455- الجواب الثاني : وجود عمومات دالة على التقليد وليس اطلاقات فقط . 3ـ من ادلة المجوزين : بناء العقلاء وسيرتهم ـ وجوه عدم حاجة السيرة للاتصال بزمن المعصوم ( عليه السلام ) ولا امضائه . 1ـ ما ذكره الميرزا النائيني...
السبت 21 محرم الحرام 1436هـ





بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
التبعيض في التقليد
(26)
موجز ما مضى
سبق ان الدليل الأول على جواز وصحة التبعيض في التقليد هو إطلاقات الأدلة اللفظية، كما سبق الإشكال عليها بانه لم يحرز كونها في مقام البيان والجواب عن ذلك بعدم الحاجة للإحراز بوجوه ثلاثة، وهنا نضيف دليلاً آخر للمجوزين وهو:
الدليل الثاني: عمومات الأدلة اللفظية
فانه حتى لو لم يتم الاستدلال بالإطلاقات لما مضى([1]) فان هنالك عمومات يكتفى بها في مقام الاستدلال، ونشير إلى بعضها فقط إذ فيه الكفاية:
فمنها: قوله ( عليه السلام ) (واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله) فان مرجع الضمير في (فيها) هو الحوادث الواقعة وهي عامة كما ان من أرجع إليهم وهم (رواة حديثنا) عام أيضاً، فيشمل بعموم أفرادي كل حادثة سواءاً أضمّ إليها غيرها في تقليده للفقيه الأول أم رجع فيها إلى الفقيه الثاني.
والحاصل: انه يصدق بالعمل الشائع الصناعي على الذين رجعوا في وقائع عديدة في كل واقعة إلى فقيه من الفقهاء، انهم رجعوا في الحوادث الواقعة لرواة أحاديثهم ( عليهم السلام )، أي انهم مصداق من مصاديق الرواية بعمومها الافرادي للأشخاص والفقهاء والمسائل. فتدبر
وبعبارة أخرى: الظاهر: ان إرجاع عامة الناس لعامة الرواة في عامة الحوادث الواقعة، هو من قبيل الجميع اللابشرطي في الجميع اللابشرطي للجميع اللابشرطي([2]) أي لا بشرط انضمام هذه الحادثة إلى غيرها فله ان يقلد هذا الفقيه في حادثة والفقيه الآخر في حادثة أخرى وله ان يقلد الفقيه الأول في الحادثتين وهكذا.
ويتضح ذلك بملاحظة أمثال قول المولى لأولاده (اطعموا الضيوف) فان ظاهره الجميع اللابشرطي للجميع اللابشرطي لا ان عليهم جميعاً ان يطعموا كل ضيف بان يقدَّموا بأجمعهم الطعام إلى كل ضيف ضيف.
ومنها قوله ( عليه السلام ) (من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه) فان حذف المتعلق([3]) يفيد العموم، فعموم الفقهاء المستفاد من الموصول هم المرجع في عموم المسائل.
ومنها: قوله تعالى (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) فان الظاهر ان (أل) في (الدين) هنا للاستغراق لا للجنس إذ لا يراد ليتفقهوا في طبيعة الدين أو جنسه بل في مسائله؛ إذ المبتلى به عادة هو المسائل لا الطبيعة؛ كما ان ذلك هو ظاهر الانذار والحذر فانهما عن مخالفة احاد الأوامر واقتحام احاد المعاصي لا عن مخالفة الدين كطبيعة وجنس، عكس (الحمد لله رب العالمين) الظاهر في ان طبيعة الحمد وجنسه يليق بالبارى جل اسمه لا احاد الحمد وكافة مصاديقه فان العالم والاب والإمام ( عليه السلام ) يستحق بعضها كما لا يخفى فتأمل
ثم ان (أل) في الآية الكريمة لو كانت للعهد الحضوري أو الذهني، لكان مرجعها الى الاستغراق كما لا يخفى على المتدبر([4])
الدليل الثالث والرابع: بناء العقلاء وسيرتهم
قال السيد العم (واما المطلب الخامس: وهو هل بناء العقلاء على التخيير في المتساويين من أهل الخبرة، وكذا السيرة أم لا؟
فإن شكّ أو قيل: لا، فلا كلام، وإن قيل: نعم – وقد ذهب إليه كما تقدّم في بعض المباحث السابقة جمع ومنهم في المهذّب – فالظاهر حجيته لأنه من طرق الاطاعة والمعصية ولا حاجة إلى الشرطين:
1- إحراز الاتصال لعصر المعصوم ( عليه السلام ).
2- وإمضائه ( عليه السلام ))([5])
أقول: ههنا عناوين ثلاثة: بناء العقلاء، سيرة العقلاء، سيرة المتشرعة
فلنتكلم عن السيرتين إجمالاً فنقول: قد يقال – كما ذهب إليه السيد العم دام ظله – انه لا يشترط فيهما الإمضاء كما لا يشترط في سيرة المتشرعة الاتصال([6])
وجوه الاستغناء عن اتصال السيرة وعن إمضائها
وذلك لوجوه:
الوجه الأول: ما ذكره الميرزا النائيني في (فوائد الأصول) حيث توقف عند منشأ السيرة وان منشأ السيرة أحد أمور ثلاثة: 1- اما قهر سلطان جائر استولى على كل أو معظم الأرض فقهر الناس على سيرة فتطبعوا بها وسارت في الأجيال، 2- واما قول أو عمل نبي اقتدى به الناس جميعاً 3- أو الفطرة قال والأولان بعيدان بل مستحيلان عادة – أي استحالة وقوعية([7]).
أقول: الثاني ليس بمحال بل ليس ببعيد لأن البشرية ابتدأت من آدم ومن الواضح إمكان ووقوع ان يؤثر القائد – فكيف بالنبي القائد – في من حولَهُ في سلسلة من الأفعال والمواقف والسلوكيات حتى وان كانوا مخالفين له في العقيدة فان الناس على دين ملوكهم والطبع سرّاق.
ثم ان المحتمل الآخر هو ان تكون بعض السِيَر العقلائية ابتدأت من نوح النبي صلوات الله عليه إذ فنيت البشرية ولم يبق إلا من حَمَلَه نوح معه في السفينة وما أيسر أن يأخذوا جميعاً منه سيرة وسلوكاً معيناً فان الملاحظ في القادة العاديين انهم يتركون بصماتهم على اتباعهم فكيف بنبي عظيم من أولي العزم وقائد منقذٍ لهم جميعاً من خطر هائل كالطوفان وكان عددهم قليلاً أيضاً ومنهم انتشرت البشرية وتوسعت، فكيف يستبعد ذلك؟ وللحديث صلة
تنبيه
كان من الجدير ان يعقد للسيرة بحث خاص في كتب الأصول كما عقد لخبر الثقة والظواهر والإجماع المنقول وشبهها، بل هي أولى لأنها تعدّ([8]) أمّ الحجج فانها إضافة إلى كونها – بشروطها – حجة فانها إحدى أهم الأدلة على عدد من الحجج إذ يستدل على حجية خبر الثقة بسيرة العقلاء أو سيرة المتشرعة وكذلك يستدل على حجية قول الفقيه وصحة تقليده وكذلك الظواهر وغيرها بها. إضافة إلى كثرة مباحثها وتنوعها التي تقتضي عقد بحث خاص لها.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
([1]) من دعوى الحاجة إلى المقدمة الأولى من مقدمات الحكمة، ودعوى انها لم تتم في صغرى المقام.
([2]) أي جميع الناس في جميع القضايا لجميع الفقهاء.
([3]) إذ المراد (ان يقلدوه في كل مسألة مسألة).
([4]) إذ الدين المعهود في الخارج هو الصلاة والصوم والزكاة و... أي هو آحاد مسائله ومفرداته ومصاديقه، وليس جنس الدين أو طبيعته.
([5]) بيان الفقه في شرح العروة الوثقى ج2 ص173 -174.
([6]) اما سيرة العقلاء فهي متصلة قهراً لو فرض انها سيرة العقلاء بالفعل.
([7]) انتهى مضمون كلامه بتصرف وإضافة بسيطة.
([8]) إلى جوار بعض الحجج الأخرى.
السبت 21 محرم الحرام 1436هـ
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |