||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  
إتصل بنا         


  




 قراءة في كتاب (توبوا الى الله)

 205- مباحث الاصول - (الوضع) (10)

 208- انسانية الرسالة النبوية وعالميتها والغاية العليا من الخلقة والبعثة

 74- إشكالات على إدخال نظر الفقيه في الأصول وجوابه

 223- الانوار المادية والمعنوية والغيبية للرسول الاعظم المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله)

 243- التحليل القرآني لروايات مقامات المعصومين (عليهم السلام)

 147- بحث فقهي: تلخيص وموجز الأدلة الدالة على حرمة مطلق اللهو وعمدة الإشكالات عليها

 أدعياء السفارة المهدوية في عصر الغيبة التامة (1)

 34- (کونوا مع الصادقين)3 العلاقة التكوينية بين التقوي وصحبة الصادقين.. الإمام الرضا عليه السلام مظهر الأسمي

 98- (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) مؤسسات المجتمع المدني في منظومة الفكر الإسلامي-11 دور المؤسسات الربحية في بناء المجتمع المدني



 التشيّع مصان ومحفوظ بقوّة غيبية والتشكيك والمعادي مصيرهما الخيبة والزوال

 رزايا العنف وغلق قنوات الحوار

 لنَعْتبِرْ قبل فوات الأوان



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 فقه الرشوة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 حجية مراسيل الثقات المعتمدة - الصدوق و الطوسي نموذجاً -

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية



  • الأقسام : 65

  • المواضيع : 2805

  • التصفحات : 3258216

  • التاريخ : 24/11/2017 - 13:20

 
 
  • القسم : دراسات وقراءات .

        • الموضوع : دراسة في كتاب "نسبية النصوص والمعرفة ... الممكن والممتنع" (4) .

دراسة في كتاب "نسبية النصوص والمعرفة ... الممكن والممتنع" (4)
4 شعبان 1433هـ

 
 
مداخلة في مفردة "النسبية" والإشكالات الفكرية في نظرياتها
 
موقع الامام الشيرازي
قراءة في مفردة النسبية وإطلاقاتها
تُطلق "النسبية" في العربية المعاصرة, على نوعين مختلفين من النظريات, يطلق على إحداهما في اللغة الإنجليزية relativity, "بصيغة الحال adverb", ليكون معناها الحرفي, "بالنسبية, أو بالطريقة النسبية", ويقصد بها النظرية النسبية في الفيزياء والطبيعة, للعالم الفيزيائي "البرت آينشتاين"، والتي اشتملت على النظرية النسبية الخاصة, والنظرية النسبية العامة, وهي متأتية من مبدأ النسبية Relativity principle.
كما وتطلق "النسبية" أيضاً, على نظريات في الفلسفة والعلوم الاجتماعية, تسمى في الإنجليزية relativism, "وهي بصيغة الإسم noun", لتكون بمعنى النسبية نفسها, وهي التي تدعى غالبا, بالفلسفة النسبية, وهي قائمة بدورها, على مجموعة من النظريات النسبية, المرتبطة بأسماء فلاسفتها ومفكريها, وحقولها التكوينية.
 
مقاربة في النظرية النسبية في الطبيعة
إن نظريات الفكر والفلسفة النسبية, هي نطاق الدراسة, والبحث في الكتاب موضع الاهتمام, "نسبية المعرفة والنصوص بين الممكن والممتنع", برغم أن المفاهيم المتضمنة في النظرية النسبية, من وجهة النظر الطبيعية أو الفيزياوية, هي جديرة أيضا بالإهتمام, لتعلّقها بعين ومحور الدراسة, كونها تلقي بظلالها, على مفاهيم ومضامين الفكر النسبي, وفلسفته في الجوانب الإجتماعية والإنسانية العامة, من خلال أساساتها ومبانيها وتداعياتها, والهواجس الكامنة فيها, والتي ينصرف لها, الكثير من معاهد ومراكز البحث العلمي التخصصي, التي باتت معاولها, تطرق دعائمها وأسس إفتراضاتها, وثوابتها النظرية, لجهة أن التداعي العلمي في الأولى, سيفضي بالتالي الى تصدع الأسس النظرية والفلسفية في الثانية, مما يتطلب من هذه الدراسة, تعريفا موجزا بها.
تعتمد النظرية "النسبية", الى مبدأ ثابت سرعة الضوء, وتفترض أنه قيمة ثابتة غير متغيرة, حتى مع زيادة سرعة مصدره, أو سرعة الجسم الذي يتلقاه, وقد تم احتسابه تجريبيا, كما هي مناهج البحث العلمي عامة, وتتشكل بضوئه المعادلة الرياضية لقياس سرعة الضوء, وعلاقتها بالزمن, وكتلة الجسم المتحرك, وهي تعتبر العلاقة الأساس في النظرية النسبية, وإن أساساتها الإفتراضية, تعتمد على مقولات النسبية في التزامن, بين وقائع الأنظمة الكونية المتزامنة, بالنسبة لنفس المراقب, وكذلك النسبية في القياس, للأنظمة الكونية المتشابهة, وثم النسبية في الزمن, الذي لا يكون مطلقا, ويعتريه الضمور, كلما اقتربت سرعة مصدره, من سرعة الضوء.
تفترض النظرية النسبية, أن الزمن يتباطأ نسبة الى زيادة سرعة مصدر الضوء, حتى يصل الى الصفر بتوقفه تماما, عندما يتحرك الجسم في الفضاء بسرعة تصل الى سرعة الضوء, حيث افترضت النظرية, ان هذه السرعة, هي الأكبر في الكون, وهي ثابتة لا تتغير, بتغير سرعة مصدرها, أو سرعة متلقيها, مما يستوجب زيادة كتلة الجسم, كلما ازدادت سرعته, استجابة لثبوت سرعة الضوء, فسكتت النظرية, عن تصور ما سيفضي له الجسم المتحرك, عند اقترابه من سرعة الضوء.
فضلاً عن ان هذه العلاقة في الطبيعة, تفترض إتساعا في الكون, يحدث مع التغيير المفترض بالزمن, وفقا للنظرية النسبية العامة, وهو ما جعل دعاة الإعجاز العلمي القراني, أن ينسبوا لهذه الفرضية, تأويل الآية الكريمة "والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون"[1].
 
آثار النظرية النسبية الطبيعية في الفكر الإنساني
لقد كان لإعلان النظرية النسبية, أثر عميق جدا, في تفكير الإنسان بشكل عام، فقد جاء على مرحلتين فكريتين ضخمتين, واحدة تقود إلى الأخرى، فكانت النسبية الخاصة عام 1905, ثم النسبية العامة عام 1915, التي عالجت تأثيرات الوزن, فأنتجتا رفض المفهوم المطلق, للمكان والزمان, حيث جرى توحيدهما, ليكوّنا فضاءا رباعي الأبعاد, ومتعدد الجوانب, باضافة البعد الزمني, الى الأبعاد الثلاثة المكانية, فأحدث ذلك تغيّرا خطيرا في الفلسفة، فضلا عن المتبنيات العلمية, في الفيزياء والطبيعة.
وهذه النظرية وان ظلّت لردح من الزمن, حكراً على المتخصصين, دون أن يفقه غيرهم, فحوى مضامينها ومبانيها, لكنها ألقت في النهاية ظلالها, على زوايا واسعة, في الإجتماع والفلسفة والسياسة, والفكر الإنساني المعاصر, فنقلت لها تداعياتها وهواجسها, وإفتراضاتها النظرية, التي تقرب الى الخيال العلمي, لجهة الحقيقة المسلّم بها, أن الجسم إذا تحرك بسرعة الضوء, سوف يتحول الى شكل من الطاقة, وبذلك تفتقد النظرية النسبية موضوعيتها, تجريبيا ومخبريا, وتحتبس في العلاقة الرياضية حصرا.
والحال إن العالم يشهد حراكا علميا, لجهة النيل من أساسات وثوابت النظرية النسبية, في الطبيعة والفيزياء, حيث أثبت مختبريا, أن ثابت سرعة الضوء, قد يكون زعماً لا أساس له, وقد تم التمكن من خزن الضوء, وتبطئة سرعته الى الصفر, وكذلك التوصل لوجود أجسام فضائية, قد يكون لها أن تتحرك بسرعة تفوق سرعة الضوء, فضلا عن إكتشاف جسيمات أصغر من الألكترون, وقد أطلق عليها "الأليكتريونو"[2].
إن من شأن هذه الطروحات العلمية, التخلي عن نظرية النسبية[3]، مما سيعمد الى دمج الصامد من مضامينها, الى النظريات العلمية البديلة، إستجابة لسلوكيات الثورة العلمية, وبالتالي فان هذا التأثير, سيلقي بظلاله حتما, على ثوابت ومتبنيات, النظريات النسبية الفلسفية, وإسقاطاتها في العلوم الإجتماعية والإنسانية, والجوانب الفكرية والسلوكية والأخلاقية.
 
مدخل لنظريات الفكر النسبي والفلسفة النسبية
إنّ فحوى ومجمل النظريات النسبية, التي شغلت الفكر الإنساني, في مجالات السياسة والإجتماع والفلسفة, وبما يلامس الفكر الديني, ومتبنياته العقدية والإيمانية, تتحرك في فكرة أن كلّ الحقائق "نسبية", سواء الكونية منها أو الذهنية, وهذا يعني أنه لا توجد هناك حقيقة أكثر مصداقية من الأخرى, وبالتالي لا يوجد مقياس موضوعي للحقيقة، وكنتيجة طبيعة لهذه المقدمات, تنكر هذه النظريات, وجود حقيقة مطلقة, سواء في الكون والوجود العيني المادي, أو في المعارف والعلوم, في الوجود الذهني, أو في الروابط بين هذين الوجودين, من خلال أدواتها الكاشفة, أو في جسور اللغة والتواصل بينها.
وتعتقد مدركات الفلسفة النسبية, أنه عند التخلّي عن أية سلطة فوق الطبيعة, فإن الإنسان سيواجه قوانينا أنشاءها بنفسه، وعليه يظهر هذا النمط من التفكير, أن القوانين في الطبيعة والمجتمع, قد أنشئت بطرق مختلفة, بأناس مختلفين, في أزمان متفاوتة، وفي حالات معينة، وليس هناك حقيقة واحدة, وإنما هناك فقط حقائق مختلفة, لمجتمعات متباينة.
وكذلك تنكر الفلسفة النسبية, أن التفكير العقلي, يمكن أن يكتشف الحقيقة ويؤكدها, وإن كانت النسبية المعرفية, لا تنكر وجود اختلافات في الثقافات المتنوعة, بل تؤكد ذلك، إلّا إنه في المقابل, لا يوجد هناك نظام "إبستميولوجي", أو منهج معرفي علمي, أكفأ من سواه, وبالطبع فان هذا يؤدي إلى إدحاض ذاتي, وتناقض منطقي, في قلب الفلسفة النسبية نفسها.
إن هذه الفكرة في "النسبية المعرفية", ينتج عنها أن الحقائق الأخلاقية, تتفاوت تبعاً للفرد والزمان والظروف, بما يطلق عليها "بالنسبية الأخلاقية", التي ترى أن كل الأخلاقيات نسبية داخل المجموعة الاجتماعية التي يتكون فيها.   
ثم تصنّف في النظريات الفلسفة أيضاً, "النسبية الوضعية", وهي ترى أن كل أخلاقيات الصواب والخطأ, تعتمد على الوضع الذي تعيشه, إذ ليس هنالك معيار ثابت, يميز به بين الحق والباطل, وبين الخير والشر، بل إن هذه الأحكام هي نسبية أيضا, دون أن تبيّن النظرية, مرجعية هذه النسبية, لبيان لمن تكون أو لما تكون هذه النسبة, سواء كانت للفرد أو للأفراد أو أنها تنسب الى ثقافة كل مجتمع.
فما يراه متبنوا كل ثقافة حقاً أو صوابا أو خيرا, فهو حق  بالنسبة لثقافتهم هذه, لأنه ليس هنالك معيار جمعي للقيمة, متفق عليه بين أبناء الإنسانية, ويشمل ذلك الأوضاع في المنظومة الأخلاقية والسلوكية, الفردية والمجتمعية, وأشكال الأنظمة الدينية والعقدية, وسائر الرؤى والمتبنيات الفكرية "الأيديولوجية", للتوجهات والحركات السياسية والمجتمعية, فضلا عن مسارات الآداب والفنون, ووسائل الإبداع عموما.
 
الجذور التاريخية للنسبية وإسقاطاتها المعاصرة  
تمتد جذور الفكر النسبي, الى الفلسفة اليونانية القديمة, عندما عبر عنها افلاطون بأن "الأشياء تظهر لي، كما توجد بالنسبة لي، وتظهر الأشياء للآخرين، كما توجد بالنسبة لهم", فالنسبية تقرر أنه لا يوجد هناك حقيقة موضوعية، فما أراه هو الحقيقة بالنسبة لي، وما تراه هو الحقيقة بالنسبة لك، فلا يوجد خطأ, ففي النسبية ليس هناك منهج وطريق, هو المنهج الصحيح الوحيد, لذا لا يتوجب أن يتفوق منهج ما أو طريقة معينة.             
ويتمخض عن مدركات النسبية, رفض الإدراك المطلق, لأن مقياس السلوك هي الذات البشرية، فما هو الحق والعدل في عين شخص, ربما لا يكون حقاً وعدلاً في عين شخص آخر, ولا أحد يستطيع أن يزعم أنه هو على الحق والصواب أو الحقيقة المطلقة, والاختلاف في الحقائق, يعود إلى اختلاف الرؤية والوضع الملائم للشخص.
  
الجذور الفلسفية للنظرية النسبية
فتح كتاب "أبحاث منطقية", للألماني إدموند هوسرل (1938-1859), اتجاها جديدا في الفلسفة, أطلق عليه اسم "الفينومينولوجيا", وقد مارس هذا الاتجاه الجديد تأثيرا حاسما على الساحة الفلسفية, من خلال العديد من الفلاسفة, الذين يعتبرون أنفسهم منتمين إلى هذا الاتجاه، فإن كثيرا من القضايا والنقاشات والاتجاهات الفلسفية، هي نتاج لها, بشكل مباشر أو غير مباشر، وإن تأثير "الفينومينولوجيا", لم يبق منحصرا في مجال الفلسفة، بل امتد إلى حقول معرفية عديدة.
تعني "الفينومينولوجيا", في أصلها اللغوي "علم الظواهر", وتترجم الى العربية "بالظاهراتية" أو "الظواهرية", ويقصد بها العلم الذي يكتفي بدراسة الظواهر المتبدية في الشعور, دراسة وصفية, مع تحليل الشعور, وكشف حقيقة الأفعال والإدراك ومكوناته, وهذا المصطلح الفلسفي حديث نسبياً, فقد استخدمه الفيلسوف "كانت" من قبل, حين فرق بين ظاهر الشيء وباطنه، ثم استخدمه بعد ذلك "هيجل", وأطلقه على علم فلسفي خاص به, هو "علم ظواهر الروح", وكان فيه مثالياً إلى أقصى الدرجات.
امتد تأثير "الفينومينولوجيا", إلى كثير من الفلسفات الأخــرى المعاصرة، وتأثرت بها مناهج بعض العلوم الإنسانية, وكانت انعكاسا للتطور الرياضي والعلمي, الذي طرأ على الفكر الغربي الحديث, فمنهج الرياضة التحليلي, الذي أحرز تقدماً معرفياً, جعل الفلاسفة والعلمـاء على السواء, يدركون قيمته, ويتأثرون به ويتبعون خطاه .          
كمـــا أن المنهج التجريبي الوصفي، وما ترتب على استخدامه, من كشوف علميه متعددة, جعل الفلاسفة بالذات يقتبسون منه, ما يصلـح لتطوير مذاهبهم, بما يساير التقدم العلمي, حيث أصبحت الفلسفة, مواكبة لكل هذه الأحداث وتلك التطورات, فكانت "النسبية" في مقدم نتاجاتها.
 
النسبية بين بحوث "الهيرومينوطيقا" وعلم "الفينومينولوجيا"
تشير الهيرومينوطيقا Hermeneutics, الى الفرع من علم الفلسفة, الذي يدرس مبادئ التأويل والادراك, والمفردة ذاتها تحمل اسم نظرية معروفة في علم المنهجيات "الميثودولوجيا", ينصرف الى أسلوب "تأويل" النصوص المقدسة وتفسيرها, وخاصة في الكتاب المقدس, بعهديه القديم والجديد[4], بما يتصل بالتأويلات اليهودية للتوراة, وبالتفسيرات المسيحية, للغوامض من الإنجيل والأسفار المعاصرة له, وتقوم بتأويل الخطاب, عبر تحليل قواعد وإجراءات كافة الصيغ اللغوية, المولدة لمعاني النصوص, وهو علم معني بتحليل وتأويل أشكال الكتابة في الآداب، وفي العلوم التطبيقية أو الإنسانية.
وهي لغة عن اليونانية القديمة بمعنى التعبير, وتكتب في أبجديتها ερμηνεια  ‘ermeniea’ ويعبر عنها في الإنجليزية Interpretation , Explanation, وهي النطق والكلام والترجمة, أو التأويل بمعنى التفسير أو الإيضاح أو الترجمة, بمعنى النقل والتعويض والألفاظ, وان التأويل والترجمة، كما يشير الجذر اللغوي في اليونانية القديمة, تنصرف الى معان في الهيرومينيطيقا, لهما نفس الدلالة، لأن ترجمة النص واستبدال ألفاظه ومنطوقاته, هو بالضرورة تأويل لمحتوياته, وإيضاح لمضامينه, وتشمل معاني التفسير والتأويل, والتعبير والترجمة, أو الشرح والتوضيح, حيث كان يشار الى المفسّر, بالقائم بالتأويل, وقد تحمل المفردة, في التداول المعاصر, معنى التفسير المنسجم, مع هوى ورغبة, أو غاية القائم به.       
وتهتم الهيرومينوطيقا, بفهم ما يقوله البشر وما يفكرون به، وعلاقة ذلك بأفعالهم, وهي عبارة عن نظرية في التأويل، بمعنى أنها تأمّل فلسفي وتفكير فينومينولوجي, حول نشاط عملي يتخذ طابع التفسير أو التأويل.
والتأويل أيضا, في متبنياتها, هو إيضاح مقاطع غامضة, وغير مستوعبة من النصوص، لأن المعنى الجليّ والواضح, لا يحتاج إلى تفسير أو تأويل، وقد يحتاج إلى تأويل ليكون معقولاً, فتدور أساساً حول إيضاح وتفسير الأشياء, لتصبح مفهومه ومعقولة, وهدف نظرية التأويل, هو تعميم مشكل الهيرمينوطيقا, على جملة الممارسات الفردية والاجتماعية, والتصورات والأفعال والمقاصد، بمعنى انها تهدف إلى فهم صحيح, للتجربة الإنسانية برمّتها.
وقد يكون التأويل بعدة أشكال, وهي الرمزي, أو النقدي الذي طرح الهيرومينوطيقا العامة, أو الرومانسي, أو التأريخي, والتأويل الرمزي, يهدف الى تهذيب الخطاب من شوائبه, وذلك في إيضاح الرموز, المرتبطة بالذائقة والدلالة الزمانية والمكانية, حتى تطورت الرمزية, الى النقدية الفلسفية, فمثلا كان في العهد القديم, يشار الى مفردة "الشجرة", بما يتجاوز الإطار الحسي لها, الى مدلول أبعد غوراً, بما يهدف الى بلوغ المدلول الخفي وغير المرئي, وهكذا سواها من المفردات النصية, التي تعبّر عن ضرورة, في فهم الخطاب المقدس, حيث الرمزية فيه, حاجة مهمة للتفسير, وقد يتماهى ذلك مع مفهوم "العرف" وحجّيته, في التحقيق الفقهي الإسلامي.
 
مفردة التأويل في متبنيات التراث الإسلامي
وعليه فإن الهيرومينيطيقا, تتبع المدرسة التأويلية, التي نشأت على أنقاض فكر الفلاسفة الجدد, والمدارس البنيوية والوجودية, وقد يرادفها في التراث الإسلامي, ما يطلق عليه بعلم التفسير, مما قد يكون من المفيد في هذه الدراسة, تبيان جانب من الموارد, التي استخدمها النص القرآني الشريف, لمفردة التأويل, لغرض استيعاب أغراضها, دون أن تزعم الدراسة, الاجتهاد في التفسير فيها.
إن علم التفسير عادة, ينتهج طريقين أو منهجين في دالّته البحثية, الأول يسلك فيه اسلوب الرواية وطرائق إسنادها, تصحيحا وتضعيفا, بما يتماهى وعلم الرواية في علوم الحديث, فهو منهج نقلي صرف, والثاني يسلك فيه المنهج العقلي, من خلال الاستنباط أو الاستقراء, والحجية العرفية, والمعنى اللغوي الظاهري للنص, وبالتالي لا حدود صارمة, بين الشكلين من منهجيات البحث, في هذا الحقل العلمي.
لقد وردت مفردة التأويل, في النص القرآني الشريف, تماهياً مع مجمل المعاني, التي شملتها هذه المدرسة الفلسفية المعاصرة, خاصة في سورة يوسف, حيث عني بالتأويل هو ما ينتهي إليه الرؤيا من الأمر الذي تتعقبه، وهو الحقيقة التي تتمثل لصاحب الرؤيا في رؤياه, بصورة من الصور المناسبة لمداركه ومشاعره[5]، إذ وردت بمعنى التفسير والتوضيح, من تعبير الرؤيا، وبيان ما تئول إليه الأحاديث الصادقة، كالكتب السماوية ونحوها، كما في الأية الشريفة: "وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ْوَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ْ"[6], وكذا بمعنى تأويل أحاديث الكتب المنزلة, وتأويل الرؤيا, وغير ذلك من العلم, كما في الآية الشريفة: "رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ"[7], ثم بمعنى التفسير والتعبير, كما في الآية الشريفة: "قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ"[8].
أو بمعنى التنبوء والتبيان والتوقع, أو معرفة الشئ, كما في الآية الشريفة: "قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي"[9], فمن ظاهر الصيغة, أن الضمير في "تأويله" يعود الى ما يراه المدلول عليه في السياق, وهي مفردة "الطعام", أي بتأويل ذاكما الطعام وحقيقته, وما يؤول إليه أمره, وتأويل الرؤيا بمعنى التعبير, كما وقد ورد في مختصر تفسير الطبري, في حاشيته على المصحف الشريف[10], في تفسيره للآية الشريفة: "نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ", بمعنى أخبرنا بتأويل رؤيانا, وفي بعض مصادر التفسير المعتبرة[11].
 
معنى التأويل في مصادر التفسير المعتبرة
لقد أورد العلامة الطباطبائي, في تفسيره, أن  التأويل من الأول وهو الرجوع, فتأويل المتشابه هو المرجع الذي يرجع إليه، وتأويل القرآن هو المأخذ الذي يأخذ منه معارفه, وقد ذكر الله سبحانه, لفظ "التأويل", في موارد من كلامه فقال سبحانه: "هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله"[12], أي بالحق فيما أخبروا به وأنبؤوا, ومن هنا ما قيل, إن التأويل في الآية, هو الخارج الذي يطابقه الخبر الصادق, كالأمور المشهودة يوم القيامة, التي هي مطابقات اسم مفعول أخبار الأنبياء والرسل والكتب.
ويرده أن التأويل على هذا, يختص بالآيات المخبرة عن الصفات وبعض الأفعال, وعن ما سيقع يوم القيامة، وأما الآيات المتضمنة لتشريع الأحكام, فإنها لاشتمالها على الإنشاء, لا مطابق لها في الخارج عنها، وكذا ما دل منها على ما يحكم به صريح العقل, كعدة من أحكام الأخلاق فإن تأويلها معها، وكذا ما دل على قصص الأنبياء والأمم الماضية, فإن "تأويلها" على هذا المعنى, يتقدمها من غير أن يتأخر إلى يوم القيامة, مع أن ظاهر الآية, يضيف التأويل إلى الكتاب كله, لا إلى قسم خاص من آياته.
ولذلك ذكر بعضهم أن التأويل هو الأمر العيني الخارجي, الذي يعتمد عليه الكلام، وهو في مورد الأخبار المخبر به الواقع في الخارج، إما سابقا كقصص الأنبياء والأمم الماضية، وإما لاحقا كما في الآيات المخبرة, عن صفات الله وأسمائه ومواعيده, وكل ما سيظهر يوم القيامة، وفي مورد الإنشاء, كآيات الأحكام والمصالح, المتحققة في الخارج, كما في قوله تعالى: "وأوفوا الكيل إذا كلتم و زنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير و أحسن تأويلا"[13], فإن تأويل إيفاء الكيل وإقامة الوزن, هو المصلحة المترتبة عليهما في المجتمع وهو استقامة أمر الاجتماع الإنساني.
وفيه أولا, أن ظاهر هذه الآية, أن التأويل أمر خارجي وأثر عيني مترتب على فعلهم الخارجي, الذي هو إيفاء الكيل وإقامة الوزن, لا الأمر التشريعي الذي يتضمنه قوله، فالتأويل أمر خارجي هو مرجع ومآل لأمر خارجي آخر, فتوصيف آيات الكتاب, بكونها ذات تأويل من جهة حكايتها عن معان خارجية, كما في الإخبار, أو تعلقها بأفعال أو أمور خارجية, كما في الإنشاء, لها تأويل، فالوصف وصف بحال متعلق الشيء, لا بحال نفس الشيء.
وثانيا أن التأويل وإن كان هو المرجع, الذي يرجع ويؤول إليه الشيء, لكنه رجوع خاص لا كل رجوع، فإن المرؤوس يرجع إلى رئيسه, وليس بتأويل له، والعدد يرجع إلى الواحد, وليس بتأويل له، فلا محالة هو مرجع بنحو خاص لا مطلقا, يدل على ذلك قوله تعالى "سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا"[14]، فالذي أريد من التأويل في هذه الآيات كما ترى, هو رجوع الشيء إلى صورته وعنوانه, نظير رجوع الضرب إلى التأديب ورجوع الفصد إلى العلاج، لا نظير رجوع قولنا, جاء زيد إلى مجيء زيد في الخارج.
 
النسبية في مخرجات الفلسفة "الهيرومينوطيقية"
ومع التوجه الأوروبي العلماني في العصر الحديث, كثرت وتنوعت المدارس الهرمينوطيقية, فطُرحت فكرة العقل الإبداعي, مدعومة بالنسبية الإدراكية, التي يدعمها الطب الحديث, ثم احتدّت نبرة المدرسة النقدية, فدعت إلى الطرح الفلسفي, المتسم بالشك المطلق, في تأويل أي نص ديني, وبذا اتخذت نظرية التأويل, منحى أخر, لا يشترك مع أصل الفهم اللغوي للمفردة, فأصبح ذراعا للفلسفة الهيرومينوطيقية التأويلية, ثم كان الحديث عن توجيه الهرمينوطيقيا توجيهاً إجتماعياً, بحيث يتم دراسة النصوص الدينية في سياقها الاجتماعي, بأدوات ممنهجة, وبأصول وآليات البحث الإجتماعي والإنساني.                  
أما الفينومينولوجيا في إطارها الفلسفي والأنطولوجي "الكينوني الوجودي", فتعني تحديد بنية الظواهر وشروطها العامة, نحو الانبثاق لأية ظاهرة, بما يتصل بوعي الإنسان, ويمكن تصوير هذه المسألة, بأول وميض يثير انتباه البصر إليه, وبذلك جرى ربط البحث الهيرمينوطيقي بعلم الفينومينولوجيا, حيث تعد النظريات الفلسفية في "النسبية", من نتاجاته المعرفية, وقد أثبت ذلك الكتاب موضوع الدراسة, الموسوم "نسبية المعرفة والنصوص بين الممكن والممتنع", إذ بين أن الهيرومينوطيقا, تعد من الأدوات المنهجية, التي تشكّل نهايات بحثية, الى "النسبية", كون أن "فلسفتها, تؤدي الى النسبية, بشكل خاص".      
 
==============================
 
[4]  العهد القديم, هو الجزء الأول في " الكتاب المقدس", وهي نصوص الأسفار العبرانية الآرامية, بدءا من سفر "التكوين" الى سفر "ملاخي", ضمن الحقبة التي سبقت بعثة السيد المسيح ( عليه السلام), إبتداءا من بداية الخليقة, وهو كتاب التوراة لدى اليهود, حيث كانت الأرامية, وهي اللغة العراقية القديمة, هي السائدة في العالم, أما العهد الجديد, فهو الأسفار اليونانية المسيحية, في الحقبة اللاحقة, حيث كانت اليونانية القديمة, هي لغة الثقافة, في بلاد الروم, التي تتبع  الدولة الرومانية, وبضمنه الإنجيلات الأربعة "متي ومرقص ولوقا ويوحنا".  

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 4 شعبان 1433هـ  ||  القرّاء : 2341



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net