72- الاشكال على الميرزا النائيني في دعواه الانصراف استناداً الى مشككية الماهية، والجواب ـ سؤال تمريني عن قاعدة التجاوز ـ منشأ الانصراف الرابع: مناسبات الحكم والموضوع
السبت 23 جمادى الآخرة 1437هـ





بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
(72)
عدم تمامية الدفاع عن الميرزا، لعدم بنائه على تشكيكية الدلالة
ولكنّ الدفاع السابق عن الميرزا النائيني قد يستشكل عليه بانه لا يتم إلا على ما ذهبنا إليه من التفصيل إذ ذهبنا إلى: (ومزيد التحقيق في هذا القسم هو: ان الانصراف للتشكيك في الصدق قد يكون لمشككية الماهية الموضوع لها اللفظ بمعنى كونها في عالم الثبوت مشككةً ذات مراتب، وقد يكون لمشككية الدلالة من حيث الوضوح والخفاء بمعنى كون اللفظ في عالم الإثبات ظاهر الدلالة على حصة وخفي الدلالة على حصة أخرى من غير ان يكون منشأه مشككية الماهية)([1])
أما على مسلك الميرزا النائيني في الانصراف الناتج عن المشككية فانه لا يتم وذلك لانه حصر المشككية في القسم الأول واعتبر منشأ كل تشكيك في الصدق هو التشكيك في الماهية، عكس ما ذهبنا إليه من وجود القسم الثاني وهو التشكيك في الدلالة من دون عودها – في حالات كثيرة هي التي تكوّن القسم الثاني – إلى مشككية الماهية.
البيع كلي متواطئ، فلا انصراف
وحينئذٍ نقول: انه لا وجه للقول بانصراف (البيع) على مسلكه (قدس سره) إذ لا تشكيك في ماهية البيع كعنوان ولا كمتعلقات؛ فان البيع كلي متواطئ ولذا يصدق على بيع الأمر الخطير كالدار والمعمل والمزرعة وعلى الأمر الصغير أو الحقير كبيع كيلو من الفاكهة مثلاً بوزانٍ واحد، عكس النور الصادق على مراتبه بنحو التشكيك والاقوائية والاضعفية، هذا من جهة البيع وعنوانه.
والمنافع ليست المرتبة النازلة من الأعيان
والحال كذلك من جهة متعلَّقَيِ البيعِ موردِي البحث وهما بيع الأعيان وبيع المنافع فان المنافع ليست مرتبة نازلة من وجود الأعيان بل هي حقيقة مباينة إذ الأعيان من مقولة الجواهر اما المنافع كسكنى الدار فمن مقولة الاعراض وليست الاعراض مرتبة من مراتب الجواهر.
وبعبارة أخرى: سكنى الدار وخياطة الخياط مثلاً ليست مرتبة نازلة من وجود الدار أو وجود الخياط إذ الخياطة من مقولة الفعل ومقولة الفعل ليست من مراتب وجود الفاعل غاية الأمر انها معلولة له والمعلول ليس من مراتب وجود العلة، واما السكنى فهي مركبة من مجموع مقولتي الفعل والوضع أو هي الفعل أو الوضع خاصة، وعلى أية حال فلا مشككية بين الأعيان والمنافع ليقال بالانصراف عن بيع المنافع استناداً إلى كون الماهية حقيقة تشكيكية وأنّ صدق البيع على الدرجة الدنيا فيه خفاء فالانصراف مستقر.
والذي يدل على ما ذكرنا من ان الميرزا اقتصر على القسم الأول انه في العديد من عباراته التي وجدناها أرجع التشكيك في الدلالة والوضوح والخفاء إلى التشكيك في الماهية مما ظاهره الحصر بذلك، فمن عباراته ما نقلناه في المبحث السابق([2]) ومن عباراته أيضاً قوله: (ان الانصراف قد ينشأ من غلبة الوجود في الخارج كانصراف لفظ الماء في بغداد إلى ماء الدجلة وفي مكان آخر إلى غيره ويسمى هذا الانصراف بدويا يزول بأدنى التفات، وهذا لم يتوهم كونه مانعا من التمسك بالاطلاق، وقد ينشأ من التشكيك في الماهية في متفاهم العرف وهذا يكون على قسمين: فان التشكيك تارة يكون بحيث يرى العرف بعض المصاديق خارجا عن كونه فردا لما يفهم من اللفظ فينصرف اللفظ عنه لا محالة كانصراف لفظ ما لا يؤكل لحمه عن الانسان واخرى يكون بحيث يشك العرف في كون فرد مصداقا لمفهوم اللفظ عند اطلاقه فينصرف اللفظ إلى غيره كانصراف لفظ الماء إلى غير ماء الزاج والكبريت)([3]) فلاحظ قوله (وقد ينشأ من التشكيك في الماهية) وقوله (بحيث يرى العرف بعض المصاديق خارجا عن كونه فردا لما يفهم من اللفظ) فقد أعاد ما يفهم من اللفظ بحسب فهم العرف حصراً – كما هو ظاهر العبارة – إلى التشكيك في الماهية، وعلى أقل الفروض فانه لم يذكر الصورة الثانية التي ذكرناها فيرد عليه – على هذا – إشكال (العقد النضيد) كما سبق.
تذييل بحث تمريني عن مقياس قاعدة التجاوز
سبق ان الميرزا النائيني ارتأى (ان صدق التجاوز عن الشيء مع الدخول في الغير أظهر من صدقه مع عدم الدخول)([4])
والسؤال الجدير بان يتفكر الطلاب الكرام كبحث تمريني في الجواب عنه هو ان قوله (عليه السلام): "إِنَّمَا الشَّكُّ إِذَا كُنْتَ فِي شَيْءٍ لَمْ تَجُزْهُ"([5]) هل ذكر ضابطين هما "كُنْتَ فِي شَيْءٍ" و"لَمْ تَجُزْهُ" أم ذكر ضابطاً واحداً و"لَمْ تَجُزْهُ "بيان لـ"كُنْتَ فِي شَيْءٍ" والأول مبني على أعمية "لَمْ تَجُزْهُ" من "كُنْتَ فِي شَيْءٍ" فايهما تام؟ وعلى فرض المساواة فهل يختلف الحكم والفتوى لو جعلنا المقياس في قاعدة التجاوز (الكون في الشيء) عما لو جعلنا المقياس (عدم جوازه) من حيث كون احدهما عنوانا إيجابياً بحاجة لاحراز عكس الثاني فانه سلبي والأصل العدم ومن حيثيات أخرى أو لا؟ فتدبر جيداً.
4- الانصراف لمناسبات الحكم والموضوع
المنشأ الرابع من مناشئ الانصراف: الانصراف لمناسبات الحكم والموضوع، كما لو قال اشتر كيلواً من البيض، فانه ينصرف لا محالة لبيض الدجاج فلو اشترى كيلواً من بيض الحمام أو النعام لم يعدّ ممتثلاً رغم صدق البيض عليه حقيقة بالحمل الشائع الصناعي، لأن (البيض) منصرف – انصرافاً مستقراً – إلى بيض الدجاج خاصة وذلك لمناسبات الحكم والموضوع (فهل هو كذلك أو الانصراف لوجه آخر؟ فتدبروا)
فهل (أحل الله البيع) منصرف – حسب من ذهب له كالنائيني - لبيع الأعيان دون المنافع؛ لمناسبات الحكم والموضوع أو لغير ذلك؟ سيأتي غداً بإذن الله تعالى.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
====================
السبت 23 جمادى الآخرة 1437هـ
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |