||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  


  




 كتاب قولوا للناس حسناً ولا تسبّوا

 171- العزة دِينامو الحضارات تجليات (العزة) فقهياً ، قانونياً وأخلاقياً

 233- مباحث الاصول: (مقدمة الواجب) (5)

 125- مسؤوليات الدولة وفقه المسائل المستحدثة

 12- بحث رجالي: حجية توثيقات المتقدمين والمتأخرين

 249- مقاصد الشريعة في باب التزاحم: نظام العقوبات او المثوبات وحقوق السجين في الاسلام

 كتاب لماذا لا تستجاب أدعية بعض الناس؟

 Reviewing Hermeneutic – Relativity of Truth, Knowledge & Texts – Part 4

 101- بحث كلامي اصولي: المعاني العشرة للحسن والقبح

 فقه الرؤى



 هل المطلوب إعادة هيكلة للنظام العالمي؟

 سيرة الإسلام في سيرة رسول الله (ص) في الرحمة والاخلاق

 برمجة العراق ثقافياً

 كيف نقفز من الانحطاط الى الارتقاء؟

 شباب العراق: من الهدر الى الاستثمار



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 183- مباحث الاصول (مبحث الاطلاق) (1)

 351- الفوائد الاصولية: بحث الترتب (2)

 النهضة الحسينية رسالة إصلاح متجددة

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 قسوة القلب

 236- احياء أمر الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)

 161- مفردات ومصاديق مبادئ الاستنباط (8): علم الاديان الفقهي والاصولي المقارن

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة



  • الأقسام : 73

  • المواضيع : 3749

  • التصفحات : 10250804

  • التاريخ : 2/06/2020 - 00:28

 
 
  • القسم : دروس في التفسير والتدبر ( النجف الاشرف ) .

        • الموضوع : 316- (خلق لكم ما في الأرض جميعاً) 4 كيف يقضي قانون (الارض للناس) على البطالة والفقر والتضخم .

316- (خلق لكم ما في الأرض جميعاً) 4 كيف يقضي قانون (الارض للناس) على البطالة والفقر والتضخم
الاربعاء 14 ربيع الاخر 1441هـ





 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

(4)

القضاء على البطالة والفقر والتضخم عبر قانون (الأرض للناس)

قال الله العظيم في كتابه الكريم: (هُوَ الَّذي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَميعاً)([1]) وقال جل اسمه: (وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ)([2]).

 

 

سيدور البحث حول بعض البصائر القرآنية في الآيتين الكريمتين أولاً ثم حول تأثير العمل بقانون ((الْأَرْضَ لِلَّهِ وَلِمَنْ عَمَرَهَا)) في القضاء على البطالة بدرجة كبيرة وبشكل متموج متصاعد، ثانياً.

 

بصيرة قرآنية: (لَكُمْ) انحلالية ولا تفيد التساوي

البصيرة الأولى: إنّ بعض المتأثرين بالشيوعية حاولوا التوفيق بينها وبين المبادئ الإسلامية وذلك عبر محاولة استخراج بعض أسس النظرية الشيوعية من القرآن الكريم وقد استند بعضهم إلى قوله تعالى: (وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ) في تأكيد مبدأ المساواة المطلقة بين أبناء البشر في الثروات الطبيعية، وسنضيف إلى كلامه وجهاً آخر ثم نجيب على كليهما.

أ- فقد يقال: إنّ قوله تعالى (خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ) يستفاد منه ان (ما في الأرض من الثروات) هو ملك للناس كافة أي ان ثروات الأرض هي ملك للمجتمع كله، لا لهذا الفرد وذاك الفرد وللفرد الثالث وهكذا.. فليست الثروات ملكاً لهذا الرأسمالي وذاك وذياك وليست الأراضي ملكاً للإقطاعي ولا لهذا الرجل وذاك وذياك، بل هي ملك لمجموع المجتمع إذ قال تعالى: (وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ) أي لمجموعهم لا لجميعهم.

ب – وقد قال بعضهم: إنّ قوله تعالى (خَلَقَ لَكُمْ) و(وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ) تفيد توزيعها بالتساوي بينهم، فلا يجوز ان يأخذ رب العمل وأصحاب رؤوس الأموال أكثر مما يأخذه العامل بل الكل متساوون في ثروات الطبيعة، ولذلك صرحوا بقاعدتين 1- (لكل بحسب جهده) أي حسب جهده البدني لا بحسب فكره وعلمه وتخطيطه وإدارته 2- و(لكل حسب حاجته) ولا يجوز التفاضل بين الأفراد إلا بقدر الجهد المبذول، واما ان يأخذ الرأسمالي بعض الأرباح لمجرد انه أعطى رأسمال المصنع أو المعمل أو المتجر أو المزرعة فذلك ظلم للعامل الذي ولّد الإنتاج وصنع الأرباح بعرق جبينه وكد يمينه.

 

ثروات الأرض للجميع لا للمجموع

ولكن كلا الأمرين باطل، فان ظاهر (لَكُمْ) انها انحلالية، لا مجموعية، أي لكل واحد واحد منكم ما في الأرض، أي خلق ما في الأرض لنفعكم أي لنفع كل واحد واحد منكم، لا ان المراد لنفع مجموعكم بشرطِ لا عن الآحاد وبمعنى انه تعالى خلق ما في الأرض لنفع المجتمع بشرط اجتماع كل أفراده فإذا انفردوا لم يكن لهم من الأرض ومما فيها شيء.

وذلك هو ما تفهمه كافة الأعراف من كل اللغات في ضمير (لَكُمْ) وشتى التصريفات المشابهة له([3]) ألا ترى انك لو سألك سائل عن السيارات الواقفة في المرآب لمن هي؟ فقلت ان هذه السيارات هي لتجار المنطقة أو هي لأهل المحلة الفلانية، كان معنى ذلك انحلالياً لا مجموعياً؟ أي كان معناه ان كل سيارة أو سيارتين – مثلاً – هي ملك لأحد التجار أو لأحد أهالي تلك المنطقة ولم يكن معناها ان السيارات هذه ملك لمجموع التجار أي للهيئة الاجتماعية لهم أي للمجموع بما هو مجموع وليست ملكاً لآحادهم؟ وكذلك لو قلت هذه الدكاكين في هذه الأسواق هي ملك للأطباء أو المهندسين كان المعنى انحلالياً أي أحدها ملك لأحدهم والآخر ملك للآخر وهكذا.

 

وهي للكل ولكن بحسب التفاضل بالعمل والكفاءة وغيرهما

وظهر بذلك انها لا تدل على التساوي أصلاً فان تلك الجمل السابقة لا تدل على ان لزيد سيارة واحدة فقط ولعمرو سيارة واحدة فقط ولبكر سيارة واحدة فقط، إذ قد تكون لأحدهم سيارة وللآخر سيارتان وللثالث ثلاث سيارات، والحاصل ان (لَكُمْ) و(لِلْأَنامِ) منحلة إلى الأفراد أولاً ولا تدل على حدود النسبة وكميةِ ما لكلِ فرد بل يجب ان يُعلم ذلك من دليل خارج ثانياً.

قال السيد الوالد في الفقه: (وكيف كان، فهم يستدلون بقوله سبحانه: (وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ) حيث يدل على التساوي فيها، والتساوي في المال هو مقتضى الشيوعية)([4]) وأجاب عنه: (أما استدلالهم بالآيات، فيرد على دليلهم الأول: أي استدلالهم بآية: (وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ) بأن الآية، إنما تدل على ان الأرض بذخائرها وضعت للبشر، في الجملة. أما كيفية الوضع وخصوصياته، فالآية ساكتة عنها، فهي كما إذا قيل: أموال الدولة للموظفين، فانه لا يدل على أكثر من هذا الإجمال، أما كيفية التوزيع وما أشبه، فاللازم فهمه من دليل آخر، ولو أخذ بإطلاق الآية كان اللازم أن يجوز ان يتصرف كل أحد، حتى فيما خصص للآخر من المعاش المقرر بالبطاقة وهذا ما لا يقوله الشيوعي أيضاً)([5]).

 

شواهد على انحلالية (كل)

ويدلك على ان أمثال (لَكُمْ) و(لِلْأَنامِ) وللناس وأشباهها انحلالية للأفراد كما انها ليست للتساوي، شتى الأمثلة العربية والقرآنية والعرفية فمثلاً قوله تعالى: (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ)([6]) فانه انحلالي أي لكل نبأٍ نبأٍ مستقر ومآل يصل إليه فيستقر فيه([7]) لا ان المقصود ان مجموع الأنباء مستقر واحد، فهذا من جهة ومن جهة أخرى فان كل نبأ بحسب حجمه وخصوصياته له مستقر يناسب حجمه وخصوصياته، وليست مستقرات الأنباء متساوية، فمثلاً مستقر المؤمن الجنة([8]) ومستقر الكافر المعاند النار ولكن لذلك درجات ومراتب وأنواع، ومثلاً مستقر الريشة الطائرة مختلف تماماً عن مستقر الجبل فان مستقرها وقرارها خفيف سهل الإزاحة عكس مستقر الجبل والشلمان وغير ذلك.

وكذلك قوله تعالى: (كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ)([9]) فانه انحلالي أولاً كما ان  أعمال الأمم غير متساوية كمّاً ولا كيفاً كما هو واضح ثانياً.

وكذلك قوله أمير المؤمنين عليه السلام: ((لِكُلِّ امْرِئٍ فِي مَالِهِ شَرِيكَانِ الْوَارِثُ وَالْحَوَادِث‏))([10]) فان المراد كل شخص شخص، لا مجموع الأشخاص من حيث المجموع، كما ان الوارث يرث لا بالتساوي كما هو معلوم فان الزوجة مثلاً ترث تارة ربعاً وأخرى ثمناً والزوج يرث نصفاً حيناً وربعاً حيناً آخر والأب والأم يرثان سدساً أو ثلثاً وهكذا، وكذلك الحوادث فان ما تناله من أموال الناس مختلف بشكل عجيب فقد تصدمه سيارة فتكسر عظامه فيحتاج إلى إنفاق عشرة ملايين دينار أو أكثر أو أقل، وقد تجرحه جرحاً بسيطاً لا يكلف إلا ثمن علاج بسيط، وقد يسرق منه شخص ألفاً أو مائة ألف أو مليوناً أو مائة مليون، فالحوادث شريكة لكل شخص شخص في ماله لكن لا بالتساوي.

ومنه ظهر ان المراد من (خَلَقَ لَكُمْ) هو: خلق لكل واحد واحد منكم، لا للمجتمع كمجموع مع مدخلية الهيئة الاجتماعية بنحوِ بشرط شيء، كما انه ليس بالتساوي بل ان فعلية التملك هي على حسب الجهد الفكري أو العلمي أو البدني المبذول بل على حسب ثمانية أمور فصّلنا الكلام عنها في محل آخر.

 

الشيوعية جمعت الدكتاتورية والرأسمالية المطلقة

ومن الجدير الإلفات إلى ان الشيوعي كاذب في دعواه ان الثروات كلها للمجتمع كمجموع؛ فانه، في جوهره وبحسب مآله، يجعل الأموال كلها بحوزة الحكومة وتحت سلطنتها فقط.. توضيحه: انهم يقولون: ليس من العدل ان تكون هذه القطعة من الأرض لزيد حتى وإن حازها وعمّرها، وتلك الأخرى لعمرو حتى لو اشتراها، والثالثة لبكر حتى وإن ورثها وهكذا.. بل الأراضي والثروات كلها للمجتمع كله، وحيث ان المجتمع كمجموع ليس موجوداً متجسداً ليأخذ ويعطي ويتصرف لذلك فان (الحكومة) باعتبارها التي تمثل المجتمع تكون هي القائمة على كامل الأرض وكافة ثرواتها فتكون تحت سلطنتها جميعاً ثم انها هي التي تعطي كل فرد فرد من أفراد الشعب حسب حاجته وحسب جهده البدني.. ولا غير.

وبقليل من التفكير وبتصفحٍ بسيط للتاريخ نجد ان الحكومة الشيوعية جمعت إلى جوار الدكتاتورية، الرأسماليةَ، فصارت هي الرأسمالي الأكبر والأوحد في البلد كله كما انها هي الدكتاتور الأوحد؛ ذلك ان دكتاتورية البروليتاريا مجرد عنوان مخادع لأن الطبقة الكادحة لا تستلم السلطة بل إنما يستلمها الحزب الشيوعي الذي يدعي تمثيل الطبقة الكادحة.. كما ان الأموال والثروات والأراضي كلها ستكون بيد الحزب الشيوعي، بل السلطة والثروات تكون في الواقع بيد قادته فقط، فتكون الشيوعية اسوأ من الرأسمالية جداً لوجهين:

الأول: لأن الرأسمالية توزع الثروات بين الألوف بل مئات الألوف (وأكثر) من صغار الرأسماليين وكبارهم، أما الشيوعية فتلغي ذلك كله لتكون كل الأراضي وكافة الثروات بيد الرأسمالي الأوحد والأكبر وهو الحكومة بل قادة الحزب الشيوعي ولا غير.

الثاني: لأن الشيوعية تؤمن بـ، وتمارس، الدكتاتورية المطلقة كما سبق. هذا

 

المضاعف الاقتصادي لـ(الأرض للناس) وأثره على البطالة الدورية

وقد سبق الكلام عن ان قانون ((الْأَرْضَ لِلَّهِ وَلِمَنْ عَمَرَهَا))([11]) يمتلك دوراً كبيراً جداً في القضاء، إلى درجة كبيرة، على البطالة والتضخم والفقر، وقد أشرنا إلى قانون (المضاعف الاقتصادي) كشاهد صدق على التموجات الإيجابية المذهلة لقانون (الأرض للناس) الإيجابية على تشغيل العاطلين، وانه بحسب قانون (المضاعف) فان تشغيل ألف عاطل عن العمل لا يعني تشغيل ألف عاطل فقط بل قد يعني تشغيل عشرة آلاف أو أقل أو أكثر حتى انه قد يعني تشغيل خمسين ألف عاطل مثلاً، وقد أوضحنا ذلك بنحوين فراجع.

ونزيد الأمر إيضاحاً بالمثال الفرضي المبسط الآتي: فلنفرض ان في (النجف الأشرف) توجد ألف مزرعة يعمل فيها ألف عامل، وألف متجر لبيع الكهربائيات يعمل فيها ألف عامل أيضاً، وألف محل لبيع الأثاث المنزلي يعمل فيها ألف موظف، وألف مكتبة وألف وألف... وكان في كل محل عامل واحد نظراً لوفائه بطلبات العملاء، وذلك كله في ظل قانون سلطة الحكومة على الأراضي الاميرية وغيرها ومنعِها الناس من بناء الدور والمحلات والمتاجر على الأراضي الـمَوات ومن تشييد المعامل والمصانع والمزارع والمراعي والاصطبلات لتربية الخيل وغيرها، إلا بألف قيد وشرط، ومع روتين شديد وبيروقراطية، ورسوم و... مما أنتج بقاء أكثر الأراضي المحيطة بالنجف مواتاً، ولكن الحكومة إذا رفعت يدها عن الأراضي كاملاً وطبّقت قانون الأرض لمن عمرها، فان الناس سيهبّون لحيازة الأراضي وإعمارها: فبين من يبني على قطعة أرض داراً ومن يشيّد عليها مصنعاً أو معملاً ومن يحدث قناة أو يشق نهراً أو يؤسس مزرعة وغير ذلك.. ولغرض تبسيط الأمر وإيضاحه نقتصر على صورة واحدة فقط وهي انه لنفرض ان أصحاب المزارع الألف حيث وجدوا الحرية في حيازة الأراضي حازوا الأراضي المجاورة لهم أو غيرها، أو لنفرض ان ألف شخص آخر بنوا ألف مزرعة جديدة أعطت كل واحدة منها فرصة عمل جديدة لعامل واحد، فهذا يعني ان ألف عاطل عن العمل وفرت له فرصة العمل، ولكن اللطيف والمذهل ان عمل هؤلاء سيوفّر أولوف الأعمال الأخرى لألوف العمال الآخرين، والسبب في ذلك هو ان الألف عاطل عندما أسسوا ألف مزرعة أو أُستخدموا في الألف مزرعة السابقة التي توسعت، فانهم سيحصلون على راتب شهري أو مردود مالي من المحاصيل يمكنهم من شراء ما يحتاجونه، وبذلك يزداد الطلب على الأجهزة المنزلية بمقدار الضعف، كمعدل مثلاً، إذ كان يشتري سابقاً ألف مزارع الأدوات الكهربائية التي يحتاجونها والآن سيكون المشترون ألفين، وبذلك تنشط حركة بيع الأجهزة الكهربائية وسيجد مدير كل محل من المحلات الألف الدافع الكافي نحو استخدام عامل مساعد يعينه على إدارة المتجر وتلبية الطلبات المستجدة وقد يستخدم أحدهم عاملين ولا يستخدم الآخر عاملاً نظراً لاختلاف موقع المحلين الجغرافي وزيادة الطلب من هذا دون ذاك، وهكذا اجترت الألف وظيفة الأولى ألف وظيفة ثانية (مثلاً) ثم ان الألف مزارع الجديد مع الألف موظف الجديد في متاجر الكهربائيات حيث يحصلون على راتب شهري فانهم سيشترون أيضاً من محلات بيع الأثاث المنزلي أثاثاً بقدر ضعفين عما كان يشتريه الألف مزارع الأول، وتستمر السلسلة؛ فانه عندما يكثر الطلب على هؤلاء (محلات بيع الأثاث المنزلي) فانهم سيستخدمون مساعداً، وهكذا نجد ان محلات الأثاث ستجد الحافز على توظيف عمال جدد لديهم وقد يكونون ألفاً مثلاً، ثم ان هؤلاء الموظفين الجدد حيث يحصلون على راتب شهري فانهم يشترون من المكتبات ومن محلات بيع الأجهزة الكهربائية ومن الخياطين و... و... حاجاتهم المختلفة.. وهكذا تتوسع التموجات وتتشابك وتتحرك في اتجاهات متعددة شتى ذاهبة وجائية وصاعدة وهابطة، وقد تنتج حركة تشغيل ألف عامل مائة ألف فرصة عمل جديدة اما كاملة أو جزئية، متوزعة طولياً على مختلف أبعاد الحياة والاقتصاد.

ومن الواضح ان ما ذكرناه كان لتبسيط المثال وذلك لأن الصورة أعقد وأعمق وأكثر كسوراً من هذه الصورة المبسطة؛ إذ ان تشغيل ألف عامل وحصولهم على رواتب في نهاية الشهر قد يتموج على محلات بيع الأثاث المنزلي فيدفعهم إلى توظيف مائة عامل (لا ألف عامل) وقد يحفز محلات بيع الأجهزة الكهربائية إلى استخدام خمسمائة عامل وقد يضطر باعة الأسمدة والبذور والأخشاب وغيرها إلى استئجار ألفي عامل وهكذا في شتى أبعادها المتشابكة.

 

القاعدة العامة في مضاعف تشغيل العاطلين

والقاعدة العامة هي: ان المردود الشهري (من بضائع وخدمات وأموال) للمزرعة أو للمصنع أو المعمل أو المتجر، يؤثر في كميّة (المضاعف) ودرجاته وحدود تموجاته وتزايده أو تناقصه وبالتالي في حجم وحدود توفيره لفرص العمل المتتالية، وذلك بحسب مجموع العوامل التالية:

1- درجة خصوبة الأرض ومدى إنتاجيتها، ومدى مهارة المزارعين، ومدى تطور الأجهزة والتكنولوجيا المستعملة فيها، وبالتالي كمية السيولة التي يحصلون عليها وحدود قدرتهم الشرائية حينها.

2- مدى غلاء أو رخص سائر البضائع التي قد يشتريها أولئك العمال والمزارعون (الذين أصبحوا شاغلين بعد ان كانوا عاطلين).

3- النسبة المئوية من المردود الشهري أو السنوي، التي يدخرها أولئك العمال أو المزارعون بالنسبة إلى الكمية التي ينفقونها ويستهلكونها وبالنسبة للتي قد يستثمرونها، فان الكمية التي تُدَّخَر تتجمد ولا تؤثر في تنشيط حركة البيع والشراء ولا تولّد فرص عمل للآخرين، عكس الكميات التي تُستثمر أو التي تُنفق للاستهلاك.

 

معادلة (المضاعف) في المجتمع

ومعادلة المضاعف معادلة عامة نافعة في مختلف شؤون الحياة وليست تطبيقاتها اقتصادية فحسب بل انها تنطبق على كافة الأبعاد الاجتماعية والسياسية وغيرها، ولنمثل لذلك بمثال له فائدة ذاتية أيضاً:

فانه لو فرضنا أنكم، الحاضرون في هذه القاعة، مائة طالب فقرر كل منكم ان يتواصل لسنة كاملة مع عشرة شباب وان يحافظ على إيمانهم ويبعث فيهم روح النشاط لهداية الآخرين أيضاً، فلو قررتم ذلك ومضيتم بعزم وجزم ونجحتم في مسعاكم فسنجد آخر السنة انكم كسبتم ألف شاب، وفي بدأ السنة الثانية لو قرر الألف شاب ان يكسب كل منهم خلال هذه السنة عشرة شباب، كان معنى ذلك ان الألف تحولوا في نهاية السنة الثانية إلى عشرة آلاف! ولو قرر كل من العشرة آلاف ان يكسب عشرة شباب كان معنى ذلك في نهاية السنة الثالثة: مائة ألف شاب اضيفوا إلى قائمة الشباب الرساليين (ولو ضممنا في بداية السنة الثانية المائة الأولى للألف الأولى، وهكذا، لكان العدد أكبر).

وفي مثال آخر أبسط لو قرر كل من المائة كسب طالبين للحوزة نهاية السنة، صار عددكم ثلاثمائة، ولو قرر كل الثلاثمائة كسب اثنين صار عددهم نهاية السنة الثانية تسعمائة، ولو قرر كل منهم كسب اثنين صار عددهم نهاية السنة الثالثة ألف وثمانمائة وهكذا.

وهكذا تجدون (فكرة المضاعف) فكرة فطرية بديهية عامة في كافة مناحي الحياة! ومن الطبيعي بعد ذلك ان تنطبق على المسائل الاقتصادية!

وبذلك كله يتضح ان قانون (الأرض للناس) يحل إلى درجة مذهلة، مشكلة البطالة، بدرجة كبيرة، وذلك بأنواعها الأربعة:

 

أنواع البطالة: الاحتكاكية، الدورية، الهيكلية والمؤسسية

البطالة الاحتكاكية (Frictional Unemployment).

والبطالة الدورية (Cyclical Unemployment).

والبطالة الهيكلية (Frictional Unemployment).

والبطالة المؤسسية (Institutional Unemployment).

ومعنى البطالة الاحتكاكية: البطالة المؤقتة الناجمة عن انتقال مهندس أو طبيب من بلدة إلى أخرى، أو انتقال عامل من شركة إلى أخرى، مع فرض وجود فرص عمل كافية، فان فترة الانتقال تستغرق وقتاً فقد يكون أسبوعاً أو شهراً أو أقل أو أكثر حيث يكون فيها هذا الشخص عاطلاً عن العمل مؤقتاً.. وهذا النوع هو أبسط أنواع البطالة.

ومعنى البطالة الدورية: ان الاقتصاد في كل بلد وفي العالم كله يتحرك بشكل دائري، وذلك في حركة صعود وهبوط ونمو وركود كل ثمان أو عشر سنوات وقد يقل عن ذلك أو يزيد نادراً، فتزداد الأعمال والوظائف بالملايين أو الأقل أو الأكثر حسب عدد القوى العاملة في ذلك البلد وحسب وضع اقتصاده - وهكذا يزدهر الاقتصاد لسنوات في حركة متصاعدة ثم يبدأ بالهبوط تدريجياً فتضطر المصانع والمعامل والشركات و... إلى تسريح الملايين من العمال أو الأقل أو الأكثر وهكذا..

والغريب ان العلم الاقتصادي الحديث عاجز تماماً عن حل مشكلة البطالة الدورية، وغاية جهده تخفيف الدورات الاقتصادية عبر إتباع "السياسة النقدية" (الكينزية) توسعية أو إنكماشية في ضخ المزيد من النقود وعبر الإقراض بفائدة منخفضة أو تقليلها ورفع سعر الفائدة، أو عبر إتباع "السياسة المالية" في زيادة الإنفاق أو تقليصه وفي زيادة الضرائب أو تقليلها وغير ذلك، وهم مجمعون على العجز عن السيطرة عليه تماماً.

مع ان قانون (الارض للناس) وأخواته من القوانين الفطرية، كفيل بالقضاء على مشكلة البطالة الدورية من الجذور كما سيظهر في البحث القادم.

كما ان الغريب ان علماء الاقتصاد أجمعوا على عجز الاقتصاد عن إيصال البطالة إلى الصفر ولذا فان غاية بهجتهم وانتصارهم التكيّف – كما سبق – مع نسبة بطالة منخفضة كـ3% والغريب انهم يقولون بان أي مسعى لخفض البطالة أكثر فانه ينتج العكس نتيجة دخول البلاد في مرحلة (الاقتصاد المحموم) وسيأتي إيضاح ذلك وتوضيح انه كيف ان (الأرض لله) وأخواتها توصل البطالة إلى الصفر دون الابتلاء بمشكلة الاقتصاد المحموم. كما سيأتي الكلام عن البطالة المؤسسية والهيكلية أيضاً.

 

172 مليون عاطل عن العمل!

ومن الجدير الإشارة إلى إحصاء ذكرته الأمم المتحدة عن عدد العاطلين عن العمل في العالم فقد (قدّر تقرير، أصدرته الأربعاء، منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة عدد العاطلين عن العمل في العالم في 2018 بـ172 مليون شخص، أي ما نسبته 5 بالمئة (مقارنة بـ5.1 بالمئة في 2017)، ما يعني أن معدّل البطالة قد عاد إلى مستوى ما قبل الأزمة المالية في 2008).

ورقم 172 مليون مذهل حقاً لأن العاطلين عن العمل هم عادة خريجوا الجامعات أو أرباب العوائل أو الشباب الذين يريدون الزواج، وإن لم يكونوا خريجين، لكنهم لا يمكنهم ذلك لمجرد انهم عاطلون عن العمل!

ان 172 مليون لا تعني أطفالاً رضعاً أو بعمر عشر سنين مثلاً كي يعكس الرقم ذاته تماماً بل يعني أيادي عاملة كان من المفروض ان تعيل أسرها وعجزت عن ذلك، أو كان من المقرر ان تعيل أسراً وعوائل فعجزت، وهذا يعني ان 172 مليون عاطل تؤثر بطالتهم سلبياً على مئات الملايين من الآخرين (من عوائلهم، أو ممن كان من المفترض ان يكونوا عوائلهم)

 

مدى ضرورة بحث البطالة والتضخم، للعلماء والأطباء والمحامين..

ولعل سائلاً يسأل عن مدى أهمية بحث أمثال هذه القضايا لرجال الدين أو للأطباء والمحامين أو عامة الناس، فانها بحوث لا تهم إلا الاقتصاديين فانهم المتخصصون؟ فما هي فائدة بحث ان البطالة اما احتكاكية أو دورية أو هيكلية أو مؤسسية مثلاً؟ وما هي فائدة البحث عن المضاعف الاقتصادي للأرض للناس لا للحكومات؟ وكذلك سائر الأبحاث؟

والجواب من وجوه:

 

1- انها من رسالات الله تعالى

الوجه الأول: ان الكلام عن قانون ((الْأَرْضَ لِلَّهِ وَلِمَنْ عَمَرَهَا)) إنما هو كلام عن رسالة من رسالات الله وعن حكم من أحكامه وقد قال تعالى (الَّذينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّه)([12]) وقال: (مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)([13]) و(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)([14]) وقال (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)([15]) وإبلاغ رسالات الله تعالى واجب، وليس هذا الواجب خاصاً برجال الدين بل يشمل الأطباء والمهندسين والمحامين والكتاب والصحفيين وغيرهم بنحو الوجوب الكفائي، وكما يجب تعلّم مسائل الطهارة والنجاسة والصلاة والصوم والزكاة لأنها أحكام إلهية ويجب تعليمها لأنها إنذار ورسالات، كذلك يجب تعلم وتعليم (الآيات الحيوية في القرآن الحكيم) والتي تتضمن أحكاماً ترتبط بالمجتمع كافة وليس بآحاد أشخاصهم فقط.

 

2- الإسلام دين ودنيا

الوجه الثاني: ان الإسلام دين ودنيا، واننا إذا لم نعتنِ بحلّ مشاكل البطالة والفقر والتضخم والمرض والجهل و...، على ضوء آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة وسيرة المعصومين عليهم السلام لخرج الناس من دين الله أفواجاً؛ كيف لا وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام ((كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْراً))([16]) و((الْفَقْرُ هُوَ الْمَوْتُ الْأَكْبَرُ))([17]) و((الْفَقْرُ سَوَادُ الْوَجْهِ فِي الدَّارَيْنِ))([18]) بل نجد ان رب العزة والجلالة يقول (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ * الَّذي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)([19]) فان الله تعالى، على عظمته، يأمر الناس بعبادته ويحرّضهم على ذلك أو يحتجّ عليهم بانه الذي أطعمهم من جوع، وهي حاجة جسدية، وآمنهم من خوف، وهي حاجة نفسية، فقد قضى سبحانه وتعالى للناس كلتا الحاجتين فكيف لا يعبدوه مع ان شكر الـمُنعِم واجب؟ والـمُنعِم بقول مطلق تجب عبادته، بل ذلك دليل على انه الإله فان أول سلسلة الإطعام والأمن تعود إليه لأن كل ما بالعرض لا بد ان ينتهي إلى ما بالذات.

ويشهد لذلك موجات من الارتداد عن الدين أو من ضعف الإيمان وتزعزع اليقين أو الابتعاد عن العلماء ورجال الدين، التي عمّت وشملت الكثير من شبابنا حيث رأونا غير مهتمين بشؤونهم مهملين لأمرهم منشغلين بشأنٍ غير شأنهم، بل حيث ان الإنسان عبد الإحسان فان كثيراً منهم أسلسَ قياده للأحزاب والفئات الضالة التي وفّرت لهم لقمة العيش أو فرصة العمل أو ما أشبه ذلك.

وما ثورة الجياع في الوطن العربي بل في أرجاء كثيرة من العالم إلا من نتائج البطالة والفقر والتضخم، وحيثما كان الحكم بيد الإسلاميين توجهت التُّهم إليهم أولاً، بانهم السبب في تلك المآسي كلها! وإلى الإسلام ثانياً مع ان الإسلام براء من ذلك، والسبب في ذلك كله ان رجل الدين لا يتكلم عن أمثال قانون ((الْأَرْضَ لِلَّهِ وَلِمَنْ عَمَرَهَا)) وعن سائر ما يتكفل بحلّ مشاكل البطالة والفقر والتضخم، ولا الطبيب يتكلم ولا الصحفي ولا السياسي ولا التاجر ولا.. ولا.. ولا.. فمن الطبيعي بعد أن سكت الجميع، أن تنطق الحكومات والاقتصاديون الذين تتلمذوا لدى الشرق أو الغرب فيقولوا: (الأرض للحكومات)! مما ينجم عن ذلك الفساد الاقتصادي المذهل الذي نشاهده في شتى دولنا من فقر وبطالة وتضخم وغير ذلك؟

وقانون ((الْأَرْضَ لِلَّهِ وَلِمَنْ عَمَرَهَا)) وأخواته تحل تلك المشاكل كلها... وتصوروا أية دعوة إلى الدين كان سيشكله ذلك أي لو نظّرنا لـ((الْأَرْضَ لِلَّهِ وَلِمَنْ عَمَرَهَا)) ثم طبقناها على أرض الواقع فوفّرنا فرص العمل الكريم للملايين من العاطلين!

 

3-4 للعمل أجرٌ ولقضاء الحوائج أجرٌ

الوجه الثالث: ان للعمل أجراً وقد ورد ((الْكَادُّ عَلَى عِيَالِهِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))([20]) وللزراعة أجراً وبه وردت روايات كثيرة، فمن يخطط لذلك كله يكون شريكاً في الأجر كله.

الوجه الرابع: الروايات الكثيرة الدالة على حسن أو استحباب أو وجوب قضاء حوائج الإخوان، وإذا كان إعطاء الفقير مالاً يكفيه ليوم أو لشهر قضاءً لحاجته فما بالك بما لو وفّرنا له فرصة عمل تكفيه طوال عمره؟

ثم فوق ذلك كله ماذا لو وضعنا المنهج الاقتصادي الصحيح الذي يحل مشكلة الفقر والبطالة والتضخم لا لشخص وعشرة وألف، بل للملايين من الناس؟

 

مقارنة بين مزارع البصرة الآن وما قبل ألف سنة

وفي الخاتمة من الضروري، للمقارنة، ان نرجع إلى التاريخ فنتصفح بعض أوراقه ونقارن بين زمن طُبق فيه قانون الأرض للناس وزمن لم يطبق.

ولنكمل مثال البصرة السابق: فقد سبق انه كان بها 120 ألف نهر.. ونضيف: إنّ البصرة بمزارعها المتصلة كانت قبل ألف وثلاثمائة سنة أكبر بكثير جداً من البصرة الحالية، وكانت مزارع البصرة متصلة لمسافة تقارب الـ240 كيلومتراً طولاً و120 كيلومتراً عرضاً.. وهذا يعني انها أوسع من البصرة الحالية بما لا يقارن!

فقد جاء في التاريخ كما قاله الاصطخري وابن حوقل أيضاً: (ولها نخيل متصلة من عبدسي إلى عبادان نيفا وخمسين فرسخاً متصلة لا يكون الإنسان بمكان منها إلا وهو في نهر ونخيل أو يكون بحيث يراها)([21]) وقال في تاريخ التمدن الإسلامي معلقاً على ذلك (فاعتبر هذه المسافة طولاً في مثل نصفها عرضاً على الأقل أي 150 ميلا في 75 وذلك 11.250 ميلا مربعاً، فيعقل ان يكون في الميل الواحد عشر ترع صغيرة والله أعلم)([22]) علماً بان الميل يساوي 1609 متراً.

 وقال جرجي زيدان: (وقد نقلنا في الجزء الأول من هذا الكتاب ما قاله الاصطخري عن سعة مدينة البصرة وعدد أنهارها على أيام بلال بن أبي بردة (سنة 118هـ) وانها زادت على 120.000 نهر، تجري بها الزوارق، وأن الاصطخري نفسه شك في صحة هذا العدد كما يشك كل من يقرأه، فذهب بنفسه لمشاهدة المكان في القرن الرابع للهجرة فلما عاينه قال: "وقد كنت أنكر ما ذكر من هذه الأنهار في أيام بلال حتى رأيت كثيراً من تلك البقاع، فربما رأيت في مقدار رمية سهم عدداً من الأنهار صغاراً تجري في كلها زوارق صغار، ولكل نهر اسم ينسب إلى صاحبه الذي احتفره أو إلى الناحية التي يصب فيها، فجوزت ان يكون ذلك في طول هذه المسافة وعرضها" وقال نفس هذا القول ابن حوقل في عرض كلامه عن البصرة. ومع ذلك ما زلنا نستكبر هذا العدد حتى رأينا عالماً دقيق الملاحظة أقام في البصرة أعواماً طوالا وخبر أرضها فذكرنا له ذلك فهوّن علينا تصديقه بما بيّنه لنا من سعة البصرة في تلك الأيام وحفر الأنهار، وإمكان اشتباكها بحيث تتحول إلى مجارٍ قصيرة هم يسمون كلا منها نهراً، ويؤيد ذلك انهم لا يريدون بالبصرة المدينة فقط التي ذكرنا ان مساحتها 36 ميلا مربعاً، وإنما يضمون إليها ما يتبعها من المغارس إلى عبادان عند بحر فارس، مع ما كانت عليه من الخصب وكثرة الغرس)([23]).

اما البصرة الآن فهي محدودة جداً ولو فرضنا امتداد مزارعها إلى الفاو من جهة وإلى القرنة من جهة أخرى (وليست متصلة أبداً بل المناطق الجرداء تملأ أوساطها) فان  الفاصلة بين البصرتين (السابقة والحالية) أكبر بكثير جداً([24]).

 

 

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

 

 

-------------------------------------------

([1]) سورة البقرة: آية 29.

([2]) سورة الرحمن: آية 10.

([3]) كـ(لهم) و(لهنّ) و(لنا).

([4]) السيد محمد الحسيني الشيرازي، موسوعة الفقه / الاقتصاد، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر ـ بيروت: ج107/ 1 ص195.

([5]) السيد محمد الحسيني الشيرازي، موسوعة الفقه / الاقتصاد، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر ـ بيروت: ج107/ 1 ص204.

([6]) سورة الأنعام: آية 67.

([7]) أو لكل نبأ مُنبأٌ به يتحقق في وقته، على تفسير آخر.

([8]) أي مآله، أو انه إذا أنبأ به فان له مستقراً ثبوتياً في المستقبل.

([9]) سورة الأنعام: آية 108.

([10]) نهج البلاغة: الحكمة 235.

([11]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج5 ص279.

([12]) سورة الأحزاب: آية 39.

([13]) سورة المائدة: آية 44.

([14]) سورة المائدة: آية 45.

([15]) سورة التوبة: آية 122.

([16]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج2 ص307.

([17]) الخصال: ج2 ص620.

([18]) عوالي اللآلئ: ج1 ص40.

([19]) سورة قريش: آية 3 – 4.

([20]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج5 ص88.

([21])  أبو اسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي الاصطخري، المعروف بالكرخي، المسالك والممالك: ص80.

([22]) جرجي زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي، دار الهلال بتعليقات الدكتور حسين مؤنس: ج2 ص178.

([23]) جرجي زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي، دار الهلال بتعليقات الدكتور حسين مؤنس: ج2 ص177.

([24]) تبعد مدينة الفاو عن مركز المحافظة 100 كيلومتر، وتقع إلى الجنوب الشرقي من البصرة.

    وتبعد مدينة القرنة عن مدينة البصرة 74كم وتقع في الشمال الغربي من البصرة.

 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : الاربعاء 14 ربيع الاخر 1441هـ  ||  القرّاء : 720



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net