||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  
إتصل بنا         


  




 121- فائدة فقهية: صور المعاملة المحاباتية ونسبتها مع الرشوة

 260- المجاهدون والنهضويون في مرحلة بناء الأمة

 68- (إهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ )-2 نقد الهرمونطيقا ونسبية المعرفة

 168- فائدة رجالية: دعوى الاجماع على صحة أحاديث كتاب من لا يحضره الفقيه من قبل علمين من اعلام الطائفة

 198- ( محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم ) استراتيجية الشدة على الكفار والرحمة بالمؤمنين على ضوء الروايات والايات

 73- (إهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) -7 نقد الهرمنيوطيقا ونسبية المعرفة نظرية كانت في (النسبية الذاتية) وإجابات ستة

 فقه الرؤى دراسة فقهية وأصولية في عدم حجية الأحلام على ضوء الكتاب والسنة والعقل والعلم

 69- التعارض لغةً

 48- بحث اصولي: حكم تقييد المثبتين اذا كانا من سنخين

 97- (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) مؤسسات المجتمع المدني في منظومة الفكر الإسلامي-10 موقع (الطفل) ومسؤوليته -موقع (القطاع الخاص) في مؤسسات المجتمع المدني



 التشيّع مصان ومحفوظ بقوّة غيبية والتشكيك والمعادي مصيرهما الخيبة والزوال

 رزايا العنف وغلق قنوات الحوار

 لنَعْتبِرْ قبل فوات الأوان



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 فقه الرشوة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 حجية مراسيل الثقات المعتمدة - الصدوق و الطوسي نموذجاً -

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية



  • الأقسام : 65

  • المواضيع : 2805

  • التصفحات : 3258279

  • التاريخ : 24/11/2017 - 13:23

 
 
  • القسم : دروس في التفسير والتدبر ( النجف الاشرف ) .

        • الموضوع : 242- التحليل العلمي لروايات مقامات المعصومين (عليهم السلام) .

242- التحليل العلمي لروايات مقامات المعصومين (عليهم السلام)
الاربعاء 17 محرم الحرام 1438هـ





بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.
(إنَّمَا وَليّكم اللَّه وَرَسوله وَالَّذينَ آَمَنوا الَّذينَ يقيمونَ الصَّلَاةَ وَيؤْتونَ الزَّكَاةَ وَهمْ رَاكعونَ)
التحليل العلمي لروايات مقامات المعصومين (عليهم السلام)
(4)
 
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)([1])
 
شبهات حول بعض روايات الغلو ومناقشتها:
 
بعد استعراضنا بعض الأفكار والرؤى حول العوالم المتعددة في البحوث الماضية، نحاول في هذا البحث الردّ عن مجموعة من الشبهات التي اثيرت لدى الكثيرين حول مجموعة من روايات أهل البيت (عليهم السلام) والتي رموها بالغلو بالرغم من انها قد وردت في اصح كتبنا فانه ما دام المضمون برأيهم لا يمكن الالتزام به فهي داخلة في دائرة الغلو وهي مطروحة لديهم سنداً.
 
الصلاة رجل والصوم رجل!
 
 ومنها مثلا ما رواه البعض من أن الصلاة رجلٌ والصوم رجلٌ والحج رجلٌ وقالوا ان المراد بالرجل هو الإمام علي (عليه السلام) والرسول (صلى الله عليه وآله) وسائر الأئمة (عليهم السلام) وذلك مما لا يمكن الالتزام به أبداً فهي روايات أو آراء مجعولة.
وفي مقابل ذلك نجد البعض الآخر ممن يلتزمون بأمثال هذه ويفسرونها بانه حيث كانت الصلاة رجلاً فالمهم الولاء لذلك الرجل ولا حاجة للصلاة بعد ذلك! يقولون: ما هي فائدة الصلاة؟ ولِمَ نضيع الوقت بها مع انها ما هي إلا طريق ورمز لذاك الرجل العظيم وهو أمير المؤمنين (عليه السلام)!!! ويقولون بمثل ذلك عن المنكرات كالخمر والخنزير وما اشبه فهي كناية عن الأول والثاني والثالث مثلاً فالمهم التبري من هؤلاء واما اجتناب الخمر والخنزير فليس هو المراد الحقيقي من الآيات!!. 
 
الصراط الوسط
 
وهنا نريد ان نوضح ان الامر ليس كما ذهب اليه الطرف الاول ولا الثاني وان أمرها ليس دائراً بين الطرح لتوهم الغلو وبين الالتزام بما ذكره بعض الجهلة من ترك الصلاة مثلاً لأجل ذلك أو فعل بعض المحرمات لأن المراد بها الأشخاص الطغاة لا الأشياء المعهودة؛ ذلك ان هناك طريقا ثالثا يمكن من خلاله توضيح المراد الجدي والتفهيمي من نظائر هذه الروايات والالتزام بها خاصة وان بعضها هي من المعتبرات بل هي متواترة تواترا اجماليا، فضلا عن انها موجودة في اهم مصادرنا، ومعه فكيف يعقل ان علماءنا الاعاظم قد غفلوا عن بطلانها وكونها غلواً وادرجوها في كتبهم المعتبرة بدون أن يعلقوا عليها كما في تلك الموجودة في الكافي الشريف وبصائر الدرجات أو غيرها من الكتب المعتمدة.
وليس موطن الكلام خصوص رواية "أَنَّ الصَّلَاةَ رَجُلٌ... " بل الروايات الآتية بعد قليل فهي مصبّ هذا المبحث، أما رواية بصائر الدرجات "أَنَّ الصَّلَاةَ رَجُلٌ..." فيحتمل في نفي الإمام (عليه السلام) وجهان: الأول: نفي ورود هذه الرواية عنهم (عليهم السلام). الثاني: نفي صحة تفسيرها بذلك التفسير الخاطئ وإن كانت صحيحة في حد ذاتها (بإحدى المعاني والوجوه الآتية) ولعل هذا المعنى الثاني تعضده مطابقة مضمونه للروايات الآتية لها. فتأمل، ولعله يأتي في بحوث قادمة وتوضيح ذلك أكثر.
وسنذكر بعض الامثلة على ذلك. 
 
الصلاة تتكلم ولها صورة وخلق تأمر وتنهى!
 
الرواية الأولى: عن سعد الخفاف أنه سأل الإمام الباقر (عليه السلام) فقال: "هَلْ يَتَكَلَّمُ الْقُرْآنُ فَتَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ الضُّعَفَاءَ مِنْ شِيعَتِنَا إِنَّهُمْ أَهْلُ تَسْلِيمٍ ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ يَا سَعْدُ وَالصَّلَاةُ تَتَكَلَّمُ وَلَهَا صُورَةٌ وَخَلْقٌ تَأْمُرُ وَتَنْهَى"([2])
فالقران كلام وهو في وجود الكتبي حروف على ورق والصلاة هي مجموعة من الأوضاع والأفعال والأقوال ولكن الإمام يقول إن الصلاة هي صورة تتكلم وخلق يأمر وينهى، فهذا هو ما بدا غريباً لسعد الخفاف. 
" قَالَ سَعْدٌ فَتَغَيَّرَ لِذَلِكَ لَوْنِي وَقُلْتُ هَذَا شَيْ‏ءٌ لَا أَسْتَطِيعُ أَنَا أَتَكَلَّمُ بِهِ فِي النَّاس‏" 
 
الانهزامية في ساحات المعارف والعقائد
 
وهذا لون من ألوان الضعف والانهزامية وهي صفة للكثير من الناس، وهي تقع في قبال الشجاعة فان الإنسان الشجاع لا بد ان يتصدى لبيان عقيدته مادامت حقا بأسلوب أو بآخر.
ولعل الظاهر ان هذا كان هو وجه تغير لون وجه سعد وليس ان ذلك أحيانا يكون مقتضى الحكمة فإن هذا الوجه الأخير لا يستدعي تغير اللون. فتأمل 
وعلى أي حال فان الأمر أحياناً يعود إلى ضعف النفس والانهزامية. 
ومن هنا نجد ان الانهزاميين يتراجعون ويتقهقرون في سوح العقائد والمعارف ثم يبررون لأنفسهم الانسحاب من الساحة الفكرية والعقدية بألف عذر وعذر بل يحاولون أن يقنعوا أنفسهم بذلك أيضاً، ومثل هؤلاء كمثل الجندي أو القائد الذي يرمي السلاح ويهرب من ساحة المعركة ثم يعلل ذلك بان المصالح العليا هي التي اقتضت هذا الانسحاب وأن الصمود في أرض المعركة كان يؤدي إلى ضياع الإسلام واندراسه! كما وجدنا ذلك في أيامنا هذه لدى البعض عند هجوم داعش الوهابية إلى مدينة الموصل العزيزة واحتلالها وما جرى فيها من أحداث عجيبة. 
 
التاجر الشجاع مرزوق والتاجر الجبان محروم:
 
والانهزامية حالة سيّالة فقد نجدها متأصلة في بعض الأفراد في حقل الاقتصاد والتجارة فان بعض التجار يتصفون بالجبن التجاري فيتجنبون حتى أدنى نسبة من المغامرة ويحجمون عن الاقتحام في ميدان الربح والخسارة بخلاف البعض الآخر ممن يتميزون بالشجاعة والجسارة وقد جاء في الرواية: "التَّاجِرُ الْجَبَانُ مَحْرُومٌ وَالتَّاجِرُ الْجَسُورُ مَرْزُوق"([3]) مع ان الواضح أن الجسارة فيها نسبة من المغامرة كركوب عباب البحر أو الشراء من سوق الاسهم المتعارف في ضمن دراسة عقلائية وفي مغامرات مدروسة غير خطرة. 
وعوداً إلى الرواية:
إن سعد قال انه لا يستطيع ان يتكلم بما ذكره له الإمام الباقر (عليه السلام) أي ان يعلن ذلك بين الناس فأجابه الإمام (عليه السلام): 
"وَهَلِ النَّاسُ إِلَّا شِيعَتُنَا" أي وشيعتنا هم من يقبلون ما يصدر منا فيقبلون مثلاً وجود الأبعاد الأخرى للصلاة كهذا البعد المشار إليه في الرواية، وذلك بتبعيتهم لنا وأخذهم منا. 
ثم قال (عليه السلام): يا سعد قال الله عز وجل: " (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)([4]) فَالنَّهْيُ كَلَامٌ وَالْفَحْشَاءُ وَالْمُنْكَرُ رِجَالٌ وَنَحْنُ ذِكْرُ اللَّهِ وَنَحْنُ أَكْبَرُ"
 
تقريب الأمر بوجوه:
تقريب: (المنكر رجال) و(الصلاة تتكلم) و(الباطن أئمة الحق) بوجوه
 
وسنذكر عدة وجوه لتقريب مفاد الرواية السابقة والآتية ونظائرهما بما يقبله الذوق السليم وينسجم مع مباني الشريعة وسائر الروايات وتؤيده القرائن.
الرواية الثانية: ورد في الكافي الشريف والغيبة للنعماني عن محمد المنصور عن الإمام الكاظم (عليه السلام) في قوله تعالى: " (إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ)([5]) قَالَ فَقَالَ إِنَّ الْقُرْآنَ لَهُ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ فَجَمِيعُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا هُوَ فِي الظَّاهِرِ، وَالْبَاطِنُ مِنْ ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْجَوْرِ وَجَمِيعُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكِتَابِ فَهُوَ حَلَالٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ مِنْ ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْحَقِّ"([6])
وهذه الرواية صريحة في مدلولها، وتوجد مجاميع من الروايات المشابهة أو المقاربة والتي لا يمكن أن نرميها بالضعف وخاصة ان بعضها يعضد بعضا وبعضها معتبر بل مستفيض ولعلها متواترة تواتراً إجمالياً إن لم يكن مضمونياً.
 
تأويل (أحل الله البيع)
 
وإطلاق الرواية يشمل مثل الآية المباركة (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ)([7]) فانه بحسب كلام الإمام (عليه السلام) فان (احل البيع) الظاهر منه انه أحل هذا العقد ولكن الباطن هو الرسول (صلى الله عليه وآله) وعلي بن ابي طالب وسائر الأئمة (عليهم السلام) فيكون المعنى ان الله أحل البيع أي البيعة مع الرسول (صلى الله عليه وآله) وعلي بن ابي طالب (عليه السلام) فبيعته هي المبرئة للذمة بخلاف بيعة غيره فهي باطلة أو يقال: أحل الله البيع أي بيع أموالكم وأنفسكم للرسول والأمير (عليهم السلام) مجازاً أو حقيقة بوجهٍ وذلك مقارب لقوله تعالى: (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)([8]) فقد أريد من البيع البيعة مع الله تعالى على احتمال([9]) أو انها علة البيع أو مبرز له فتأمل.
 
العوالم الثمانية: من التفسير إلى الترميز
 
ويمكن في تحليل هذه الروايات ان نستعين بما بيناه من وجود عوالم عديدة تحيط بكل نص قرآني وببعض النصوص الأخرى:
أ- فهنالك (التفسير) وقد عرّفه البعض بأنه كشف القناع، وهذا العلم له قواعده وأساليبه ومنهاجه.
ب- وهنالك أمر آخر هو (التأويل) وهذا بدوره له قواعده الخاصة ولا تداخل بين التفسير والتأويل بل ان لكل منهما أدواته المستقلة والمحددة.
ج- وهنالك أيضاً المعاريض د- وأيضاً التورية هـ- وأيضاً التنزيل و- وكذلك المجاز بأنواعه المختلفة ز- وهناك أخيراً: الترميز. 
 
تأويل الطعام بالعلم
 
ولتوضيح الفرق بين التفسير والتأويل نمثل بقوله تعالى: (فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً)([10]) فتفسير الآية واضح إذ يقع الطعام في جو الأمور المادية وضرورة الاعتبار بها، فالطعام هو الفواكه والمأكولات. 
واما تأويلها فهو ما يؤول إليه معناها الظاهر وهو العلم ووجه التناسب أن الطعام غذاء البدن أما العلم فهو غذاء روح الانسان، وتأويل الآية فلينظر الانسان الى علمه ممن يأخذه. وقد ورد في الكافي عن الإمام الباقر (عليه السلام) في هذه الآية: " (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى‏ طَعامِهِ) قَالَ قُلْتُ مَا طَعَامُهُ قَالَ عِلْمُهُ الَّذِي يَأْخُذُهُ عَمَّنْ يَأْخُذُهُ"([11])
 
أسلوب آخر: عالم الترميز وأدواته 
 
والترميز أسلوب من الأساليب التعبيرية والتفهيمية الأخرى وله أساليبه ومناهجه وذلك بأن يستعمل شيئا يرمز به إلى أمر آخر ومن ذلك مثلاً ما يعرف بـ(شفرة موريس) وهذا شفرة معينة تستعمل كطريقة عالمية معتمدة لإرشاد الطائرات والسفن كما تستعمل في إيصال الرسائل والتلكس وغيرها. 
فمثلا حرف الألف يرمز له بنقطة ثم شرطة، وحرف الباء يرمز له بشرطة وثلاث نقاط وحرف السين يرمز له بشرطة فنقطة فشرطة فنقطة وحرف الدال يرمز له بشرطة فنقطتين وهكذا. 
ومعه فالترميز مما لا يعتمد على علم اللغة بالمرة، وذلك كما لو أن اثنين من الأصدقاء تبانيا على جعل الجدار رمزاً للسيارة فيقول أحدهم للآخر: كلما قلت (جدار) فمعناه سيارة.
ومن الواضح انه في عالم الترميز والتأويل لا يمكن الإشكال فيما لو قال أحدهم: رأيت جدارا قاصداً سيارة، فلا يصح الإشكال بان الجدار ساكن والسيارة متحركة فكيف تشبهها به! إن هذا الاشكال مما لا يتفوه به إلا من لا يفهم لغة الترميز بل يتعامل بمنطق آخر غريب عنها تماماً، وكذلك لو اعترض معترض على تأويل الطعام إلى العلم بأن العلم من الصفات النفسانية والطعام من الأمور المادية فكيف تفسر هذا بذاك! 
والخلاصة في دفع الشبهة انه لابد أولاً من تحديد أن الروايات يستفاد منها التفسير؟ أو التأويل؟ او الترميز؟ والإشكال يرد لو كان المراد تفسير الصلاة بالرجل، ولكن لو كان المراد التأويل أو الترميز فإن من يفهم معنى التأويل والترميز سوف لا يرى مجالاً للإشكال أبداً ولا يبقى مجال حتى لتوهم الغلو! 
 
الحروف المقطعة والترميز: 
 
ومن أمثلة عالم الترميز الواضحة مما هو موجود في آيات الذكر الحكيم (الحروف المقطعة) في بداية السور المتعددة فانها – على حسب بعض الأقوال - رموز بين الله تعالى والرسول وهي تستبطن برمزيتها كنوزاً من العلوم والأسرار التي منحها الله للرسول وآله الأطهار الذين هم أبواب علم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، بل إن لغة الترميز جارية في روايات أهل البيت (عليهم السلام) أيضاً.
 
من وجوه أن الكتاب الكريم تبيان لك شيء
 
وبما ذكرناه نفهم بشكل أفضل معنى الآية المباركة التي تصرح بان الكتاب العزيز هو تبيان لكل شيء فانه لو كان المراد الأعم من التفسير والتأويل والترميز والتنزيل وغيرها لما بقي أي وجه للاستغراب بل كان واضحاً حتى لدى أبعد الناس عن قبول الحق ولعله سيأتي مزيد من الايضاح ان شاء الله تعالى.
 
وجه آخر: آلية التنزيل
 
واما الوجه الاخر من الآليات التفهيمية فهو آلية التنزيل والذي يبحث عنه في علم البلاغة وعلم الأصول بالتفصيل كما في مباحث الحكومة إذ لدينا الحكومة التنزيلية كما في "الطواف في البيت صلاة"([12]) مما يفيد إشتراط الطهارة فيه أيضاً أي في الطواف وهذه الحكومة تقع في قبال الحكومة التضييقية كما هو معلوم. 
ومن الواضح انه مع استعمال آلية التنزيل لا يبقى مجال للإشكال بان الصلاة هي ماهية تبتدأ بتكبيرة الاحرام وتنتهي بالتسليم ولها شروط ولوازم وضوابط فهي تختلف تماماً عن ماهية الطواف فكيف يقال: (الطواف بالبيت صلاة)! فانه يجاب بان هذا من باب التنزيل وليس من باب التفسير بمعنى انه نزل الشيء الأول منزلة الشيء الثاني، والتنزيل ليس من باب المجاز بل انه حقيقة إذ انه إنشاء يستتبع اعتباراً والانشاء لا يطلق عليه أنه حقيقة ولا مجاز. 
وبناء على مبنى التنزيل نقول: لعل المراد من الرواية ان الصلاة التامة تنزل منزلة الإنسان الكامل وهو النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أو أمير المؤمنين (عليه السلام)، والحاصل: ان التنزيل إنما هو بلحاظ خاصية من الخواص أو أثر من الآثار كما هو الحال في تنزيل الطواف منزلة الصلاة بلحاظ إرادة اشتراط الطهارة في الطواف.
ولعله أيضاً يكون من هذا الباب تنزيل الخمر مثلاً منزلة الطاغية الأول أو الثاني ومنزلة الجبت والطاغوت، بجامع التناسب وهو السكر فان الطاغية تسكره القدرة والخمر كذلك تفعل بالعقل والبدن، وكذا الحال في التعبير عن الإنسان غير السوي بالميتة فانه قد يكون تنزيلا من حيث ان الميتة ليس لها وعي أو حركة فكذلك الضال المنحرف فانه بهذا المدى التنزيلي ميتة ليس إلا.
 
توظيف أدوات الأصول للإبداع التفسيري: 
 
ومن هنا ينفتح باب مهم في مبحث التنزيل اذ ان هذا المبحث الاصولي بأدواته الابداعية الدقيقة يستطيع ان يستخدمه الاصولي الخبير في عالم التفسير فيشكل إغناء وإثراء كبيراً وعظيماً لحقل التفسير – بالمعنى الأعم - .
ثم أن الترميز من أنواع الحقيقة فانه مجعول بوضع تعييني أو تعيني للمعنى المرموز له، وهناك وجه آخر لتفسير تلك الروايات (روايات الصلاة رجل). 
 
أسلوب آخر: المجاز بأنواعه
 
إذ قد يكون ذلك بنحو المجاز بأنواعه، هو الحال في التشبيه المجازي فلو قال شخص (زيد أسد) فلا يصح أن نعترض عليه بأن الأسد له أنياب وشعر كثيف غزير وزيد ليس كذلك! لا أحد يستطيع أن يعترض بذلك إلا إذا توهم – جاهلاً – انه استعمال حقيقي ولكنه لو علم أنه من باب المجاز بجامع الشجاعة والمشاكلة لكان الأمر واضحاً لديه بديهياً يقبله ذوقه دون تأمل.
ثم إن من المعروف أن هذا النوع هو من المجاز في الكلمة مقابل المجاز في الحذف وفي الاسناد كما هو الحال في قوله تعالى: (وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ)([13]) فإن المراد هو اسأل أهل القرية وهذا مجاز في الحذف – أو لا يحذف بل يسند اسأل للقرية مباشرة فهو مجاز في الإسناد. 
ولعله من هذا القبيل قوله تعالى: ( وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا)([14]) فهو من المجاز بالحذف والاضمار فالمراد: أي ظلموا أنفسهم بقتلها، فههنا ايجاز وحذف.
وهذا باب آخر لتوجيه الرواية المذكورة المستشكل عليها وعليه: يكون معنى (الصلاة رجل) أي أن قوامها برجل إذ انك تخاطب المعصوم (عليه السلام) فتقول: اشهد انك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة فبهم قامت الصلاة وإلا لاندرست ومحيت فالصلاة رجل أي قوامها برجل ضحى بكل شيء لأجل المحافظة عليها.. أو المراد أن معرفة حدوها راجعة إلى رجل أي أن ذلك الرجل هو المبين والمعرف للضوابط الشاملة للصلاة فللصلاة أربعة آلاف حد لا يعرفها ولم يبينها إلا الإمام المعصوم عليه السلام، فراجع النقلية والفرضية للشهيد (قدس سره). 
 
الهريسة تمشي! 
 
ومن الأمثلة على المجاز ما ورد عن النبي صلى الله عليه واله عندما رأى ناقة تمشي فقال: "تَمْشِي الْهَرِيسَة"([15]) ومراده بان هذه الناقة تذبح وتطبخ فتكون هريسة فهو من المجاز بالأوْل، وهو نوع من خُلُق النبي الاعظم الرفيع حيث أراد بمثل مزاحه مع الأتباع كسر بعض الحواجز النفسية أو شبه ذلك.
وهنا نقول: هل يصح أن يشكل أحد على قوله (تمشي الهريسة) واستناداً إلى أننا لا نجد أحداً من علماء اللغة كصاحب الصحاح ولسان العرب يقول أن من معاني الجمل الهريسة، فكيف قصد الرسول من الناقة الهريسة؟ ولو أشكل بذلك أحد لدلّ على جهله أو استجهاله.
 
المجاز بالأوْل: التجسد في يوم القيامة
 
وقد وردت بعض الروايات تفيد ان الصلاة تأتي يوم القيامة بهيئة رجل، ويكون حال هذا الرجل حال الصلاة المؤداة فإن كانت كاملة فتأتي بهيئة رجل كامل وإلا فلا، ثم ان هذا الرجل، وهو تجسيد الصلاة يوم القيامة يكون مع الإنسان المصلي يسدده ويرشده في مجاهيل المحشر ويساعده ويعضده حتى أن بعض علماءنا عبروا بان من كانت صلواته ناقصة صار حاله حال رجل يمتلك جيشاً من الرجال لكن أحدهم فاقد ليده وآخر لرجله وثالث لعينه وهكذا... فكيف ينتفع في صحراء المحشر بجيش كهذا!.
ومن الثابت ما أشارت إليه الروايات من تجسيد الأعمال ومعه فلو قلنا بالتفسير الآخر لروايات (الصلاة تتكلم) و"أَنَّ الصَّلَاةَ رَجُلٌ وَأَنَّ الصَّوْمَ رَجُلٌ"([16]) وانها من المجاز بالأوْل أي أن الصلاة الكاملة تتجسد في علي بن أبي طالب يوم القيامة فان هذا ليس بغلو ولا وجه للاستيحاش منه إذ كيف يقبل أن الصلاة تتجسد في شكل رجل لكن لو قلنا بانه الإمام علي (عليه السلام) لأنكره! 
وهناك الكثير من الأدلة التي تثبت المطلب بإحدى وجوهه السابقة بما لا يبقى معه مجال للريب أو الشك.
والنتيجة النهائية: 
ان لغة الرمز والاشارة او غيرها من التنزيل أو المجاز أو غيرهما، لهي من الأبواب التي يمكن ان تفسر بها حقيقة أن الشخص الواحد كيف يمكن ان يكون تجسيداً للصلاة والخمس والصيام والجهاد والزكاة أو يرمز به عنها أو ينزل منزلتها أو شبه ذلك، ومن كان هكذا فلابد ان يكون الولي الملقى بيده زمام التكوين والتشريع وهو رسول الله (صلى الله عليه وآله) وآله الأطهار
وللبحث صلة.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين
===================
 
 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : الاربعاء 17 محرم الحرام 1438هـ  ||  القرّاء : 1178



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net