• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : التزاحم (1440-1441هـ) .
              • الموضوع : 302- الاستدلال بقاعدة الإقدام و بالمقدمية على عدم سلطنة الغاصب ، والجواب .

302- الاستدلال بقاعدة الإقدام و بالمقدمية على عدم سلطنة الغاصب ، والجواب

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

(302)

 

مرجع قاعدة الإقدام إلى قاعدة الاحترام

سبق: (الثانية: ان مرجع قاعدة الإقدام إلى قاعدة الاحترام، كما صار إليه جمع منهم المحقق الرشتي)([1])

وتفصيله: ان (قاعدة الإقدام) ليست مما ذكرتها آية أو رواية، فالمرجع الدليل المستدل به عليها، والدليل إما روايات احترام ماله واما بناء العقلاء أو السيرة أو الإجماع أو شبه ذلك، وما عدا الروايات أدلة لبّية يقتصر فيها على القدر المتيقن وهو ما دلت على صغراه آية أو رواية أو تسالم أو إجماع على الصغرى نفسها إذ لا معقد كلياً لتلك الأدلة.

وقد استدل المحقق الرشتي قدس سره، على ما نقله عنه السيد الوالد قدس سره([2]) على قاعدة الإقدام بقاعدة الاحترام وهي منطوق رواية ((حُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ))([3]) وقد ذكر الوالد قدس سره انها متواترة قال: ومثل الرواية المروية متواتراً بمضمون ((واحترام ماله كاحترام دمه)))([4]).

فالمرجع إذن هو القاعدة التي نصت عليها الرواية (حرمة مال المسلم) دون قاعدة الإقدام وعنوانه لأن النسبة بينهما من وجه، وعليه فإذا أقدم على ضمان وشبهه فانه أزال احترام ماله بنفسه، وله ذلك، وببيان آخر: ان للشخص ان يبيع ماله محاباةً بأقل من قيمته بل حتى بجزء ضئيل جداً من قيمته بل له ان يهبه، وذلك من فروع سلطنته على ماله وان لِماله حرمةً موكلةً إليه وهو قيّمه، و(حرمة ماله) وإن أريد به انه ليس للغير إزالة حرمة ماله والتصرف فيه بدون إذنه، لكنه لا ينفي دلالته على ان له يتصرف في ماله بما شاء فان احترام ماله يقتضي ان يكون له ان يتصرف في ملكه بما شاء إذ احترام ماله احترام له، وحرمة ماله من حرمته فتأمل.

 

تطبيقهما على مُدخِل دابة الغير في داره فعليه هدم جداره

وتطبيقه على المقام: ان صاحب الدار الذي سرق دابة الغير فأدخلها في داره فلم يمكن كسرها إلا بهدم جداره، يجب عليه هدمها ولا سلطنة له على إبقائها كما هي إذ انه أزال بنفسه احترام ماله (جداره) بغصب ما يملكه الغير ووضعه في داره بحيث لا يمكن إخراجه إلا بهدم الجدار.

 

المناقشات

ولكن يرد على الاستدلال بقاعدة الإقدام أو الاحترام([5]):

 

1- لا إطلاق لكونه مُقدِماً على إتلاف ماله أو مزيلاً لحريمه

أولاً: صغرىً، بانه لا إطلاق لكونه مُقدِماً على الإضرار بماله أو على إتلافه أو على إزالة حرمة ماله؛ فانه إذا كان جاهلاً قاصراً بان الغصب موجب للحكم بهدم جداره، فانه وإن غصب وفعل حراماً لكنه حيث لم يكن يعتقد بان الحكم الوضعي لذلك زوال سلطنته (بناء على القول بذلك) فليس إقدامه على الغصب وإيداع المغصوب في داره إقداماً على سلب سلطنته على ماله ولا إزالةً لحرمة ماله عن نفسه.

ونظير هذه المسألة ما كثر الابتلاء به في هذه الأزمنة من وقوع كُرَةِ اللاعبين في منزل الجار أو أرض الغير، فانهم حتى لو قصروا بل تعمدوا فانهم غير مقدمين، فيما قصدوا، على إزالة حرمتهم وسلطنتهم عنها.

بعبارة أخرى أشمل: انه هل يراد بكونه أقدم على الإضرار بنفسه وإتلاف مال نفسه، انه أقدم بشخصه (أي بقصدٍ منه لذلك)؟ أو يراد انه أقدم على الإتلاف شرعاً؟ أو يراد انه أقدم (بهذه الفِعلة) على الإقدام عرفاً؟.

فإن أريد الأول، ففيه ما سبق من انه لا إطلاق له.

وإن أريد الثاني، وَرَدَ عليه انه مصادرة، إذ الدليل هو المدعى بنفسه فهو أول الكلام، بل هو دوري لدى التدبر فان كونه إتلافاً شرعاً لماله (بإزالة سلطنته) موقوف على كون إقدامه إتلافاً واقعاً أو عرفاً (إذ لم يرد نص على انه إتلاف ولا دل دليل على التلازم بين الحكمين التكليفي (بالحرمة) والوضعي (بزوال السلطنة) وكونه كذلك موقوف على كونه إتلافاً شرعاً لأنه واقعاً ليس بإتلاف ولا عرفاً هو إتلاف، فلم يبق إلا التنزيل، فتأمل.

وإن أريد الثالث، وَرَدَ عليه انه عرفاً تَعدٍّ ولا يعد إتلافاً، والفرق بينهما واضح فانه يطلق عليه انه تعدى على دابة الغير بإدخالها في داره غصباً، ولا يطلق عليه انه أتلف جدار داره إلا إذا علم ان الشارع حكم بزوال سلطنته، فيعود حينئذٍ إلى الإتلاف الشرعي، هذا خلف.

 

والتمسك بـ(الاحترام) تمسك بالعام في الشبهة المصداقية

ثانياً: كبرىً، بما سبق من ان قاعدة الإقدام ليست حجة بنفسها، فالمرجع هو قاعدة (الاحترام) والرجوع إليها من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية؛ إذ لا يعلم انه أزال احترام ماله (جداره) بهذا الفعل أو لا، فكيف يتمسك بـ(احترام ماله)؟ بل هو على العكس أدلّ. فتدبر.

 

ومقتضى القاعدة التفصيل لا إطلاق هدم الجدار

ثالثاً: ان مقتضاه التفصيل بين الصورتين، كما ظهر مما مضى، لا إطلاق القول بهدم الجدار، فان كان مالك الدابة هو الذي وضعها غصباً في دار الغير فقاعدة الاحترام عليه لا له؛ إذ يراد الحكم بهدم جدار الغير (كما هو المشهور) لإرجاع دابته إليه، ولا يسقط احترام مال المالك بتصرف غيره فيه تصرفاً عدوانياً، نعم تجري قاعدة الاحترام (أي عدمها) في عكس المسألة وهي ما لو كان مالك البيت هو المعتدي بان كان هو الذي سرق الدابة فوضعها فيه بدعوى انه مادام توقف إخراجها على هدم الجدار فانه تحريم فعله يلزمه عرفاً فقدان سلطنته على ماله (جداره)، وفيه ما فيه، وعلى أي فلو تمّ هذا الأخير فان الصورة الأولى على العكس فكان على المشهور التفصيل بعدم هدم الجدار في الصورة الأولى وهدمه في الثانية لكن بعضهم اطلق الحكم بهدم الجدار في الصورتين. فتدبر

 

هـ - لدليل المقدمية

وذلك بالقول ان مقدمة الواجب واجب، وحيث كان هدم الجدار أو كسر المحبرة مقدمة لإرجاع الحق إلى ذي الحق (إرجاع الدينار لصاحبه والدابة لصاحبها) وجب.

ويرد عليه: ان هدم الجدار حرام (لأنه ملك الغير وهدمه بدون رضاه محرم) ولا يجوز التوصل إلى واجب مالي بواسطة محرم مالي آخر؛ ألا ترى انه لو وجب عليه سداد دينه إلى عمرو ولكنه توقف على عبوره على أرض مغصوبة أو على غصب السيارة التي توصله إليه، لم يَجُز وإن كان غصب السيارة يكلف المغصوب منه قليلاً (فكيف إذا كان يعوّضه الغاصب) ومبلغ الدين كبيراً جداً، بل لو توقف الحج أو الوضوء على المرور على أرض مغصوبة (كما لو لم يكن الماء إلا بعدها) لم يجب الحج بل لم يجز وكذا الوضوء، بل حتى التيمم لو لم يجد غير التراب المغصوب فانه فاقد للطهورين شرعاً، نعم لا تترك الصلاة بحال، فعليه الصلاة دون طهور، خلافاً لمن رأى (لا صلاة إلا بطهور) حاكماً، وتحقيقه في محله. وللبحث صلة بإذن الله تعالى فانتظر.

 

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

 

قال الإمام زين العابدين عليه السلام: ((وَمَا آثَرَ قَوْمٌ قَطُّ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ إِلَّا سَاءَ مُنْقَلَبُهُمْ وَسَاءَ مَصِيرُهُمْ وَمَا الْعِلْمُ بِاللَّهِ وَالْعَمَلُ بطاعته إِلَّا إِلْفَانِ مُؤْتَلِفَانِ فَمَنْ عَرَفَ اللَّهَ خَافَهُ فَحَثَّهُ الْخَوْفُ عَلَى الْعَمَلِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَإِنَّ أَرْبَابَ الْعِلْمِ وَأَتْبَاعَهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا اللَّهَ فَعَمِلُوا لَهُ وَرَغِبُوا إِلَيْهِ)) (تحف العقول: ص252).

 

 

 

---------------------------------------------------

([1]) الدرس (301).

([2]) الفقه/ الغصب، ج78 ص174.

([3]) عوالي اللآلئ: ج3 ص473.

([4]) الوسائل: ج19 ص10 من كتاب القصاص في النفس ح3.

([5]) بعض ما سيذكر خاص بقاعدة الإقدام بما هي وبعضه إشكال على الاستدلال بقاعدة الاحترام، فلاحظ.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3810
  • تاريخ إضافة الموضوع : الثلاثاء 16 جمادي الاخرة1441هـ
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 09 / 30