||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  
إتصل بنا         


  




 107-فائدة فقهية: الاقسام الاربعة للتورية

 248- الرفق واللين كظاهرة عامة في الحياة وفي التقنين

 43- (وءآت ذا القربى حقه) في ذكرى شهادة الإمام السجاد عليه السلام؛ (التعرف) و(التعريف) و(التأسي) و(الدفاع) من حقوق أهل البيت عليهم السلام على الناس أجمعين

 171- مباحث الاصول : (السيرة العقلائية)

 264- (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)2 حقائق عن القيمه المعرفية للشك والحكمة في محاكمة العقل والنقل للشك والريب

 14- بحث رجالي: عن الغضائريين والكتاب المنسوب اليهما

 170- مباحث الأصول : (مبحث المفاهيم)

 145- حقوق الزائرين والسائرين على الرب تعالى ، وعلى الدولة والشعب

 108- فائدة اصولية: السياق و درجاته وحجيته

 196- ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) ـ7 الابتلاء في الموقف الشرعي من الاديان والابدان ومع السلطان



 استقرار العراق وتقدمه هدفان لا تراجع عنهما

 السابع عشر من ربيع الأول انبلاج نور النبوة الخاتمة في مكة المعظمة

 التشيّع مصان ومحفوظ بقوّة غيبية والتشكيك والمعادي مصيرهما الخيبة والزوال

 رزايا العنف وغلق قنوات الحوار



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 فقه الرشوة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 حجية مراسيل الثقات المعتمدة - الصدوق و الطوسي نموذجاً -

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى



  • الأقسام : 65

  • المواضيع : 2850

  • التصفحات : 3371911

  • التاريخ : 18/12/2017 - 16:27

 
 
  • القسم : دروس في التفسير والتدبر ( النجف الاشرف ) .

        • الموضوع : 248- الرفق واللين كظاهرة عامة في الحياة وفي التقنين .

248- الرفق واللين كظاهرة عامة في الحياة وفي التقنين
الاربعاء 5 ربيع الاخر 1438هـ





 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.
منهجية الرفق واللين في الحياة وفي التقنين
(4)
 
قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)([1])
 
بصائر النور في آية الشورى واللين
اللين مغاير للضعف
 
البصيرة الأولى([2]): أن اللين مغاير للضعف فإن القائد الحكيم ليّن وليس بضعيف، إذ اللين منشؤه الحكمة أما الضعف فمنشؤه العجز، واللين مدعاة للإكبار والإعجاب من القادر القوي العزيز لكن الضعف مدعاة للرثاء إن لم يكن مجلبة للاستحقار.
 
اللين يقابل الفظاظة، وله حكمه
 
البصيرة الثانية: أن اللين تقابله، حسب التقابل الظاهر من الآية الشريفة، الفظاظة والغلظة، وقد تكون الفظاظة محرمة لجهة ذاتية أو عرضية ككونها موجبة لانفضاض الناس عن الدين واقتحامهم في المحرمات نتيجة الشدة في التعامل معهم والقسوة والغلظة التي توجب نفور الكثير إن لم يكن أكثر الناس من القيادة الإسلامية أو من التعاليم الدينية.
وفي المقابل قد يكن اللين واجباً وقد يكون محبذا مستحباً ممدوحاً فانه على درجات ومراتب وله أنواع وأصناف إضافة إلى أنه قد يقع طريقاً ومقدمة للواجب وقد يكون مقدمة للمندوب.
 
اللين والشدة ضدان لهما ثالث
 
البصيرة الثالثة: أن اللين والشدة هي من الاضداد التي لها ثالث وليست المنفصلة بينهما حقيقية، فقد يكون القائد أو المسؤول ليّناً وقد يكون شديداً قاسياً وقد لا يكون من أي من القبيلين فلا هو ليّن ولا هو شديد، وذلك نظير الاحترام والإهانة فانهما ضدان لهما ثالث فقد يحترم صاحبُ الدارِ القادمَ وقد يُهينه وقد يتعامل معه بشكل عادي تماماً بلا احترام وبدون إهانة.
وربما عدّ اللين مرادفاً للرفق، والرفق يقابله الخُرق، والخرق فُسِّر بالحمق والجهل، ونضيف: أن الخرق هو الطيش والدخول في الأمور من غير روّية وحكمة وبدون لطف في التعامل بل بشدة وقسوة وخشونة وعنف.
فانه قد ينصح الأب أبنه بمنتهى اللطف والمحبة وبكلمات بليغة محبَّبة ومحبِّبة، وقد يقرعه بمرّ القول أمام الغير بما يزيده نفوراً، والأخير خرق والأول رفق.
والمطلوب في كل الحقول وكافة المستويات هو اللين لا عدم العنف فقط!
 
إن لكل شيء قفلاً وقفل الإيمان الرفق!
 
والرواية الآتية تشير إلى حقيقة هامة جداً عن الرفق والخرق ففي الكافي الشريف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) "إِنَّ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قُفْلًا وَ قُفْلُ الْإِيمَانِ الرِّفْقُ"([3]) والمقصود بذلك أنه كما أن الجواهر الثمينة تحفظ في صناديق عليها أقفال تحفظها من عبث الأطفال أو أيدي السراق، كذلك الإيمان وهو أثمن شيء في الوجود فانه يحفظ ويصان بقفلٍ هو الرفق.
والسبب واضح فان العنف والشدة والخرق والقسوة إن لم تكن بأنفسها مصاديق للمحرمات، كالضرب والجرح بغير وجه حق، فانها تستدعي، في سلسلة حلقاتها المتتالية، سلسلة من ردود الفعل العنيفة والتي تجرّ إلى رد فعل آخر معاكس وهكذا والتي، وهذا هو بيت القصيد، تستبطن سيلاً من أنواع الغيبة والتهمة والنميمة والعدوان والافتراء بل وكثيراً ما البطش والعنف بأنواعه المختلفة، عكس الرفق الذي يحافظ على الأعصاب من الانفلات وعلى القوة الغضبية من الانفجار والذي تكون نتيجته الطبيعية تكريس أواصر المحبة والإخاء والتي هي بدورها تلغي، جوهرياً، مبررات التهمة والغيبة والقسوة أو الضرب والجرح وغير ذلك.
 
ماذا يعني الرفق يُمن وبركة؟
 
كما ورد في حديث آخر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "الرِّفْقُ يُمْنٌ وَالْخُرْقُ شُؤْمٌ"([4]) واليُمن يعني البركة والبركة لها معاني أو تجليات ثلاثة:
الأولى: الاستمرار والديمومة والامتداد في عمق الزمن والمراد: الكم المتصل غير القار.
الثانية: التجذر والترسخ والعمق كالشجرة التي أصلها ثابت عكس النباتات التي لا جذور عميقة لها فتقلع بكل سهولة.
الثالثة: الكثرة الكمية، والمراد الكم المنفصل.
والرفق يستبطن البركة بمعانيها الثلاثة فان الإنسان إذا ربّى أولاده أو المعلم طلابه أو القائد شعبه مثلاً بكل رفق وحب ومودة على الصلاة والصيام وعلى العدل والإحسان وعلى الخدمة والبذل والعطاء ونظائر ذلك.
فإن حب الصلاة والصيام والعدل والإحسان والخدمة والعطاء سيتجذر فيهم ويتحول إلى ملكة راسخة لا يمكن اقتلاعها عنهم بسهولة، عكس ما إذا ساقهم إلى ذلك بالعنف والشدة فان تلك الصفات لا تتعدى أن تكون فيهم حالة (لا ملكة) طارئة فقد تجتثّ من فوق الأرض بأبسط حركة.
وكذلك الديمومة في الأعمال الصالحة والصفات، والاستمرارية على مدى الأزمان أو بالعكس فإن الرفق ينتج اندفاعهم نحو تلك الكمالات مهما تطاولت الأزمنة بل وإن غاب المربي والقائد عنهم أو مات، عكس الخرق والعنف.
كما أن من تربى بلطف ورفق وقناعة على تلك الملكات الفاضلة فانه سينطلق بقوة أكبر للإنتاج أكثر فأكثر عكس من انبعث عن ضغط فانه سينتج بمقدار ارتفاع منسوب الضغط لا غير.
ولذلك كله ولغيره أيضاً قال تعالى: (كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا)([5]) فالكلمة الطيبة هي التي تؤتي أُكُلها كل حين بإذن ربها دون الكلمة الخشنة القاسية العنيفة.
 
قواعد حقوقية مستقاة من الرحمة والرفق، في الحوزة والجامعة والمدارس
 
وكي لا يبقى البحث يسبح في عالم التنظير والوعظ المتجرد، فإن من المهم جداً أن نذكر نماذج وأمثلة حقوقية وقانونية ونظامية من مفردات الرفق في عدد من أهم مرافق الحياة والمجتمع وهي الجامعة والحوزة والمدارس.
 
أولاً: الجامعة:
 
وهذه بعض النماذج المتقابلة من الرفق واللين في مناهج الجامعة:
 
الدراسة عن بُعد
 
أ- إن فسح المجال للدراسة عن بُعد في الجامعات، يعدّ واحداً من أهم ألوان الرفق، عكس تقييد الطلاب بالحضور شخصياً إلى مقاعد الدراسة فانه تضييق لا داعي له أبداً، ولذلك فتحت بعض الدول المتقدمة هذا الباب للطلاب.
والسرّ واضح فإن الكثير من الطلاب قد يعجز عن الحضور بنفسه إلى الجامعة، لاضطلاعه بعمل يضطره للبقاء في المنزل أو في مكان أو منطقة خاصة، لكنه يمكنه أن يواصل الدرس وهو في متجره أو وظيفته أو مزرعته أو مصنعه أو غير ذلك، فمن الخرق والجهل والحمق التضييق على الناس باشتراط حضورهم بأشخاصهم لمقاعد الدراسة.
إضافة إلى أن الذهاب إلى الجامعة والعودة منها قد يكلف الطالب وقتاً ثميناً جداً في رحلة الذهاب والعودة، كما قد يضع على كتفيه أعباءً ماديةً ثقيلة عكس ما لو سمح له بالانتماء عن بعد ومواصلة الدراسة وهو في بيته أو محل عمله.
 
منح الشهادة من دون دراسة سابقة
 
ب- إن منح الشهادة لمن ينجح في الامتحان بدون أية شروط أخرى، هو أيضاً مظهر آخر من مظاهر الرفق والرحمة واللين بالناس، عكس التضييق على الناس باشتراط شروط عديدة لا ضرورة لها أصلاً وذلك كاشتراط إكمال الصفوف السابقة والتخرج من المرحلة الدراسية السابقة كالثانوية مثلاً كشرط أساسي لقبول تسجيله في الجامعة، ولكن لماذا؟ إنه ليس إلا التضييق والخرق؛ إذ الملاك والمقياس هو أن يحيط الطالب بالمعلومات وأن يفهمها ويهضمها فإذا عرفها عبر المطالعة مثلاً ثم اثبت كفاءته بالنجاح في الامتحان فلماذا المزيد من القيود؟
 
عدم نقل الطلاب إلى محافظات ومدن أخرى
 
ج- إن نقل الطلاب والطالبات إلى محافظات أخرى أو إلى مدينة أخرى في المحافظة وتسجيلهم في كليات ومعاهد خارج دائرة منطقة سكنهم، هو الآخر نوع من القسوة والعنف والشدة على الطلاب وعلى الآباء والأمهات والعائلة بشكل عام، فلماذا انتزاعهم من أحضان أسرتهم وحرمانهم من حنان الأبوين ومن أجواء الأسرة والعائلة؟، خاصة وإن ذلك يشكل واحداً من العوامل الرئيسة التي تفتح الأبواب للميوعة والفساد فإن الشاب أو الفتاة في بلدته وفي أحضان أسرته يتمتع بحصانة طبيعية تجاه الفساد والانفتاح الخطر على الجنس الآخر، أما إذا اقتلع من بيئته وقذف إلى أجواء أخرى وصار يسبح في بحر من الشباب والفتيات من مختلف الألوان والأهواء والخلفيات من دون جهة مرجعية طبيعية تسنده وتحميه، أفلا يشكل ذلك خطورةً مضاعفةً عليه؟
 
ثانياً: الحوزة العلمية:
الدراسة الدينية والأكاديمية
 
يجب أن يكون تعلُّم العلوم الدينية وتعليمها بل وكافة العلوم التي يحتاجها البشر في شؤون حياتهم من سياسة واقتصاد وصناعة وزراعة وطب وهندسة ومحاماة ومن أنواع العلوم التكنولوجية وغيرها، متاحاً للجميع وبأبسط السُبل وأقل قدر ممكن من القيود إذ أن تعلُّم العلم واجب كفائي ومستحب نفسي وكل قيد يحول دون ذلك فهو مبغوض مرجوح ساقط شرعاً. ومن القيود التي يجب أن تلغى:
 
إلغاء الفيزا والإقامة عن طلاب العلوم الدينية والبشرية
 
أ- الفيزا والإقامة، ذلك أن الفيزا والإقامة هي بدعة غريبة لا أثر منها في الإسلام ولا في سائر الأديان الأخرى بل ولا في تاريخ البشرية إلا الشاذ النادر، إذ الأرض أرض الله والخلق عباد الله فلا يجوز منع المسلم من أن يستوطن أي بلدٍ من بلاد الإسلام شاء لأي غرض كان من تجارة أو سياحة أو شبه ذلك فكيف إذا كان لطلب العلم والتفسير والحديث والفقه والأصول والكلام والعقائد؟ بل لا يجوز منع أي إنسان من حيث هو إنسان من الإقامة في مختلف بقاع الأرض.
إن الحدود بدعة أوجدها لورانس([6]) البريطاني قبل حوالي مائة سنة في بلادنا، والغريب أننا أصبحنا أشد المدافعين عنها! والأغرب أن الفلسفة التي تذكر لها هي عليهم لا لهم فإن الحدود تمنع عادةً الناس البسطاء والطيبين والأخيار من السفر أو الإقامة إلا بجواز وفيزا وإقامة، أما العصابات والارهابيون فإن الحدود لا تشكل أمامهم حاجزاً يذكر بل ان لهم ألف طريقة وطريقة للتملص منها، وعصابات المافيا واحتلال داعش للموصل وحلب وغيرهما بقيادة عناصر متسللة بالألوف من دول أخرى أبرز شاهد ودليل.. فهذا أولاً.
ثانياً: سلمنا الحاجة في بعض الحالات للفيزا والإقامة، لكن مقتضى اليسر إذ يقول (صلى الله عليه وآله): "يسروا و لا تعسروا..."([7]) ويقول جل وعلا: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ)([8]) و(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) أن يكون لكل مرجع تقليد ولكل عميد في الجامعة بل لكل مجتهد بل لكل أستاذ حوزوي أو جامعي أن يمنح الإقامة لطلابه وأن يكون لكل جامعة ومدرسة حوزوية الحق في ذلك وأن يكون لكل إمام جماعة أو وجيهٍ معتمد أو نائب أو مختار أن يمنحها لمن يعرفه ويثق به ممن يريد الانتساب إلى سلك طلبة العلوم الدينية أو ممن يريد السفر لبلاد الإسلام، أو غيرها، ليتعلم العلوم الإنسانية وغيرها.
إن ذلك كله إضافة إلى أنه موافق للقواعد الأولية الإنسانية والإسلامية المسلّم بها مثل (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)([9]) والخطاب موجه للبشرية كافة و(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)([10]) (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)([11]) (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً)([12]) و"إِنَّ النَّاسَ مُسَلَّطُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ"([13]) ( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)([14]) وغيرها، فانه مقتضى الرفق والرحمة بطلاب العلم والمعرفة.
 
إلغاء الامتحانات لطلاب العلوم الدينية
 
ب- الامتحان: لا ضرورة أبداً لامتحان طلاب العلوم الدينية.. ولم تكن الحوزات العلمية المباركة على مدى مئات السنين تعرف هذه الظاهرة.. والمهم هو أن يكون الطالب منشغلاً حقاً، وإحراز ذلك لا يتوقف على الامتحان بل لذلك طرق أخرى عديدة:
منها: شهادة استاذين من أساتذته أو اثنين من العدول؛ أفترى اننا نعتمد على شهادة العدول في الدماء والفروج والأموال ولا نعتمد عليها في دراسة طالب علم لبعض الدروس؟
ومنها: أن يكون منشغلاً بالتدريس.
ومنها: أن يقدم إنجازاً علمياً على مدار السنة، مثل أن يقدم بحثاً أو يطبع كتاباً علمياً أو غير ذلك مما يدل على أنه منشغل حقاً بالعلم أو البحث والتحقيق.
ومنها: غير ذلك.

ثالثاً: المدارس:
إلغاء الزِيّ الموحد الإجباري
 
أ- أن من الخُرق والشدّة والكبت والتضييق فرض الملابس الموحدة والزي الواحد على طلاب المدارس، ومن الواضح أن الاعتبارات الجمالية وشبهها لا تزاحم ولا ترقى إلى مستوى القدرة على زحزحة أصالة الحرية في الإنسان وأصالة التيسير "يسروا و لا تعسروا" خاصة وأن الكثير الكثير من الأطفال والعوائل تثقل كواهلَهم هذه القيودُ والتكاليفُ.
نعم إذا كانت الحكومة ووزارة التربية والتعليم حريصة على المظاهر الجمالية فيمكنها أن تقوم بإهداء الملابس والزي الموحد إلى الطلاب والطالبات!؛ أوليست الدولة تهدر الكثير من الأموال في أمور ثانوية لا ضرورة لها أبداً (كالإنفاق الباهض على الضيافات والأسفار المكلفة مع اصطحاب العشرات من المرافقين وغير ذلك)؟ فليكن هذا منها! بل أوليست الحكومة، في أكثر الدول إن لم يكن شبه المستغرق منها، تبتلع أموال بيت المال بشكل أو آخر؟ وأليست محاكم النزاهة لو فُعِّلت بشكل متكامل فان الناس سيكتشفون السرقات المقنعة للمسؤولين للمليارات من الأموال؟ فلماذا يبخلون بإنفاق بعضه على ملابس الطلاب!!.
بل أن أموال النفط وسائر الثروات الطبيعية هي ملك للشعب فلينفقوا منها على ملابس الطلاب وعلى طعامهم وتزويدهم بوجبة غذاء متكاملة يومياً وعلى غير ذلك([15]).
 
إلغاء التشدد في امتحانات المدارس
 
ب- وأن من الخُرق والشدة والغلظة التشدد في أمر الامتحانات.. بل المطلوب تحفيز الطلاب، بمناهج وأساليب تربوية متطورة وبتكوين تحالف وثيق مع الآباء والأمهات، على الدراسة بشوق وبجد أيضاً.. بل أن بعض الدول المتطورة (اليابان مثلاً) ألغت الامتحان من الصفوف الابتدائية كي ينجح كافة الأطفال وينتقلوا إلى الصف الأعلى بدون أن يرسب بعضهم فيبتلوا بالعقد النفسية! والغريب، وليس بغريب، أن ذلك وأشباهه كان حافزاً للأطفال، في المدى المتوسط والبعيد، على التعلم بشكل أفضل!
إن المفارقة تكمن في أن العنف قصير الأجل سطحي الثمر، أما الرفق فطويل المدى كثير المنافع عميق الآثار.. وذلك في كل الحقول والمجالات.
 
الرفق أجمل خلائق الله!
 
وقد ورد في الكافي الشريف: "عن الإمام الباقر (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) لَوْ كَانَ الرِّفْقُ خَلْقاً يُرَى مَا كَانَ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ شَيْ‏ءٌ أَحْسَنَ مِنْهُ"([16])
والظاهر من الحديث أن الرفق هو خَلْق من خلق الله لكنه لا يُرى، فكما أن الشجاعة والكرم والعدالة ونظائرهما وأضدادها هي من خلق الله (فانها ليست بواجبة الوجود ولا ممتنعة الوجود) فكذلك الرفق.. نعم جعل الله تعالى أسبابه بأيدينا لذلك كان اختيارياً باختيارية أسبابه، إضافة إلى أنها ليست عللاً تامة بل هي مقتضيات للأفعال فلا يتوهم الجبر أبداً.
 
الأحب إلى الله هو الأرفق بصاحبه!
 
كما ورد أيضاً "عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): مَا اصْطَحَبَ اثْنَانِ إِلَّا كَانَ أَعْظَمُهُمَا أَجْراً وَأَحَبُّهُمَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَرْفَقَهُمَا بِصَاحِبِهِ"([17]) والغريب أنه لم يقل أن الأعظم أجراً والأحب إلى الله تعالى هو الأكثر صلاة أو صياماً بل هو الأرفق منهما بصاحبه!
 
إن الله رفيق يحب كل رفيق بالناس!
 
وفي كتابي الحسين بن سعيد والنوادر "عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُعْطِي الثَّوَابَ وَيُحِبُّ كُلَّ رَفِيقٍ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ"([18]):
فأولاً: أنه تعالى رفيق يرفق بالناس ويلطف بهم في الدنيا والآخرة.
وثانياً: أن من لطفه ورفقه بهم أنه يعطي الثواب ويهبه ويمنحه؛ إذ اننا لا نستحق عليه تعالى شيئاً من الثواب حتى لو عبدناه أبد الدهر إذ أن ذلك لا يشكل جزء بسيطاً من شكر نِعَمِه تعالى اللامتناهية علينا بل ان توفيقنا للعبادة والطاعة هو من نِعَمه علينا فكيف ومتى نستطيع أن نؤدي حق نِعَمه علينا؟ وكيف نستحق عليه شيئاً مع أن كل ما نملك من أدوات الشكر (من قلب وعقل ويد ولسان وغير ذلك) ومن التوفيق للشكر، إنما هو لطف منه تعالى وعطاء من لدنه؟.
ثالثاً: أنه تعالى "يُحِبُّ كُلَّ رَفِيقٍ" فإذا أحببت (أيها الأب أو الزوج أو المعلم أو الرئيس أو الوزير والمسؤول أو العالم والمفكر) أن يحبك الله فكن رفيقاً بالناس ليّناً هشاً بشاً غير غليظ ولا فظ ولا جافٍ.
رابعاً: كما أنه "يُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ" فلو فرض أن للعنف فوائد (وهي التي يتذرع بها البعض لتبرير لسانهم السليط أو مواقفهم العنيفة) فان اضراره أكثر بكثير من منافعه، وغاية الأمر أن يكون العنف كالخمر والقمار (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا)([19]).
ثم لو فرض أن العنف بقدرٍ ما كان جائزاً، كما لو اقتضت ضرورات التربية ذلك بأن يصرخ المعلم على الطفل أو يضربه ضرباً خفيفاً لا يُولّد حتى الحمرة وإلا كانت عليه الدية وبشرط أن بكون ذلك بإذن وليه ووالده، لو فرض جواز ذلك فانه ومع ذلك فان الرفق به أولى فإن الله سيعطيه مع الرفق أكثر مما يعطي على العنف!
 
وللبحث صلة بإذن الله تعالى..
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين
 
================
 
 

 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : الاربعاء 5 ربيع الاخر 1438هـ  ||  القرّاء : 883



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net