• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : البيع (1440-1441هـ) .
              • الموضوع : 470- تفصيلنا في انقلاب المنقطع إلى الدائم إذا لم يذكر .

470- تفصيلنا في انقلاب المنقطع إلى الدائم إذا لم يذكر

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

(470)

 

الأقوال في انقلاب عقد النكاح دائماً، بعدم ذكر الأجل

والتحقيق([1]) ان تخلّف العقد عن القصد في مسألة انقلاب المتعة دواماً فيما لو لم يذكر الأجل، يبتني على الأقوال في المسألة، وهي خمسة، وقد صرنا إلى قول سادس وهو ثالث الأقوال الآتية:

 

1- أنه ينقلب دائماً

القول الأول: ان العقد إذا لم يذكر فيه الأجل، ينعقد (أو ينقلب) دائماً وإن كان الأجل (والمتعة) مقصوداً له، وهذا القول للمشهور.

 

2- أنه يبطل

القول الثاني: انه يبطل مطلقاً، كما ذهب إليه صاحب المسالك واعتبره الأقوى لإشكاله على أدلة المشهور.

 

3- التفصيل بين الداعي والشرط والقيد والمصب

القول الثالث: التفصيل بالنحو الذي اخترناه وهو انه إن كان الأجل (وكونه متعة) داعياً له أو كان بنظره شرطاً، فانه إذا لم يذكر الأجل حينئذٍ، وقع نكاحاً دائماً، وإن كان قيداً أو كانت المتعة بنفسها مصباً، كان باطلاً، مع تفصيل آخر بين نسيان ذكر الأجل وبين الغفلة عنه.

ووجه التفصيل، الذي به يظهر وجه قول المشهور أيضاً، هو القاعدة والروايات، اما القاعدة، والتي بها نستعين على فهم المراد من الروايات، فلوضوح:

 

حكم الداعي، حسب القاعدة

أ- أنّ الداعي لا يؤثر على المعاملات سلباً ولا إيجاباً، كما لا يؤثر في العبادات([2])، ولعله من المسلمات عندهم كما لو كان داعيه إلى الصلاة هو الأجرة التي يحصل عليها منها فان ذلك لا يخلّ بقصد القربة لكونهما طوليين، وكما لو كان داعيه على شراء البيت هو السكن فيه ثم اضطر للهجرة قبل السكن فانه لا يخل بشرائه له بوجه، ولا خيار له لمجرد تخلف داعيه، الذي لم يذكره كشرط في ضمن العقد.

وعليه: لو كان اللفظ الذي أجرته هو لفظ الزواج وقد خلا من ذكر الأجل (كما لو قالت "زوجتك نفسي على مهر قدره كذا" ولم تحدد مدة) ولكن كان داعيها في البدء الزواج المنقطع إلا انها أجرت العقد الدائم عن التفات له مع كون رغبتها في المنقطع، فانه لا وجه لعدم كونه نكاحاً دائماً ولا وجه لبطلانه، كما لا وجه لكونه متعةً بعد ان لم يكن له في عالم الإنشاء مبرز أو محقق، كما لم يكن له في عالم القصد قيدية أو شرطية.

 

حكم الشرط، حسب القاعدة

ب- وأنّ الشرط لا يخلّ بأصل العقد، بل بوصفه (فيما لم يكن العقد معلقاً عليه وإلا بطل العقد مطلقاً في نكاح كان أم غيره من عقد أو إيقاع) ففي خيار الشرط مثلاً لو اشترط كذا في البيع فانه لو لم يعمل الطرف الآخر بالشرط كان للأول الأخذ بخيار الشرط وفسخه، فالشرط يفيد فائدة إضافية هي تزلزل العقد مثلاً، وفي المقام لو كان النكاح المنقطع بنظرها بنحو تعدد المطلوب المشروط أحدهما بالآخر، أي كانت تريد النكاح على كل حال (خوفاً من الوقوع في الزنا مثلاً، أو لحاجتها للمال أو للحماية) وكانت المتعة لها أفضل فكان الأجل والمتعة في نظرها شرطاً لا لأصل العقد، بل للحصول على امتياز آخر (غير تزلزل العقد إذ النكاح لا يدخله التزلزل من جهة الشرط) كالحصول على حرية الزواج بآخر بعد انتهاء مدة المتعة، وحينئذٍ فلو قالت: (زوجتك نفسي بمهر كذا) ونسيت ذكر الشرط الذي كان ببالها (وهو مدة يوم مثلاً([3])) فانه لا وجه لعدم وقوعه دائماً مادام اللفظ صالحاً للدائم، ومادام الشرط([4]) غير مذكور أصلاً، غاية الأمر ان لها حينئذٍ امتياز الدائم وهو الانتقال من مهر المتعة المسمى القليل إلى مهر المثل في الدائم الذي هو أكبر من مهر المتعة بكثير عادة.

نعم إذا كان الشرط الذي لم تذكره بحكم المذكور عرفاً، كما لو كتبت ورقة على الباب مثلاً ان عقد المنقطع لمدة يوم بمائة دينار، ثم قالت (زوجتك نفسي بمائة دينار) فان ذلك الشرط (لمدة يوم) كالمذكور عرفاً حينئذٍ لوجود الدالّ الاثباتي القطعي عليه.

 

حكم القيد، حسب القاعدة

ج- واما ان كان الأجل (والمتعة) قيداً فحيث ان المقيد ينتفي بانتفاء قيده، فانها إذا لم تذكر الأجل، يبطل العقد مطلقاً: اما الدائم فلفرض انها لا تريده مجرداً عن القيد إذ أصلاً الزواج مقيد لديها بالأجل والمقيد بالأجل غير العاري منه، فهو حقيقة أخرى فكيف يقع قسيم ما قصدته من اللفظ([5])؟، واما المنقطع، فلعدم إنشائه إن لم تذكر ما به ينشأ إذ الفرض انه يُنشأ بذكر الأجل والمهر (كما تدل عليه الروايات).

د- وكذا حال المصبّ كما سيأتي.

 

المستفاد من الروايات

فهذا حال القاعدة، واما الروايات فالمستظهر منها ذلك وعمدة الروايات ترجع إلى مطلبين:

 

أ- إذا لم يذكر الأجل فليست متعة

المطلب الأول: ان الروايات تعلّق حقيقة المتعة على ذكر الأجل والمهر، فإذا لم يذكرهما فلا متعة حقيقة نظير قول أبي عبد الله عليه السلام ((لَا تَكُونُ مُتْعَةٌ إِلَّا بِأَمْرَيْنِ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ أَجْرٍ مُسَمًّى))([6]) فان ظاهرها نفي الحقيقة، إذ نفي الكمال وشبهة مجاز لا يصار إليه إلا بالدليل، فهذه الطائفة من الروايات تدل على الشق السلبي من الأمر (وانه إذا لم يذكر الأجل لا يقع متعة).

 

ب- وانقلب دائماً، وليس باطلاً

المطلب الثاني: انه إذا لم يذكر الأجل يقع دائماً، مقابل وقوعه باطلاً، وعمدة المستند موثقة عبد الله بن بكير قال: قال أبو عبد الله في حديثٍ: ((إِنْ سُمِّيَ الْأَجَلُ فَهُوَ مُتْعَةٌ وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ الْأَجَلُ فَهُوَ نِكَاحٌ بَاتٌّ))([7]).

ومستند المشهور إطلاق هذه الرواية وشمولها لكل الصور، والمستظهر انصرافها عن صورة التقييد وعن صورة كون المتعة هي المصبّ، بل سيأتي ان الصور خمسة وان الرواية عامة للصور الثلاث الأولى دون الأخيرتين هذا إن لم نقل بانها خاصة بصورة أخرى أسبق رتبة من صورتنا الأولى، كما سيأتي، وسيأتي وجه الإنصراف، فإن تمّ أفاد هذا التفصيل وإن لم يتم كانت الرواية دليلاً لقول المشهور.

 

التفصيل بين الغفلة وبين النسيان

ويبقى تفصيل آخر لنا وهو ان عدم ذكر الأجل تارة يكون لأجل الغفلة وأخرى يكون لأجل النسيان، فان كان لأجل الغفلة فالأمر فيه كما فصّلناه من التفريق بين الداعي والشرط والتقييد والمصب، وإن كان لأجل النسيان وقع دائماً مادامت انشأته بلفظ النكاح وذلك فيما لو نسيت مثلاً فوائد العقد المنقطع([8])، والتفتت حين العقد إلى فوائد العقد الدائم، فعقدت بدون ذكر الأجل قاصدة النكاح الدائم ثم تذكرت انها كانت تريد المنقطع وتذكرت فوائده فندمت على إجرائها المنقطع، فانه لا وجه حينئذٍ لعدم صحة العقد الدائم إذ الفرض التفاتها إليه تفصيلاً وإلى فائدته وبنائها عليه فلم لا يقع (حتى مع قطع النظر عن الروايات) فانه ككل شخص ينوي أولاً معاملة ثم ينوي أخرى ويجري العقد على النية الثانية، وذلك كأن ينوي معاملةً كالإجارة لفوائد يتصورها، ثم حين العقد نسي تلك الفوائد وتصور فوائد البيع فباع، ثم تذكر فوائد الإجارة فانه لا شك ان ليس له الفسخ كما ليس له ان يقول عقدي باطل إذا كنت أريد الإجارة لكنني نسيت فاردت البيع؟

وهذا كله غير ما لو ذهلت عن المتعة والدائم وأجرت العقد بلفظ أحدهما. فتدبر.

 

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

 

قال الإمام موسى الكاظم عليه السلام: ((رَجَبٌ نَهَرٌ فِي الْجَنَّةِ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ فَمَنْ صَامَ يَوْماً مِنْ رَجَبٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ النَّهَرِ))

(من لا يحضره الفقيه: ج2 ص92).

 

 

 

--------------------------------------------------------------------------

([1]) قبل ان نبدأ المناقشة مع (الجواهر) و(نهج الفقاهة).

([2]) أي من حيث الأحكام الفقهية، لا من حيث درجة القرب أو الثواب.

([3]) والذي مآله هو: على ان يكون متعة.

([4]) الذي يجعله متعةً.

([5]) لولا دلالة الروايات فرضاً، وسيأتي.

([6]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج5 ص455.

([7]) المصدر: ج5 ص456.

([8]) أما لو نسيت ذكر الأجل فقط، مع قصدها المتعة، فسيأتي.


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3829
  • تاريخ إضافة الموضوع : الاحد 28 جمادي الاخرة 1441هـ
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 06 / 3