||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  


  





 172- ( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ) من هو رب الأرض؟ وما هي وظائف المنتظرين؟

 194- الظلم التكويني والتشريعي على مستوى علم الكلام وعلم الاجتماع

 12- بحث رجالي: حجية توثيقات المتقدمين والمتأخرين

 195- ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) -6 ( شروط الامامة وأدوارها ودعائمها ) ( الشعائر ) دعائم استراتيجية للدور الحسيني الاعظم

 209- مباحث الاصول -الفوائد الأصولية (الدليل العقلي) (2)

 79- (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)-4 الوعي الشمولي بمساحات تأثير الحكومات و سبل المواجهة

 لماذا لم يصرح باسم الامام علي عليه السلام في القران الكريم

 190- مباحث الاصول : (مبحث العام) (3)

 95- فائدة عقائدية: القوى الست والطرق الاربعة لكشف الحقائق

 87- (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) -12 ضمانات استقامة القوات المسلحة ونزاهتها -7 إلغاء التجنيد الإلزامي وتقليص الجيش النظامي وتطوير الموازي الشعبي للجيش: (العشائر)



 الإسلام والاستبداد نقيضان لا يلتقيان

 في ذكرى شهادة الحسين (ع): الحق والباطل ضدان لا يجتمعان

 الإمام الحسين من منظار حداثي

 التشاؤم المدمر والتفاؤل التقدمي

 القائد الإداري والقدرة على النقد الذاتي



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 21- بحث اصولي: عن حجية قول اللغوي ومداها

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى

 فقه الرشوة



  • الأقسام : 68

  • المواضيع : 3142

  • التصفحات : 5292902

  • التاريخ : 25/09/2018 - 15:39

 
 
  • القسم : دراسات وقراءات .

        • الموضوع : تلخيص كتاب فقه المعاريض والتورية .

تلخيص كتاب فقه المعاريض والتورية
16 شعبان 1439هـ

تلخيص كتاب فقه المعاريض والتورية
مباحث الأصول وفقه الحديث لسماحة السيد مرتضى الحسيني الشيرازي
تلخيص الشيخ عبد الرسول الدجيلي

بسمه تعالى
قد اشتمل كتاب فقه المعاريض والتورية ـ من مباحث الأصول وفقه الحديث ـ على ذكر مدخل وخمسة فصول.
1ـ أما المدخل فقد تكفل بيان عدة أمور انتضمت جميعها في اطار مجموعة عناوين, جاء ذكرها  بغية التميهد والتوطئة للمباحث التي سوف تذكر لاحقاً للفصول الخمسة.

العنوان الأول: توقف الأعلمية بل الاجتهاد على مباحث المعاريض والتورية
وقد أُشير في هذا العنوان إلى عدة فوائد لها مساس مباشر بمقومات الفقاهة لدى الفقيه، كضرورة  أن يكون الفقيه أجود فهماً, أو كونه اجود استنباطاً...بعد وضوح إن أجودية الفهم متوقفة على معرفة المعاريض والتورية, وما سيذكر من تقسيماتها وملحقاتها المتنوعة لكون((الاجتهاد المطلق متوقف على معرفة فقه المعاريض والتورية؛ لوضوح أنه إذا كانت الحجج الخفية كالحجج الجلية، وكان كلامهم (عليهم السلام) معتمداً عليها فكيف يكون فقيهاً مَن لا يعرفها)) [1].
ثم أخذ سماحته يدعم مدعاه ويسنده بذكر مجموعات من الروايات تشير بوضوح بلزوم توفر الفقيه على معرفة دراية الحديث ولحن الكلام.

العنوان الثاني: موقع المعاريض من علم الأصول: من مسائله أو مبادئه
وقد انطلق سماحته في هذا العنوان ليحدد موقعيّة  المعاريض من علم الأصول وهل ان الأوفق بها ان تدرج ضمن مسائله أو مبادئه, لكن سماحته اقترح ان تبحث في ضمن موقين:
الأول منهما: في مبادىء الاستنباط التصديقية لكون المعاريض من الحجج الخفيّة.
وثانيهما: لزوم عقد مسألة أصولية مستقلة لها, تبحث إلى جوار الحجج الجلية الأخرى كحجية خبر الثقة والظواهر ونحوهما, بل اقترح ان تبحث في ضمن بابين من علم الأصول.
الباب الأول: يتضمن البحث عن الحجج الجليّة.
الباب الثاني: ما يتضمن البحث عن الحجج الخفيّة, إستناداً لما اختاره من أن موضوع علم الاصول هو: ((الحجة المشتركة القريبة في الفقه)) فتكون المعاريض من موضوع علم الأصول, كما إنها من مسائله, فتكون بنفسها كبرى من كبرياته التي تقع بنفسها في طريق استنباط الحكم الكلي الشرعي.

العنوان الثالث: الحجج الخفية والحجج الجلية
جاءت الاشارة في هذا العنوان إلى تقسيم الحجج الى خفيّة وجليّة, فالجليّة منها كالنص والظاهر وما شاكلهما وهي من مباحث علم الاصول, وأما الخفيّة منها فهي من قبيل المعاريض والتورية.
ثم ذكر منبّهاً بما حاصله: وليس المقصود من كون المعاريض والتورية من مبادئ الأصول أو مسائله كون مصاديقها ومفرداتها وجزئياتها، بل المراد كلياتها وأصولها، أو الحجج عليها؛ وذلك كما في مباحث الظواهر، فإن كلياتها ـ كالعام والمطلق والأمر وسائر الظواهر ـ من مسائل الأصول  دون مصاديقها وآحاد مفرداتها.

العنوان الرابع: استلزام إدراج المعاريض في الأصول لإدراج علم البلاغة كله فيه وعدمه
وقد حاول في هذا العنوان دفع وهم واشكال بأن أدراج  فقه المعاريض في علم الأصول لا يستلزم منه إدراج سائر علم المعاني والبيان في الأصول.
إذ ليس المراد من المعاريض والتورية مصاديقها، بل المراد الحجج عليها، كدلالة التنبيه والإيماء والإشارة.
على أن الوجه المسوّغ في إدراجها في الأصول هو نفس الوجه الذي أدرج به الأصوليون مباحث الحقيقة والمجاز وعلامات الحقيقة في الأصول، مع أنها من مباحث البيان, ثم أضاف إلى أن الضباط الذي ذُكر لا ينطبق على كثير من مباحث البيان, ثم أخذ يذكر مزيد توضيحات وأمثلة بغية توضيح الموقف في المسوغ للأدراج.

العنوان الخامس: موقع المعاريض خاتمة الأصول أو غيرها
وينبغي أن لا يُتوهم ان موقع فقه المعاريض هو خاتمة الأُصول في باب التعارض والتعادل والترجيح؛ إذ إنَّ التعارض كالتعادل أو الترجيح بحث لاحق، متأخر رتبة، وبحث المعاريض بحث سابق.
واسترسل سماحته في إعطاء مزيد إضاءة لهذا المبحث أكثر بما لا يبقى فيه أي غموض
أو إلتباس, واضاف في خاتمة الأخذ والرد في الكلام بأن كتب الأُصول الدراسية المتداولة في الحوزة تعاني من نقصٍ حادٍ في جانب مباحث المعاريض والتورية, بالرغم من وجود حشدٍ وافر من المرويات تؤكد ضرورة الاهتمام بمباحث المعاريض والتورية.
ومن أجل هذا يرى إن دفاع الشيخ الانصاري عن الشيخ الطوسي في جموعه التبرعيّة كان في محله إذ إن  الشيخ الطوسي جرى على ما جرى عليه الأئمة الأطهار عليهم السلام، وأنه حيث عرف أنّ منهجهم في الحديث والكلام هو الاعتماد على التورية والمعاريض؛ لذا حمل كلامهم على ذلك، فلا وجه للإشكال عليه.
ثم أضاف من أن العمل على مقتضى المعاريض ليس على خلاف الظاهر، ولا الجمع بها من الجموع التبرعية، فإنها من الظواهر الثانوية المتوقفة على قرينة دالة على الانتقال، كالمجاز الذي هو ظاهر ثانوي لكن المتوقف على قرينة دالة على الاستعمال المجازي.

العنوان السادس: ضرورة الإحاطة بالآيات والروايات والتأريخ لمعرفة المعاريض والتورية
واضاف قائلاً ـ وهو من متممات البحث السابق ـ يلزم على الفقيه الاحاطة بكل ما له دخل بمعاريض كلامهم عليهم السلام, وأخذ يذكر لذلك أمثلة توضيحية تتلخص بالأمور التالية:
1 ـ احاطته بالآيات والروايات.
2 ـ أو كل ما يحتمل مدخليته في تحول القضية من حقيقية إلى خارجية، أو من تعيينية إلى تخييرية.
3 ـ أو كونها تعليماً أو فتوى، أو كونها تورية أو تقية، أو كونها من باب الولاية, إلى أخر ما سرده دامت افاداته من إثارة لبعض  النقاط المهمة وهي بحقٍ جديرة بالبحث والتأمل فراجع.

العنوان السابع: شبهة التدافع بين العرفية والدقة
وقد يُطرح إشكالٌ يتسم بروح النقض: بأن التدقيق في المعاني العميقة، المستفادة من المعاريض والتورية ليس بعرفي, لكون الاستنباط للأحكام الشرعية يلزم فيه تحكيم العرف ومناسباته, وربما يدعم هذا الرأي ببعض الآيات, فيكون البحث عنها خارج تخصصاً.
وقد دفع هذا الوهم بعدة وجوه نذكر المهم منها:
1 ـ إن الاشكال بصيغته المطروحة قد يعارض مجموعات من النصوص الرائية, وقد ذكر جملة منها تفيد  أن التدقيق في المعاني العميقة أمرٌ مطلوب لوضوح أن الأفقهية، بل الفقاهة لا تكون إلا بالدقة والتشقيق مما لا يلتفت إليها العرف عادة.
2ـ إن مرجعية العرف إنما تكون  في الإطلاق والتقييد والعموم والخصوص...دون ريب، وأما التشقيقات وطرح المحتملات...مما كان مصداق التفقه في الدين فإنها إذا اصطدمت بالفهم العرفي وعارضته لم تكن حجة, ثم أخذ سماحته يتوسع في توضيح ذلك حتى قطعت حجته جهيزة قول كل خطيب.
مع ضميمة  استدلاله ببعض الآيات والروايات تدعيماً لصحة المدعى ليعود جليّاً واضحاً.

الفصل الأول
2ـ وأختص الفصل الأول ـ بتعريف المعاريض والتورية ـ لغة, وقد توسع في عرض كلماتهم ومحاكمتها بحثاً وتمحيصاً لإنتخاب ما هو الانسب في تعريفها, وقد كان مختاره من بينها بخصوص تعريف المعاريض هو الأول, حيث قال: ((والظاهر أنه مأخوذ من العَرْض... بحسب ملاحظة أغلب تعاريف اللغويين للمعاريض)).
كما أنه كان مختاره في تعريف التورية هو كونها: ((تفعِلة مثل تكملة...مأخوذة من الوراء؛ إذ ورّاه أي أخفاه وستره)) معللاً له بقوله: ((لأنّ المعنى المراد يقع في طول المعنى الذي وضع له اللفظ، فكأنه من ورائة، فالبطون ـ على هذا ـ هي مما وُرّي بالكلام عنها)).
ثم تعرّض بعد ذلك إلى معنى دقيقٍ إلى تعريف المعاريض أفاده بقوله إن المستظهر من التعاريف السابقة: بــ((ما وقع في عرض المعنى، ولم يكن موضوعاً له ولا مستعملاً فيه، بل قُصِد من اللفظ بالتقارن، وكان اللفظ داعياً للانتقال إلى المعنى الآخر الموازي، أو محفِّزاً ومثيراً)), وهو الذي اشار إليه عند التعرض إلى قِوام المعاريض  وكونها بالأنتقال لا بالأستعمال
وقد اطلق عليها بالمعاريض بالمعنى الأخص, وزادها توضيحاً أكثر بقوله: ((والانتقال يراد به الانتقال من المعنى الموضوع له إلى معنى مناظرٍ ومشابه، بأن يكون اللفظ أو الجملة داعياً للانتقال أو محفزاً ومثيراً، دون وجود عُلقة وضعية أو استعمالية بينها)).
ولكي يُمكّن القارىء او المستمع ويجعله أكثر استيعاباً لهذا المطلب بصورة أفضل ضرب لذلك عدة امثلة مستفادة من الآيات والروايات ترجع في روحها إلى تطبيقات عمليّة لكيفيّة كون المعاريض تتم استفادتها بالأنتقال لا بالأستعمال.
ثم عاود الكرة مرة ثانية بالرجوع إلى تعاريف اللغويين ليشخص هذه المرة مدى استعمالات اللغويين للمعاريض من حيث إطلاقاتها ومبدؤها, وقد شخّص عدة إستعمالات لها بما افاده بقوله: ((ثمّ إنَّ مراجعة كتب اللغة تفيدنا وجود إطلاقات للمعاريض واستعمالات، أحدها الأخص السابق الذكر، وتنطبق عليه جملة من تعاريفهم، وجملة أخرى من الإطلاقات بعضها أعم وبعضها مباين، وبعضها نسبتها معه من وجه كما أنَّ بعضها موضوع له، وبعضها مستعمل فيه من باب المصداق)), وهذه هي الدقة المتناهية في التشخيص للإستعمال والنظرة الثاقبة في التمييز بين ما هو أعمُّ استعمالاً أو أخص أو مباين..., وحتى لا يبقى الكلام مجرّد دعوى يحوم حولها سوء الظن أو وسوسة الصدور,  سرّح عنان البحث حول ما هو المستفاد من كلمات اللغويين لإثبات ما يدعيه, وقد انتخب على ما يربو على العشرين مورداً  من كلماتهم تطبيقاً لما هو أعم استعمالاً أو أخص أو مباين...للمعاريض.
وكل ذلك يُنبىء عن جودةٍ في قريحته، وكمالٍ في  فطنته ودقةٍ في  بصيرته ذات الأغوار البعيدة, فلله درّه وعليه وأجره, فذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء.

الفصل الثاني
3ـ وقد تمّ التركيز في الفصل الثاني في التعرض إلى أقسام التورية والمعاريض.
فقد شرع دام ظلّه أولاً: إلى ذكر تقسيماتهما, وهي خمسة كقسمة أوليّة جاء ذكرها كالتالي:
1 ـ  القسم الأول: أن لا يراد ظاهرها.
2 ـ القسم الثاني: أن يريد الظاهر موهماً إرادة غيره.
3 ـ القسم الثالث: أن يريد الظاهر لوهم السامع غيره.
4 ـ القسم الرابع: أن يريد الظاهر والباطن معاً.
5 ـ القسم الخامس: أن يجمل الظاهر لحكمة, وقد اشبعها توضيحاً وتجلية ببيان جذاب وسلس مع ذكر عدة أمثلة توضيحية مستفادة من مجموعة من الآيات والرويات كانت تستهدف كشف النقاب عنها بصورة أفضل, ولا بأس أن نأتي على ذكر بعض الأمثلة التي جاء التعرض إليها باختصار:
أ ـ  تصريح أبي ذر بمكان اختفاء النبي (صلى الله عليه وآله).
ب ـ أمر الإمام (عليه السلام) حمران بالكون مع العامة.
ح ـ إن القرآن نزل على سبعة أحرف، وأدنى ما للإمام أن يفتي على سبعة وجوه، ثم قال: [هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ], ومن خلال عرض هذه الأمثلة قد انبثقت عدة أبحاث جديرة بالتأمل والوقوف عندها لمن يريد أن يكون له حظ وافر من العلم؛ لأن عرض مثل هذه الأبحاث لم يتم التعرض لها حوزوياً على طاولة البحث والدراسة والتحليل, بحيث تستوفى وتعطى حقها كما ينبغي.
التقسيم الثانوي:
ثمّ عرّج دام ظلّه ثانياً: على ذكر التقسيمات الثانوية للتورية والمعاريض, غير أنه وقبل التعرض إلى ذكرها فقد ذكر التورية لغة بقوله: ((مصدر وريت الخبر تورية؛ إذا سترت الخبر وأظهرت غيره، واصطلاحاً هي: أن يذكر المتكلم لفظاً مفرداً له معنيان: أحدهما قريب غير مراد، والآخر بعيد خفي هو المراد بقرينة، ولكنه ورّى عنه بالمعنى القريب، فيتوهم السامع لأول وهلة أنه مراد)), وكان غرضه دامت توفيقاته من التعرض إلى التعريف المذكور أن ينبه من كونه منقوصاً وإن القسمة غير حاصرة لكونه قد شذ عنه ذكر عدة أفراد وتفسيمات للتورية ذكرها بقوله: يرد عليه أن التورية المصطلحة على أقسام, ثم ذكرها تباعاً كالتالي:
1ـ القسم الأول: التورية المجردة.
2ـ القسم الثاني: التورية الموشحة.
3ـ القسم الثالث: التورية المبيّنة.
ثم فرّع على هذه التقسيمات ذكر بعض القيود من قبيل, ككون التورية بقصد الإخفاء أو الإفهام, أو بقصد الأفهام لا بقصد النقل ونحوها, و قام بتجلية مضمونها أكثر من خلال عدة أمثلة تطبيقية كانت مستلّة من الآيات والرويات, كقول إبراهيم (عليه السلام): ((للجبار عندما سأله عن زوجته فقال أنها أختي, وأراد أخته في الدين)).

من وجوه الحكمة في التورية
ثمّ أدار (دام ظله) عنان الكلام عن البحث في وجوه الحكمة في التورية ومدى الحاجة إليها وأنه لماذا يلجأ إليها احياناً؟ وقد أجاب عن هذا التسائل بعدة أجوبة, نذكر المهم منها: أنه: ((قد يكون من المصلحة إبراز المستحب بصورة الواجب؛ وذلك لبعث المكلف نحوه مما لو لم يبرزه كذلك لما فعل...)), وقد توسّل لتوضيح المطلب بعدة أمثلة هادفاً بذلك تجلية الصورة بشكل افضل.
ثم ختم الكلام بالأشارة إلى الفرق بين التورية والمعاريض, من أن التورية بأقسامها الثلاثة الأخيرة[2] وهي من أقسام الحقيقة, وأما المعاريض فليست من أقسام الحقيقة ولا المجاز على مختاره، وكونها من المعاني الموازية للمعنى الموضوع له، التي ينتقل إليها الذهن بالتقارن أي: ما كان نظير تداعي المعاني، وكان اللفظ مجرد محفّز ومثير للانتقال إليها.

أنواع المعاريض
كان من الجيّد أن تأتي الأشارة إلى تشخيص أنواع ومصاديق المعاريض حذراً من التداخل بينها وبين أنواع التورية, وقد قام برحلة شائكة بالبحث والتنقيب لتشخيص ما هو من صنف المعاريض, أو كونه خارجاً عنها, وقد ذكر عدة مصاديق لها:

النوع الأول: مفهوم الموافقة قد يعدّ مفهوم الموافقة من المعاريض ـ من قسم ما قصد معناه الظاهر والموازي له معاً...يُنتقل من اللفظ إليه دون استعمال له فيه. وهذا كله بناء على عدم تخصيص مفهوم الموافقة بالمفهوم الموافق المستفاد بالأولوية.

النوع الثاني: الكناية:
ومن المعاريض الكناية ـ من قسم ما قصد معناه الموازي دون معناه الظاهر وكذا لو قصدهما معاً لكن بلحاظ ما قصده ـ فإنّ الكنايات كذلك لم تستعمل في المعنى الكنائي، بل يُنتقل من المعنى الحقيقي إلى الكنائي عبرها، فإنّ قولك: فلان مهزول الفصيل...لا يراد به استعمال الفصيل أو المهزول في جود الشخص وكرمه، بل يراد الانتقال منه إليه.
ثم فرّع على هذين النوعين من المعاريض أبحاث مهمة مع نقل أقوال الآعلام في الكناية وقد استعرض منها أربع أقوال, وكان مختاره بعد اشارته إلى وجه الفارق بين الحقيقية والمجاز, وإن الحقيقة تفترق عن المجاز بحسب الدلالة الثانية(أي بحسب الأرادة الجدية).
وعلى هذا فإن الكناية التي هي من المعاريض إنما هي بالأنتقال لا بالاستعمال فالكناية أمر لاحق على الدلالة التصديقية الثانية والثالثة مختلف لحاظاً ومصباً عنهما فإن أراد بالإرادة الجدية معناه الموضوع له ومعراضه فهو حقيقة بلحاظه، وكناية بلحاظ الانتقال للمعنى الكنائي.

النوع الثالث دلالة الاشارة: وهي من أنواع المعاريض، وهي ما لم يقصده المتكلم، أو لم يظهر منه في بادئ النظر أن المتكلم قصده, ولم يوضع له ولم يستعمل فيه، لكنه عد من لوازمه أو ما يستدعيه، ويُنتقل منه إليه عرفاً أو عقلاً بحكمة أو بمناسبات الحكم والموضوع أو غيرها, ومثالها التوضيحي قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلى نِسَائِكُمْ}, أنه يدل على اجتماع الجنابة مع الصوم وعدم ابطالها له بدلالة الاشارة, وقد استعرض فيها عدة وجوه لمناقشة هذه الدلالة وهي اربع وقف عندها متأملاً, مما خلص إليه بالأخرة عدم كون المورد من دلالة الاشارة بل يمكن ان يثبت ذلك بالاطلاق المقامي.
ثم استعرض عقيب كل ذلك بعض مصاديق دلالة الاشارة منها بحث الضد والمقدمة.
النوع الرابع دلالة الاقتضاء: ودلالة الاقتضاء تعني: ما تتوقفصحة الكلام أو صدقه عقلاً أو شرعاً عليه، فتوقف الصحة كـ{وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ}؛ إذ لولا تقدير (أهل) أو ما أشبه لما صح الكلام.
وكذلك قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} المتوقفة صحته عقلاً على تقدير (العقد) أو المباشرة؛ لوضوح امتناع تعلق التحريم أو الإيجاب بالأعيان والذات والجواهر، بل إنّها تتعلق بالأفعال فقط, وقد تنوّع طرح البحث وتشعبت أبوابه وفروعه, حتى تلته بيقيّة الانواع الأخرى للمعاريض كدلالة التنبيه, ودلالة الشيء على اللازم غير البين, و مفهوم الوصف ونحوها.
على أن البحث في أنواع المعاريض من يُعدم من ذكر بعض التطبيقات العملية لها ذات فوائد عظمى.
وقد استتبع كل هذه الابحاث مجموعة من التنبيهات وكانت ستة, لأن طبيعة البحث كانت تفرض ان يضع بعض الضوابط ليحدد من خلالها أي الأنواع داخل في المعاريض وأيها خارج عنها؛ ولذا جاء منبّهاً على خروج البعض منها كخروج المجاز مع القرينة فإنه ليس من المعاريض,  كما أن المشبه بأداة التشبيه هو من الحقيقة،  وليس مجازاً ولا كناية ولا معراضاً، فإن الكاف وضعت للتشبيه وقد استعملت فيه, وقد ذكر بعض التفصيلات مع جولة واسعة النطاق في الأخذ والرد في الكلام.
كما أنه دام ظلّه أخرج المشترك اللفظي من أن يكون مصداقاً للمعاريض وعلله بقوله:
فإن المشترك اللفظي موضوع لكل من معنييه أو معانيه بوضع مستقل، وهو مستعمل في الموضوع له، غاية الأمر احتياجه إلى القرينة المعينة، أما المعاريض فإنها ـ كما سبق ـ المعاني التي هي في عرض المعنى الموضوع له، وهي التي تفهم بالانتقال لا بالاستعمال, إلى أخر ما ذكره من التنبيهات فراجع.
وقد كانت مطاوي الكلام في الفصل الثاني عميق المعاني، قوي المباني عجيب في طوره، بعيد في غوره, وممّا زاد في حسنه وبهائه وفخامته كونه حسن العبارة جيّد البيان وافياً بالمراد, وكان بحقٍ أن يحوز سمة قصب السبق في بابه, فلله درّ سيّدنا ممّا سطرته رشحات يراعه البارع الفياض.

الفصل الثالث فقه روايات المعاريض والتورية
فقد تضمّن الفصل الثالث الاشارة إلى فقه روايات المعاريض والتورية من قبيل قوله (عليه السلام):  ((حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه)), من قبيل قوله (عليه السلام): (( ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا)), وقوله (عليه السلام): ((ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا)).
وقد استفيد من فقه روايت المعاريض والتورية عدة أمور:

الأمر الأول: إن دراية الحديث تقود إلى فهم المراد الصحيح منه، أما مجرد الرواية دون الدراية فقد توقع الشخص في نقيض المقصود, أو قد يبقى جاهلاً بسيطاً بالمراد.

الأمر الثاني: ولعل من وجوه الحكمة في قوله: ((حديث تدريه)): أن ذلك يحرِّض على امتلاك ملكة دراية الحديث، ومن امتلكها ـ ولو عبر حديث واحد ـ فإنه سيكون قادراً على تحصيل دراية سائر الأحاديث  فيكون دارياً راوياً عكس الراوي الصِرف.

الأمر الثالث: توقف الفقاهة على علمي الأصول والمعاريض كما هو المستفاد من قوله (عليه السلام): ((ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا)).

الأمر الرابع: ان المستفاد من قوله (عليه السلام): ((وإن الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجها لنا من جميعها المخرج)), وقد اشتمل فهم هذا الحديث على عدة وجوه اشار اليها سيدنا الماتن مفصّلاً, مشفوعة بذكر عدة روايات أُخر تقترب منها معنىً كقوله (عليه السلام): ((إني لأتكلم على سبعين وجهاً)), ونحو لذلك, وقد استظهر من جملة: ((لنا من جميعها المخرج)), من أن الوجوه السبعين هي مراده بالإرادة الجدية، وفي كل واحد منها مخرج عن الاعتراض عليه والإشكال، فتنطبق على البطون والمعاريض معاً.
وقد فرّع على ذلك ابحاثاً تشتمل على دقائق علميّة ونكات فنّية استفادها من خلال عرض كلمات اللغوين ومجموعة من الآيات والروايات, فراجع.

الأمر الخامس: ثم استعرض طائفة ثانية من روايات فقه المعاريض والتورية من قبيل ما ورد ((...إنا نجيب الناس على الزيادة والنقصان)), وقد اشار الى الوجوه المتصورة في تفسير معنى: ((الزيادة والنقصان)),  وقد ذكر منها: الزيادة والنقصان على حسب عقول السائلين ومستوياتهم, أو الزيادة والنقصان على حسب أسئلتهم، فقد يوجز السائل وقد يفصل.

الأمر السادس: ومن روايات المعاريض والتورية التي جاء ذكرها من الطائفة الثالثة.
كقوله (عليه السلام): ((والله إنّا لا نعد الرجل فقيهاً حتى يعرف لحن القول)), وقد سلط الضوء على معنى لحن القول لغة كما جاء تفسيره عند بعض اللغويين: ((اللحن إمالة شيء من جهته)), أو ((الميل عن جهة الاستقامة)), وكما أنه شار إلى تقسيمات لحن القول, وقد أشار إلى ستة أقوال منها,  كالتلويحات للمعاني، والتلويح هو الإشارة للشيء من بعيد، ومن المعاني: البطون, ونحو ذلك, وقد كان مختاره بأن: (اللحن) مشترك لفظي بين هذا الأخير وبين الجامع بين المعاني الخمسة السابقة.
ختم الحديث بالنسبة إلى هذه الطائفة مع مناقشة بعض الفقهاء في تفسيره بأن المراد اللحن بأن مقياس الفقاهة هو أن يُلحن له، أي: أن تذكر له المسألة بنحو خاطئ، فإن عرف وجه الخطأ فهو فقيه.
وقد ردّه الأمر الذي أوضح خطأه بشكل جلي و بين.

الأمر السابع: وقد تعرض فيه الى الطائفة الرابعة من روايات المعاريض والتورية, من قبيل ما دلّ: ((إنّ لكل حقٍ حقيقةً)), وقد اشار ف تفسيره إلى عدة وجوه, نذكر المهم منها:
أ ـ جوهر الشيء ولُبّه, وقد استفاده من بعض كلمات اللغويين, وقد أوضحه بعدة امثلة توضيحية.
ب ـ فحقيقة الشيء أي ما يرجع الشيء إليه, وهو مختار بعض الاصولين كصاحب الكفاية والشيخ الانصاري.
ت ـ  ما به الشيء هو هو في ذاته، أو ما به الشيء هو هو في تحقُّقِه وتشخُّصِه.
وأما مفردة الحق التي جاء ذكرها في الحديث فقد ذكر لها عدة تفسيرات, منها:
1ـ  الحق قبال الباطل، فالمراد به الثبوت بمراتبه الأربعة.
2ـ الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، فيشمل العقائد والأقوال.
3ـ الموجود حقيقة لا توهماً.

الأمر الثامن: قوله (عليه السلام): ((ولكل صواب نوراً)), وقد أوضح المراد من النور الوارد في جملة: ((ولكل صواب نوراً)), بعدة تفسيرات:
أ ـ إن المراد هو معناه الأخص، بأن يكون للكلام الصادق نور تراه العين البرزخية مثلاً.
بـ ان يكون المراد إن لكل صواب من أقوالهم نوراً، أي: كاشفاً عنه، وهذا الكاشف هو الحجج الجلية والحجج الخفية، وهي المعاريض ولحن الكلام وشبهها.
ثم اشار إلى طرق رؤية هذا النور, بقوله: ثمّ إنَّ من طرق التعرف على هذا النور هو تزكية الأنفس, والجهاد في الله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} هو: الإحاطة بمجموع الآيات والاحاطة بمجموع الروايات وتاريخ المعصومين عليهم السلام، فإن بعضها يفسر بعضاً ويشرحه ويكون قرينة عليه.

الأمر التاسع: الطائفة الخامسة من روايات فقه المعاريض والتورية قوله (عليه السلام): ((فإنا لا نعد الفقيه منهم فقيهاً حتى يكون محدَّثاً، فقيل له: أو يكون المؤمن محدثاً؟ قال: يكون مفهَّماً، والمفهم المحدث)).
وقد تطرق الى فقه الحديث الى عدةّ وجوه:
الوجه الأول: في تعريف الفهم وقد ذكر لها عدة تعريات:
1ـ  إن الفهم غير العلم، فإن الفهم هو إدراك خفي ودقيق, بمعنى إن الفهم أخص مطلقاً من العلم.
2ـ حسن تصور المعنى.
3ـ الاستعداد التام لإدراك العلوم والمعارف بالفكر, وغيرها من التعريفات التي ذُكرت.
الوجه الثاني: إنَّ الرواية أناطت الفقاهة بكون الفقيه مفهَّماً لا بكونه فَهِماً، والفرق بينهما واضح كالفرق بين (العالم والمعلَّم) كذلك الفرق بين (الفَهِم والمفهَّم). بمعنى فيدل على وجود شخص أو موجود آخر يفهِّمه عكس الفَهِم، فإنه قائم بالشخص نفسه.
الوجه الثالث: ان المستفاد من الحديث المذكور توقف الفقاهة على المحدَّثية أي ان يكون  مفهَّماً؛ وذلك يعني بإلهامٍ إلهي ونحوه, والظاهر أن المتوقف على هذا الركن الثالث هو مرتبة من مراتب الفقاهة، أو درجة من درجات الإصابة، فتدبر.

الأمر العاشر: إنّ من الأشياء أشياء موسعة وأشياء مضيقة, كما جاء في رواية عبد الأعلى بن أعين قال: دخلت أنا وعلي بن حنظلة على أبي عبد الله (عليه السلام) فسأله علي بن حنظلة عن مسألة،  ((فأجاب فيها... إنّ من الأشياء أشياء ضيقه وليس تجري إلا على وجه واحد، منها: وقت الجمعة ليس لوقتها إلا واحد حين تزول الشمس، ومن الأشياء أشياء موسعة تجري على وجوه كثيرة، وهذا منها، والله إن له عندي سبعين وجهاً)).
وقد استظهر دام ظله من الرواية المذكورة من أن الأمر الموسع الذي يجري الكلام فيه من ولي الأمر على وجوه بحسب اختلاف الأشخاص والحالات والأوقات ثم حلف بان له عندي سبعين وجهاً وطوراً من الجواب، فهي صريحة في أن التورية والتكلم على سبعين وجها خاص بالأمر الموسع من الأحكام لا المضيّق منها فضلاً عن غير الأحكام.
ثم عمم البحث بحسب استظهاره بقوله: إن مورد الموسعات والمضيقات ليس خصوص الأحكام، كما لعله ظاهر بعض الكلمات؛ إذ يشمل الوضعيات أيضاً، فإن بعض الوضعيات موسعة وبعضها مضيق.
ثم أخذ يسترسل بذكر الأمثلة المستلّة من الآيات والروايات التي تزيد المطلب أكثر وضوحاً في بحث الموسع والمضيّق.

الفصل الرابع  الغاية والحكمة من المعاريض والتورية
قد تمّ التركيز في الفصل الرابع على بيان وجهة الحكمة والغاية من المعاريض والتورية في كلماتهم (عليهم السلام) دون استخدام لغة التصريح والوضوح في بيان مقاصدهم والاعتماد على الإشارات الخفية والرموز، والأِلغاز.
وقد ذكر سيدنا الماتن أثني عشر وجهاً توضح الغاية ووجه الحكمة من اللجوء إلى المعاريض والتورية, ونحن ناتي على ذكرها بالتسلسل التالي:

الوجه الأول: إنّ كثرة المعاني والمعارف والعلوم الموجودة لديهم  (عليهم السلام)ولا محدوديتها بنحو اللامتناهي اللايقفي عند حدّ، مع محدودية الكلمات والأوقات والاستعدادات، فلا مناصَ ـ والحال هذه ـ من تخزين المعاني الكثيرة جداً في ألفاظ قليلة تستبطن سبعين معراضاً، والمراد بالسبعين الكثرة لا العدد الخاص، وممّا يشهد لهذه الحقيقة ما رواه في الكافي: ... عن سدير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: ((جعلت فداك ما أنتم؟ قال: نحن خزان علم الله، ونحن تراجمة وحي الله، ونحن الحجة البالغة على مَن دون السماء ومن فوق الأرض)).
إذ المستظهر بالنظر لسنة الله تعالى كون العلوم ـ في وجه من وجوهها ـ مودعة عندهم على نظام التنزيل والتأويل والبطون والمعاريض، فالكلمة منها قد تكون مفتاحاً للملايين من العلوم.

الوجه الثاني: المعاريض كنوز معرفية متجددة ومعارف, بمعنى ان تلك المعاريض والإشارات والبطون كنوزاً معرفية متجددة، وذخائر للأمم والأجيال على امتداد الزمن، ولا تناهي المستقبل، أو فقل: كمكتبات أرشيفية مرجعية كبرى.
ومما يشهد لذلك قوله(عليه السلام): ((أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، إن الكلمة لتنصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب)).
وقد يشهد له ايضاً قوله (عليه السلام):كما في رجال الكشي ـ : ((ولكل ذلك عندنا تصاريف ومعانٍ توافق الحق... )), ثم أخذ يذكر مجموعة طوائف من المرويات تؤكد من أن أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) أو الأئمة (عليهم السلام)كالقرآن الكريم في أنّ لها ظاهراً وباطناً وعاماً وخاصاً، ومحكماً ومتشابهاً, أو ((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)), أو ((من عرف نفسه فقد عرف ربه)), فقد ذكر له بعض العلماء له سبعين معنى, وهذا ممّا  يدعو الفقيه وغيره لكي لا ينقطع عن تكرار التأمل والتدبر والتفكير، والنظر في كلماتهم مرة بعد أخرى إلى ما شاء الله، فقد يكتشف وجهاً جديداً، أو فرعاً مستحدثاً يمكن استخراجه منه.

الوجه الثالث: المعاريض أدلة إعجاز وشواهد على إمامتهم (عليهم السلام) لكي تكون تلك الكنوز المعرفية من المعاريض وغيرها دليلاً على إمامتهم، وأنهم هم وسائط السماء إلى الخلق حقاً؛ لكون الكثير منها إعجازاً لا ريب فيه بما تستبطنه من حجج خفية، ومن إشارات خفية، وبطون وأسرار يكشف عنها الزمن شيئاً فشيئاً.

الوجه الرابع: إن المعاريض مقتضى تدريجية التربية والتعليم.
والفرق بينهما واضح، فإن التعليم يرتبط بالفكر والعقل، والتربية ترتبط بالنفس والقلب، قال تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} فأحدهما العلم والآخر الأخلاق والمعنويات.
ومن الواضح أن قدرة الأفراد وكذلك الأمم على التعلّم تزداد تدريجياً، وكذلك تكاملهم الأخلاقي والمعنوي، والتدرّج ليس لاستحالة الطفرة، بل لندرة القفزات والزيادة، لأسباب منها التراكم المعرفي، ومنها تطور الأدوات والآليات والأجهزة، فاقتضى ذلك كله تضمين العلوم والمعارف في (معاريض) الكلام وبطونه، بحيث يكتشفها الأفراد والأمم بالتدريج يوماً بعد يوم أكثر فأكثر، كلما ازداد استعدادهم وقابليتهم وازدادت معرفتهم وعلومهم، وذلك هو مقتضى خلق الكائنات لأجل الإنسان.

الوجه الخامس: إن الحكمة في استخدام معاريض الكلام هي التعليم والتربية على إيجاد الملكة وتنميتها وتقويتها وتطويرها، وهو نفس السبب الذي دعا الأئمة الأطهار (عليهم السلام) إلى فتح باب الاجتهاد حتى في حياتهم عليهم السلام، فقالوا: ((علينا إلقاء الأصول، وعليكم التفريع)).

الوجه السادس: من فوائد المعاريض وثمراتها تكريس موقع الإمامة ثم النيابة العامة عنهم صلوات الله عليهم، فإنها من أهم وجوه حاجة الناس للإمام ثم لنوابه، وهي عامل توثيق صلتهم بهم، فإنها مصدر المعارف ومخزن العلوم ومعدنها ومنبعها.

الوجه السابع: إن المعاريض قد تكون من مخزون علم الأئمة (عليهم السلام) فإنه لا شك أن المعصومين (عليهم السلام) لهم الإحاطة التامة ـ بإذن الله تعالى ـ بكافة العلوم، وبما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، وقد قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} فإذا كان آدم قد علمه الله الأسماء كلها فما بالك بالنبي الخاتم، وبعترته الطاهرة التي أودعها علومه كافة.

الوجه الثامن: التقية, فقد يلجأ المعصوم(عليه السلام)، بل كل حكيم إلى المعاريض للتقية بأحد أقسامها الأربعة، فيوصل مراده لغيره عبر المعاريض.

الوجه التاسع: المداراة, وهي للصديق أو الموالي الذي لا يتحمّل عكس التقية التي هي عن العدو، فلا بد من اللجوء إلى المعاريض كي تصل المعارف إلى من يتحملها؛ ولذا تودَع  الإشارات والحجج الخفية التي لا يفطن إليها من لا يتحملها،  في الكلام الظاهر.

الوجه العاشر: المحاكاة, كي يحاكي نظام التدوين نظام التكوين، فإنه كمال لهما وجمال وآية على التوحيد.

الوجه الحادي عشر: الإبداع, ولأن المعاريض هي مظهر من أسمى مظاهر الإبداع والروعة والعظمة والجمال فهي آية على القدرة والحكمة، قال تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ}، وقال: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}.
ولهذه الحِكَم الأربع الأخيرة تفصيل لا يسعه المقام، وقد أجملنا الحديث فيها نظراً لباب التزاحم، والله المستعان.

الفصل الخامس بحوث تطبيقية
قد تكفل الفصل الخامس ذكر بحوث تطبيقية ممثلة في مسائل مختلفة منها فقهية، أو كلامية أو أصولية، وهي التي تحتاج إلى معالجة أصولية، وعلى ضوء مباحث فقه المعاريض والتورية أيضاً.
وذلك لموضوعية هذه المباحث وأهميتها أولاً، ولتنمية الملكة بالتمرين النظري ـ العملي ثانياً, والجامع إنه لا بد من ملاحظة الروايات: سنداً، وجهةً، بأنواعها الثلاثة الماضية أي (التقية، المداراة، إلقاء الخلاف)، ودلالةً، وعلى ضوء (المعاريض) بتفسيراتها المختلفة. والبحث على مستوى التطبيقات العملية في فصله الخامس كان له عمقه وسعته تمحور في ضمن عدة عناوين وابحاث جديرة بالوقوف عندها والتأمل فيها لما لها من فوائد علميّة وموضوعيّة تجدي نفعاً في مجال الاستنباط وفهم النصوص فهماً صحيحاً ومستوعباً من خلال تلك الاشارت الخفيّة والتلويحات المستفادة من المعاريض والتورية, ومن الخير أن نأتي على ذكر بعض العينات والنماذج منها, والنصوص المستشهد بها على طوائف.

الطائفة الأولى: روايات قضاء نوافل النهار بالليل في السفر
1ـ  قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام): ((أقضي صلاة التهار بالليل فقال: نعم، فقال له إسماعيل بن جابر: أقضي صلاة النهار بالليل في السفر؟ فقال: لا، فقال: إنك قلت نعم: فقال: إن ذاك يطيق وأنت لا تطيق)).
2 ـ عن عمر بن حنظلة، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): ((جعلت فداك، إني سألتك عن قضاء صلاة النهار بالليل في السفر فقلت لا تقضيها، وسألك أصحابنا فقلت: اقضوا، فقال لي: أفأقول لهم لا تصلوا؟! وإني أكره أن أقول لهم لا تصلوا،  والله ما ذاك عليهم)).
فقد اختلفت افهام الآعلام في فهم هذين الروايتين ومضمونهما اختلافاً متعدداً, وقد نقل سيدنا المؤلف عدة  وجوه  ـ في فهم جواب الامام (عليه السلام) جديرة بالمراجعة والتأمل فيها ـ وقد انهاها إلى اثني عشر وجهاً, نذكر المهم منها:
أ ـ إن جواب الامام يرجع إلى قضية إرشادية لمَن يطيق ومن لا يطيق، ولا ربط لها بالمولوية وجهة الاستحباب وعدمها. نعم، مبنى الإرشادية على أن يكون العمل في حد نفسه جائزاً أو مستحباً، فلا بد من تتميمها به.
ب ـ إنها قضية ولائية، فليس حكمه (عليه السلام) على أحدهم بالقضاء عكس الآخر بعنوانه الأولي، بل لمقام ولائيته؛ إذ رأى المصلحة لكل منهما بما يناسبه، وفي المقام حيث أطاق الأول أمره بالقضاء، وحيث لم يطق الثاني ـ والمراد به القدرة مع العسر والحرج لا سلب القدرة رأساً؛ إذ عليه لا مجال لتوهم التكليف أو الرجحان.
ت ـ الجمع بأنها غير مسنونة وغير مأثوم على تركها, وهو ما ذكره أيضاً الشيخ الطوسي في التهذيب من أن قوله: ((وأنت لا تطيق)) :  ((فمحمول على أنه لو قضاه لم يكن مأثوماً دون أن يكون ذلك مسنوناً)).
والحاصل: إنّ المطيق مسنون ذلك عليه، وأما غير المطيق فليس بمسنون عليه، لكنه في الوقت نفسه ليس بمأثوم, وقد يستدل له بروايات على أن النوافل غير مسنونة ولا مأثوم على تركها, وقد نقل في هذا الصدد روايتين تؤيّد ما ذهب إليه الشيخ الطوسي, وقد تفرّع على أصل هذا البحث بعض البحوث مردفة ببعض التأملات, وباختصار البحث من هذه الناحية طويل الذيل لا يخلو من فائدة يحسن المراجعة للإستفادة.
ح ـ  المراد منها النوافل المطلقة لا الرواتب وهو ما ذكره صاحب الجواهر بقوله: ((أو بأن المراد ـ بعد حمل خبر ابن سدير على الإنكار ـ أنه لو صلوها (أي: النوافل النهارية، لو صلوها في الليل بالسفر) بنية القضاء كانت نفلاً مطلقاً إذا لم يكن القضاء مشروعاً، فلعل الإمام لم ينههم عن ذلك لذلك، كما أومأ إليه خبر بن حنظلة السابق ً)), أي: لم ينههم عن قضاء النوافل النهارية بالليل في السفر؛ لأنها تقع نافلة مطلقة، فلا إشكال فيها من هذه الجهة.
وقد اشكل عليه, بيد إن سماحة السيّد قوّاه بقوله: ويمكن تقوية مدعى صاحب الجواهر بشاهد من الرواية، وبما يدفع ضمناً هذا الإشكال أيضاً؛ وذلك عبر اللجوء إلى فقه المعاريض والتورية، بأن نقول: إنّ مدّعاه هو تفكيك المطلوب؛ وإن الإمام إنما أمر ـ لو كان أمر ـ بالجنس والجامع وليس بالنوع.
وبعبارة أخرى: ليس ذلك بدعوى أن (اقضوا) أريد به معناه المجازي، وهو (صلوا ابتداءً ليقال: إنه مجاز يحتاج إلى قرينة، بل لنكتة دقيقة في الرواية، وهي عدول الإمام عن استخدام عبارة (اقضوا) في كلام السائل إلى عبارة (صلوا)، ومن الواضح أن (اقضوا) أمر بالنوع، وأما (صلوا) فأمر بالجنس، وفي العدول إلفات إلى وجود أمرٍ ما خفيّ في المقام، فلاحظ الرواية: (وسألك أصحابنا فقلت اقضوا، فقال لي: أفأقول لهم لا تصلوا) فلم يقل الإمام: (أفأقول لهم لا تقضوا) فنفس عدوله ـ مع التفاته كما هو واضح ـ دليل على أن مصب أمره ليس (القضاء)، بل مصب أمره هو نفس الصلاة بما هي هي، وهي النافلة بما هي هي لا بعنوان كونها قضاء.

الطائفة الثانية: روايات إحراق تاركي الجماعة في المسجد
فقد روى الشيخ الطوسي في التهذيب:...عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ))همَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بإحراق قوم في منازلهم كانوا يصلون في منازلهم ولا يصلون الجماعة، فأتاه رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إني ضرير البصر وربما أسمع النداء ولا أجد من يقودني إلى الجماعة والصلاة معك، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): شد من منزلك إلى المسجد حبلاً واحضر الجماعة)).
وقد نقل عدة روايات أُخر يقترب مضمونُها من رواية أبن أبي يعفور, وردت فيها الجمل التالية: ))ليوشك...أن نأمر بحطب فيوضع على أبوابهم...فتحرق بيوتهم)),)) لتحضرن المسجد أو لأحرقن عليكم منازلكم)),)) فهمَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يشعل النار في دورهم)), ونحوها ما بمعناها روايات أُخر.
وقد ذكر عدة وجوه تهدف معالجة روايات احراق تاركي الجماعة, ونحن نأتي على ذكر المهم منها:

الوجه الأول: إنّ الحكم بإحراقهم كان من باب تفويض أمر الدين إليهم(عليهم السلام) ، كما أوضحناه سلفاً، من أن لهم ولاية التشريع في الجملة، أو أنه كان من باب تفويض أمر الأمة إليهم ... لكن لحن الروايات الماضية بعيد عن تفويض الدين وعن القضية الحقيقية، فتدبر.

الوجه الثاني: فكما أنَّ له مختصاتٌ وخواصٌ كـ {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أراد النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ...} والزواج من تسع، ووجوب صلاة الليل عليه وكذا السواك..الخ، فكذلك من مختصاته أنّ له الحكم بإحراق مَنْ ترك حضور صلاة جماعته (صلى الله عليه وآله), ثم عرّج بذكر الفرق بين تفويض أمر الدين وكون الشيء من مختصاته, ببيان مستلطف فراجع.

الوجه الثالث: إنه من باب الولاية, فحيث إن النبي (صلى الله عليه وآله) ولي للأمر كان له الحكم بما يراه صالحاً، وهو غير التفويض؛ إذ التفويض عبارة عن تفويض التشريع، وهذا تفويض في الإدارة والتنفيذ.

الوجه الرابع: إنها قضية خارجية أي: إنها قضية في واقعة لجهة غير منكشفة لنا، وقد تكون الجهة كونهم محاربين مفسدين في الأرض.

الوجه الخامس: التورية, فإنه قد يقال: إن هذه الروايات أُريد بها غير ظاهرها فهو تورية، والتورية ليست من الكذب موضوعاً، أو هي مستثناة منه حكماً، كما فصلناه في بحث التورية من المكاسب المحرمة.
فقوله(عليه السلام): ((لتحضرُنَّ المسجد أو لأحرقن عليكم منازلكم)) مما لا تتطابق فيه الإرادة الجدية مع الإرادة الاستعمالية بأحد وجوه، ومنها: إن قوله: ((لأحرقنّ... )) ليس مطلقاً، بل هو مشروط أو مقيد واقعاً بقيد لم يصرح به تورية، أي فيما إذا شرّعه ـ أي الإحراق ـ الله تعالى، أو فيما إذا أوجبه الله تعالى عليّ أو ما أشبه، وحيث لم يوجِب فإنه (عليه السلام)لا يحرق، أو يقال: إن التورية هي في نوع العقوبة لا في أصلها، فالمقصود هو لأعاقبنكم بعقوبة شديدة، وقد ورّى(عليه السلام) بهذا النوع من العقوبة عنها، والحاصل: إن التورية في الكناية والكنائية، والكناية من حيث هي كناية ليست من أقسام المجاز حسب التحقيق (وقد فصلنا في موضع آخر النسبة بين الكناية والحقيقة والمجاز، وإنها تجتمع مع كل منها وقد تنفك فليراجع).

الطائفة الثالثة: روايات كراهة الشراء من المحارَف
وقد جاءت عدة روايات تؤكد كراهة الشراء من المحاريف, نذكر المهم منها:
1ـ عن الوليد بن صبيح قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام):  ((لا تشتر من محارَف، فإن صفقته لا بركة فيها)).
2ـ وقال الإمام الصادق(عليه السلام) للوليد بن صبيح: ((يا وليد، لا تشترِ لي من محارَف شيئاً، فإن خلطته لا بركة فيها)).
والمحارَف: يقع في مقابل المبارك، وهو ((المنقوص من الحظ الذي لا ينمو له مال)),أي: ((الفاشل في عمله، والذي لا ينجح عادة أو غالباً)).
وقد تناول سيدنا الماتن وجوه تخريج روايات كراهة الشراء من المحارَف, وان إطلاق لفظ المحارف يستخدم في عدة معاني, فلا معنى لإسقاطها من الحساب, وقد تعرض لها ضمن الوجوه التالية:

الوجه الأول: وهو في حد ذاته مناقشة لمن حاول اسقاط مثل هذه الروايات, بدعوى عدم العمل بما يقتضيه مضمونها لكونها من المراسل, أو كونها معرضاً عنها ولم يعهد العمل من أحد بها.
ولكنها مدفوعة لكون جملة منها مسانيدها من الصحاح, ثمّ لو سلّم بكون من قسم  المراسيل غير أن فتوى المشهور حيث كانت على طبقها احتاجت إلى بيان الوجه.
على أن دعوى الأعراض عنها لا تعدو عن كونها رجماً بالغيب؛ لكونها معمولاً بها عندهم فكيف يُدعى الاعراض عنها.

الوجه الثاني: وقد تعرض فيه للمعاني المتصورة للمحارَف, هادفاً بذلك دفع ما اشكل بما حاصله: من أنه ما ذنب المحارَف؟ وأليس الأولى التشجيع على مساعدته والأخذ بيده بدلاً عن التثبيط من الشراء منه, هذا فسرّ المحارف بأنه: ((الفاشل في عمله، والذي لا ينجح عادة أو غالباً)), أو((المنقوص من الحظ الذي لا ينمو له مال، والمحروم الذي إذا طلب لا يرزق)).
 وقد أجاب بأن هناك معانٍ أخرى للمحارَف  غير المعنى الذي بُني عليه الإشكال، وما يجدر ذكره معنيين منها مراعاة للإختصار:
أ ـ المحارف بمعنى الذي لا يسعى في الكسب والنهي عن الشراء عن مثل هذا على القاعدة،  فإن مَنْ لا يسعى في الكسب؛ لكسله وتهاونه أو لغير ذلك،وعليه فإن التعامل معه سيكون مقتضياً للخسارة وفقد ثقة العملاء, وعلى هذا فيكون المحارف بهذا المعنى هو المقصّر لجهةٍ اختيارية،  عكس المنقوص الحظ،  فلا وجه للإشكال.
ب ـ  المحارَف هو المنحرف عن الحق, وقد يكون هذا الخبر من التورية، بأن يراد بالمحارَف المنحرف عن الحق ابتداءً، أو مَن كان على الحق ثم مال عنه بأن أصبح واقفياً أو مرتداً أو شبه ذلك، والنهي عن التعامل معه على القاعدة.
وقد تخلل البحث ـ في ثنايا عرض المعاني للمحارف ـ الاشارة إلى دقائق علميّة, ولطائف معرفيّة تزيد المتأمل أكثر انفتاحاً وأوسع انفساحاً بعمق الفكرة ودقة المطلب وروعة البيان.
فللَّه درّ هذا الكتاب ولله در مؤلفه السيد المعظم على ما أفاد وافاض يراعه وجزاه الله عن الاسلام واهله خير جزاء المحسينين, وشكر الله له في ذلك مساعيه، وجزاه عن علماء الدين أفضل ما يؤمل و يرتجيه.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم أجمعين

-------------
[1] المعاريض والتورية:7.
[2] أن يراد الظاهر وما وراءه، وأن يراد الظاهر لكن السامع يتصور إرادة ما وراءه، وأن يُجمل الظاهر كـ (خذ بقول أبي عبد الله) فإنه حقيقة وإن لم يعلم مراده منه.

 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 16 شعبان 1439هـ  ||  القرّاء : 608



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net