• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : البيع (1440-1441هـ) .
              • الموضوع : 466- تفصيل الدفاع عن الشيخ في تخلف العقد عن القصد مع إجازة المالك لمعاملة الغاصب .

466- تفصيل الدفاع عن الشيخ في تخلف العقد عن القصد مع إجازة المالك لمعاملة الغاصب

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

(466)

 

ملخص المناقشات مع التنقيح

تتمة: وبذلك ظهر ما في كلام التنقيح: (وأمّا النقض الرابع فهو أيضاً يندفع بما أفاده هو قدس سره في محلّه على ما سيأتي من أنّ حقيقة البيع ليست إلاّ التبديل بين المالين ولا نظر في المعاملة إلى خصوص البائع أو المشتري أبداً، فهل رأيت أن يسأل البقّال الذي تريد أن تشتري منه شيئا أنّه لمن تشتريه؟، بل هو يأخذ الفلوس ويعطي الجبن فقط)([1]) إذ يرد عليه ما سبق وملخصه مع تنقيحه وإضافات أخرى:

 

1- البيع تبديل الإضافتين

أولاً: انه قد يقال ان البيع هو المبادلة بين الإضافتين، وليس المبادلة بين المالين، ويشهد له تعريف بعض الفقهاء له بأنه (تمليك عين بعوض) فإن ظاهره تبديل الملكيتين كما سبق نقله عن المحقق النائيني، كما يشهد تعريفه بـ(مبادلة مال بمال) للثاني فإن ظاهره تبديل المملوكين فقط، فإذا كان البيع مبادلةً بين إضافتين فقد تخلف العقد عن القصد في الغاصب إذ الغاصب عَقَد الإضافة لنفسه (مقابل فك إضافته المزعومة أو التنزيلية بينه وبين المثمن المغصوب لتكون الإضافة إلى الثمن، له) لكن الشارع بعد إجازة المالك، يمضي الإضافة لمالك المثمن فتكون تبعاً لذلك الإضافة إلى الثمن له لا للغاصب.

 

2- لِيَكُن تبديلَ المالين، لكن الشرطَ شرطٌ.

ثانياً: إنه ليكن البيع هو التبديل بين المالين، كما قاله، ولكن لا ينفي كون حقيقته ذلك، صحةَ الشرط والاشتراط، والشرط غير داخل في حقيقة العقد لكنه مرتبط به وليس صِرف مقارن له كما هو واضح، ومن الواضح ان كل الشروط ليست هي حقيقة البيع ولا داخلة في حقيقته([2]) لكنه مشروط بها، فإذا أمضى الشارع البيع بدون الشرط فقد تخلف العقد عن القصد إذ كان قصده البيع المرتبط بهذا الشرط أو المشروط بهذا الشيء فحقيقة البيع هي (بشرط شيء) لا (لا بشرط عن الشرط) فالقول بان حقيقة البيع أجنبية عن الشرط غير نافع وغير دافع لإشكال تخلف العقد عن القصد فيما إذا أمضى المالك الحقيقي أو المجازي العقد دون الشرط، والحاصل ان البائع الغاصب قَصَد مجموع نقل المثمن وكون الثمن له، لا الأول فحسب، وإمضاء الشارع غير مطابق لما قصده.

وقد أوضحنا ان قصد البائع إنتقال الثمن إليه أو لأي شرط من الشروط (غاصباً كان أو غيره) على أنحاء ثلاثة فقد يكون بنحو الداعي وقد يكون بنحو الشرط وقد يكون بنحو القيد، فعلى الأول لا يلزم تخلف العقد عن القصد، ويلزم التخلف على الثاني، ولا يلزم على الثالث إذ يكون حينئذٍ باطلاً فلم يتخلف العقد عن القصد لأنه لا عقد (من باب السالبة بانتفاء الموضوع).

 

وقد يكون للبائع نظر إلى خصوص هذا المشتري أو ذاك

وقوله قدس سره: (ولا نظر في المعاملة إلى خصوص البائع أو المشتري أبداً، فهل رأيت أن يسأل البقّال الذي تريد أن تشتري منه شيئا أنّه لمن تشتريه؟، بل هو يأخذ الفلوس ويعطي الجبن فقط) استقراء ناقص وأخص من المدَّعى، وليس النقض بهذه الصورة بل بصورة ما لو كان نظره إلى خصوص البائع أو المشتري كما قد يكون كذلك كثيراً في التعامل بين الأفراد وبين الدول والشركات، اما في الدول فلوضوح ان الدولة قد تريد بيع السلاح مثلاً لهذه الدولة ولا تريد بيعه إلى دولة أخرى تخشى منها على مستقبلها (ولذا حرم بيع السلاح لأعداء الدين) فكون المشتري هذا دون ذاك شرط أو قيد وليس بداعٍ فقط، واما في الأشخاص فكثيراً ما يتعلق غرضه ببيع هذه البضاعة لصديقه مثلاً أو لقريبه لأنه يعلم انه سيربح فيها، ويتعلق غرضه بعدم بيعه لعدوه أو منافسه، بحيث لو علم ان المشتري ولو بالواسطة عدوّه لامتنع عن بيعه له، فقد يكون هذا قيداً وقد يكون شرطاً أي ان (نظره في المعاملة) إلى عدم بيع هذا المتاع لعدوه قد يكون قيداً وقد يكون شرطاً، فإذا احتال عليه العدو بان بعث وكيلاً فتصور البائع انه يشتريه لنفسه، فباعه له، فقد تخلف العقد عن القصد المصرح به إن صرح بانه يبيعه له خاصة أو الارتكازي ان ترقى إلى درجة الشرط الضمني، أما الغاصب فالواضح انه يريده لنفسه لا لمالكه وليس ذلك على نحو الداعي أبداً، على الأقل في بعض الصور وإلا لما تجشم عناء غصبه (وأوقع نفسه في حرمة مخالفة مولاه) ثم عناء بيعه بثمن مربح (وقد يكون هذا في بيع العقار متعباً جداً) كي يدخل الثمن في ملك مالكه الأصلي!

كما ان قوله: (فالغاصب في الحقيقة إنّما بدّل المغصوب بمال آخر وقد أمضاه الشارع بعد إجازة المالك على نحو ما قصده المتعاملان) يرد الإشكال على قوله (إنما) إذ في انه بدّل المغصوب به، على ان يكون المال له شرطاً أو قيداً بحسب قصده. هذا

 

كلام السيد الحكيم قدس سره

واما السيد الحكيم فقد قال: (2- قوله: يقع للمالك: قد أشرنا في البحث عن معنى البيع أن الوجه في ذلك: هو أن المقصود في البيع المبادلة بين المالين، وقصد الملك للموجب والقابل أو غيرهما مما لا دخل له في قصد المبادلة، ولكنه من المقارنات له، فعدم حصول المقصود - كما لو كان القصد خطأً من القاصد في التطبيق - لا يقدح في صحة المعاملة؛ لخروج القصد المذكور عنها.

فلو اعتقد كل من البائعين أن طرفه أصيل، فقصد تمليكه، بناءً منه أنه من مقتضى المبادلة المذكورة فتبين أنه وكيل وأن الملك الحاصل من المبادلة لموكله، لا يضرُّ ذلك في صحة المعاملة، وترتب أثرها عليها، ولا يكون من وقوع ما لم يُقصد ولا من عدم وقوع ما قُصد؛ لاختصاص ذلك بالقصد الذي هو قوام المعاملة، لا ما هو أجنبي عنها.

وسيجئ - ان شاء الله - توضيح ذلك في الفضولي)([3])([4]).

 

المناقشات

إذ في مثاله أيضاً يجب التفصيل بين صور ثلاث:

 

القصد على أنواع ثلاثة

1- ان يبيعه لهذا المشتري ويكون كونه هو المالك([5])، على نحو الداعي، بحيث إذا ظهر وكيلاً أو ولياً لم يؤثر في قصده المعاملة وإرادته لها أصلاً.

2- ان يكون بنحو القيد بحيث يعلق أصل البيع على كونه هو المالك بحيث لو ظهر له انه وكيل عن عمرو لما باعه أصلاً، فمقتضى القاعدة بطلان العقد هنا.

3- ان يكون بنحو الشرط المصرح به أو الضمني المبني عليه العقد، فإذا ظهر خلافه فله خيار الشرط بالفسخ، وقد تخلف العقد عن القصد حينئذٍ لو أمضاه الشارع لغير من أشترط كون البيع له.

 

خلط عالم الثبوت بعالم الإثبات

وبعبارة أخرى: ان قوله: (وقصد الملكِ للموجبِ والقابل أو غيرهما مما لا دخل له في قصد المبادلة، ولكنه من المقارنات له) غير تام؛ فانه من خلط عالم الثبوت بعالم الإثبات فان (قصد الملك للموجب وهو الغاصب هنا) لا دخل له في (المبادلة) لكنه دخيل في (قصد المبادلة) وذلك ككل الشروط فانها ليست دخيلة في نفس المبادلة ثبوتاً إذ ليست داخلة في حقيقة العقد بل هي داخلة في قصده لهذه المبادلة، بنحو الشرط فيها.

وبعبارة أخرى: ان القاعدة المعروفة لو كانت هي (العقود تتبع جوهر العقود) لصح هذا الجواب، إذ يقال: ان الغاصب لم يتخلف عقده عن جوهر العقد، إذ (كونه له) ليس من جوهر العقد، لكن القاعدة هي (العقود تتبع القصود) ولا شك في ان (كونه له) كان من قصده إذ باعه لنفسه كما سبق.

 

3- الصلح قد يكون بين الإضافتين وإن لم يكن البيع كذلك

ثالثاً: كما يرد على التنقيح والنهج وسائر المعلقين الذين أشكلوا على الشيخ، بانه إن صح جوابهم على إشكال الشيخ في (البيع) فانه لا يصح في بعض العقود الأخر كـ(الصلح) إذ لو سلّمنا ان حقيقة البيع هي مبادلة مال بمال، وان الانتساب للبائع والمشتري والإضافة لها أجنبية عن البيع، فلو تخلفت الإضافة (بان باع لنفسه فأمضاه الشارع لغيره) لما تخلف عقد البيع عن القصد إذ جوهره مبادلة المالين، لا الإضافتين، وقد حصل، أقول: لو سلّمنا ذلك في البيع فان النقض ننقله إلى الصلح حينئذٍ بدعوى ان الصلح شامل للمصالحة على تبديل المالين وعلى المصالحة على تبديل الإضافتين إذ ان أدلة الصلح بالحمل الشائع صادقة في الصورتين وكلاهما عقلائي، فإذا أوقع الغاصب المصالحة على الإضافتين بان صالح خصمه على تمليك المغصوب بعوض (فالمصالحة وقعت على التمليك والتملّك وهما الإضافتان، لا على المثمن والثمن وهما العوضان) فأمضاه الشارع للمالك، فقد تخلف عقد المصالحة عن القصد. وفيه تأمل بل أكثر([6]).

 

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

 

قال الإمام الصادق عليه السلام: ((مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ أَفْسَدَ لِلْقَلْبِ مِنْ خَطِيئَةٍ إِنَّ الْقَلْبَ لَيُوَاقِعُ الْخَطِيئَةَ فَمَا تَزَالُ بِهِ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَيْهِ فَيُصَيِّرَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ)) (الكافي: ج2 ص268).

 

 

 

----------------------------------------------------

([1]) الشيخ ميرزا علي الغروي، تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الخوئي، التنقيح في شرح المكاسب، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي ـ قم: ج1 ص87.

([2]) لا ككيفيةٍ، على رأي.

([3]) يأتي في ج2 ص80، وما بعدها.

([4]) السيد محسن الحكيم، نهج الفقاهة، انتشارات 22 بهمن ـ قم: ج1 ص34.

([5]) أي للمثمن.

([6]) إذ قد يقال ببطلانه حينئذٍ، كما قد يدَّعى عدم شمول دليل المصالحة لذلك، فتأمل.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3819
  • تاريخ إضافة الموضوع : الاحد 21 جمادي الاخرة 1441هـ
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 07 / 11