||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  


  





 158- مفردات ومصاديق مبادئ الاستنباط (5): علم الاقتصاد- علم الادارة- الهرمينوطيقا

 202- التنويم المغناطيسي والايحائي السلاح الاكبر بايدي الاديان والفرق الضالة

 68- ورود مصطلح التعارض ونظائره في الروايات

 272- (فما زلتم في شك مما جائكم به) 10 ظاهرة الاستسلام للأقوى والتقمص لشخصيته

 96- من فقه الحديث: الوجوه المحتملة في قوله عليه السلام عن الوسوسة (لا شيء فيها)

 دراسة في كتاب "نسبية النصوص والمعرفة ... الممكن والممتنع" (18)

 256- مباحث الأصول: بحث الحجج (حجية قول الراوي والمفتي والرجالي واللغوي) (3)

 275- مباحث الأصول: (الموضوعات المستنبطة) (5)

 220- مباحث الأصول: (القطع) (1)

 47- كيفية كتابة التقريرات



 الإسلام والاستبداد نقيضان لا يلتقيان

 في ذكرى شهادة الحسين (ع): الحق والباطل ضدان لا يجتمعان

 الإمام الحسين من منظار حداثي

 التشاؤم المدمر والتفاؤل التقدمي

 القائد الإداري والقدرة على النقد الذاتي



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 21- بحث اصولي: عن حجية قول اللغوي ومداها

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى

 فقه الرشوة



  • الأقسام : 68

  • المواضيع : 3142

  • التصفحات : 5299143

  • التاريخ : 26/09/2018 - 07:52

 
 
  • القسم : الفوائد والبحوث .

        • الموضوع : 223- مباحث الأصول: (القطع) (4) .

223- مباحث الأصول: (القطع) (4)
21 ربيع الأول 1439هـ

مباحث الأصول: ( القطع )

جمع واعداد: الشيخ عطاء شاهين

الفائدة العاشرة: ينقسم القطع إلى خاص وعام ، والأول ما حصل بالطرق المعتبرة والمعهودة، والثاني خلافه ، والأول هو الذي يحتج به دون الثاني ؛ وعليه العقاب والثواب في الجملة  لو خالف الواقع.
إن القطع الخاص هو القطع الحاصل من طرقه المعهودة ، أو فقل المعتبرة [1] عقلاً وشرعاً [2]،  وذلك كالقطع الحاصل من النص القطعي السند والجهة والدلالة؛ لتواتره أو احتفافه بالقرائن القطعية، ولكونه نصاً وقطعي الجهة، أو الحاصل من الإجماع المحصل القطعي، ذي (المعقد النصّي) أو من الحكم العقلي القطعي.
والتقييد بـ(المعهودة أو المعتبرة) لأن حصول القطع المطلق للعامي، من أي طريق كان، مما لا ينبغي الريب فيه، إنما الكلام في (القطع) الحاصل من الطرق المعهودة عقلائياً، في الحدسيات المحتاجة إلى استنباط، فهل تحصل له، ويحصل له منها قطع بالحكم الشرعي؟
كما أن التقييد بـ(المعتبرة) هو أيضاً لنفي وجوب إتباعه وغيره ـ كالمجتهد أيضاً ـ مطلق قطعه عقلاً، أي من أي طريق حصل ـ كالحاصل من الرمل والجفر والأحلام، والقياس وشبهها ـ وذلك بناء على ما صرنا إليه من القول بثبوت حكم للعقل بوجوب إتباع العلم فقط، أما القطع في ضمن فرده الآخر -  وهو الجهل المركب - فلا حكم للعقل بوجوب إتباعه، بل هو مجرد توهم للقاطع بوجود حكم للعقل، فهو كالسراب [3].
و للتفرقة في الحاصل من الطرق المعهودة، والحاصل من غيرها، من جهة خصوص قضية استحقاق العقاب والثواب وعدمه بين القاصر والمقصر، فالحاصل من الطرق المعهودة يستحق فاعله العقاب لو خالف الواقع.
 وأما الحاصل من غيرها فإنه يستحق العقاب في بعض الصور [4] ـ وذلك حتى على مسلك المشهور من وجود حكم للعقل بوجوب متابعة القطع مطلقاً ـ وذلك لأن ما بالاختيار لا ينافي الاختيار، فالقطع الحاصل من طرقه المعتبرة وإن لم يصب فإنه لو عمل على طبقه يستحق عليه الثواب [5] للموافقة لو لم يكن مقصراً [6] أو مطلقاً، دون الحاصل من غير طرقه ولم يصب  فوافقه [7]؛ إذ لا انقياد وقد خالف في الطريق  إلا لو كان قاصراً.
وكذلك الأمر فيما لو خالف ؛ فإنه لو قطع من طرقه، فأصاب، فخالف [8]، استحق العقاب دون ريب .
وأما لو قطع من غير طرقه - كما لو قطع من القياس أو الأحلام-  فأصاب فخالف [9] فلا يستحق العقاب لو كان قاصراً في عدم سلوك الطريق المعتبر؛ استناداً إلى ملاك ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [10] وغيره؛ ولأن الإصابة [11] حينئذٍ من طرقها المشروعة لم تكن مقدورة له [12] ؛ واللاطريق لم يكن حجة عليه شرعاً، بل كان توهم الحجية فقط، ولغير ذلك .
و أما لو كان مقصراً استحق العقاب، لمخالفته الواقع الذي أوصله إليه ذلك اللاطريق [13]، لا لمخالفته اللاطريق - أي القياس أو الرؤيا-  بل لمخالفته الواقع الذي كان بمقدوره الوصول إليه، فتأمل.
ثم إن صور الموافقة والمخالفة ثمانية [14] :

الصورة الأولى: القطع أو الظن الحاصل من (طرقه) فأصاب، فوافق، فإنه يستحق الثواب دون ريب، لكن هل (للانقياد) ثواب آخر؟
الصورة الثانية: القطع أو الظن الحاصل من طرقه فأصاب، فخالف؛ فإنه يستحق العقاب دون ريب، وهل له عقاب (التجري) أيضاً؟.
الصورة الثالثة: القطع أو الظن الحاصل من طرقه فأخطأ ولم يصب، فوافق، فله ثواب الانقياد.
الصورة الرابعة: القطع أو الظن الحاصل من طرقه فأخطأ، فخالف، فله عقوبة التجري على القول به.
الصورة الخامسة: والقطع أو الظن الحاصل من (غير طرقه) فأصاب، فوافق، فهل له مثوبة (الواقع) لأنه أدركه، أو لا لأنه لم يكن من حيث أمر الله؟ وهل له مثوبة الانقياد؟ أو يفرق بين القاصر والمقصر؟ فالمقصر [15] لا يثاب لا على الواقع ولا على الانقياد، أما القاصر فكالصورة الأولى؟ أو يفرق بالمرتبة والدرجة؟، أو يفرق بين الطريق الذي نهى عنه الشارع بالخصوص [16] وبين ما لم يعتبره ولم ينهَ عنه بعنوانه [17]؟ أو يفرق بين مثل القاضي وغيره؟.
الصورة السادسة: القطع الحاصل من غير طرقه فأصاب، فخالف، فعليه عقوبة مخالفة الواقع أو والتجري أيضاً، لو كان مقصراً [18] دون ما لو كان قاصراً [19] أو مطلقاً؟ أو بنحو بعض التفاصيل السابقة، فلو خالف القطع أو الظن الحاصل له من القياس مثلاً [20] فلا عقوبة، وكذا لو خالف الظن الحاصل من الأحلام، دون ما لو خالف القطع الحاصل منها [21].
الصورة السابعة: القطع الحاصل من غيرها فأخطأ، فوافق، فهل له ثواب الانقياد؟ أم يفرق بين القاصر فله، والمقصر فلا؟.
الصورة الثامنة: القطع الحاصل من غيرها فأخطأ، فخالف، فهل عليه عقوبة المتجري حتى على القول به في الصورة الرابعة  ؟وقد يفرق بين القطع والظن في بعض الصور السابقة.
ولم أجد مَن تطرق لجميع هذه الصور وأحكامها، وهي جديرة بالبحث والتحقيق [22] .
 
بحث تطبيقي:
قوله تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ [23] عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُو} [24].
إن هذه الآية [25] تشمل خمسة طوائف:
الطائفة الأولى: العالم المعاند.
الطائفة الثانية: الجاهل البسيط المقصر.
الطائفة الثالثة: الجاهل المركب - أي القاطع بالخلاف ـ المقصر[26].
الطائفة الرابعة:  الجاهل البسيط القاصر.
الطائفة الخامسة: الجاهل المركب القاصر.
وهذه الطوائف مشمولة للآية الشريفة موضوعاً، إلا أنّ الطائفتين الأخيرتين تخرجان منها حكماً ببركة رأس الآية ونهايتها [27]؛ فإنه يقبح عقاب القاصر[28]، حيث ذكرنا أنّ الأسماء قد وضعت لمسمياتها الثبوتية؛ وبه يدخل القاصر موضوعاً في الآية إلا أنه يخرج حكماً ببركة ما ذكرناه من رأس الآية.
وهنا توجد إشكالات ثلاثة، إشكال خاص بمدعانا من شمول الآية للطوائف الخمس، وآخران  عامان على الآية الشريفة، وكل هذه الإشكالات تستند إلى ورود كلمة (بغير علم)، فهي التي ولدت كلاً من الإشكالين العامين والإشكال الخاص.

الإشكال الأول[29]: أن (بغير علم) لا يشمل القاطع بالخلاف ؛ لأن ظاهر الآية ـ بلحاظ قيد (بغير علم) ـ أنها وردت في الجاهل البسيط؛ فإنه غير عالم، وعليه فكيف يدعى بأن الآية شاملة للقاطع بالخلاف مطلقاً-  سواء أكان قاصراً في جهله أم مقصراً [30]-  مع أنه ليس بجاهل بجهل بسيط؟  
الإشكال الثاني[31]: أنه لا استحقاق للعقاب على ما كان بغير علم -  وهو أنه لو كان (الإضلال) في الآية مقيداً بقيد (بغير علم)-  فكيف رتب استحقاق العقاب عليه و(إن له عذاباً مهيناً) مع أن الجاهل لا يستحق العذاب؟
الإشكال الثالث: أن قيد (بغير علم) لا يطابق مورد الآية ؛ حيث إن قيد (بغير علم) مناقض ـ في بادئ النظر ـ لمورد الآية؛ فإن موردها هو المعاند العامد، وهذا ليس مضلاً عن سبيل الله بغير علم، بل إضلاله هو بعلم، وهو النضر بن الحارث في معارضته للقرآن، فقد كان يعرف الحق ويعرف رسول الله’، وكانت الحجة تامة عليه، ومع ذلك عاند واستكبر وعارض القرآن وتجبر، وتدل على ذلك نهاية الآية حيث جاء فيها: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
وقد بحثت في عدد من كتب التفسير - بالمقدار المتيسر- فلم أجدها تتطرق للإشكالين والشبهتين الأخيرتين.
نعم، تطرق بعضهم لذلك، لكن إجابته كانت محل تأمل، أو كان جوابه صحيحاً في حد ذاته، إلا أنه ليس نافعاً لدفع الإشكال[32].

أجوبة الإشكالات الثلاثة:
ولدفع هذه الإشكالات خطرت بالبال ثلاثة أجوبة مرتبة بصورة طولية [33]:
الجواب الأول [34]: الفرق بين العلم والقطع؛ حيث إنّ العلم لا يطلق [35] ـ بحسب التتبع الواسع وشبه التام، والعرف يشهد على ذلك ـ إلا على المطابق للواقع [36]،  وأما القطع فهو أعم من العلم، ويطلق على ما يطابق الواقع أو يخالفه.
وبناءً على ذلك يتضح وجه رد هذه الإشكالات الثلاثة؛ لأنّ الله تعالى يذكر فيها ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [37]، وهذا الفرد ليس بعالم بصحة مسلكه، ولا علم لديه بصوابية مذهبه، وإن كان فرضاً قاطعاً به، والحاصل: إن العالم المعاند، حيث يعرف الحقيقة ويعمل على خلافها، فإنه مصداق للآية مع قيدها، أي: (الإضلال بغير علم) أي: ليس إضلاله عن علم بصحة طريقته؛ إذ العلم يعني المطابق للواقع، بل إضلاله عن جهل بالواقع، وإن كان قاطعاً به؛ إذ إنّ العالم المحيط بحاله يعلم أنه عن جهل ثبوتي، وإن توهمه القاطع علماً.
وكذا الحال في الجاهل البسيط القاصر والمقصر، والجاهل المركب القاصر والمقصر أيضاً، فإنّ كل هؤلاء ليس لهم علم بالواقع، فيكون كل منهم مشمولاً بالآية، ويدلك على ذلك أن الآية قد عبرت بـ(بغير علم) ولم تقل (بغير قطع).
والمتحصل: أنه بناءً على التفريق بين العلم والقطع فإنّ الآية شاملة للطوائف الخمسة، وبذلك يندفع الإشكال الأول في المقام.
وبذلك يظهر أنه حسب تعميمنا الآية للطوائف الخمس، وحسب جوابنا الأول، فإن (المورد) داخل، لأنّ مورد الآية هو ذلك الذي قطع بالحق، إلا أنه رتب آثار العلم بالباطل في عمله، فنزّل باطله منزلة العلم في الاتباع والجري، فإنّ عمله بباطله وإضلاله إنما هو بغير علم، أي: بغير علم بصوابية إضلاله؛ لفرض أنه عالم بأنه على باطل.
ثم نقول: إنّ رأس الآية: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ لا تنجم منه أية مشكلة أيضاً؛ لأنّ الفرض أن القاطع عن تقصير يستحق العقاب، وكذا الجاهل جهلاً بسيطاً عن تقصير. نعم، يخرج برأس الآية قسمان من الأقسام الخمسة، فتدبر، ولو قبلنا هذا الجواب فبها، وإلا انتقلنا إلى الجواب الآخر.

الجواب الثاني [38]:  وهو أن قيد (بغير علم ) يراد منه  الجاهل البسيط عن تقصير [39]، ولو كان الأمر كذلك فبه يدفع الإشكال الثاني والثالث، ولا يترتب إشكال عدم استحقاق العقاب؛ لأنّ الجاهل عن تقصير يستحق العقاب، وكذلك يندفع إشكال (بغير علم)؛ لأنه جاهل بجهل بسيط.
والحاصل: فلأنه لأنه جاهل بجهل بسيط صدق عليه بغير علم، ولأنه عن تقصير استحق العقاب.
إن قلت: إنه يلزم من قبول ذلك خروج مورد وشأن نزول الآية؟
قلنا: إن المورد داخل في المقام بحسب الأولوية؛ فإن الآية نزلت في مورد وشأن العالم المعاند، ولكنها ـ على هذا لو تمّ ـ نقلت الكلام منه إلى الجاهل البسيط المقصر، أي (الوارد) كان عن الجاهل البسيط المقصر و(المورد) العالم المعاند، والنكتة في العدول هي إفادتها لفائدة جديدة تتضمن مطلباً جديداً وإبداعاً قرآنياً، فإنّ الآية على هذا ستكون ذات فائدتين.
فإنها لو اختصت بمورد النزول لقالت: (ليضل عن سبيل الله بعلم) فأفادت مسألة واحدة وصورة واحدة فقط، إلا أنها عندما قالت (بغير علم) وأريد منها الجاهل البسيط عن تقصير، وأنه يستحق العذاب المهين، أفادت المولوية حال مورد النزول، وهو ذلك العالم المعاند، فإنه يستحق العقاب  بالأولوية، فتأمل [40].

الجواب الثالث: أنّ معنى الآية: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: بغير علم بوخامة عاقبة أمره [41]، وهذا المعنى وإن كان فيه تجوز من باب المجاز في الحذف، ولكنه معنى مقبول وجيه رغم كونه خلاف الظاهر بدواً؛ فإنّ كثيراً من الكفار يعلمون [42] بوجود أصل العقوبة، ولكنهم لا يعرفون ولا يدركون حقيقتها وعمقها، فحالهم كالذي يرى العقرب ويعلم أن لدغته مؤلمة، إلا أنه لم يكن يعرف شدة ألم تلك اللدغة، فتوهمها خفيفة فلم يحتط منها، وأما المتبصر بها وبسمّها القاتل فإنه يحتاط كثيراً منها.
ولكن هذا المعنى خلاف الظاهر، إلاّ أنه لو لم يكن ملجأ إلا المعنى الثالث لكانت القرينة العامة سائقة إليه، وهي امتناع إرادة المعنى الحقيقي ـ على فرض عدم قبول سائر الأجوبة ـ ووجاهة هذا المعنى.

الجواب الرابع [43]: وهو أنّ المراد من (علم) في قوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ هو الحجة، أي: مَنْ الناس من يشتري لهو الحديث ليضل الناس عن سبيل الله بغير حجة، وهذا ينطبق على المعاند؛ إذ لا حجة له واقعاً، سواء أخذنا الحجة بمعنى الكاشف عن الواقع أو المعذر؛ إذ عمله بلا معذّر، فالعقاب منجز بحقه، أم أخذناها بمعنى لازم الاتباع، كما أن المقصر سواء كان جهله بسيطاً أم مركباً فلا حجة له في المقام، وكاشِفُه عن الواقع متوهم.
ولعله جرى في الآية ذكر العلم بدلاً من (الحجة)؛ لأنّ العلم هو أعلى مصاديق الحجة، بل بحسب المشهور ليس إلا العلم هو الحجة في أصول الدين، فالعلم مساوٍ للحجة، ورجّح (العلم) على الحجة؛ لعدم اللبس في معناه، عكس الحجة المحتملة لأكثر من معنى، فتأمل.
وبهذه  الأجوبة الأربعة  تندفع الإشكالات ويثبت المراد [44].

الفائدة الحادية عشر: أن القطع حقيقة تشكيكية ذات درجات ومراتب فمنه المستقر ومنه المتزلزل، والثاني   يسقط  عند المعارضة للأول.
إن القطع على سنخين قطع متزلزل مبني على أساس غير وثيق، وقطع مستقر مبني على أساس وثيق عقلي، أو علمي، أو شرعي على سبيل الاجتماع أو البدل [45].
ومن مصاديق سنخ القطع غير المستقر: التقليد الأعمى والاتباع للآباء والأحلام والفنجان وشبهها، فإن هذه لا قيمة لها عند العقلاء أولاً، وثانياً فإنه لو فرض أن لها قيمة عند العقلاء ـ تنزلاً ـ فإنها ساقطة مطروحة لمعارضتها بالأقوى.
وتوضيح ذلك: إن القطع حقيقة تشكيكية ذات درجات وذات مراتب، فلو عورض بقطع أقوى زال وجداناً في غالب الأحيان, ولو فرضنا أنه لم يتزحزح ولم ينعدم فإنه يسقط عن الحجية [46] عندئذٍ، ككل حجة عورضت بحجة أقوى، فإنها تسقط بمعارضة الحجة الأقوى لها؛ وذلك كخبر الثقة المعارض بخبر الثقات على الخلاف، أو المعارض بخبر ثقة أكثر ضابطية منه.
ومن مصاديق ذلك أيضاً القطع الحاصل من الأحلام ، فإنه من قبيل قطع العامي الصّرف فيما يحتاج إلى خبرة، كقطعه في أمر طبي من غير استناد إلى تحليل علمي فإن هذا القطع -  لو فرض أنه حجة - لو عورض بقطع خبير [47] فإنه لا شك عند العقلاء بأن هذا القطع هو الراجح، وذاك هو المرجوح، وأن التمسك بالمرجوح قبيح مع وجود الراجح، فكذلك القطع الحاصل من الأحلام، فإن هذه الأنواع من القطع التي تُدّعى معارَضة بقطع كافة العلماء من أهل الخبرة والاختصاص، سواءً في حقل العقيدة أم الشريعة وما أشبه، ولا شك أنه عند المعارضة تسقط هذه عن الحجية في قبال تلك [48].

--------------------
[1] (المعتبرة) قيد لـ(الطرق)، لا لـ(القطع) فلا يرد أن القطع حجيته ذاتية ولا يعقل اعتبار الشارع له، على أننا قد حررنا مفصلاً في عدد من الكتب، عدم كون الحجية ذاتية للقطع.
[2] كالقطع من خبر الواحد المحفوف بالقرائن القطعية ـ العقلية أو النقلية ـ.
[3] وقد حررنا ذلك في (فقه التعاون على البر والتقوى) و(مباحث  القطع).
[4] وسيأتي بيانها في المتن في الصورة السادسة بإذن الله تعالى.
[5] هذه هي الصورة الثالثة الآتية.
[6] على تقدير تصور التقصير فيه.
[7] هذه هي الصورة السابعة الآتية.
[8] وهي الصورة الثانية.
[9] وهي الصورة السادسة.
[10] سورة الإسراء:15.
[11] أي المأمور بها، أو فقل (الوصول للواقع، المأمور به) لم يكن مقدوراً له.
[12] لفرض قصوره.
[13] أي اللاطريق ، بنظر الشارع (كالقياس) أو العقلاء أيضاً (كالأحلام في الجملة).
[14] ولا يخفى أنها بلغت 16 صورة مع تعميمها في المتن للظن أيضاً.
[15] أي الذي كان بمقدوره تحصيل الطرق المعتبرة، فتركها وسار خلف مثل القياس والأحلام.
[16] كالقياس.
[17] كالرمل والأحلام.
[18] لفرض اشتراك التكاليف، وكون حتى الكفار مكلفين بالفروع.
[19] أي قاصراً في سلوك الطرق المشروعة المعتبرة.
[20] وفرض كونه في تلك الواقعة مطابقاً، في علم الله تعالى، للواقع ونفس الأمر.
[21] أي من الأحلام.
[22] المبادئ التصورية والتصديقية الفقه والأصول: ص 215.
[23] يُضِل بضم الياء بحسب القراءة المشهور وبالفتح بحسب القراءة الأخرى.
[24] لقمان: 6.
[25] أي: صدرها، لولا رأسها وسيأتي.
[26] غير المعاند، وبهذا القيد يفترقان عن الأول، بل يكفي قيد العالم لطرد الأربعة، وأما العامد فلطرد العالم المنقاد.
[27] أي: ببركة: أولئك لهم عذاب مهين.
[28] إن خروج هاتين الطائفتين هو من الناحية المبدئية، وهناك نقاش في ذلك بوجه ما، وسيأتي.
[29] وهو إشكال خاص على ما ادعيناه من شمول الآية للطوائف الخمسة.
[30] عامداً أو غير عامد.
[31] وهذا الإشكال وما بعده إشكالان عامان كما تقدم.
[32] فإن للميزان جواباً [الميزان16: 210] وكذلك للكشاف3: 230، وهناك جواب آخر لتقريب القرآن إلى الأذهان4: 262، وسنذكر هذه الأجوبة مع وجوه مناقشتها إن شاء الله تعالى.
[33] ومعولنا على الجواب الأول وإلا فالثاني وإلا فالثالث.
[34] وهو جواب مشترك يدفع الإشكلات الثلاثة.
[35] في لسان الآيات والروايات، بل مطلقاً.
[36] ولو استعمل في غير المطابق للواقع، نادراً، فإنه مجاز وبعناية.
[37] سورة لقمان: 6.
[38] وهو جواب تنزلي.
[39] أي: خصوص هذه الصورة.
[40] فإن ذلك وإن صح ثبوتاً لكن لعل ظاهر الآية لا يساعد عليه.
[41] فيشمل الأقسام الخمسة، لولا رأس الآية.
[42] وبعضهم يحتمل ذلك.
[43] هو جواب سلس وسهل، ولعله أوضح وأفضل الأجوبة في المقام.
[44] حفظ كتب الضلال:ص152.
[45] في بعضها، إذ العقلي لا ينفك عن الشرعي لقاعدة الملازمة بطرفيها.
[46] أي: عن حجيته لدى الغير الذي يريد أن يركن إليه، لا لدى القاطع نفسه، إذ الفرض أن قطعه الأول لم ينعدم، بل لم يتزحزح رغم مشاهدته ما يورث القطع الأقوى.
[47] كطبيب متخصص.
[48] فقه الروى : ص13.

 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 21 ربيع الأول 1439هـ  ||  القرّاء : 978



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net