||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  


  





 272- مباحث الأصول: (الموضوعات المستنبطة) (2)

 دراسة في كتاب "نسبية النصوص والمعرفة ... الممكن والممتنع" (2)

 كتاب بصائر الوحي في الامامة

 151- فائدة حكمية: ما هو عالم الاعتبار؟

 281- فائدة أصولية: منجزية العلم الإجمالي

 221- مباحث الأصول: (القطع) (2)

 45- بحث عقائدي اصولي: الترخيص الظاهري لا يتنافى مع الدعوة للحق والواقع

 34- فائدة اصولية: تأخير البيان عن وقت الحاجة ليس قبيحاً على إطلاقه

 242- فائدة منهجية: الحفاظ على التراث

 هل أكثر الناس هم من أهل النار؟



 لا لانتهاك الحقوق

 السلوك الانفتاحي والانقلاب على القيم

 أيام غيّرت وجه العالَم

 الإسلام والاستبداد نقيضان لا يلتقيان

 في ذكرى شهادة الحسين (ع): الحق والباطل ضدان لا يجتمعان



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 21- بحث اصولي: عن حجية قول اللغوي ومداها

 قسوة القلب

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى



  • الأقسام : 73

  • المواضيع : 3203

  • التصفحات : 5687947

  • التاريخ : 16/11/2018 - 01:02

 
 
  • القسم : دروس في مبادئ الاستنباط .

        • الموضوع : الدرس الثامن .

الدرس الثامن
الثلاثاء 16 ذو الحجة 1439 هـ



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

مقوِّمات الاستنباط ومبادئه وشروطه

 

مدار الأحكام على الملاكات لتبعيتها لمصالح ومفاسد المتعلقات

لا يقال: لا شك، لدى العدلية، بان الأحكام تابعة لمصالح ومفاسد في المتعلقات، فمدار الأحكام على الملاكات؟

 

الجواب: ذلك صحيح، لكن لا علم لنا بالملاكات

إذ يقال: ان ذلك وإن صحّ لكنه في عالم الثبوت وفي علم الله تعالى وقد أودعه لدى الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسائر الراسخين في العلم وهم الأئمة الأطهار وفاطمة الزهراء عليهم السلام، اما في عالم الإثبات فلم يُحِطْنا الشارعُ الأقدس بملاكاته التامة أي بما لها من موانع أو مزاحمات أو شرائط، بل غاية الأمر انه ذكر لنا المقتضيات والعلل الناقصة، فليس لنا، على ذلك، ان نقيس مستندين إلى دعوى كشف الملاك أو ان نخصص مستندين إلى دعوى تغير الملاك، خاصة وانه قد وردت في بطلان القياس وذمه وتحريمه الروايات المتواترة.

والحاصل: ان الدعوى الثانية (تغير الملاكات بتغير الأزمان والأمكنة) والرابعة (تأثير الزمان والمكان – غالباً إن لم يكن دائماً – في النظرة الاجتهادية للمسائل) والسادسة (تجدد ملاكات لم تكن) هي في جوهرها القياس بعينه والاختلاف في التسمية فحسب حيث ابدلوا اسمه إلى اسم آخر معاصر كـ(تعدد القراءات) أو (تطور القراءات) و(تأثير الزمان والمكان في أ- تغير ملاكات الأحكام أو ب- في تجدد ملاكات أو ج- في الاستنباط نفسه).

 

أدلة تحريم القياس تفيد عدم مدارية الملاكات

ومراجعة روايات تحريم القياس وبطلانه، أكبر شاهد على ان جوهر معظم إن لم يكن كل ما ذكر من وجوه تأثير الزمان والمكان في ملاكات الأحكام أو في تغير نظرة الفقيه إلى المسائل، هو القياس المردوع عنه بعينه، وان هذه الوجوه المذكورة لتأثير الزمان والمكان ما هي – غالباً – إلا اجتهاداً في مقابل النص:

 

(مَا لَكُمْ وَالْقِيَاسَ)!

فقد روى الكليني: في رواية صحيحة السند: (عن عدَّة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن عثمان بن عيسى قال سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن القياس فقال: ((مَا لَكُمْ وَالْقِيَاسَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُسْأَلُ كَيْفَ أَحَلَّ وَكَيْفَ حَرَّمَ))([1])).

 

إرجاع القرآن الكريم إلى التعبد دون الملاكات

ويدل على مفاد الرواية وعلى أصل ردّ الاحتجاج بتأثير الزمان والمكان على الملاكات وعلى تغيير النظرة الاجتهادية مما يستلزم بزعمهم لزوم القول بتحليل ما حرم سابقاً (كالشطرنج الفكري والربا التضخمي وغيرهما) قوله تعالى: (قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا)([2]) والغريب – الدقيق في الآية الشريفة انه تعالى أجاب على إشكالهم (قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا) الذي يبدو منطقياً تماماً – كما سيأتي – بالتعبد المحض فقال تعالى: (قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا) فقد أوصد جل اسمه باب هذا النحو من الاستدلال، بالتعبد، وإجماله انه المالك وانه الخالق والرازق وانه العالم([3]) المحيط بملاكات الأحكام فإذا حرّم شيئاً وأحل آخر فلعلمه المحيط بكافة جهات المصالح والمفاسد والمزاحمات والموانع فلا يصح من العبد الجاهل بحقائق الأمور ان يشكل بان (البيع مثل الربا) الذي يعني انه دخل في عالم الملاكات وأحرز مساواتها من كل الجهات فأشكل بانه لِمَ حرم هذا وأبيح ذاك.

واللطيف ان طرف الخطاب لم يكن المؤمنون بالرسول صلى الله عليه واله وسلم بل الكافرون به([4])، فكان ينبغي – على القاعدة – ان يجيب إشكالهم بدليل مِلاكي عقلي لكن الله سبحانه عَدَل إلى الجواب التعبدي، إشارة إلى ان ذلك فعل الله (ان الله لا يُسأل كيف أحل وكيف حرم) كما في الرواية السابقة ((وَلَكِنَّ اللَّهَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ...))([5]) وهو صريح الآية (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)([6]) وعدوله واضح في ظاهر من قوله (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا) مع ان كونه كلام الله هو أول إشكالهم لعدم إذعانهم بانه صلى الله عليه واله وسلم رسول الله([7]) وان هذا كلام الله؟ فكيف ذلك؟

ان الوجه في ذلك واضح فانه إيعاز بان البحث أولاً وبالذات يجب ان ينصبّ على إثبات ان هذا كلام الله وان هذا رسوله وانه (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى)([8])، فيجب تنقيح ذلك أولاً، فان ثبت، بالبرهان العقلي أو المعجزة، انه رسول الله وانه ناقل لكلام الله معصوم في نقله من غير خطأ فلا وجه للاعتراض أبداً مع العلم بانه تعالى عالم محيط حكيم رحيم وبان البشر قاصر جاهل محدود.

وعليه: أراد جل اسمه أولاً وبالذات سدّ باب الاحتجاج على الله بالملاكات، ومن منافعه انه إذا عجز الفقيه أو العامي عن بيان فلسفة تحريم أمر شرعاً أو تحليله أو إيجابه، ولم يستطع ان يرد الشبهة الموردة على ملاكاته ووجوه مصالحه ومفاسده، فان عليه ان يتسلح بالتعبد و(لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ)([9]) لا ان يستسلم للإشكال الملاكي ويلتزم بتغير الحكم بدعوى تجدد الملاك أو تغيره.

 

(إِنَّ السُّنَّةَ لَا تُقَاسُ)

ووردت أيضاً الرواية الصحيحة التالية: (عن محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان عن صفوان بن يحيى عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ((إِنَّ السُّنَّةَ لَا تُقَاسُ أَ لَا تَرَى أَنَّ امْرَأَةً تَقْضِي صَوْمَهَا وَ لَا تَقْضِي صَلَاتَهَا يَا أَبَانُ إِنَّ السُّنَّةَ إِذَا قِيسَتْ مُحِقَ الدِّينُ))([10]).

فلاحظ قوله ((إِنَّ السُّنَّةَ إِذَا قِيسَتْ مُحِقَ الدِّينُ)) مع ان القائس إنما يتصيّد الملاك فيتعدى عن مورد النص إلى غيره، به، ولا يراه خارجاً عن الدين بل يراه من صميمه إذ يصرح بانه طريق للوصول إلى أحكامه تعالى.

كما وردت الرواية المعتبرة التالية: عن ابن المتوكل عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن الريان بن الصلت عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: قال الله جل جلالة : ((مَا آمَنَ بِي مَنْ فَسَّرَ بِرَأْيِهِ كَلَامِي وَمَا عَرَفَنِي مَنْ شَبَّهَنِي بِخَلْقِي وَمَا عَلَى دِينِي مَنِ اسْتَعْمَلَ الْقِيَاسَ فِي دِينِي))([11]).

 

(لَمْ يَزَلْ دَهْرَهُ فِي الْتِبَاسٍ وارْتِمَاسٍ)

ووردت الرواية المعتبرة التالية: عن علي بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة قال: حدَّثني جعفر عن أبيه عليه السلام أنّ علياً عليه السلام قال: ((مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلْقِيَاسِ لَمْ يَزَلْ دَهْرَهُ فِي الْتِبَاسٍ وَمَنْ دَانَ اللَّهَ بِالرَّأْيِ لَمْ يَزَلْ دَهْرَهُ فِي ارْتِمَاسٍ قَالَ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِرَأْيِهِ فَقَدْ دَانَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ وَمَنْ دَانَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ حَيْثُ أَحَلَّ وَحَرَّمَ فِيمَا لَا يَعْلَمُ))([12]).

فلاحظ قوله عليه السلام: ((لَمْ يَزَلْ دَهْرَهُ فِي الْتِبَاسٍ)) إذ يلتبس عليه الحق بالباطل إذ انه، غاية الأمر، عرف (الحكمة) والمقتضي وهو الملاك لا العلة التامة ليتعدى إلى خارج دائرة النص.

ولاحظ قوله عليه السلام ((لَمْ يَزَلْ دَهْرَهُ فِي ارْتِمَاسٍ)) إذ يرتمس القائس المنقِّح للمناط في الباطل ارتماساً.

ولعله سيأتي الكلام عن روايات أخرى وعن بعض فقه الحديث فيها بإذن الله تعالى.

نعم، لنا من باب الجدال، ان نحتج على من لا يعتقد بالله تعالى ورسوله أو لا يعتقد فرضاً بعصمته في تبليغ الأحكام، ببعض الملاكات التي أشارت إليها الروايات أو التي وصل إليها عقلنا، أو ان نجيب عن الملاك الذي يستدل به الطرف، بملاك آخر معاكس له مثلاً. لكن من غير ان ندير الحكم مدارها وجوداً وعدمها؛ لما سبق من الوجهين:

أولاً: اننا، غاية الأمر، نكتشف المقتضي من الملاكات دون العلة التامة.

ثانياً: ان التحريم والتحليل قد يكون لسنّ القانون رغم تخلف الملاك.

 

كلمة عن تنقيح المناط القطعي

لا يقال: فما بالكم تقولون بصحة تنقيح المناط القطعي؟

إذ يقال: أولاً: ذلك قليل جداً إن لم يكن نادراً إذ كما سبق: لا سبيل لنا إلى معرفة العلل التامة أي معرفة كافة ما له المدخلية في تحريم الله تعالى شيئاً أو تحليله، غاية الأمر معرفة المقتضي.

 

روايات التفويض للنبي صلى الله عليه واله وسلم تفيد ان الملاكات ليست بأيدينا

ويدلك على ذلك أيضاً ان الله تعالى فوض إلى نبيه دينه كما ورد في الرواية ((عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ النَّحْوِيِّ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَدَّبَ نَبِيَّهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ فَقَالَ (وَإِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ) ثُمَّ فَوَّضَ إِلَيْهِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) قَالَ ثُمَّ قَالَ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ فَوَّضَ إِلَى عَلِيٍّ وَائْتَمَنَهُ فَسَلَّمْتُمْ وَجَحَدَ النَّاسُ فَوَاللَّهِ لَنُحِبُّكُمْ أَنْ تَقُولُوا إِذَا قُلْنَا وَأَنْ تَصْمُتُوا إِذَا صَمَتْنَا وَنَحْنُ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِأَحَدٍ خَيْراً فِي خِلَافِ أَمْرِنَا))([13])

و((عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ لِبَعْضِ أَصْحَابِ قَيْسٍ الْمَاصِرِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَدَّبَ نَبِيَّهُ فَأَحْسَنَ أَدَبَهُ فَلَمَّا أَكْمَلَ لَهُ الْأَدَبَ قَالَ: (إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ) ثُمَّ فَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَ الدِّينِ وَالْأُمَّةِ لِيَسُوسَ عِبَادَهُ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)...))([14])

ولم يفوض جل اسمه دينه إلينا، ووجه هذا وذاك انه تعالى أعطى النبي العلم المحيط بملاكات الأحكام كلها وتزاحماتها وموانعها وشرائطها، الفردية منها والاجتماعية، الشخصية والعائلية، الحاضرة والمستقبلية، فكان من الطبيعي ان يفوض دينه إليه، أفهل ترى ان تعالى أعطانا علوم النبي صلى الله عليه واله وسلم؟ أو ترى النبي صلى الله عليه واله وسلم أعطانا كافة علومه كما اعطاها لوصيه علي ((أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا))([15]) كي نتدخل في عالم الملاكات ونحرِّم ونحلِّل استناداً إلى دعوى تغيّر هذا الملاك أو تجدّد ذلك الملاك أو تغيّر النظرة الاجتهادية أو غير ذلك؟

 

القطع حجيته ذاتية، وليست الملاكات حجة نوعية

ثانياً: ان الأمر لو وصل إلى القطع، فانه حجة ذاتية على ما قالوا (والأصح ان العلم حجيته ذاتية، لا القطع؛ فانه مقسم للعلم والجهل المركب، فكيف تكون حجيته ذاتية مع ان احد فردية نقيض الحجة؟ وقد فصلنا ذلك في كتاب (الحجة معانيها ومصاديقها) وغيرها) فإذا وصل الأمر إلى القطع انقطع الاحتجاج حتى لو كان قَطْعُهُ حاصلاً من طيران الغراب وجريان الميزاب، فليس انقطاع الاحتجاج على القاطع بما هو قاطع دليلاً على صحة المقدمات التي أوصلته إلى ما اعتقد به، بل لأنه لا يمكن خطاب القاطع بخلاف مقتضى قطعه؛ إذ لا يعقل تحريكه وهو قاطع على خلاف قطعه فهو عبث وصورة خطاب لا واقعة، كما يستلزم ان يرى المكلف جمع الشارع للنقيضين فيما يرى من حكم الشارع بالطرفين (وإن كنا ناقشنا في ذلك، في ذلك الكتاب).

نعم لا يمكن مع القاطع إلا السعي لزحزحة قطعه وإزاحته عنه، بالبحث معه عن مقدمات قطعه، فإذا كانت مقدمة قطعه الاستناد لتغيّر الملاك أو تجدده ناقشناه بما مضى من ان الملاكات التامة إنما فوّض علمها للرسول صلى الله عليه واله وسلم وآله الراسخين في العلم ولا يعقل ان يدعي فقيه انه محيط بها كلها فكيف يقطع بالملاك التام؟ ولو فعل ولم يمكن زحزحة قطعه لم يكن ذاك دليلاً على صحة الاستناد إلى الملاكات لتعدية الأحكام لغير موارد النص، بل غاية الأمر ان يكون قطعه حجة على نفسه معذوراً فيه، لو لم يقصِّر في المقدمات، لكنه لا يمكنه الاحتجاج به على غيره على عكس الحجج النوعية، التي تصلح محلاً للاحتجاج على الغير لكونها ضوابط نوعية لا شخصية، كالعام والمطلق وسائر الظواهر.

وبعبارة أخرى: ان الفرق هو ان القطع عامل ذاتي فلا يحتجّ به على الغير في العلوم أبداً، اما الحجج النوعية فهي عامل موضوعي تصلح محلاً للاحتجاج ومرجعيةً حتى لطرفي اللجاج بشرط الإنصاف وترك الاعتساف.

 

(السُّنَّةُ إِذَا قِيسَتْ مُحِقَ الدِّينُ)

ويدل على ما ذكرناه أيضاً([16]) الرواية الصحيحة الآتية ( عن علي بن إبراهيم عن أبيه ومحمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً عن ابن أبي عمير عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبان بن تغلب قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام ((مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَطَعَ إِصْبَعاً مِنْ أَصَابِعِ الْمَرْأَةِ كَمْ فِيهَا؟ قَالَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ قُلْتُ قَطَعَ اثْنَيْنِ؟ قَالَ عِشْرُونَ قُلْتُ قَطَعَ ثَلَاثاً؟ قَالَ ثَلَاثُونَ قُلْتُ قَطَعَ أَرْبَعاً؟ قَالَ عِشْرُونَ!

قُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ يَقْطَعُ ثَلَاثاً فَيَكُونُ عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ وَيَقْطَعُ أَرْبَعاً فَيَكُونُ عَلَيْهِ عِشْرُونَ؟ إِنَ‏ هَذَا كَانَ يَبْلُغُنَا وَنَحْنُ بِالْعِرَاقِ فَنَبْرَأُ مِمَّنْ قَالَهُ وَنَقُولُ الَّذِي جَاءَ بِهِ شَيْطَانٌ!

فَقَالَ: مَهْلًا يَا أَبَانُ هَكَذَا حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه واله وسلم إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقَابِلُ الرَّجُلَ إِلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ فَإِذَا بَلَغَتِ الثُّلُثَ رَجَعَتْ إِلَى النِّصْفِ يَا أَبَانُ إِنَّكَ أَخَذْتَنِي بِالْقِيَاسِ وَالسُّنَّةُ إِذَا قِيسَتْ مُحِقَ الدِّينُ))([17])

مع انك ترى ان أبان، بل وكلّ من يسمع الحكم، كان قاطعاً ببطلان الحكم وانه كان من تنقيح المناط القطعي بنظره، ومع ذلك قال الإمام عليه السلام ((مَهْلًا يَا أَبَانُ هَكَذَا حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه واله وسلم إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقَابِلُ الرَّجُلَ إِلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ فَإِذَا بَلَغَتِ الثُّلُثَ رَجَعَتْ إِلَى النِّصْفِ يَا أَبَانُ إِنَّكَ أَخَذْتَنِي بِالْقِيَاسِ وَالسُّنَّةُ إِذَا قِيسَتْ مُحِقَ الدِّينُ)).

 

موقع العقل في استنباط الأحكام

لا يقال: فأين موقع العقل؟

إذ يقال: موقعه المستقلات العقلية كحسن العدل والإحسان وقبح الظلم والعدوان، دون ملاكات الأحكام الشرعية، بل موقعه – على المشهور – كلياتها دون جزئياتها فانه الحاكم في الكليات دون القضايا الجزئية، ولذا لا يصغى إلى من يدعي بان من الظلم خلق الله تعالى للمعوق والمشوّه أو إيجاد الزلازل والعواصف والأعاصير التي تقضي على الطفل البريء والشيخ المتعبد كما تقضي على الشاب المتهتك والحاكم المستبد.

والحاصل: ان العقل محيط بموضوعات أحكامه الكلية (كالعدل حسن) واما كون هذا عدلاً أو ظلماً فلا؛ إذ انه لا يحيط بكافة حالات الجزئيات والمصاديق والمفردات بما لها من خصوصيات وماضٍ وحاضرٍ ومستقبل وبما لها من مزاحمات وموانع، وقد فصلنا ذلك في بحث آخر([18]).

وعلى أي فحتى لو قبلنا ان العقل مجاله الجزئيات أيضاً (مع ان الصحيح ان العلم – لو كان صائباً – هو الذي يكتشف حال الجزئيات – لا العقل بما هو هو فانه مجرداً عن سلّم العلم ونوره لا يدرك غير معقولاته) فانه لا شك ان ملاكات الأحكام ليست من مجالاته إلا لو منحه الله العلم المحيط الشامل.

 

المدار (النصوص) لا (الملاكات)

وعليه: وكما سبق فان المدار في عموم الحكم وخصوصه وشموله لموردٍ من عدمه هو (النصوص الشرعية) لا (الملاكات المستنبطة)، ثم ان (النصوص الشرعية) حيث كانت بلسان القوم (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ)([19]) كان المرجع في (فهمها) هو العرف العام، دون الخاص كما بيناه في موضع آخر، فما يفهم من اللفظ عرفاً هو الحجة في التعميم أو التخصيص، أما ملاكات ذلك الحكم أو غيره فمما لا نعرفه أي بما هو علة تامة مستجمعة لكافة الشرائط وسادّة لجميع أبواب العدم، أبداً.

 

فرق مفهوم الموافقة عن الملاك

لا يقال: فماذا تقولون في مفهوم الموافقة والأولوية؟

إذ يقال: كل ما كانت الأولوية تفهم من اللفظ عرفاً كانت حجة وإلا فلا، وذلك كقوله تعالى: (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ)([20]) فان المفهوم منه عرفاً لا تضربهما بالأولوية، لكن هذا غير الملاك فان (المفهوم) غير (الملاك) إذ المفهوم قائم باللفظ (في غير محل النطق) كما عرّفه به بعض، أما الملاك فقائم بالموضوع نفسه، والفرق واضح بيِّن فان – وببيان آخر – أحدهما قائم بالوجود اللفظي وعالم الإثبات والآخر قائم بالوجود العيني وعالم الثبوت. ولعله يأتي لهذا مزيد بيان وتفصيل فانتظر.

 

كلمة عن (الربا)

ولا بأس بالإشارة إلى الجواب عن الإشكال بان فارق التضخم في الأسعار وفارق تنزّل قيمة العملة، هو الوجه في تجويز الربا عقلاً، وان الشرع، كما زعم بعض أعداء الإسلام، لم يفهم الحكمة في الربا ولذا حرّمه.

والجواب: من وجوه عديدة نقتصر الآن على أحداها وهو: انه ليس وجه الربا القرضي عند المرابين في مختلف البلاد هو لفارق التضخم أو التنزل، بل هو لمجرد إقراضه المال وتسليطه عليه لمدةٍ، والدليل: انه لو كان لفارق التضخم أو التنزّل لوجب:

أولاً: تناسب الربا مع نسبة التضخم والتنزّل وليس كذلك الحال أبداً؛ إذ قد تتضخم البضائع ويزداد الغلاء 50% أو 100% أو أكثر والربا نسبته 10% مثلاً وقد ينخفض النقد 100% والربا نسبته 10% فقط.

وثانياً: وجب العكس لو حدث العكس، وذلك مما لا يلتزم به المقرضون أبداً، إذ قد ترخص البضائع بنسبة 50% أو 100% فوجب على المقرض لغيره مليون دينار عراقي مثلاً ان يسترجع نصف مليون([21]) إذا كان الرخص 100% لأنه كان قادراً على شراء عشر شياه مثلاً بالمليون والآن يستطيع ان يشتريها بنصف الثمن أي بخمسمائة ألف، فإذا كان فارق الربا لأجل فارق الغلاء والرخص لوجب ان يسترجع من النقد بمقدار قوته الشرائية السابقة مع زيادة ربوية محددة بـ10% مثلاً، لا أكثر أو أقل، وكذلك لو ارتفع سعر العملة (كما يحدث في الاقتصادات القوية) فعليه إذا أقرض مليوناً ان يسترجع 800 ألف([22]) إذا قويت العملة بنسبة 20% وليس مما يخطر ببال مقرضٍ أبداً ان يفعل ذلك أو ما سبقه.

والحاصل: ان ارتكاز المقرضين جميعاً من الآخذين للربا هو ان نفس إقراضهم المبلغ يقع في مقابله ثمن هو الربا، لا انه لأجل فارق الغلاء والرخص أو فارق ضعف العملة وقوتها.

ولا يتوهم ان التضخم والتنزّل لم يكونا في زمن النبي صلى الله عليه واله وسلم ليقال بان الربا حرّم لثبات قيمة البضائع وقيمة العملة (وهما النقدان حينذاك) لبداهة وجود الغلاء والرخص في كل الاعصار ومنها زمن النبي صلى الله عليه واله وسلم لأنهما تابعان لكثرة العرض وقلته وكثرة الطلب وقلته، ومن أوضح أمثلته تأثير الاحتكار على الغلاء، وكان الاحتكار موجوداً زمن النبي صلى الله عليه واله وسلم لذا منعه صلى الله عليه واله وسلم لكنه لم يسعّر على التجار، إضافة إلى حدوث المجاعات والقحط في كل الأزمنة والأمكنة مما كان يرفع الأسعار إلى درجة مذهلة.

إضافة إلى الروايات التي ورد فيها لفظ (الغلاء) وهي كثيرة ومتنوعة.

 

تتمة: أمثلة أخرى لتأثيرهما([23]) في كيفية النظر للمسائل

وقال عن المعدن (2. أفتى القدماء بأنّ الاِنسان يملك المعدن المركوز في أرضه تبعاً لها دون أيّ قيد أو شرط، وكان الداعي من وراء تلك الفتوى هو بساطة الوسائل المستخدمة لذلك، ولم يكن بمقدور الاِنسان الانتفاع إلاّ بمقدار ما يعدّ تبعاً لأرضه، ولكن مع تقدم الوسائل المستخدمة للاستخراج، استطاع أن يتسلّط على أوسع مما يُعد تبعاً لأرضه، فعلى ضوئه لا مجال للإفتاء بأنّ صاحب الاَرض يملك المعدن المركوز تبعاً لأرضه بلا قيد أو شرط، بل يحدد بما يعد تبعاً لها، وأمّا الخارج عنها فهو إمّا من الاَنفال أو من المباحات التي يتوقف تملّكها على إجازة الاِمام. وليست هذه النظرة الشمولية مختصة بالفقه بل تعم أكثر العلوم).

ولنمثل لما ذكره من تغيّر كيفية نظرة المجتهد بمثالين آخرين:

أولهما: وقف النقد؛ فان الوقف هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وعليه كان الفقهاء سابقاً يرون توقف صحته على كونه عيناً أي جوهراً لا عرضاً ولا اعتباراً ولا منفعةً، واما النقد الورقي فانه أمر اعتباري فقط ولذا تسقط قيمته بإلغاء من بيده الاعتبار، اعتباره له، فكيف يوقف؟ بعبارة أخرى: المالية لا توقف والورق ليس بذاته مما يبقى وليس ذا فائدة([24]) فما الذي يوقف؟

لكن بعض الفقهاء المعاصرين صحّح وقف النقد كما صحّح وقف المالية، فذلك – إذاً – من تجدد النظرة الاجتهادية، فهل هذا صحيح؟ سيأتي بإذن الله تعالى.

ثانيها: الطواف في الطوابق العليا من المسجد الحرام، إذ أجازه العديد من الفقهاء بشرط اتصال المطاف أو لا بهذا الشرط، بل والطواف على أرض المسجد الحرام بعد المقام مع، أو حتى مع عدم اتصال المطاف، فمن أجازه فإنما هو لتطور الاجتهاد وتغيّر النظرة. وللبحث صلة بإذن الله تعالى.

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

------------------------------------------------

([1]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج1 ص57.

([2]) سورة البقرة: آية 275.

([3]) وهذه جهات وأدلة ثلاثة وليست واحدة، وقد فصلناها في مبحث مسلك حق الطاعة فراجع.

([4]) أو يعمّ ضعاف الإيمان فتأمل.

([5]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج4 ص195.

([6]) سورة الأنبياء: آية 23.

([7]) أو لعدم استقرار الإيمان في قلوبهم وضعفه، بناء على التعميم السابق في الهامش.

([8]) سورة النجم: آية 3-4.

([9]) سورة الأنبياء: آية 23.

([10]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج1 ص57.

([11]) الشيخ الصدوق، الأمالي، المكتبة الإسلامية – قم، 1404هـ، ص6.

([12]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج1 ص58.

([13]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج1 ص265.

([14]) المصدر نفسه: ص266.

([15]) محمد بن الحسن الحر العاملي، وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت – قم، 1409هـ، ج27 ص34.

([16]) من عدم مرجعية القطع، وعدم حجيته (بمعنى كاشفيته عن الملاك) وعدم صحة التعويل على كشفنا، بزعمنا، للملاكات.

([17]) ثقة الإسلام الكليني، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج7 ص300.

([18]) تجده في موقع مؤسسة التقى الثقافية فراجعه.

([19]) سورة إبراهيم: آية 4.

([20]) سورة إسراء: آية 23.

([21]) زائداً 10% مثلاً.

([22]) مع إضافة ربوية قدرها 10% مثلاً.

([23]) الزمان والمكان.

([24]) مع قطع النظر عن اعتبار ماليته.

 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : الثلاثاء 16 ذو الحجة 1439 هـ  ||  القرّاء : 157



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net