||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  


  





 278- فائدة أصولية: تقديم ذم الأقبح على القبيح

 دراسة في كتاب "نسبية النصوص والمعرفة ... الممكن والممتنع" (14)

 195- ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) -6 ( شروط الامامة وأدوارها ودعائمها ) ( الشعائر ) دعائم استراتيجية للدور الحسيني الاعظم

 266- مباحث الأصول: بحث الحجج (حجية الظنون) (3)

 25- فائدة فقهية: اذا كان تكرار الفعل موجبا للحرمان من الجنة فأصله حرام

 276- (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ) 13 مرجعية سُنَّة الأوَّلِين والانثروبولوجيا بين الأصالة والحداثة

 187- العدل والظلم على مستوى الامم التهديدات التي تواجه الحوزات العلمية

 300- الفوائد الأصولية (الحكومة (10))

 46- قال الله تعالى (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت)1 وقال الإمام الحسين عليه السلام (وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي) (الإصلاح) من المستقلات العقلية (الإصلاح) الإجتماعي والحقوقي وفي (منظومة القيم)

 184- علم وفن ومهارة ادارة الوقت والساعات والايام والاسابيع والاشهر والسنين



 من ينهض بالمسلمين إلى الفضيلة والأخلاق؟

 لا لانتهاك الحقوق

 السلوك الانفتاحي والانقلاب على القيم

 أيام غيّرت وجه العالَم

 في ذكرى شهادة الحسين (ع): الحق والباطل ضدان لا يجتمعان



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 قسوة القلب

 21- بحث اصولي: عن حجية قول اللغوي ومداها

 النهضة الحسينية رسالة إصلاح متجددة

 161- مفردات ومصاديق مبادئ الاستنباط (8): علم الاديان الفقهي والاصولي المقارن



  • الأقسام : 73

  • المواضيع : 3248

  • التصفحات : 5922855

  • التاريخ : 15/12/2018 - 07:25

 
 
  • القسم : الفوائد والبحوث .

        • الموضوع : 250- مباحث الاصول: (الحجج والأمارات) (8) .

250- مباحث الاصول: (الحجج والأمارات) (8)
28 جمادى الأولى 1439هـ

مباحث الاصول: (الحجج والأمارات)

جمع واعداد: الشيخ عطاء شاهين*

الفائدة الثالثة والعشرون: أن الحجية تارة تكون مجعولة من الشارع ، وأخرى منفية منه ، وثالثة ممضاة منه وهذا القسم هو الأكثر.
إن الحجج- سواء كانت على الأحكام مما يعبر عنها بالأدلة،  أو على الموضوعات مما أطلق عليها بالأمارات - هي بين ما أمضاه الشارع وهو الأكثر ، وبين ما أسسه وجعل له الحجية ولعل منه (اليد) و (السوق) و (أرض الإسلام) ولو في الجملة ، وبين ما  نفى  عنه  الحجية ابتداءً من غير بناء للعقلاء أو سيرة لهم عليه، أو مع بناءهم على العكس، وذلك كالقياس والاستحسان ، وتفصيل ذلك يطلب من علم الأصول و القواعد الفقهية، وقد بحثنا جانباً منه في مباحث القطع [1].

الفائدة الرابعة والعشرون: أن كل الأمارات والطرق كاشفيتها ناقصة عن الواقع؛ لذلك فهي مفتقرة إلى متمم كشف في أصلها من إمضاء أو عدم ردع، وكذا الحال في حدودها لكثرة تصرف الشارع في حدودها.
إن مختلف الطرق والأمارات - التي يعبّر عنها بالظنون النوعية – ذات كاشفية ناقصة عن الواقع، لذلك فهي مفتقرة إلى مُتمِّم الكشف، ولو بالإمضاء المنكشف بعدم الردع ، وحاجتها إلى متممية الكشف هي في ثلاثة أمور متدرجة:

الأمر الأول: الحاجة متممية الكشف في أصل الحجج ؛ وذلك مثل القياس و الشهادة الثالثة على الشهادة فالرابعة وهكذا، وكتابة قاضي إلى قاضٍ[2] وقد سبقت، ونضيف: ومثل الاستحسان ومثل شهادة النساء في الهلال، بل وحتى مثل خبر الثقة في أصول الدين ، فإنه على المشهور ليس بحجة؛ فإن هذه الظنون وإن كانت  كاشفة كشفاً ناقصاً عن الواقع و لكن الشارع ألغى حجيتها.
والحاصل: ان إفادة الطريق أو الأمارة الظن نوعاً وعند العرف لا يكفي لإسناد حجيته والقول باعتباره إلى الشارع، بل لا بد من إمضاء الشارع المستكشف ولو بعدم الردع؛ إما لأن الشارع حيث أتى بأحكام جديدة احتمل أيضاً أن يكون قد أتى بحجج جديدة، ونفى حججاً عرفية؛ والذي قد يكفي في دفعه {إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ...} فتأمل[3]، وسيأتي.
وعليه[4] فلا دليل على أصالة حجية كل طريق عقلائي، بل لا بد من الإمضاء ولا يكفي عدم الردع، فتأمل.
أو نقول: لأن التتبع قاد إلى أنه ألغى حججاً عرفية كثيرة ـ ومنها السوابق ـ فلا بد والحال هذه من الفحص[5]؛ لانتفاء الوثوق النوعي حينئذٍ، فإن لم يعثر على دليل على إلغاء أصلِ حجةٍ عرفيةٍ ما عن الحجية كفى التمسك بمثل (بلسان قومه) على كلام وتفصيل يأتي بعضه.
وعليه: فالأصل حجية كل طريق عقلائي لديه إلا أنه حيث ألغى طرقاً كثيرة كان لا بد من الفحص، ويكفي هنا في الحجية عدم الردع.

الأمر الثاني: الحاجة إلى متممية الكشف في حدودها؛ فبعد الفراغ عن اعتبار الشارع الطريق العرفي حجة في أصله، لا بد من متمم للكاشفية عن حجيته في حدوده، ولو بنفس الدليل الأول إن ثبت إطلاقه؛ وذلك لكثرة تصرف الشارع في حدود الحجج، وقد سبق التمثيل باشتراطه في المجتهد أن يكون عادلاً طاهر المولد.. الخ، وفي الشاهد ضميمة آخر إليه، مع أن العرف يرى كفاية الشاهد العادل الضابط الثقة، بل وفي بعض المتعلقات اشترط ضميمة الحلف إلى الشاهدين، كما في دعوى الدين على الميت.
ثم إن مثل عدم حجية خبر الثقة في أصول الدين عددناه من الأصل لا الحد؛ لأنه من الأنواع والمتعلَّقات، والحد أريد به حد الدليل لا المتعلق، فتدبر، على أنه تفريق فنّي غير ضار بأصل المسألة.

الأمر الثالث: الحاجة إلى متممية الكشف في حد التعارض، وهو وإن كان صغرى الثاني إلا أنه أفرد بالذكر لأهميته، وللخلاف الشديد فيه، ولعدم التلازم بين القول بمتممية الشارع الكشف في سائر الحدود ـ ككونه حجة حتى مع الظن الشخصي على الخلاف ـ والقول بمتمميته للكشف في خصوص صورة التعارض[6].
 
الفائدة الخامسة والعشرون: أن المقياس في الحجج الأقربية إلى الواقع لا الأقربية في نظر  هذا الشخص أو ذاك، وإلا استلزم اعتبار ما ليس  بحجة حجة .
إن المقياس في باب الحجج هو الأقربية إلى الواقع التي دلّ عليها الدليل  لا الأقربية في نظرنا ؛ لذا فلا يرد استلزام ذلك حجية ما توصل إليه بالرمل والجفر من الأحكام الشرعية؛ إذ ليست للرمل أقربية قد دل الدليل عليها[7].

بحث تطبيقي:
ومن الأدلة على تقليد الأعلم هو أن : رأي الأعلم أقرب للواقع وكلما كان أقرب تعين الأخذ به عقلاً.
وقد أجاب السيد الوالد قدس سره  بقوله: وأما الكبرى: فلأنا لا نسلم أن المعيار في باب الحجية هو الأقربية في نظرنا، بل اللازم المراجعة إلى الأدلة، فإنها قد تعين ما هو أبعد بنظرنا؛ لاحتمال ملاحظة الشارع جهة لا تصل إليها عقولنا، كما ترى ذلك جلياً في تعارض الخبر  والقياس في مسألة قطع أصابع المرأة، فإن القياس وإن كان أقرب في هذا المقام، بل هو مظنون بظن قريب من العلم، ومفاد الخبر موهوم غاية الضعف، ومع ذلك فقد قدم الشارع الخبر على القياس[8].
وبعبارة أخرى: الأقربية قسمان: أقربية بنظرنا وأقربية بنظر الشارع، والملاك هو الأقربية للواقع بنظر الشارع؛ لأنه العالم المحيط بالجهات دون الأقربية بنظرنا؛ إذ لا نحيط بالجهات، وقد نخطئ بتوهم ما هو أقرب أبعد، أو ما هو أبعد أقرب، وتدل على ذلك قضية دية أصابع المرأة[9]، ولا طريق للعلم بـ (الاقربية بنظر الشارع) إلا الأدلة اللفظية وهو مفقودة.
ونضيف: إن النسبة من وجه بين الأقربيتين: أما ما هو أقرب بنظرنا دون الشارع فمثل القياس، وأما ما هو أقرب بنظر الشارع دوننا ـ لا بما نحن متعبدون به، بل مع قطع النظر عنه ـ فكاليد والسوق في بعض صورها[10]، كما فصلناه في موضع آخر، وكالاستصحاب في صورة الشك في المقتضي على القول بشمول الأدلة النقلية له وجريانه فيه ـ على خلاف الشيخ ـ ، فتأمل.
وبعبارة أخرى: الأقرب موهِم، فهل يراد به الأقرب بنظرنا لكن نظرنا ليس بحجة، أو الأقرب بنظر الشارع لكنه لا سبيل لنا إليه إلا الأدلة عليها، فلا بد من مراجعة كل دليل دليل على حدة [11].

بحث تطبيقي آخر:
قال في بيان الفقه : والحاصل: إنّه لو سُلّم أنّ الملاك- في تقليد الأعلم - إنّما هو الأقربية إلى الواقع بحيث انصرف الأمر والنهي إليه لبّاً وواقعاً، ولم يكن لنا طريق إلى الكشف عن الأقربية عند الشارع إلاّ نظرنا نحن ـ كما هو كذلك ـ كان نظرنا مرآة لنظر الشارع، نظير ما يقال في الظواهر: من أنّ الظهور يكشف ـ بنظرنا ـ أنّ الشارع أراد كذا، فيكون نظرنا مرآة وكاشفاً لنظر الشارع، لأنّ طرق الإطاعة والمعصية عقلائية إلاّ ما وسّع الشارع أو ضيّق[12].

والجواب: إن ههنا أموراً أربعة:
الأمر الأول:  الأقرب بنظر الشارع[13].
الأمر الثاني: الأقرب بنظرنا.
الأمر الثالث : الأقرب بنظر الفقهاء.
الأمر الرابع: الأقرب الشارعي.
والأمور الثلاثة الأولى من عالم الإثبات، والأخير يراد به ما هو في عالم الثبوت.
توضيح ذلك: إنه تارة يكون الواقع هو الملاك فيكون نظرنا مرآة له، مباشرة أو يكون نظرنا أو نظر الفقهاء مرآة لنظر الشارع إليه، كما يكون ظاهر ألفاظ الشارع مرآة ودالاً عليه، وتارة تكون الحقيقة الشرعية هي الملاك وهي المدار، فلا تؤخذ عندئذٍ إلا من الشارع؛ لأنه هو المخترع لهذه الحقيقة؛ وذلك كأية جهة اخترعت حقيقة، فإن المرجع هو تلك الجهة لا غير[14].

بحث تطبيقي ثالث:
استدل المشهور لتعيّن تقليد الأعلم ببناء العقلاء على الرجوع إليه لا غير مع الإمكان؛ فإن بناء العقلاء على ذلك -إن سلّم- ليس إلا بملاك كونه أقرب للواقع.
لا يقال: أولاً: ليس بنائهم على ذلك محرزاً ؛ وإلا لزم تعطيل المفضول في المهن؛ والتالي باطل.
وثانياً: لو سلّم بنائهم فلا نسلّم كون مبناه كونه أقرب؛  إذ لا تعلم أقربية فتوى الأعلم من غيره لا دائماً ولا غالباً لكثرة مطابقة فتوى المفضول للمشهور أو لرأي ميت أعلم من هذا الحي أو ميت لا يعلم أعلمية هذا الحي منه فلا تعلم الأقربية، أو للاحتياط.
إذ يقال: أولاً : الكلام أن المشهور التزموا بكون بناء العقلاء على ذلك، لنفرع عليه أن رأي أكثرية الشورى لكونه أقرب للواقع هو الواجب اتباعه على مبناهم وما التزموا به.
ثانياً: لو سلّم عدم إحراز بنائهم على الرجوع للأعلم مطلقاً فلا يمكن إنكار بنائهم على الرجوع إليه إن أحرزت الأعلمية بالخصوص في مورد تخالف الفتويين بأن علم كونه أعلم في هذه المسألة الخاصة ولم تعارضه فتوى ميت أعلم أو فتوى المشهور أو الاحتياط أو ما أشبه ذلك خاصة إذا كان الأمر خطيراً، ألا ترى أن المبتلى بداء خطير لو أحرز كون هذا الطبيب أعلم في خصوص هذا المرض من غيره وكان الخطأ في التشخيص والعلاج موجباً لهلاكه ولم يكن في الرجوع إليه مانع من عسر شديد أو غيره، أتراه يراجع الطبيب المفضول في هذه المسألة؟ وألا تراه ملوماً معاتباً عند العقلاء لو راجع المفضول وهلك، ومعذوراً عندهم لو راجع الفاضل وهلك؟
وليس ذلك البناء في هذه الصورة إلا لكون رأيه أقرب إلى الواقع بنظرهم، لكونه أعلم من غيره ، ومن ذلك يعلم عدم صحية تسليم بنائهم وإبطال مبناهم ؛ إذ لو لم تكن في مورد أقربية لم يكن بنائهم عليه أيضاً ولم يكن معنى لذاك البناء، فتأمل.
ومما سبق يظهر أن ما ذكر من لزوم تعطيل المهن غير تام؛ إذ تعطيلها إنما يلزم لو بني على وجوب الرجوع للأعلم مطلقاً سواء خالفه المشهور أم لا، وافق الاحتياط أم لا، عارض رأي ميت أعلم أم لا... الخ مع إحراز الجميع كون هذا أعلم مع عدم تعذر أو تعسر رجوع الجميع إليه.
وأما لو انتفى أحد الشروط الثلاثة بأن بنى على وجوب الرجوع للأعلم فيما لم يخالفه المشهور ولا أعلم آخر... الخ فلا يلزم تعطيل مهن المفضولين، وكذا لو بنى على وجوب الرجوع إليه مطلقاً مع اختلاف الناس في الأعلم ، وكذا لو بنى على وجوب الرجوع إليه مطلقاً ولم يختلف الناس فيه لكن تعذر وتعسر الرجوع إليه.
لا يقال: لو صح ما ذكر من كون بنائهم على اتباع الأقرب للواقع وحجية هذا البناء، لزم حجية بنائهم على اتباع القياس لكونه أقرب في نظرهم إلى الواقع من خبر الواحد في كثير من الأحيان كما يظهر ذلك جلياً في مسألة دية أصابع المرأة.
إذ يقال : لا شك في بنائهم على اتباع الأقرب للواقع؛  إلا أن الشارع لكونه محيطاً بكل الجهات عالماً بكثير مما لا تصل إليه عقولنا قد يرى ما يتوهمه العقلاء أقرب أبعد، وما يتوهمونه أبعد  أقرب، فلو انكشف لهم أن ما توهموه أقرب أبعد لتركوه والعكس بالعكس[15]، ولا محيص لنا نحن لإيماننا بالشارع وإحاطته عن قبول كون القياس أبعد عن الواقع لإخبار الشارع بذلك ((والشريعة إذا قيست محق الدين))[16]، والخبر أقرب لأمره باتباعه وإن عارضه القياس.
وبذلك يعلم أن النقاش في الصغرى وأن أي شيء أقرب للواقع، ولا نقاش في أن محمول ((الأقرب للواقع)) الثبوتي، وكذا ((ما ثبت كونه أقرب للواقع شرعاً)) هو جواز الاتباع بالمعنى الأعم.
وبعبارة أخرى: أن الملازمة التي ادعاها المستشكل غير تامة إذ يلزم من حجية بنائهم على اتباع الأقرب لزوم اتباع ما هو أقرب واقعاً - وهو الخبر لا القياس - وليس اتباع ما هو أقرب في نظرهم المجرد وقبل مراجعة الشارع مع كون الأقرب غيره مما كشف عنه الشارع.
وبعبارة ثالثة: إن بنائهم على اتباع الأقرب حجة ما لم يدل دليل على عدم كونه أقرب؛ فلا يكون حجية حينئذٍ من باب السالبة بانتفاء الموضوع لا المحمول.
وبعبارة رابعة: بنائهم على حجية شيء مقتضٍ للحجية ، وشرطه عدم ردع الشارع.
لا يقال: ما الدليل على كون رأي أكثرية الشورى أقرب للواقع ثبوتاً إذ لعلها كالقياس؟
إذ يقال : الدليل هو روايات الاستشارة : (من استبد برأيه هلك) و(مشاورة ذوي الرأي واتباعهم) و(من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ) وقد سبق تفصيل الكلام حول إفادتها أقربية رأي الأكثرية للواقع ، كما سبق ذكر أدلة أخرى عقلية دالة على الأقربية فراجع. [17].
ومما ذكرنا يظهر الكلام حول الدليل الذي تمسك للمشهور لإثبات وجوب تقليد الأعلم وهو (إن رأي الأعلم أقرب للواقع وكلما كان أقرب يتعين الأخذ به عقلاً)[18] أو (إن الظن الحاصل من قول الأعلم أقرب للواقع)[19]،  ولا يرد -على ما نحن فيه- عدم تسليم كون المعيار في باب الحجية هو الأقربية في نظرنا ؛ لكون الأقربية في باب الشورى ثابتة بالدليل لا بنظرنا المحتمل مخالفته لما هو الأقرب واقعاً مما لا يكون الكاشف عنه إلا الشارع المحيط بالخفيات[20].
 
الفائدة السادسة والعشرون: كون الأصول العملية  وظيفة الشاك في مقام العمل لا يمنع من عدها من الحجج الشرعية؛ لانطباق معنى الحجة لغة عليها ؛ ولصحة الاحتجاج بها شرعاً ؛ ولبناء العقلاء على وجوب معرفة الوظيفة العملية والاستناد للحجة من دون وجوب معرفة كونها طريقاً أو وظيفة.
الظاهر أن الأصول العملية تعد من الحجج الشرعية، ولا يَرِد أن الأصول العملية ليست بحجة، بل هي وظيفة للشاك في مقام العمل.
إذ يقال: سبق أنها حجة بالمعنى اللغوي؛ لأنها مما يحتج بها العبد على المولى ـ لدى إجراء أصل البراءة مثلاً ـ أو المولى على العبد ـ في موارد أصل الاشتغال أو استصحاب التكليف ـ و كما أنها حجة بمعنى المنجزية والمعذرية، وأما لو أخذت ((الحجة)) بمعنى ((الكاشف))، فإن الأصول وإن لم تكن كاشفة عن الواقع والحكم الشرعي، إلا أنها كاشفة عن الوظيفة.
والحاصل: أن الأصول العملية حكم بمعنى الحجة لا بمعنى ما تدل عليه من الأحكام؛  فلابد لسلامة تعريف ((الحجة)) في علم الأصول عن كونه تعريفاً بالأخص[21] - كما في تعريف المحقق النائيني قدس سره -  من إدخال الأصول العملية والأدلة الاجتهادية تحت عنوان جامع واحد وهو مقتضى الطبع أيضاً؛ إذ الأصول عقد مقدمة للفقه، والفقه هو كل ما يرتبط بأفعال المكلفين، من حكم أو وظيفة ؛ إذ: ((موضوعُهُ فعلُ مكلفينا غايتُه الفوزُ بِعِليِّينا))
وليس مرتبطاّ بأحكام أفعالهم فقط، فالأصولي لا بد أن يبحث عن الحجة على الحكم والوظيفة، وهذا هو المهم له، كما أن هذا هو الذي ينفع ويهم الفقيه ومطلق المكلَّف أيضاً، وليس خصوص الحكم فقط.
وبعبارة أخرى: عند التأمل في ما الذي يهم المكلف؟ نجد أن الذي يهمه هو ماذا يسوغ له أو لا يسوغ له أن يصنع، ولا يُهمُّه ولا ينفعه أو يضره: كون جوازه أو حرمته بنحو الحكم الواقعي أم الظاهري؟ أي لا يهمه كون ما يصنع حكماً أو وظيفة؟
وعند التأمل في ما هي مسؤولية الفقيه؟ يتضح أن مسؤوليته أن يبين للناس ما يلزمهم أن يفعلوه أو يتركوه، أو ما لا يلزمهم أحد طرفيه، أما ما يفعلونه أو يتركونه هل هو لكونه مؤدى دليل أو أصل ومن باب الحكم أو الوظيفة؟ فليست مسؤوليته.
وعند ملاحظة ما هي مسؤولية الأصولي؟ نجد مسؤوليته أن يبين للفقيه الحجج بمراتبها الطولية من أدلة اجتهادية وأصول عملية وليس خصوص الأولى، أي يبين مطلق القواعد التي بها تعرف الوظيفة الفعلية بالمعنى الأعم من الحكم والوظيفة.
ويدل على ذلك: أن بناء العقلاء على وجوب معرفة الوظيفة العملية ـ بقول مطلق ـ للمكلف اجتهاداً أو تقليداً، والاستناد إلى (الحجة)  في ذلك، ولا يرون وجوب معرفة أو بيان كونها طريقاً أو وظيفة [22] .
ويمكن الاستناد في ذلك لعدد من الآيات والروايات الدالة على ((التقليد)) أيضاً، كقوله تعالى :﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ﴾[23] ، فإنها تشمل الإنذار بالأحكام والوظائف، أي الإنذار بمؤديات الأدلة والأصول معاً، كما أن ((الدين)) أعم منهما، وهي بأجمعها من ((الدين))؛ إذ لا شك في انقسام الأحكام الى الواقعية والظاهرية.
أفرأيت أنه يمكن أن يقال إن الاستصحاب ـ مثلاً ـ من ((الدين)) لو اعتبرناه كاشفاً، وليس هو من الدين لو اعتبرناه أصلاً مثلاً؟ وكذا الحال في وجوب الاحتياط في الأجزاء لدى الشك في العنوان والمحصل[24]؟ ، وكذا قوله عليه السلام : ((فللعوام أن يقلدوه))، فإن من البيّن أن إجراء أصل البراءة في أطراف العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة أو في التدريجيات على رأي  -  أو عدم إجرائها في أطرافه في المحصورة وفيما خرج عن مورد الابتلاء لاحقاً  على رأي -   هو مما على العوام أن يقلدوا فيه[25].


---------------

* هذه المباحث الاصولية تجميع لما طرحه سماحة السيد في مختلف كتبه وبحوثه، قام باعدادها وجمعها و ترتيبها مشكوراً فضيلة الشيخ عطاء شاهين وفقه الله تعالى
[1] الأوامر المولوية والارشادية: ص 232.
[2] قيل: ومطلق الكتابة.
[3] إذ قد يقال بعدم شمول (بلسان قومه) للحجج؛ إذ لا يطلق عليها (لسان قومه) فهل كون الشهرة أو الإجماع حجة أو عدمها أو القياس لا حجة أو خبر الثقة حجة من مصاديق (لسان قومه)؟ بل المراد من (لسان قومه) أنه يستخدم نفس ألفاظهم في نفس معانيها، فتأمل.
[4] لو لم يتم الاستدلال بالآية ونظائرها.
[5] فالحال في المقام ـ على هذا الاحتمال الثاني ـ كالحال في الظواهر التي يجب الفحص للعلم بوجود مخصصات ومقيدات إجمالاً (فينتفي الوثوق النوعي بها قبل الفحص) لا لصرف الاحتمال البدوي من غير توقف على اجتماع شروط العلم الإجمالي المنجّز حتى يكتفى في دفعه بـ(بلسان قومه) وفيه: إن مقتضى لسان القوم في الظواهر هو عدم الاعتماد عليها إلا بعد الفحص حتى مع عدم وجود العلم الإجمالي، ويقال بمثله في المقام، وهنا تأملات، منها: إن الفحص المحتاج إليه في أمثال المقام هو أكثر من المحتاج إليه في ظواهر العرف وحججهم؛ لكثرة اعتماد الشارع على المنفصلات، وعلى تفكيك الإرادة الجدية عن الاستعمالية.
[6] تقليد الأعلم: ص 244.
[7] فقه الشورى: ص 264.
[8] الفقه : ج1ص 121.
[9] انظر: الكافي 7: 299، ح 6، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ما تقول في رجل قطع أصبعاً من أصابع المرأة كم فيها؟ قال: عشر من الإبل، قلت: قطع اثنين؟ قال: عشرون، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: ثلاثون، قلت: قطع أربعاً، قال: عشرون، قلت: سبحان الله! يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون، إن هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممن قاله، ونقول الذي جاء به شيطان، فقال: مهلاً يا أبان، هكذا حكم رسول الله | إن المرأة تقابل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف. يا أبان، إنك أخذتني بالقياس، والسنة إذا قيست محق الدين.
[10] كما لو كثرت السرقات أو كثر اللحم الحرام في سوق المسلمين فإنه عرفاً لا أمارية لليد أو السوق عندئذٍ على كونه مملوكاً أو حلالاً لكن الشارع اعتبرها أمارة، فتأمل؛ إذ قد يفصل بين مراتب ذلك، كما أوضحناه في بعض الأبحاث، وعلى أيٍّ ففتوى الكثيرين مطلقةٌ.
[11] تقليد الأعلم : ص188.
[12] بيان الفقه : ج 2ص 27.
[13] والمقصود: حسب ما تدل عليه أدلته وظواهر ألفاظه.
[14] تقليد الأعلم : 195.
[15] مما يؤكد أن الملاك عندهم على القرب والبعد.
[16] الكافي : ج1ص57
[17] فقه الشورى : ص256.
[18] الفقه: الاجتهاد والتقليد، ص66.
[19] مهذب الأحكام: ج1، ص24.
[20] فقه الشورى : ص 261.
[21] الأخص مما هو المبحوث عنه في علم الأصول، ومما يحتاجه المكلف، من معرفة الحكم والوظيفة معاً.
[22] إلا لتحديد الرتبة، ومعرفة الحاكم من المحكوم والوارد من المورود عليه، وشبه ذلك.
[23] سورة التوبة: 122.
[24] ومنه الطهارات الثلاث، على ما ذهب إليه الشيخ من كون (التطهر) و(المحصل) هو المأمور به لقوله تعالى: (وإن كنتم جنباً فاطهروا) وغير ذلك.
[25] الحجة معانيها ومصاديقها: ص 220.

 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 28 جمادى الأولى 1439هـ  ||  القرّاء : 1867



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net