58- الوجه السادس لتصحيح بيع الكلي: ـ النقل فعلي والمنقول استقبالي ـ المناقشة
الثلاثاء 21 جمادى الأولى 1437هـ





بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
(58)
الجواب السادس: النقل حالي والمنقول استقبالي
وأجاب المحقق النراقي في عوائد الأيام عن الإشكال بالتفكيك بين النقل والمنقول([1]) وان البيع يتقوم بالنقل الفعلي أي المقارن له اما المنقول فلا يشترط تحققه حال البيع بل قد يكون استقبالياً.
وحاصل كلامه بعبارة أخرى مع إضافة: التعليق في الملكية وان الإنشاء فعلي والمنشأ وهو الملكية استقبالي ويكفي كون النقل، وهو المنشأ بالبيع أولاً والذي متعلَّقه الملكية، فعلياً فعدم التفكيك بين الإنشاء والمنشأ حاصل إنما التفكيك بين الإنشاء ومتعلق المنشأ.
قال: (والحاصل ان البيع نقل الملك إلى الغير بالفعل([2]) سواء كان الملك أيضا ملكاً فعلياً أو قوياً مترقب الحصول فيكون معنى بعتك حينئذ انى نقلت الآن الملك الذى يحصل لي بعد مدة كذا إليك بعوض كذا، ثم بعد تحقق البيع يلزم عليه التحصيل من باب مقدمة التسليم الواجب عليه([3]) حين حلول الأجل.
ومن هذا يتصحح بيع ما في الذمة حالاً أيضاً وإن كان موجوداً في الخارج، لكن لا في ملك البايع كبيع قفيز حنطة إذا لم يملكه البايع، فإنَّه أيضا نقل ملك مترقب الحصول أو مقطوع الحصول بقصد البايع)([4])
الجواب: إذا امتنع تعلق الملك بالمعدوم امتنع تعلق النقل به
أقول: يرد عليه: انه لم يحل إشكال امتناع تعلق الموجود وهو الملك بالمعدوم وهو الكلي، بوجهٍ، بل لم يصنع إلا ان وسّط النقل في البيع وانه حالي مع ان نفس الإشكال يرد على النقل أيضاً؛ إذ يقال: كيف يعقل ان يتعلق النقل وهو أمر موجود بالكلي (الذي يباع في السّلَم وغيره) وهو معدوم؟ أو يقال: كيف يتعلق النقل وهو موجود بالملكية التي ان فرضت معدومه فكيف تعلق النقل الموجود بها؟ وإن فرضت موجودة فكيف تعلقت بالكلي المعدوم؟
وعلى أي فان كون المتعلق استقبالياً لو كان يحل المعضلة لكفت دعوى ذلك في الملكية دون حاجة لتوسيط النقل بان يقال البيع حالي متعلق بالملك الاستقبالي وهذا الملك الاستقبالي صفة وجودية تعلقت بأمر وجودي في ظرفه الاستقبالي وهو الكلي إذ تمصدق في ظرف التسليم فيعود الجواب في الحقيقة إلى ان الكلي مرآة وجسر لافراده وان الموصوف بالملكية هو الفرد في ظرفه الاستقبالي وانه الذي تعلق به البيع حقيقة. فتأمل
والحاصل: ان ما صنعه ليس إلا تطويلاً للمسافة وإضافة لأمر وحلقة جديدة في وسط المعادلة وليس حلاً للإشكال، هذا لو كان محط نظره الإجابة عن هذا الإشكال كما استظهره منه المحقق اليزدي.
مناقشة اليزدي للنراقي
واما المحقق اليزدي فقد أشكل عليه بقوله (وفيه: أنّه إذا كان حصول الملكية بعد ذلك يلزم التعليق، بمعنى تأخر أثر البيع عنه كما في التمليك بالوصية، وهو باطل بالإجماع، وإن كان المراد حصولها حين الانشاء وكون المملوك متأخراً فهو كرٌ على ما فرَّ منه؛ لأن المفروض عدم وجوده حين البيع، وأيضاً يلزم منه بطلان البيع إذا تعذّر بعد ذلك تسليم الكلي أو أمكن ولم يحصل للبائع، لأنَّه على هذا يكشف عن أنَّه باع ما ليس له، مع أن من المعلوم أن البيع لا يكون باطلاً، بل له خيار تعذّر التسليم)([5]).
أقول: لعل الترديد بين الاحتمالين لا وجه له لظهور كلامه – أي العوائد – في الشق الأول إن لم نقل بصراحته فيه.
التفصيل في بطلان البيع لو تعذر التسليم
ولكن الشق الثاني من إشكاله – أي اليزدي – بحاجة إلى توضيح ثم على ضوئه طرح مناقشةٍ، فنقول: ان المشهور بل المجمع عليه في شرائط العوضين هو ان يكون المبيع مقدوراً على تسليمه في حينه فإذا كان عاجزاً بالمرة كان البيع باطلاً، اما لو كان عاجزاً وقتاً دون آخر بان تجدد عجزه بعد تحقق قدرته فهنا احتمالان: بطلان البيع أو عدم بطلانه وان للمشتري حينئذٍ خيار تعذر التسليم.
وملاحظة كلمات الشيخ في المكاسب والأدلة التي استدل بها للقائلين باشتراط القدرة على التسليم تكشف عن ذلك في الجملة:
قال في المكاسب (مسألة: الثالث من شروط العوضين القدرة على التسليم، فإنّ الظاهر الاجماع على اشتراطها في الجملة كما في جامع المقاصد وفي التذكرة أنّه إجماع. وفي المبسوط الإجماع على عدم جواز بيع السمك في الماء ولا الطير في الهواء) و(استدل في التذكرة على ذلك بأنه نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن بيع الغرر وهذا غرر والنهي هنا يوجب الفساد إجماعاً على الظاهر المصرّح به في موضع من الإيضاح واشتهار الخبر بين الخاصة والعامة يجبر إرساله. أما كون ما نحن فيه غرراً فهو الظاهر من كلمات كثير من الفقهاء وأهل اللغة)([6]).
وقال: (ثم انه ربما يستدل على هذا الشرط بوجوه أُخر منها ما اشتهر عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قوله: لا تبع ما ليس عندك، بناء على أن كونه عنده لا يراد به الحضور لجواز بيع الغائب والسلف إجماعاً فهي كناية لا عن مجرد الملك لأن المناسب حينئذٍ ذكر لفظة اللام ولا عن مجرد السلطنة عليه والقدرة على تسليمه لمنافاته لتمسك العلماء من الخاصة والعامة بها على عدم جواز بيع العين الشخصية المملوكة للغير ثم شرائها من مالكها خصوصاً إذا كان وكيلاً عنه في بيعه ولو من نفسه فإن السلطنة والقدرة على التسليم حاصلة هنا مع أنه مورد الرواية عند الفقهاء فتعيّن ان يكون كناية عن السلطنة التامة الفعلية التي تتوقف على الملك مع كونه تحت اليد حتى كأنه عنده وإن كان غائباً)([7]).
وقال: (فحينئذٍ لا مانع عن التزام وقوع بيع كل ما يعجز عن تسليمه مع رجاء التمكن منه (مراعى بالتمكن منه) في زمان لا يفوت الانتفاع المعتدّ به)([8]).
وقال: (ولو لم يقدرا على التحصيل وتعذّر عليهما إلا بعد مدّة مقدّرة عادةً، وكانت مما لا يتسامح فيه كسنة أو أزيد. ففي بطلان البيع لظاهر الاجماعات المحكية ولثبوت الغرر أو صحته لأن ظاهر معقد الإجماع التعذّر رأساً. ولذا حكم مدّعيه بالصحة هنا، والغرر منفي مع العلم بوجوب الصبر عليه إلى إنقضاء مدة، كما إذا اشترط تأخير التسليم مدّة، وجهان بل قولان، تردد فيهما في الشرائع، ثم قوىّ الصحة وتبعه في محكي السرائر والمسالك والكفاية وغيرها. نعم للمشتري الخيار مع جهله بفوات منفعة الملك عليه مدة)([9]).
وهناك كلمات أخرى للأعلام قد تنفع في إيضاح وجوه من التفصيل ومن ثم وجه مناقشة مع المحقق اليزدي في مناقشته للمولى النراقي ستأتي بإذن الله تعالى.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
====================
الثلاثاء 21 جمادى الأولى 1437هـ
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |