• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : البيع (1440-1441هـ) .
              • الموضوع : 468- النائيني: الغاصب نزل نفسه منزلة المالك... والمناقشة .

468- النائيني: الغاصب نزل نفسه منزلة المالك... والمناقشة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

(468)

 

ملخص البحث

مضى ان الشيخ قدس سره قال بان العقد قد تخلَّف عن القصد في مواطن عديدة، رابعها في الغاصب، مستدلاً بهذه الموارد والنقوض على ان القول بتخلف العقد عن القصد في المعاطاة لا يستلزم تأسيس قاعدة جديدة، فلا يتم نقض كاشف الغطاء قدس سره على المشهور الذي ذهبوا إلى ان المعاطاة تفيد الإباحة شرعاً فقط رغم ان المتبايعين قصدا إفادتها الملك، بان هذا القول مستلزم لتأسيس قاعدة جديدة هي ان العقد لا يتبع القصد، وإجمال جواب الشيخ بعبارة أخرى: ان قاعدة العقود تتبع القصود، عام من العمومات، والعمومات تقبل التخصيص بل ما من عام إلا وقد خص، وقد خصصت هذه القاعدة في موارد عديدة مسلّمة لدى الفقهاء، ذكر الشيخ منها خمسة نقوض([1]) وكون المعاطاة مفيدة للإباحة، ليكن تخصيصاً آخر للقاعدة فليس فيه تأسيس قاعدة جديدة بل هو كأخواته من الموارد الأخرى.

وقد حاول الكثير من المعلقين الردّ على الشيخ الأعظم وإثبات ان هذه الموارد الخمسة ليست من تخلف العقد عن القصد، وقد مضى بيان الوجه الذي ذكره الأعلام اليزدي والحكيم والخوئي (قدس سرهم) في رد الشيخ الأعظم، مع الجواب عن كلامهم انتصاراً للشيخ قدس سره.

 

رد النائيني على الشيخ

ولننقل الآن إشكال المحقق النائيني على الشيخ (قدس سرهما) فانه دقيق لطيف لكنه بنظرنا غير تام وكلام الشيخ هو الصحيح فيما نستظهر، وسنفرز كلام النائيني في ضمن نقاط ليكون أوضح في إيصال مقصوده مع نقلنا نصوص عباراته:

 

إمضاء المالك لعقد الغاصب إمضاء لحقيقة العقد

النقطة الأولى: ان إشكال الشيخ بتخلف العقد عن القصد لو تم فإنما يتم على القول الثالث من الأقوال الآتية دون القولين الأولين. قال: (وأما الرابع: وهو بيع الغاصب لنفسه ووقوعه للمالك إذا اجاز، حيث أنه ايضا مستلزم لتخلف العقد عن القصد (ففيه) أن الاقوال في بيع الغاصب لنفسه ثلاثة: (منها) القول بالفساد وعدم تأثير الاجازة أصلاً و(منها) القول بالصحة ووقوعه للغاصب بالإجازة، وعلى هذين القولين فلا نقض أصلاً و(منها) وقوعه للمالك بالإجازة وعلى هذا أيضاً لا يلزم محذور تخلف العقد عن القصد لان الغاصب...)([2]).

الثانية: انه استدل على عدم تخلف العقد عن القصد بـ(لان الغاصب أوقع المعاملة حقيقة، وقوام المعاوضة انما هو بدخول العوض في ملك من خرج عنه المعوض لما عرفت من أنه لا معنى لخروج المثمن عن ملك شخص ودخول الثمن في ملك ثالث لخروجه عن حقيقة البيع، فالغاصب الذى يبيعه عن نفسه لابد في قصده من أن يقصد البيع عن المالك ويبنى على أنه المالك لكى يتمشى عنه قصد البيع حقيقة، والاجازة تتعلق بما وقع من الغاصب عن قصده وهو صدور البيع عن المالك ودخول العوض في ملك المالك، وأما بناء الغاصب على انه هو المالك فيصير لغوا ساقطا فلم يلزم التخلف لان الصادر من الغاصب (ح) هو البيع عن المالك والواقع هو ايضا يكون البيع من المالك بلا تخلف في البين أصلاً)([3]).

ونحلل كلامه هذا إلى النقاط الآتية:

الثالثة: ان حقيقة المعاملة هي (دخول العوض في ملك من خرج عنه المعوض لما عرفت من أنه لا معنى لخروج المثمن عن ملك شخص ودخول الثمن في ملك ثالث لخروجه عن حقيقة البيع).

 

ولا بد ان يقصد الغاصب العقد عن المالك ولو التنزيلي

الرابعة: انه حيث كانت حقيقة المعاملة هي المعاوضة والمعاوضة تقتضي خروج المثمن من كيس نفس الشخص الذي سيدخل الثمن في كيسه لا ان يخرج المثمن من كيس شخص (هو المالك الأصلي) ليدخل في ملك شخص ثان (هو المشتري) ويدخل الثمن في كيس شخص ثالث (هو الغاصب) لذلك فان الغاصب مادام يقصد البيع حقيقة فان هذا الغاصب الذي يبيعه عن نفسه (لابد في قصده من أن يقصد البيع عن المالك ويبنى على أنه المالك لكى يتمشى عنه قصد البيع حقيقة، والاجازة تتعلق بما وقع من الغاصب عن قصده وهو صدور البيع عن المالك ودخول العوض في ملك المالك وأما بناء).

 

وبناؤه على انه هو هو، لغو

الخامسة: (وأما بناء الغاصب على انه هو المالك فيصير لغوا ساقطا فلم يلزم التخلف لان الصادر من الغاصب (ح) هو البيع عن المالك والواقع هو ايضا يكون البيع من المالك بلا تخلف في البين أصلاً).

 

المناقشات

أقول: لكن إشكاله على الشيخ (قدس سرهما) غير وارد ظاهراً ودعواه ان العقد لم يتخلف عن القصد غير تامة وذلك لوجوه:

 

التركيب بين الغاصب والبائع والمالك تنزيلاً اتحادي

الأول: ان التركيب بين الغاصب والبائع والمالك التنزيلي، في مفروض البحث، تركيب اتحادي لا انضمامي، ولو كان انضمامياً لصحّ كلامه لكنه اتحادي.

توضيحه: ان التركيب الاتحادي كتركيب الجنس والفصل والمادة والصورة([4])، وقوامه وحدة الوجود، والتركيب الانضمامي كالأبيض المركب من الحائط المعروض والبياض العارض له مما لكل منهما وجود وإن كان أحدهما في نفسه لنفسه والآخر في نفسه لغيره، وفي المقام: فان الغاصب هو البائع وهو الذي نزَّل نفسه منزلة المالك على نحو الحقيقة الادعائية وهي كلها عناوين مشيرة إلى وجود خارجي واحد أي ان الغاصب بالحمل الشائع الصناعي هو البائع وهو المالك التنزيلي وليس لكل منهما ما بإزاء مستقل في الخارج، فلم يكن (قصده صدور البيع عن المالك ودخول العوض في ملك المالك) منفكاً عن قصده صدور البيع عنه هو ودخول العوض في ملكه هو، أي وبتعبير أدق: كان هو هو أي كان قصده ان هذا عين ذاك وانه هو وهو البائع عين المالك أو فقل حيث كان المالك التنزيلي عين الغاصب وعين البائع في الوجود الخارجي فلم تكن له قصود ثلاثة أو قصدان لتفكك ونقول ان المالك أمضى قصداً دون آخر بل كان له (أي للغاصب إذا باع) قصد واحد مندكّ([5]). فتأمل([6]).

 

2- الانتساب له، تقييدي أو شرط

ثانياً: سلّمنا ان التركيب انضمامي، لكن([7]) قصده لأن يكون هو المالك (أي بناؤه على انه المالك، بتعبير الميرزا) حيثية تقييدية، وليست داعياً، أو هي شرط والشرط كيفية للعقد كما سبق فتخلفه موجب لتخلف العقد عن القصد.

 

3- الغاصب يبيع عن نفسه ويرى انه المالك لا العكس

ثالثاً: سلّمنا، لكن الظاهر ان الغاصب عندما يبيع فإنما (يبيع عن نفسه) ويرى (انه هو المالك) لا العكس أي لا انه (يبيع عن المالك) ويرى (ان المالك هو نفسه) – كما ارتأى الميرزا، وهذا هو المركوز في أذهان معظم إن لم يكن كل الغاصبين فانه تُهمّه نفسه وأن يملك الثمن ولا يُهمّه ان يكون الثمن للمالك (بعنوان انه المالك أصلاً أو تنزيلاً)([8]) أي انه يريد النفع لنفسه فيبيع لنفسه ويعتبر نفسه المالك (لا انه يبيع للمالك ويعتبر نفسه المالك) بعبارة أخرى: الميرزا انطلق من حقيقة البيع وانها كذا إلى حقيقة قصد البائع، ونحن انطلقنا من حقيقة قصد البائع إلى الذي أوقعه من العقد خارجاً، وحيث انه الفاعل المختار القاصد فعلينا ان ننطلق منه وانه ماذا قصد، بعبارة ثالثة: المصبّ لدى الغاصب نفسه أولاً ولكي يكون الثمن له يفترض انه المالك وليس المصب للعقد هو كونه للمالك ثم يجعله لنفسه أي يعتبر نفسه المالك.

 

مناقشة مع الشيخ في ان حقيقة المعاوضة ثنائية الأطراف

هذا كله إضافة إلى عدم صحة المبنى العام الذي بنى عليه الميرزا كلامه وهو المبنى الذي فصّله الشيخ في الآتي من المكاسب إذ قال: (ومنها: أنّ الفضولي إذا قصد إلى بيع مال الغير لنفسه، لم يقصد حقيقة المعاوضة؛ إذ لا يعقل دخول أحد العوضين في ملك من لم يخرج عن ملكه الآخر، فالمعاوضة الحقيقيّة غير متصوّرة، فحقيقته يرجع إلى إعطاء المبيع وأخذ الثمن لنفسه، وهذا ليس بيعاً)([9]) وقد حققنا عدم تمامية ذلك في محله وانه ليست المعاوضة نظير الإضافة الحقيقية كإضافة الفوق إلى التحت التي يستحيل فيها تثليث الأطراف بل لا بد ان يكون فوقاً لما هو تحت له ويكون هذا التحت تحتاً لذلك الفوق نفسه، بل تصح المعاوضة الثلاثية الأطراف عقلاً وعرفاً بل هي واقعة وسيأتي تحقيقه وبيانه. حينذاك لا استناداً إلى انها اعتبار والاعتبار خفيف المؤونة فقط بل إلى وجه آخر أدق فأنتظر بإذن الله تعالى.

 

مناقشة في ان المدار في البيع صدق المعاوضة

وكذلك نرى عدم تمامية قوله: (نعم، لو باع لنفسه من دون بناء على ملكيّة المثمن ولا اعتقاد له، كانت المعاملة باطلة غير واقعة له ولا للمالك؛ لعدم تحقّق معنى المعاوضة)([10]) وهذا غير تام أيضاً إذ مع قطع النظر عن الإشكال السابق (وان معنى المعاوضة متحقق) نقول: ليس المدار (المعاوضة) وغيرها من تعاريف البيع بل المدار صدق عنوان البيع نفسه فانه المدار في الآية والروايات وليس التعريف هو المدار، ومن المغالطات تعريف عنوانٍ مأخوذٍ في الآيات أو الروايات ثم الدوران مداره صدقاً واطراداً و.. أو عدمه، بل اللازم الدوران مدار نفس العنوان المأخوذ في الآية وصدقه العرفي وعدمه، ونحن نجد انه يصدق عرفاً دون شك على بيع الغاصب لنفسه انه بيع، ولا يرى العرف فيه مجازاً بل يقولون انه باع لكنه يقولون انه لم يكن له الحق في البيع فإشكالهم عليه في الحرمة وعدم الحق لا في صدق البيع عليه، اللهم إلا على الصحيحي شرعاً. فتأمل.                                 

 

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

 

قال الإمام الصادق عليه السلام: ((مِنْ صِحَّةِ يَقِينِ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ أَنْ لَا يُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ، وَلَا يَلُومَهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ فَإِنَّ الرِّزْقَ لَا يَسُوقُهُ حِرْصُ حَرِيصٍ وَلَا يَرُدُّهُ كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ، وَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ فَرَّ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَفِرُّ مِنَ الْمَوْتِ لَأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بِعَدْلِهِ وَقِسْطِهِ جَعَلَ الرَّوْحَ وَالرَّاحَةَ فِي الْيَقِينِ وَالرِّضَا وَجَعَلَ الْهَمَّ وَالْحَزَنَ فِي الشَّكِّ وَالسَّخَطِ)) (الكافي: ج2 ص57).

 

 

 

---------------------------------------------

([1]) إفادة عقد المعاوضة الفاسد، الضمان والشرط الفاسد غير مفسد، بيع ما يملك وما لا يملك صحيح، بيع الغاصب لنفسه يقع في ترك الأجل في العقد المقصود به عقد المتعة يجعله دائماً.

([2]) الشيخ محمد تقي الاملي، تقرير بحث الميرزا النائيني، كتاب المكاسب والبيع، مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة: ج1  ص145.

([3]) الشيخ محمد تقي الاملي، تقرير بحث الميرزا النائيني، كتاب المكاسب والبيع، مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة: ج1  ص145-146.

([4]) والأول عقلي والثاني خارجي.

([5]) أي قصده بالبيع عن المالك الذي هو هو.

([6]) لأكثر من وجه. ومنها ان الاصطلاح في التركيب الاتحادي لا ينطبق على المقام، بل التركيب هنا تركيب اعتباري. فتدبر.

([7]) أي ننقل الكلام من الفاعل واتحاده بكذا إلى القصد نفسه.

([8]) أو فقل لا يهمه التخريج الفلسفي لحقيقة البيع هنا!

([9]) الشيخ مرتضى الانصاري، كتاب المكاسب ط تراث الشيخ الأعظم: ج3 ص377.

([10]) المصدر: ص378.


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3823
  • تاريخ إضافة الموضوع : الثلاثاء 23 جمادي الاخرة 1441هـ
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 07 / 11