهْمُ وَلِسَانُهُ الصِّدْقُ وَحِفْظُهُ الْفَحْصُ وَقَلْبُهُ حُسْنُ النِّيَّةِ وَعَقْلُهُ مَعْرِفَةُ الْأَشْيَاءِ وَالْأُمُورِ وَيَدُهُ الرَّحْمَةُ وَرِجْلُهُ زِيَارَةُ الْعُلَمَاءِ وَهِمَّتُهُ السَّلَامَةُ وَحِكْمَتُهُ الْوَرَعُ وَمُسْتَقَرُّهُ النَّجَاةُ وَقَائِدُهُ الْعَافِيَةُ وَمَرْكَبُهُ الْوَفَاءُ وَسِلَاحُهُ لِينُ الْكَلِمَةِ وَسَيْفُهُ الرِّضَا وَقَوْسُهُ الْمُدَارَاةُ وَجَيْشُهُ مُحَاوَرَةُ الْعُلَمَاءِ وَمَالُهُ الْأَدَبُ وَذَخِيرَتُهُ اجْتِنَابُ الذُّنُوبِ وَزَادُهُ الْمَعْرُوفُ وَمَاؤُهُ الْمُوَادَعَةُ وَدَلِيلُهُ الْهُدَى وَرَفِيقُهُ مَحَبَّةُ الْأَخْيَارِ)) (الكافي: ج1 ص48).

 

 

 

--------------------------------------------------------------

([1]) الدرس (300).

([2]) وهو كون صاحب الدار هو الظالم بإدخاله دابة الغير في داره عدواناً، ثم لم يمكن إخراجها إلا بهدم الجدار أو بذبح الدابة كما لو غصب الحصان صغيراً فأدخله داره الضيقة ولما كبر لم يمكن إخراجه إلا بكسر الباب أو هدم الجدار.

([3]) الدرس (300).

([4]) الدرس (300) بتصرف كبير، فتدبر.

([5]) لا ضرر.

([6]) الدرس (299).

([7]) اما في غيرها كالإضرار بنفسه فانه لا يجوز ما كان فيه ذهاب قوة أو قطع عضو أو إزهاق نفس وما عداه يجوز على المشهور، وينبغي استثناء الضرر البالغ جداً أيضاً.


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3808
  • تاريخ إضافة الموضوع : الاثنين 15 جمادي الاخرة1441هـ
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 02 / 18